الحمد لله وحده، أما بعد، فيقول الشيخ مولود، أصلح الله سره:
"وقد تأتي بمقالات للسابقين، تقول فيها إن المعاني مشتركة، فنقول إن الاشتراك في المعاني بين الخالق والمخلوق – حتى لو قيل به – فإنه يقال في المعاني التي تقوم به سبحانه وتعالى على وجه الوجوب والحقيقة، وتقوم بغيره على وجه الإمكان والعطاء الإلهي فقط، فهي في المعاني كالعلم، فهذا لا إشكال فيه، فالتشبيه والتجسيم إنما يكون في الذي تقدم ذكره" اهـ. قلت: هنا يظهر تفريق المتكلمين بين أنواع المعاني من حيث ما يجيزون فيه الاشتراك وما لا يجيزون، بتحكم يحسبون أنهم فيه جارون على نظريتهم في الوجود والموجود (نظرية الجوهر والعرض اليونانية) التي عليها نصبوا مفهوم ما يقال له "جسم" وما يقال له "عرض" وهذه الأشياء عندهم، ولكنهم في حقيقة الأمر متناقضون، إذ التزموا تلك المفاهيم فيما نفوا، وخرجوا عليها فيما أثبتوا! وهذا ما انتقدهم به المعتزلة، ولأجله ألزمهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بالتخصيص بلا مخصص والتفريق بين المتساويات، كما ألزمتهم به المعتزلة ولنفس السبب! وما لأجله قرر الشيخ رحمه الله قاعدته المشهورة في أن القول في بعض الصفات كالقول في بعض، لأن الوضع اللغوي مداره على الاشتراك المعنوي، والاستعمال اللغوي تابع للوضع، لا للحد الميتافيزيقي اليوناني! فمن التزم بالحد الميتافيزيقي "للعرض" في بعض المعاني القائمة بالذات الموجودة في الأعيان، لزمه طرده في جميعها، لأن العرض إن كان هو القائم بالذات الموجودة في الأعيان، فهذا يشمل، بإطلاق الحد كما ترى، كل معنى يمكن أن يقوم بموجود ما في الأعيان! أي كل حقيقة يوصف بها موجود ما في الأعيان بما يوجب له الدخول في المعنى الكلي لأيما صفة يوصف بها أيا ما كانت! ومن ذلك معنى الوجود نفسه! فالحد الميتافيزيقي للعرض، وعلى جميع تعاريفه التي سبق أن ناقشناها فيما مر معك، مطلق مستغرق لكل ما يصح أن يكون حقيقة وجودية قائمة بموجود في الأعيان، قيام الصفة بموصوفها! فمعنى الوجود في الأعيان، لا يثبت لشيء معين في الخارج، إلا وجبت له حقائق وجودية تقوم به، بحيث يمتاز بها عن غيره من الموجودات في الخارج أيضا، وإلا كان إثبات معنى الوجود لذلك المعين كنفيه، سواء بسواء! فمن ضرورة تلك الحقيقة الامتداد في الجهات! وهو ذلك المعنى الذي قصرته النظرية في إطلاقها الميتافيزيقي، ظلما وعدوانا على الوضع والاستعمال اللغوي معا، في الأجسام المخلوقة المركبة من جواهر وأعراض، فقالوا إن الامتداد عرض يقوم بالموجود المعين، فبدونه لا يوصف بأن له امتدادا ما أو جهة مكانية معينة بالنسبة إلى غيره من الموجودات! فهل يعقل أصلا أن يوجد في الأعيان شيء وجودا حقيقيا، من غير أن يصح فيه معنى النسبة المكانية إلى غيره من الموجودات العينية، بحيث يقال إنه خارجه أو داخله أو محايث له مكانيا؟ الجواب لا! أبدا! هذا محال! لأن وجود موجود ما داخل موجود آخر، ووجوده خارجه، ضدان إن ارتفعا معا، لم يبق إلا أن يكون وجوده محايثا لموجود آخر، فإن ارتفع ذلك القسم الثالث كذلك، لم يجز في العقل إثبات وجوده في الأعيان أصلا! يقال هو موجود لا هنا ولا هناك، لا قريب ولا بعيد، لا فوق ولا تحت ولا في أي جهة، فلم يبق إلا أن يكون موجودا في الذهن والوهم لا في الأعيان! وهذه ضرورة وبداهة لا تحتاج إلى إثبات! فإذا تصورتها وفهمتها حق الفهم، اتضح لك أن النظرية تمنع من أن يوجد في الأعيان، أصلا، إلا ما يقوم به العرض المزعوم هذا قياما ضروريا، من أجل أن تصح له النسبة المكانية لغيره من الموجودات أصلا! فلا يكون قيام ذلك المعنى الكلي بالموجود المتعين إلا "عرضا" قائما به على سبيل التركب العيني لموجودين عينيين يقبلان – مبدئيا – الانفكاك من بعضهما البعض (الجوهر، أيا ما كان ذلك، والعرض)! أي أن ما يسمى في النظرية "بالجسم" إنما هو في الحقيقة، وعلى إطلاقها اليوناني، كل ما يوجد في الأعيان خارج الذهن! لأنه لا يعقل أصلا لموجود أن يوصف بأن وجوده "خارج الذهن" على الحقيقة، دون أن يكون في جهة ما (ومعنى الخروج عن الذهن جهة أصلا، بالنسبة إلى النفس التي يقوم بها هذا الذهن)! فقيام هذه الحقيقة الوجودية، على ما تتفاوت فيه الموجودات بالضرورة من صفة تلك الحقيقة وصورتها، هو من ضرورة معنى الوجود والتعين "خارج الذهن"! لسنا نتكلم عن معنى مجرد وإنما عن شيء قائم بنفسه خارج عن أذهاننا، وانتبه! فضرورة اتصافه بالامتداد في الجهات هي من ضرورة اتصافه بصفات لا يكون بها هو عين غيره من الموجودات، بل يفترق عنها بموجب قيامه بنفسه استقلالا في الأعيان! ولكن لأن الفلاسفة أبوا إلا أن تصبح نظرياتهم تفسيرا لوجود كل موجود بإطلاق، ولقيام الصفات (هكذا) به في الأعيان، متى وجد وأينما وجد، وكيفما كانت حقيقته، أبوا إلا أن يجعلوا معنى الامتداد في الجهات ومعاني النسبة المكانية كلها مفسرة في النظرية بأنها شيء وجودي يقال له العرض، يقوم بشيء وجودي يقال له "الجسم"، قيام الشيء الوجودي المتعين القابل للانفكاك، بشيء آخر يقبل الانفكاك! فلا يوجد شيء في الخارج تصح فيه المعاني، أي شيء بإطلاق، إلا وجب أن تكون هذه حقيقة ذلك فيه وكيفيته!
وهذه مغالطة وعدوان على العقل واللغة معا، لم يعرف التاريخ مثلها عند التدبر! فأما عدوانها على العقل فلأنها تخترع تفسيرا ماديا معينا بقياس اعتباطي (التركب من كذا وكذا) لحقيقة عقلية ذهنية ضرورية لا يتصور خلو موجود من الموجودات العينية عنها أصلا! فيقال الشيء الفلاني موصوف بأنه موجود في زمان ما وفي جهة ما بالنسبة إلى غيره (أ)، بسبب أنه يتركب من كذا وكذا (ب)! فهذه مغالطة وسفسطة بمجرد تأملها، لأن القضية (أ) ثبوتها ضروري بمقتضى إثبات الوجود في الأعيان لأيما موجود، فليست راجعة "سببيا" إلى حقيقة أو كيفية فيزيقية معينة يكون عليها الموجود في الأعيان، سواء كانت (ب) أو غيرها! (ب) هذه أيا ما كانت، قد يصح أن تكون حقيقة أو كيفية لموجودات معينة، أو لأنواع من الموجودات المحسوسة المعتادة لنا، وأن تكون تفسيرنا لخصال وهيئات معينة لتلك الموجودات، نعم، أما أن تكون تفسيرا لمبدأ اتصاف الموجودات، أي موجودات، بمعنى من المعاني الكلية التي لا يتصور ولا يجوز في موجود في الأعيان أن ينفك عنها أصلا، فهذه سفسطة باردة، أغرق فيها اليونانيون إغراقا لم يسبقهم إليه أحد! وهي تلك السفسطة التي أوجبت أن تصبح تلك المعاني الكلية نفسها حقائق عينية قائمة خارج الأذهان، فيقال: الذي خلق المكان لا ينسب إليه المكان، والذي خلق الزمان لا ينسب إليه الزمان، وهكذا! مع أن المكان هذا إنما هو نسبة ذهنية كلية بين موجودين في الأعيان، تثبت لهما على حقيقة معينة ونحو معين، بضرورة وجودهما جميعا خارج الذهن! لا أنها خصيصة "فيزيقية" من خصائص نوع معين من الموجودات، بحيث يكون تفسير قيامها بتلك الموجودات خاصة هو كونها مركبة من كذا وكذا مما يقولونه بالقياس على ما في العادة!! وكذلك الزمان! نعم قد يقال إن الزمان مخلوق، إن كان المراد بذلك تعاقب الليل على النهار كما هو في عادتنا، فإن هذه حركة أجرام مخلوقة تعرفنا بالزمان، فإن أطلق استعمال تلك اللفظة وأريد تلك الحركة والأجرام المنسوبة إليها إجمالا، فيصح إذن، وإذن فقط، أن يوصف الرب بأنه خالق الزمان! أما أن ينزع عنه هو نفسه سبحانه معاني الزمانية على أساس أنها أمر مخلوق، فهذه مغالطة يونانية فجة، سببها عندهم ما ذكرنا! أنهم تطلبوا "تفسيرا فيزيقيا" بقياس التمثيل، لقيام المعاني الكلية للنسبة المكانية بأيما موجود يوصف بها بإطلاق! وقد بينت في غير موضع بحول الله وتوفيقه أن هذا يقتضي انتفاء مخلوقية العالم أصلا، بالكلية، وانتفاء نسبة خلقه لله تعالى! إذ خلق الشيء بعد عدمه، أو تكوينه بعد أن لم يكن، هذه نسبة زمانية بالضرورة! كان معدوما في زمان ماض، ثم بدأ فعل الخلق بعد ذلك، وتلبس به الرب بعد أن لم يكن متلبسا به، فلما تم، أصبح موصوفا بأنه قد خلق العالم في الماضي وأتم خلقه! فإن نفيت عنه النسبة الزمانية، لزم أن يستوي قولك: الله لم يخلق العالم بعد، بقولك الله قد خلق العالم في الماضي، في كونهما جميعا لا معنى لهما في حقه جل شأنه! وإذن لزم قدم العالم، أو حدوث ذاته مع حدوث العالم، وكلاهما كفر محض! فإذا نفيت أيها المتكلم، النسبة الزمانية لرب العالمين بإطلاق، لزمك نفي "حدوث" (1) تلبسه سبحانه بالفعل (فعل الخلق) بعد عدمه، ومن ثم لزمك تعطيله عن خلق هذا العالم، ذلك الخلق الذي كان هو طريقكم لإثبات وجوده أصلا، فتأمل!
فهذا عدوان تلك الطريقة اليونانية في التنظير بشأن الوجود والموجود على العقل. وأما عدوانها على اللغة، ففي كونها تسوي بين الصفة وصفة الصفة، أو حقيقة الصفة فيما يوصف بها، فتوجب نسخ الوضع اللغوي الأصلي، لصالح معنى تكييفي معين فرضته النظرية تحكما على كل إطلاق لهذا المعنى الكلي على موجود ما في الأعيان، مع أنه لم يقل أهل اللسان بملازمة ذلك المعنى التكييفي المعين للمعنى الكلي المشترك ولا تصوروها أبدا! فلم يكن من شرط استعمال كلمة "مكان" أو "جهة" عند أهل اللسان العربي، في أصل الوضع اللغوي، ولا عند غيرهم من أهل اللغات البشرية كافة، أن يكون المقصود بها ما حقيقته أنه مركب من كذا وكذا، كما زعمته النظرية! بل يجوز عندهم ويتصور أن يوصف بهذا المعنى شيء في الخارج ولا يكون مركبا هذا التركيب أو غيره مما يدعيه الفلاسفة! ولكن لأنهم استحوذوا على الحقيقة الكلية المشتركة للمعنى وأوجبوا لها كيفية معينة لا تثبت لموجود ما في الأعيان إلا وهي عليها، أو إلا وكان سبب ذلك الثبوت وتفسيره هو تحققها بتلك الكيفية المعينة، أفسدوا بذلك على الناس أصل الوضع اللغوي لتلك الألفاظ، ومنعوا من إطلاقها على أيما موجود لا يوصف بهذه الحقيقة أو الكيفية التي فرضوها، مع أن هذا راجع إلى قياس تمثيل هم من جاؤوا به من أكياسهم وأطلقوه على شرط الوجود تحكما، لا أن أهل اللسان قصدوا إلى تلك الكيفية في كل مرة استعملوا هذا المعنى! وهذا واضح، ولو أنكره المتكلمون لنادوا على أنفسهم بالمكابرة وجحد الواضحات الجليات! فالعربي الأصيل، صاحب لسان التنزيل، لم يكن بحيث إذا قيل له في شيء إنه في جهة العلو بالنسبة إليه، مثلا، ذهب ذهنه بالضرورة إلى تصور "جسم مركب من جواهر وأعراض" كما أوجبته النظرية! بل إننا نجزم بأن قضية افتراض رجوع جميع الموجودات المحسوسة في عادته (بالاختزال القياسي التحليلي Reduction) إلى أصلين أي نوعين من الموجودات المتعينة المخلوقة، يتركب بعضهما في بعض، وتفسر بهما بعض صفاتها، هذه لم ترد على أذهان العرب أصلا ولا عرفوها! والقصد أن التلازم بين كيفية مخصوصة، مأخوذة من الحس والعادة، وبين المعنى الكلي، لا علاقة لها بالوضع اللغوي ولا باستعمال أهل اللسان أصلا، وإنما هي قيد ميتافيزيقي فلسفي فرضته النظرية وحدودها على الاستعمال بمقتضى كونها تطلق القياس على شرط الوجود!
ولهذا اتهمت المعتزلة الأشاعرة والماتريدية بالتناقض والسخف في إثباتهم ما أثبتوا لله تعالى، لأن حدود نظرية الجوهر والعرض وتصورها الميتافيزيقي والأنطولوجي يوجب ألا يوجد في الأعيان موجود يوصف بقيام أي حقيقة عينية بذاته أيا ما كانت تلك الحقيقة، إلا أن يكون جسما مخلوقا مركبا من هذين العنصرين الوجوديين، ويكون أحدهما (العرض) هو تفسير افتراقه عن غيره من الموجودات في تلك الحقيقة العينية! فالعلم الذي يدعي الأشاعرة أنهم يثبتونه لله تعالى، مثلا، لابد له – بضرورة العقل - من حقيقة عينية تقوم بذات الموجود المعين الموصوف به، وإلا ما امتاز عن الموجود الموصوف بالجهل في شيء أصلا! لابد من أن يقال إنه يقوم بنفسه علم معين بحيث يكون به عليما، مستحقا لصفة العلم، وإلا ما جاز أن يوصف بهذا المعنى أصلا، وما كان من فرق بينه وبين من يعدم العلم ويوصف بالجهل! ولكن كما تقدم فالنظرية توجب ألا يكون قيام حقيقة متعينة في الخارج، أي حقيقة، بموجود في الأعيان، إلا قياما للعرض بالجسم! فالواجب على كل من فهم هذه النظرية حق الفهم وأراد أن يؤسس عليها اعتقاده، أن ينفي عن الرب جميع المعاني والصفات بإطلاق، لأنه لا يثبت له شيء منها في الأعيان إلا وجب أن تكون أعراضا قائمة بجسم!
فإن قالت الأشاعرة العلم في الإنسان يكون إشارات كهربية تكون مخزونة في تضاعيف خلايا المخ أو نحو ذلك من أوهام الفلاسفة في كيفيات هذا الأمر القائمة بالمخلوقين، ألزمهم المعتزلة بتعطيل صفة العلم عن الله تعالى، لأنه لا يكون إلا عرضا قائما بالمخلوق على هذه الصفة التي وصفوا أو على غيرها! وإذن فلماذا أثبتوا العلم على أنه أمر "معنوي"، ولم ينفوه على أنه أمر ذاتي أو "حسي" كما تذرعوا به لنفي ما نفوه من المعاني موافقة للمعتزلة؟ هذا تناقض وتفريق بين قضايا توجب النظرية التي أسسوا عليها برهان الحدوث عندهم، التسوية بينها! ومهما دفع المتكلم بأن معنى العرض في النظرية لا يوجب أن تكون حقيقة صفة العلم إذا قامت بموجود ما، أي موجود في الأعيان، هي العَرَضية، أي العرض القائم بالجسم، ألزمناه بأن يثبت ما نفى على نفس الوتيرة! أي بأن يقول كذلك إن معنى العرض لا يوجب أن تكون حقيقة صفة الوجه إذا قامت بموجود ما، أي موجود في الأعيان، داخلة تحته (أي أن تكون على العَرَضية)! ما دام الأمر مداره على التحكم في تعريف العرض، بحيث يستثنى منه ما زعمتم أن ضرورة معنى "خلق العالم" الذي تثبتونه لله تعالى توجبه، فلتجعلوا تعريفه، بالتحكم أيضا، بحيث تستثنى منه كذلك جميع المعاني التي وافقتم المعتزلة في نفيها بدعوى أنها تدخل تحته! نحن نقول إنه لابد من موجب وجودي، متعين في الخارج، لدخول الموجود الموصوف بالمعنى الكلي تحت ذلك المعنى الكلي في أذهاننا، أيا ما كان ذلك المعنى الكلي! هذه ضرورة عقلية لا انفكاك منها! ونظرية الجوهر والعرض إنما وضعت لتفسير قيام ذلك المعنى الكلي، أيا ما كان، بما يقوم به، أيا ما كان!
فمن فهم هذا وتدبره كما هو حقه أن يفهم، أدرك فورا أنه لا فرق بين ما تثبتونه وما تنفونه من هذه الحيثية! كلها توجب قيام الأعراض بالأجسام! وهذا ظاهر من أدنى تدبر في تعريفات العرض التي أوردناها فيما مر معك. فقول الشيخ أصلحنا الله وإياه: " فنقول إن الاشتراك في المعاني بين الخالق والمخلوق – حتى لو قيل به – فإنه يقال في المعاني التي تقوم به سبحانه وتعالى على وجه الوجوب والحقيقة" يقال له: فما المانع عندك أو في عقلك، وليس في نظرية من النظريات التي أنزلتموها منزلة القطع العقلي زورا وبهتانا، ما المانع في عقلك أنت (الذي تدعي أن النظرية تبع له وليس العكس) من إلحاق هذا القيام الذي أثبته أنت هنا للصفات التي تثبتونها، في معنى العرضية على الاصطلاح، ومن ثم تلزم الجسمية؟ هل القيام هنا في قولك "تقوم به سبحانه على وجه الحقيقة" قيام وجودي في الأعيان، أم متوهم في الأذهان؟ إن قلت قيام وجودي في الأعيان، ورد عليك ما لأجله نفيت ما تسمونه بالصفات الحسية (الذاتية والفعلية)، ولزمك نفي الجميع، كما سلكته المعتزلة وألزمتكم به! إذ العرض على حدّ النظرية هو كل ما يقوم بموجود متعين قياما وجوديا في الأعيان! فإن قلت بل ألتزم بتعريف العرض على أنه كل ما يقوم "بمتحيز"، والمتحيز لا يكون إلا "جسما"، ألزمناك بالدور القبلي والمصادرة كما مر عند نقد تعريفات العرض! وإن قلت بل هو قيام في أذهاننا لا في الأعيان، تناقضت كما لا يخفى، إذ لا يقال فيما قام بأذهاننا إنه قام به سبحانه على وجه الحقيقة، ولزمك من ذلك أن تصير ربك عدما لا حقيقة له خارج ذهنك أصلا! وهو كمن يقول: هل تثبت أن ربك يعلم على الحقيقة، فتقول علمه لا وجود له إلا في ذهني، أو أنا أتوهمه يعلم أما أنه يوصف بأن في نفسه علم، فلا أثبت ذلك وجوديا في الأعيان!! ولهذا فالقوم متناقضون مضطربون في جميع ما أثبتوا، تنظر وتتأمل في حقيقة ما يقولون، فلا تجده إثباتا أصلا! وإنما هو نفي يشبه أن يكون إثباتا، أو ملبس بلبوس الإثبات زورا، على نحو لا ينتبه إليه إلا موفق! نسأل الله الهداية لكل أشعري صادق وأن يوفقه ربه لما وفق إليه من قبل إمام المذهب، أبا الحسن الأشعري رحمه الله تعالى!
العجيب أنهم لا يشعرون بالتناقض حتى في قول الشيخ هنا: "معاني تقوم به سبحانه على وجه كذا، وتقوم بغيره على وجه كذا"! فإذا كنتم قد جوزتم أن يقوم نفس المعنى اللغوي بالرب والمخلوق على السواء، يشتركان في أصل المعنى الموضوع له اللفظ، ولكن يكون في الخالق على وجه وفي المخلوق على وجه آخر، فقد أثبتم بذلك حقيقة أو كيفية يقع فيها التفاوت مع ثبوت الاشتراك في أصل المعنى! وهو ما تنهار به قضية الشيخ التي نافح عنها في مستهل هذه المحاضرة، وهي أن مجرد الاشتراك في المعنى يوجب كيفية حقيقتها أنها قيام للعرض بالجسم! وإلا فما هو هذا الوجه الذي يختلف فيه المعنى الواحد عند قيامه بالخالق جل شأنه وعند قيامه بغيره؟ لا يكون عند العقلاء إلا "الكيفية" أو "الحقيقة" أو الصفة الإضافية التي يكون عليها ذلك المعنى في كل منهما، فتكون في الخالق على ما يليق به، وفي المخلوق على ما يليق به، ولله المثل الأعلى! فإذا كنتم قد جوزتم هذا المعنى الإضافي هنا ولم تجعلوه من ضرورة الوضع اللغوي، أي أن يكون الوضع اللغوي مشتملا على كيفية المخلوق وحقيقة المخلوق بالضرورة، فبأي برهان من العقل أو اللغة منعتموه في غيره؟ هنا يقال لك: لأن المعاني التي تثبتونها وننفيها هي من جنس "الهيئات المحسوسات"، خلافا لتلك التي اقتصرنا نحن على إثباتها! وهذا كما بينا تحكم أجوف، لأن العلم والحياة والقدرة والإرادة والكلام وغير ذلك مما أثبتم له سبحانه، لا نرى في عادتنا، التي هي موضوع الوضع اللغوي ومستنده، إلا أنها تقوم بأجسام لها هيئات محسوسة! الحياة لا نحكم بها للموصوف بها إلا إذا أحسسنا منه "بهيئة" أو أفعال أو أحوال محسوسة تدل عليها، خلافا للموصوف بضدها! وكذلك في الإرادة والقدرة والعلم وغير ذلك! وإلا فالعرب ما عرفت أبدا ولا تصورت موجودا غير محسوس وليس له هيئة ولا امتداد في الجهات ولا تجري عليه معاني الزمان والمكان، ولا يتحول من حال إلى حال ولا يتحرك ولا يتغير ولا .. إلخ، حتى يكون من أصل الوضع اللغوي للفظة "علم" أو لفظة "قدرة"، أن يوصف مثل ذلك الشيء العدمي بهما أو بعيرهما من المعاني التي تثبتونها! فأنتم يلزمكم لزوما لا انفصال لكم منه، أن تسووا بين جميع الصفات في مفهوم العرضية والجسمية، ومن ثم تمنعوا من كل اشتراك في المعنى بين الخالق والمخلوق بإطلاق، على أيما وجه كان ذلك! لماذا؟ لأن الأصل العقلي المستند إليه عندكم في النفي (وهو ميتافيزيقا العرض والجسم اليونانية)، لا يسوغ لكم هذا التفريق!
فإذا علمت هذا تبين لك فساد قول الشيخ: "فالتشبيه والتجسيم إنما يكون في الذي تقدم ذكره!
ثم يقول: "إن الاشتراك في قانون الوضع لا يكون بين معنى مبهم، وبين معنى معروف، لأن المعنى المبهم لا توضع له المعاني (ولعله هنا يقصد الألفاظ)، لأن العرب لا تتصوره، فكيف تضع له معنى؟" قلت: هنا وقع الشيخ في التباس ومغالطة في استعمال لفظة معنى، وهي مغالطة ناشئة عن أنه هنا يريد بها في هذا الموضع ما أوجبته النظرية الميتافيزيقية من تكييف قياسي بالأعراض والجواهر لكل ما يوصف بالمعاني التي نفوها! فالمعنى عنده الذي هو محل الاشتراك ومادة الوضع، ليس هو القدر المشترك الكلي الذي تضاف إليه معان أخرى عند الاستعمال، تكون هي صفة قيامه بالموصوف به أو كيفيتها أو حقيقتها التي يثبتها العقل لها عند الإضافة إلى الموجود المعين الموصوف بها، كل نوع بحسبه! وإنما هو هذا القدر، ومعه الكيفية العرَضَية التي أوجبت النظرية ألا يوصف موجود من الموجودات بمعنى كذا أو بمعنى كذا، إلا أن تكون هي حقيقة ذلك المعنى فيه! فمعنى الوجه مثلا، عند إطلاقه الكلي المجرد عن الإضافة، يدخل في أصل معناه عندهم، الذي يجب أن يشترك فيه كل موصوف بهذا المعنى على الحقيقة لا المجاز: التركب في "الجسم" تركبا يقبل الانفكاك! لماذا؟ ليس لأن العرب لم تستعمل لفظ الوجه إلا أرادت به ذلك التكييف أو التصور المخصوص، فدل على أنه من أصل الوضع، أبدا، فإن هذا هم أنفسهم يناقضونه فيما يثبتون من الصفات كما مر، وإنما لأن النظرية اليونانية تمنع من أن يوجد في الأعيان موجود يوصف بأن له وجها هو بعض من كل ذاته، من غير أن يكون ذلك التبعض نفسه فيه، تركبا من أشياء تقبل الانفكاك من بعضها البعض (الجواهر والأعراض)! لا يكون للشيء الموجود في الأعيان أبعاض أو "أجزاء" بحيث يمتاز كل واحد منها عن الآخر باسم يخصه وصفات تخصه، إلا وجب أن يكون مركبا من جواهر وأعراض على النظرية! من هنا زعموا أن العقل يوجب أن يكون من أصل الوضع اللغوي أن تريد العرب تلك الكيفية عند استعمال أمثال تلك المعاني! ولكن من الواضح أن هذا تحكم فلسفي فاسد، ولولا تسلط تلك النظرية البائسة على عقول القوم وألسنتهم، لما ادعوا أن الوضع اللغوي ملازم للحقيقة العَرَضية أو الكيفية "الجسمية" أو "التركبية" على هذا المعنى!
فقول الشيخ: الاشتراك في قانون الوضع لا يكون بين معنى مبهم ومعنى معروف، هو هنا يقصد "بالمعنى المعروف" ما ذكرنا من اقتران القدر الكلي المشترك بالكيفية العرضية اليونانية معا، اقترانا شرطيا مطلقا! لذا أطلق وقال إن "المعنى المبهم" لا يمكن أن يكون داخلا في مراد العرب من اللفظ المشترك، لأن المعنى المبهم لا يُتوجه إليه عند الوضع بتخصيص الألفاظ، لأنه غير متصور أصلا، فكيف يعبر عنه بلفظ ما وهو غير متصور عند صاحب اللسان؟! فالكلام كله مداره على التلازم الشرطي عندهم بين القدر المشترك الذي نثبت نحن الاشتراك فيه دون تقييد بكيفية مخصوصة، وبين الحقيقة أو الكيفية التركبية العَرَضية التي تقضي بها النظرية اليونانية لكل موجود يصح دخوله في الاشتراك المعنوي عند كل استعمال لتلك اللفظة! وإذن فهو كله راجع إلى نظرية لا نسلم بها ولا يلزمنا قبول ما أسسوه عليها، ولا نقبل الافتراء على الوضع اللغوي بحشر تلك الصورة أو الكيفية اليونانية تحته كما يصنع الشيخ هاهنا!
يواصل الشيخ فيقول في تكلف ظاهر: "فإن قلت إنها تصورته على طريق التشبيه، قلنا هذا مجاز، فكيف يكون اشتراكا؟ فإن قال أقصد الكلي الذهني، قلنا في جواب ذلك: الكلي الذهني لا يضاف إلى موجود، لأن إضافته إلى موجود تصيره جزئيا، هذا هو المقرر في قوانين النظر." ونقول: لسنا ندفع بأن العرب تصورت المعنى المشترك في حق الباري جل شأنه عن طريق التشبيه! وإنما خاطبهم رب العالمين بلفظ كان قد سبق في نفوسهم تحصل القدر المشترك بين جميع الجزئيات التي يصح عليها عند الاستعمال الصحيح، على وجه الحقيقة لا المجاز، ولولا هذا ما فهموه أصلا! فإذا عدمت لديهم القرينة الموجبة للمصير إلى المجاز (وهي نظريتكم البائسة في العرض والجسم)، وجب إخراج مسألة المجاز بالكلية! وتبين أن إيراد التشبيه هنا مصادرة لا غير! أما قوله إن الكلي الذهني لا يضاف إلى موجود، فلابد فيها من التفصيل! ما المقصود "بالإضافة" هنا؟ هل المقصود استعمال اللفظ في العبارة عن مسماه في الأعيان؟ إن كان هذا هو المقصود، فهو بعينه ما يراد بتصييره جزئيا! وإذا صار جزئيا، لزم في وصفه وتحقيقه في ذلك الجزئي المعين خارج الذهن، من الحقائق والكيفيات ما يليق بذلك الجزئي وحقيقته التي يكون عليها كل فرد من نوعه! فهذه معان إضافية زائدة على أصل الوضع، يأخذها الذهن ويتصورها بمجرد إنزال المعنى الذهني الكلي على الشيء المعين فيما يعبر عنه الشيخ بقوله "تصيره جزئيا"! وكل هذا لا ينتهى منه إلى نفي الاشتراك في جنس المعاني التي يمنع من اشتراك الرب فيها مع المخلوقين، ولا أدري ما وجه إيراده هنا إلا أن يكون حشوا للكلام!
فقوله عقب هذا الموضع، على ما فيه من تطويل لا داعي له: "ولكن إذا قلت ((يد الله فوق أيديهم)) فالإضافة هنا ترفع هذا المعنى (أي المعنى الكلي)، وتثبت معنى مقيدا، وهو محل البحث والكلام" مصادرة واضحة! هذا هو مطلوبك أصلا الذي تحاول إثباته، فكيف يكون دليلا على نفسه؟ ونظير ذلك قوله بعدُ: "فهذا ديباجة للبحث في هذا الموضوع، نمهد به القول لما سيأتي، ونبين به المراد لنصل إلى إثبات هذا الذي ادعيناه، بأن من أثبت لله تعالى على الوجه اللغوي، فإن ذلك يفضي به إلى التجسيم، سواء عرف ذلك أم لم يعرفه، والأصل أنه بفطرته منزه لا مجسم، ولكن هذه العبارة إذا استعملها أو أجاب بها، وأتى بها، فهي تلزمه بالتجسيم وإن كان ربما ينزه بالفطرة" قلت: كل هذا وإلى الآن لم يثبت الشيخ ما يريد، ولا اقترب منه! وإنما قرر مذهبه دفعا بالصدر! لم يثبت مسألة "يفضي به إلى التجسيم" و"تلزمه بالتجسيم" هذه، وما كان ليستطيع، لأن الأمر كما بينا مرجعه عنده وعند القوم إلى نظرية تحكمية يونانية قد انصرفت عنها قرون الفلاسفة وعافتها نفوسهم، ولم يعد لها وجود إلا في كتب تاريخ الفلسفة، وفي كبتهم هم، لما بنوه عليها من العقائد والأصول، والله المستعان لا رب سواه! ما زاد على أن قرر أن الجسمية والعرضية متأصلتان في الوضع اللغوي للمعاني التي نفوها بالضرورة دون غيرها! فما الدليل؟ الدليل أن العقل يقضي بذلك! فما مستند العقل في ذلك؟ نظرية فاسدة لا يجوز التسليم لأصحابها بإطلاقاتهم الميتافيزقية من مبدأ الطرح، ولو سلمنا لألزمناهم بالنفي في جميع ما أثبتوا لنفس العلة التي من أجلها زعموا ما زعموه بشأن الوضع اللغوي!
يقول في مزيد من التهويل والمصادرة: "أما الذين علموه هذه العبارة، فقد علموه العقيدة التجسيمية، سواء شعر بذلك أم لم يشعر، هذا مفتاح القول في هذه المسألة" قلت: إيش يعني مفتاح القول في هذه المسألة؟ هذا رأيك أنت الذي لم تزل تكرره وتعيده المرة بعد المرة! ونحن ولله الحمد لا تهوشنا ولا تخوفنا تلك التهاويل، ولا نبالي باتهامكم إيانا بالجهالة والحشوية والسذاجة وهذه الأمور! كل هذا لا ينهض لكم بما تريدون!
يقول: "فإن أتى شخص بما يرد به هذه الأشياء، وكان رده حقيقة، ومبنيا على أدلة صحيحة، فتح لنا بها آفاقا أخرى للمعرفة، ونحن سنقر بهذا، ونعتبر أننا لسنا مستوعبين الأمر على وجهه، فإن لم يأت بشيء، وبقيت الأمور على هذا الوجه، أو أتى بشيء من التراهات، تبقى هذه القاعدة على هذه الفائدة، ويبقى هذا الضابط هذا مدلوله، سواء في اليد أو في العين أو في الرجل أو غير ذلك" قلت: فهذا ما نرجو أننا قد جئناك به في هذا الرد يا شيخ، أنه مبني على أدلة صحيحة، وأن فيه مراجعة لنظرية المعرفة عندكم من جذورها، فهلا تأملت فيه متجردا للحق متخلصا من التعصب، راجيا من الله عز وجل بعزم وصدق أن يبصرك بمكمن الخلل وأصله في مذهبك في هذا الباب؟ نسأل الله أن يرزقك ذلك قبل الممات، فوالله ما نريد لأهل القبلة إلا السلامة يوم الحسرة والندامة! ونطمع من الله أن يهدي رؤوس النحلة الأشعرية إلى الحق، لأنهم بهدايتهم، التي منّ الله بها من قبل على إمامهم رحمه الله تعالى، ينجو خلق كثير!
ولكنك لا تزال تكرر ما تعتقد دون نصب الدليل، تصر على محاكمتنا لنظرية لا نقول بها، وعلى إلزامنا بأصول لا تلزمنا، وهي أصول تحكمية صرفة لا تقدر على البرهنة على صحتها ولو ولجت من سم الخياط! يقول بعدُ، هداه الله وأصلحه: "أما القول بأننا نثبت المعنى، ثم ننزه، فكل المؤمنين ينزهون الله، ولكن أن تعتدي على إخوانك المؤمنين في مواقع في الحقيقة أنت فيها مخطئ، أو قد تكون فيها من المخطئين على أدنى المراتب، فهذا نوع من التصرف سوف تلقم فيه الحجر" قلت: هذا لا يفيدك بشيء! فلسنا نعتدي عليك، ولا نراك قد ألقمت المعتدين عليك حجرا ولا غيره، غفر الله لك! ثم يواصل الشيخ بكلام لا مطلب تحته إلا دفع التهمة عن نفسه وعن طائفته، فيقول: "وإذا كان من ماتوا وتوافهم الله سبحانه وتعالى لا ينفعنا إيمانهم ولا كفرهم، فإن الاشتغال بنبش قبورهم والبحث في عيوبهم والكشف عن عقيدتهم، مع أنهم الأنصار إلى الله، وسيحكم الله فيهم، ولن ينتفعوا بهذا اللغظ، ولن ينتفع به أحد من بعدهم سوى بسوء الظن، وما الذي سنستفيده بأن نسيء الظن بعلماء جهابذة نظار مفكرين، أبلوا البلاء الحسن في الدفاع عن الدين بصور مختلفة؟ يقول قائلهم: ننكر على أهل البدع: فيقال له: ومن قال لك بأنك تعرف البدعة؟ ومن قال لك بأنك تحمل أدوات الكشف عن أسرار المعارف التي في هذا الدين؟ فلو كان فيك ذرة من الخير لاشتغلت بعيوب نفسك، التي قامت بك من رأسك إلى أخمص قدميك، أما أن نبحث عن عورات الناس وعيوبهم، وأن نفتش عن مقالاتهم من أجل أن نسيء الظن بهم."
قلت: أما أن التنقير عن عيوب الناس من حيث الأصل مذموم شرعا، فصحيح قطعا ولا نماري فيه! وكذلك الغيبة والخوض في أعراض الناس! ولكن إذا كانت عيوب الناس وأغلاطهم تلك، بل وبدعهم ومخالفاتهم التي جروا فيها على أصول طائفة من المتفلسفة قد كفرهم أهل الحديث بالإجماع، قد صارت أصولا معتمدة في مذهب كبير يدرس للمسلمين على أنه هو الاعتقاد الصحيح الواجب عليهم ألا يموتوا إلا عليه، في كبرى الجامعات الشرعية في بلاد المسلمين اليوم، وصارت كتب أولئك الأفاضل (رحمهم الله وغفر لهم) عمدة ومستندا فيما نعده نحن على أصولنا بدعة ضلالة يجب تحذير الناس منها، فإنه يتعين والحالة تلك أن ننقر ونستخرج الباطل من بطون تلك الكتب ونرد عليه بما يحصل به المطلوب! وأعني بالمطلوب هنا: صيانة دين الناس من تلك البدعة التي هي على قولنا، موجبة للدخول تحت الوعيد عند من نصبت بين يديه أدلة بطلانها، ومع ذلك أبى إلا القول بها! وهو مطلوب لا عجب أن تراه أنت، على مذهبك، عدوانا بالغا – بمجرد مبدأ تكلفه - على الأفاضل النبلاء الجهابذة الذين نصروا الدين وعلموا المسلمين الخير .. إلخ (مع أننا لا نرد على العلماء إلا ونحن نراعي منازلهم صيانة لحقوقهم علينا)، ولا عجب أن ترى دفعنا لما نعده من البدعة، هو عين البدعة، كل هذا لا عجب فيه، وليس في مجرد ذكره في هذا المقام ما ينصرك علينا، ولا ما يوجب علينا الكف عن الرد عليكم! ومخالفك يا شيخ لا يعجز عن أن يقول جوابا عن هذا الكلام، أنك مع ما أوتيته من آلة النظر الأصولي والفقهي، لم توفق في معرفة الحق في هذا الباب، أعني باب البدعة الاعتقادية الكلامية، لأنه قد دخل إلى نفسك التشبع بأصول قلدت عليها من سبقوك، ثم راقت لك ورأيت أن أدلتهم فيها هي الأدلة، ثم مضيت تقررها للناس على أنها هي الحق وخلافها البدعة والضلالة، وتابعك من تابعك على ذلك، مع أنك أنت في حقيقة الأمر من حرم التوفيق في هذا الباب، فنصر البدعة من حيث يحسب أنه ينصر السنة، وليس من يخالفونك! فلا داعي لهذا الكلام، غفر الله لنا ولك.
يتبع إن شاء الله تعالى.
أبو الفداء حسام بن مسعود
غفر الله له ولوالديه ولأهله وللمسلمين.
--------------------
(1) على المعنى اللغوي للحدوث وهو ابتداء الشيء أو كونه بعد عدمه.
