الرد على كلام "مولود السريري" في مسألة التجسيم وتفويض الكيف - الجزء السابع


الحمد لله وحده، أما بعد، فيقول الشيخ هداه الله:

"ونطرح سؤالا هنا: ما الذي أدى الآن بالعوام إلى الاشتغال بما يسيء الظن بالأمة؟ من الذي حرك هذا الشيء في النفوس والعقول؟ وما الذي سنستفيده من هذه الطريقة؟ دين الله معروف، والإيمان معالمه في القرآن، لا نحتاج إلى أي عقيدة من أي شخص أيا كان، ولا نحتاج إلا إلى كتاب الله وما فيه فيعمل الناس به، وإذا أراد أن يعرف هل عليه الخوض أو ليس عليه الخوض؟ فلينظر في صحابة النبي صلى الله عليه وسلم لماذا لم يخوضوا؟ ولماذا لم يبحث النبي صلى الله عليه وسلم عما انطوى في صدورهم من معان لهذا الضرب من الآيات؟ ما السر في هذا السكوت النبوي على هذه الحال؟ ولماذا سكت النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الأمو ولم يفسرها للصحابة؟ الجواب: لأن ذلك هو تمام الدين، وذلك الانكفاف هو تمام الإيمان، داخل في ماهيته، وكنا نقول على الدوام إن الترك في الحقائق الشرعية معتبر ويعد من تمام أركانها."

قلت: أما سؤالك الأول: ما الذي أدى بالعوام إلى الاشتغال بما يسيء الظن بالأمة، فالجواب أنهم أهل الكلام والقائمون بتدريس علم الكلام لصغار الطلبة والمبتدئين، بدعوى أن النظر في وجود الصانع هو أول واجبات المكلفين! وهل بعد إيهام الكافة بأن التفلسف بإثبات حدوث العالم، تلك السفسطة اليونانية الساقطة، هي طريق الخلق العقلاء الأسوياء لإحكام المعرفة بوجود من خلقهم، على نحو يرجى معه انغلاق الباب أمام كل اعتراض متجه عقلا، هل بعد هذا الصنيع، يا شيخ مولود، من إفساد لدين العامة ولظنهم بالأمة وبإمام الأمة صلى الله عليه وسلم، بل وبربهم من فوقهم جل في علاه؟؟ أنتم من تحملون العامة حملا على مذهب يقتضي ألا يخلد الله في النار من مات غير "مقتنع" بصحة رسالة النبي صلى الله عليه وسلم بعدما سمع ما جاء به الرسول وعقله وفهمه بلسانه، بعدما بذل الوسع والغاية في البحث والنظر والاجتهاد مد عمره، لأنه مات وهو فاقد للدليل النظري الكافي "لإقناعه" بوجود من خلق الخلق وأرسل فيهم الرسل وأنزل عليهم الكتب!! أنتم من يلزمكم القول ببدعة الجاحظ في إعذار المشرك المجتهد في محاولة معرفة دليل صحة الإسلام، إن مات على شركه، ويلزمكم اتهام رب العالمين بأنه يتكلم في وصف نفسه ويوحي إلى رسوله في وصف نفسه سبحانه بألفاظ لا يريد منا أن نفهمها على المعنى الذي تدل عليه اللغة، لأننا لو فعلنا لوقعنا في الشرك والوثنية، مع كونه لم يبين ذلك كما يلزمكم على مذهبكم وجوب بيانه! أنتم من تعلمون المسلمين صفات الله تعالى بإثبات لا حقيقة له إلا النفي، تقولون تكلم بلا كلمات ولا ألفاظ ولا حروف ولا صوت، ولم يزل يكلم نفسه من الأزل، لا يصدر عنه إلا المخلوق، وتقولون استوى فوق العرش دون علو، وإذا سئلتم أين الله أنكرتم أصل السؤال وقلتم لا داخل العالم ولا خارجه ولا يسأل عنه بهذا السؤال أصلا، حتى بقي العامة خلفكم لا يتصور أحدهم كيف يثبت لنفسه خالقا خارج ذهنه يتوجه إليه بالعبادة، وتقولون، مع هذا كله، إننا نقول بما يؤدي بالعوام إلى الاشتغال بما يسيء الظن بالأمة؟! سبحان الله! صدق القائل: رمتني بدائها وانسلت! 

لا عجب أن يتلبس المتكلمون بوحدة الوجود الوثنية في منتهى أمرهم، عند التأمل! فالعاقل لابد له من إثبات شيء ما في الأعيان يتوجه إليه بقلبه خوفا ورجاء ومحبة، ويصرف إليه العبادة! هذه ضرورة لا يخالف فيها إلا الفلاسفة ومن تشرب بطريقتهم! فإذا تشرب الرجل بالنحلة الأشعرية وبأصول الجهمية المعتزلة من تحتها، ثم تعرض لمن يقولون ليس في الوجود على الحقيقة إلا الله، وجميع ما في الوجود مما سواه وهم في وهم، وتأمل في ذلك المذهب وهو حريص على البقاء على أشعريته، وحريص، مع ذلك، على ألا يرفع سيف النكير والتشنيع على أولئك الزنادقة المشركين القائلين بوحدة الوجود، بل يميل إلى أن يساكنهم ويوادهم ويعظمهم كما عظمهم الناس، لم يجد غالبا إلا أن يقبل ذلك الاعتقاد ويسلم له، ولو باطنا! لماذا؟ لأنه يعلم، بعد تأمل، أن البديل الوحيد إنما هو الاضطرار للقول بمعبود عدمي لا حقيقة له خارج الأذهان أصلا! وإلا فبأي شيء يعترض من كانت هذه أصوله، على الذي يقول ليس في الوجود على الحقيقة إلا الله؟؟ يقول له كذبت: بل الموجودات من حولنا حقيقة نصدق حواسنا في دلالتنا عليها؟؟ فما الذي يحجزه عن تكذيب الحواس كما انتهى إليه الغزالي نفسه في طور من أطواره؟؟ يقول له كذبت: بل الله يخبرنا في القرآن بأن في الوجود أرضا وسماء ومخلوقات وكذا؟؟ فما الذي يحجزه عن التفويض في معاني تلك الكلمات كذلك، كما فوض فيما هو أهم منها وأكبر: صفات ربه جل في علاه؟؟ وما الفرق بين من لا يجعل لذات ربه صفة وجودية في الأعيان، بحيث يشار إليها أو تكون لها حقيقة في الخارج تختلف بها ذاته عن غيرها من الذوات الداخلة تحت الاشتراك المعنوي، وبين من يقول ليس في الأعيان شيء أصلا إلا الله، وجميع ما سوى ذلك أوهام تصورها لنا عقولنا؟؟ هما وجهان لنحلة واحدة على الحقيقة! ولهذا كانت وحدة الوجود الطبيعي Naturalistic Pantheism هي الاعتقاد الأثير عند أكابر الفلاسفة الذين تربوا على نظريات ميتافيزيقية مطلقة (كنظرية الجسم والعرض أو الجوهر والعرض) توجب تخصيص جميع المعاني التي لا يتصور في الأعيان موجود إلا وهو موصوف بها، في جنس الموجودات الطبيعية دون غيرها! 

فلا يبعد أن تجد من نظار الأشاعرة من يظهر موافقة أئمة مذهبه في التناقضات التي ينسبونها إلى ربهم، مع كونه يعول في نفسه، في تسويغ ذلك العبث، على تجاوزه كله جملة واحدة إلى اعتقاد أنه لا موجود بحق في الأعيان، أصلا، إلا الله تعالى! وإذن فلا فوق ولا تحت ولا زمان ولا مكان ولا تفاوت بين الموجودات في شيء أصلا، ولا حادث ولا قديم ولا جوهر ولا عرض، كل ذلك وهم في وهم، وإنما هو موجود واحد في الحقيقة، لا يقوم بنفسه أي معنى إلا فيما يحب هو أن يوهمنا به إيهاما، لأجل أن نتمكن من تصوره وعبادته، على ما صرحت به أكابر الفلاسفة في غلوائهم وزندقتهم! هذا ما يقرب جدا أن يرجو الناظر الأشعري أن يريح به رأسه من فداحة مذهبه في لوازمه ومقتضياته، ولا عجب منه إن فعل! فإن الواحد منهم لا يفر من التناقض إلا تلبس، بالضرورة، بما هو مثله أو أشد في التناقض، وهذا هو شؤم الطريقة اليونانية التي أسسوا عليها مذهبهم! فلا تكلمنا يا شيخ، أصلحنا الله وإياك، وهدانا وإياك لسبيل المؤمنين، عمن يحملون العوام على الاشتغال بما "يسيء الظن بالأمة"، يحركون أسبابه في نفوسهم وعقولهم!  

أما قوله: "دين الله معروف، والإيمان معالمه في القرآن، لا نحتاج إلى أي عقيدة من أي شخص أيا كان، ولا نحتاج إلا إلى كتاب الله وما فيه فيعمل الناس به"

قلت: الكلام بهذا المعنى سهل ميسور تحسنه جميع الطوائف والفرق! لا نحتاج إلى كتاب ولا إلى متن في العقيدة ولا إلى عالم يبين لنا، بل يكفينا أن ننظر في القرآن ونقف حيث أوقفنا وتنتهي القضية ويرتفع النزاع! ونقول: لا شك أن هذا الكلام يكون حقا لو كانت الأمة المخاطبة به هي أمة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، الذين كان إمامهم ومعلمهم هو النبي صلى الله عليه وسلم نفسه، بأبي هو وأمي! أما وقد مضى ذلك القرن المبارك، ومضت من بعده قرون، وجاءت قرون لا تعرف اللسان الأول كما عرفته الصحابة، ولا جالست النبي صلى الله عليه وسلم كما جالسته الصحابة، وامتزجت الأمة في أخلاط الناس وأفكارهم وعقائدهم، فقد ظهر الداعي الحثيث لأن يقوم ورثة عقيدة الصحابة والتابعين على بيانها للناس دفعا لما أدخله عليها المبطلون والجاهلون ممن تشربوا ببضاعة أهل الملل ومشاربهم وأفكارهم! ومن ذلك بضاعة فلاسفة اليونان التي نقلت إلى العربية على عهد المأمون، فأحدثت في عقول الناس ما أحدثت، والله المستعان! ومن ذلك أن وجد في المسلمين من يقول: لا نسلم من التقليد في الإيمان حتى نثبت وجود من خلقنا تأسيسا على إثبات حدوث العالم! ولا نثبت حدوث العالم حتى نثبت أن جميع موجوداته مؤلفة من أعراض هي ما به تقوم المعاني بتلك الموجودات في الأعيان، وتتفاوت به فيما بينها، فإذا أثبتنا حدوث العرض، أثبتنا حدوث العالم وهو المطلوب! ثم لما فعلوا ذلك، اضطروا لتعطيل ربهم عن جميع الصفات التي صيرتها النظرية أعراضا في "أجسام"، ثم تأولوا النصوص والآثار على ما يوافق ذلك، وزعموا أن هذا هو اعتقاد المسلمين واعتقاد السلف، بدليل أنهم قالوا لا كيف ولا معنى، ونهوا عن تفسير صفات ربهم وشددوا في ذلك! فهل سكت السلف وأئمة أهل السنة عن هذه البدعة، وقد بزرت بقرنها بين الناس، على أساس أن القرآن يكفي ولا نحتاج معه إلى عقيدة من أي شخص أيا كان؟؟ أبدا! ولو فعلوا لضل الناس ولهلكوا! بل صنفوا الكتب والتصانيف في بيان السنة واعتقاد أهل السنة، وفي الرد على الجهمية ومن تشرب بطريقتهم، حتى عصم الله بهم الأمة من أن تضيع فيها معالم الاعتقاد الحق الذي كان عليه أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم! فمن أراد أن يعرف على أي نحلة كان القوم رضي الله عنهم، وما الذي أرادوه تحقيقا من قولهم "لا كيف" وما شاكل ذلك، فعليه بتلك الكتب يتلقاها بالسند المتصل، يسمع شرحها كذلك ممن تلقوها بالسند المتصل، وشرحت لهم من قبل، عدلا عن عدل، شيخا عن شيخ، كابرا عن كابر!

فإذا وقفنا على تلك الكتب وسلكنا فيها مسلك أصحابها كما سلكه من سبقونا من أهل الحديث والأثر، تبين لنا وجه التلبيس في قول الشيخ هداه الله: "وإذا أراد أن يعرف هل عليه الخوض أو ليس عليه الخوض؟ فلينظر في صحابة النبي صلى الله عليه وسلم لماذا لم يخوضوا؟ ولماذا لم يبحث النبي صلى الله عليه وسلم عما انطوى في صدورهم من معان لهذا الضرب من الآيات؟ ما السر في هذا السكوت النبوي على هذه الحال؟ ولماذا سكت النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الأمو ولم يفسرها للصحابة؟ الجواب: لأن ذلك هو تمام الدين، وذلك الانكفاف هو تمام الإيمان، داخل في ماهيته، وكنا نقول على الدوام إن الترك في الحقائق الشرعية معتبر ويعد من تمام أركانها."

قلت: فإنه بهذا لا يطالبنا بمجرد السكوت، وإنما يطالبنا بأن نسكت تأسيسا على ما أسس هو عليه سكوته، مما شرع في بيانه وشرحه في نفس هذه المحاضرة من أصول اليونانيين الملبسة بلبوس نظرية الوضع اللغوي تلبيسا! فالتفويض الذي يدعونا إليه في الحقيقة ليس سكوتا عن تفسير المعنى اللغوي الذي وضع بإزائه اللفظ وفهمه أهل اللسان كما فهموا غيره من خطاب القرآن، وإنما هو نفي لذلك المعنى اللغوي عند نسبته إلى رب العالمين، بما يصير الخطاب باللفظ كعدمه! وهذا ليس سكوتا عن الشرح والتفسير لمعنى قبلناه من صاحب الشرع كما جاء به، وإنما هو في حقيقته إسكات لصاحب الشرع نفسه عن تقرير ذلك المعنى بأيما لفظ كان! فبين السكوتين كما بين السماء والأرض، وكما بين التوحيد والإلحاد، نسأل الله العافية!    

فالشيخ كأنه يعرض علينا نظرية تفسيرية مفادها أن النبي عليه السلام لم يخض في معاني صفات الرب التي جاء بالإخبار عنها في الكتاب والسنة، لأن اعتقاد الصحابة كان متقررا فيه ما يدعيه الأشاعرة من أن حمل تلك الألفاظ على معانيها اللغوية، كما هو الشأن في جميع ما سوى ذلك من ألفاظ الخطاب الشرعي، يوجب تشبيه رب العالمين بخلقه، فلما كان متقررا لديهم أن هذا باطل وفساد عظيم، أحجموا عن الخوض والتفسير وسكتوا وسكت الرسول عليه السلام! وهذا تفسير فاسد وتعليل عليل، إذ يؤسَّس عند صاحبه على مقدمة لا دليل عليها، بل الدليل يوجب خلافها! فنحن نقطع بأن الصحابة ما قالوا بنظرية العرض اليونانية التي من أجلها زعم الجهمية أن إثبات تلك المعاني لرب العالمين يقتضي إحلال العرض الحادث بذاته سبحانه! ولو كانوا يرون ذلك الرأي ويقولون به أو يتصورونه، لوجب أن يرد عنهم ولو السؤال لرسولهم صلى الله عليه وسلم: كيف نفهم معاني هذه الألفاظ في حق الله تعالى، أو كيف نصفه بهذه المعاني مع أنها توجب له أن يكون كالحوادث المخلوقة، أو نحوا من ذلك، وإذن لبين لهم ما به يفرقون بين كيفية التعامل مع ألفاظ اللغة في عامة الخطاب الشرعي، والتعامل معها في هذه النصوص خاصة! فتفويض المعنى بالكلية تعطيل للّسان عن البيان، والأصل المتقرر في الكتاب والسنة وعليه قرون المسلمين أن القرآن جاء بلسان عربي مبين، ولم يترك شيئا إلا بينه تبيينا وتبيانا لكل شيء! التفويض التام في المعنى الذي ينسبونه للسلف، هذا كالذي يكون لسانه العربية وأنت تخاطبه بالصينية أو اليابانية، فلا يفهم منك شيئا على الإطلاق! ليس هذا وحسب، بل أنت تنهاه عن أن يسألك ما معنى هذا اللفظ في لسانه حتى يفهم ما تريد! تقول: لا يكون لها أي معنى في أي لغة أصلا! فكأنما تخاطبه بما ينتقض به مقصود الخطاب، أي خطاب! وهذا تناقض بارد! 

ألا ترى أنه لما جاء في القرآن قوله تعالى: ((الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ)) [الأنعام : 82]، لم يتركها الصحابة حتى فهموا من الرسول عليه السلام ما حقيقة المعنى المقصود بقوله تعالى "بظلم"، على وجه التحديد؟ لماذا؟ لأن مطلب السلامة والأمن في الآخرة والهداية، هو ما بعث به الرسول أصلا! ولا يتم ذلك المطلب حتى يفهموا عنه كل كلمة خاطبهم بها ربهم، وكل كلمة تكلم بها صلى الله عليه وسلم كما حقها أن تفهم! لا سيما إذا كانت منسوبة إلى رب العالمين سبحانه! فلو كان الأمر كما يزعمه الشيخ وتزعمه الأشاعرة، أنهم أمسكوا وسكتوا لأن هذه الألفاظ لو فهموها كما فهموا غيرها من ألفاظ الخطاب الشرعي بما عليه مجرى اللسان، لسان التنزيل، لمثلوا ربهم بخلقه لا محالة، فمن أين حصل لديهم ذلك الأصل المناقض لنفس مفهوم الخطاب اللغوي من مبدأ الأمر؟؟ وما الذي أقامه في نفوسهم على وجه التخصيص لتلك النصوص خاصة دون ما سواها؟؟ هذا تقعيد مخالف للأصل الذي عليه مجرى اللسان وفهم الخطاب، فلا يؤخذ وحده من قوله تعالى: ((ليس كمثله شيء)) كما يزعمون، لأن الذي أخبر بأنه ليس كمثله شيء، أخبر في نفس الآية بأنه هو السميع البصير! فقرر دخول ذاته العلية في أصل المعنى المفهوم لغة من كل من السمع والبصر، مع كونه ليس كمثله شيء! فإذا تقرر هذا الأصل الكلي، وجب أن يكون مطردا في جميع ما جاء به النص من ألفاظ تنسب إلى رب العالمين على سبيل نسبة الصفة إلى موصوفها، وأن يكون هو قانون هذا الباب بإطلاق بلا قيد ولا استثناء! ولهذا قال شيخ الإسلام إن القول في بعض الصفات كالقول في بعض، ينسب ذلك إلى سلف الأمة! كلها تجري على أصل الاستعمال اللغوي، كوصفه نفسه في هذه الآية الكريمة بالسميع البصير، ولكن مع اصطحاب أنه سبحانه ليس كمثله شيء! فقيام حقيقة السمع والبصر بذاته سبحانه، بما يوجب له الدخول تحت المعنى المشترك في ألسنة الناس، على اختلاف لغاتهم، ليس كقيامه بذوات المخلوقين، فالمعنى ثابت  فيه الاشتراك، خلافا لكيفيته وحقيقته التي ينفى عنها الاشتراك ويفوض العلم بها لله سبحانه. هذا ما به يجتمع للمسلم أن يفهم معنى الخطاب بقوله تعالى السميع البصير، وفي نفس الوقت ينتفي التمثيل والتشبيه الذي تورده طوائف الوثنيين على معبوداتهم! فالذي نطالبهم به الآن هو أن يأتوا لنا بنص صريح غير مؤول من كلام النبي عليه السلام بما يفيد أن المراد من قوله تعالى "ليس كمثله شيء" أي نفي المعنى اللغوي عن قوله في نفس الآية "وهو السميع البصير"، وأن النوع الذي نفوه من المعاني مخالف للنوع الذي أثبتوه في اقتضاء التشبيه! فإنه لم يكن للصحابة الذين خلت نفوسهم من نظرية الأعراض تلك، أن ينهضوا بتخصيص كهذا أو تقييد أو تفريق كهذا إلا بنص صريح! وليس أي نص، بل يجب أن يكون نصا متواترا جليا لا يحتمل التأويل، كما شرطوه هم في ثبوت العقائد، لأن هذا هو أصل النزاع بيننا وبينهم في هذا الباب! فلما كان معلوما أنهم لا يتحصلون على نص كهذا ولا قريب منه، وأن مسلكهم ومذهبهم في جميع النصوص التأويل التحكمي الجاري على اعتقادهم الفلسفي، تبين بما لا يدع مجالا للشك أنهم محرفون للدين في زعمهم الانكفاف عما كف عنه الصحابة والإمساك عما عنه أمسكوا! فليس تركهم كترك الصحابة تحقيقا ولا هو راجع إلى نفس الأصل الذي من أجله تركوا! 

ثم يقول الشيخ هداه الله: 

ويقول بعضهم: نحن ليس عندنا كيف، فيقال لهم: وماذا يعني أن تثبت هيئة مخصوصة لصفة من صفات الله، أو لأمر متعلق بأمور الله؟

فنقول في الجواب: قد بينا وجه ذلك وسبب النزاع بما لا نرى في إعادته إلا التطويل! فالهيئة والحقيقة وصفة الصفة وكيفيتها، هذه أمور لا تنفى عن الصفة إلا وجب نفيها في الأعيان بالكلية، وجوبا عقليا لا يماري فيه إلا فيلسوف يوناني! فإذا قلنا لا كيف فإنما نقصد: لا تسألوا عنها بكيف! ولا معنى أي لا تسألوا ما معناها، إذ معناها معلوم في اللغة غير مجهول، وأما الحقيقة والكيفية فمن علم الله وحده! 

يقول: "وأنا أريد جوابا علميا دقيقا عن هذه الأمور:

أولا: ما معنى أن نحمل اللفظ على معناه؟ وما معنى أن نثبت المعنى؟ ما المراد منه؟ أريد تحديدا دقيقا في هذا الموضوع.

قلت: لا يخفى أنك مهما جئته بما نقول وبينت له ما نبين، فلن يرتضيه ولن يكون لديه جاريا على شرطه في العلمية والدقة، لأن الرجل قد انعقد قلبه على اعتقاد أننا أصحاب "تجسيم" نريد أن نكيف ربنا بكيفيات المخلوقين، والله المستعان! وقد تقدم أن السؤال في هذه المسألة تحديدا ضرب من السفسطة، إذ كل عاقل يدري ما المقصود بحمل اللفظ على معناه! فالناس، أهل اللسان الذي جاء به الخطاب، لم تزل تستعمل اللفظ على معنى معين، تشترك فيه الأفراد الداخلة تحته عند كل استعمال، في أصل كلي يعقلونه ولا يلتبس عليهم بكيفيات وحقائق الموجودات المعينة التي يتحقق بها ذلك المعنى الكلي في تلك الموجودات، كل نوع منها بحسبه! فإذا طلب منهم أن يثبتوا اللفظ الذي وصف الله به نفسه ووصفه به رسوله يحملوه على معناه، دون أن يثبتوا له كيفية معينة أو يقيسوه في حقيقة معينة على شيء من المجودات، لم يعيهم ذلك ولم يعجزوا عنه! وإنما يعييهم ويعجزهم أن يقال لهم: قد أخبر الله عن نفسه بألفاظ لا يريد منكم أن تثبتوا لها أي معنى!! فلماذا أخبر أصلا؟؟ ألأجل أن يبين لنا ديننا ويهدينا به على أتم ما تحصل به الهداية؟ أم لأجل أن يحيرنا ويضلنا، يوقعنا في تشبيهه بالمخلوقات من حيث نريد أن ننزهه ونوقره؟؟ سبحان الله وتعالى عن مذهبكم علوا كبيرا! 

يقول: ثانيا: هل الكيف يرفع التجسيم؟

قلت: لا نسلم لك بمعنى الكيف عندك حتى نسلم لك بمعنى التجسيم! فالكيف عندك لا معنى له إلا العرضية، ونحن لا نقول أصلا بتلك النظرية، حتى يكون إثباتنا الكيف مع التفويض فيه، تجسيما على اصطلاحك! 

يقول: ثالثا: إذا كانوا لم يقصدوا هذا المعنى، وقصدوا معنى آخر فما هو؟ فإن لم يكن هذا اللفظ يدل عليه فهل يعتبر هذا مجازا؟ أو من باب استعمال اللفظ في أحد معنييه، فإذا كان كذلك فهل تقولون بالاشتراك؟ وإذا كان الاشتراك هو المتمسك به هنا، فهل هذا هو محله؟

قلت: ما المشار إليه بالمعنى الذي قصدناه أو لم نقصده؟ معنى الكيف أم معنى الصفة؟ نحن نفرق بين معنى الصفة الذي هو أصل كلي مشترك تشير اللفظة إليه عند كل استعمال، وبين الكيفية التي هي صفة الصفة وما به تتحقق في الموصوف بها في الأعيان، فإذا كان المراد هنا معنى الكيف، فقد بيناه، وأما معنى الصفة، فهو ما يفيده اللفظ، في حدود الوضع اللغوي والاستعمال العربي الصحيح، بعيدا عن إفساد الحدود الميتافيزيقية وادعاءات أصحابها على الوضع اللغوي! وإذن فكلامنا لا علاقة له بقضية المجاز أصلا، لأن المجاز إنما يثبت بقرائن ليس منها فيما نثبت في هذا الباب ما تعدونه أنتم من القرائن العقلية المعتبرة! وأما أن الاشتراك ليس هذا محله، فما دليلك؟ الاشتراك لا قيام لمبدأ الخطاب اللغوي أصلا بدونه! ولا يكون من يخاطبك بألفاظ ثم يقول لك لا تفهم منها ما جرى عليه استعمال الناس من أهل اللسان الذي خاطبتك به في فهم معناها، لا يكون هذا إلا عابثا لاعبا، أو ساقط الأهلية العقلية على أحسن الأحوال، سبحان الله وتعالى علوا كبيرا! فليس عند أهل اللسان، أي لسان، ما لا يكون الاشتراك المعنوي محلا له عند استعمال اللفظ أصلا! حتى ما يكون عندهم مجازا لا حقيقة من أنواع الاستعمالات، فهو مشترك بالضرورة مع ما كان من مثله، محتفا بالقرائن الموجهة إلى نفس المعنى المجازي عند أهل اللسان! فلا ينفي الاشتراك عن بعض الألفاظ عند نسبتها إلى موجود في الأعيان إلا من ينفي وجود ذلك الموجود أصلا، فيجعل الخطاب عن صفاته كعدمه! لا يتحصل منه شيء! لأنه لا تنتفي الصفات بالكلية عن موجود ما إلا وجب أن يكون معدوما لا يوجد خارج الذهن! فحصول الاشتراك بين الرب سبحانه وبين خلقه في معاني جميع الألفاظ التي خاطبنا الشارع بنسبته إليها، واجب ضروري لا نهوض للخطاب، ولا قيام له بالمقصود منه بدونه أصلا!  

يمضي بعد الشيخ ليقول: "فهذه هي الأشياء التي ينبغي أن يقع عليها النظر، أما كون الشخص أشعريا أو كونه معتزليا، أو كونه سلفيا، فلا دخل لهذا الأمر في هذا البحث بأي وجه من الوجوه، فهذه المسألة تبحث بالحياد والنظر المستقل، والذي سيجابه من لا يريد أن يأخذ بالحق، وأن يعذر إخوانه المسلمين، هو الذي سيواجَه بقوم لا يمكن أبدا أن يقارنوا لا بالأشاعرة ولا بالمعتزلة ولا بغيرهم، بقوم لا يكادون يرجعون عن إثبات هذه الأمور على وجه فيه القطع والجزم، وإذا كانت أعراض العلماء لا تساوي شيئا، فعلى مدار عشران السنين، وهم يذمون، ويقذف فيهم، ويسبون ويشتمون، فليعلم من يعلم ذلك أنه لا يساوي جناح بعوضة عند قوم آخرين، سيسمعونه ما لا يخطر له بالبال!"

قلت: قد تبين فيما نرجو، كيف تغلغلت الميتافيزيقيا اليونانية، ميتافيزيقا العرض والجسم، في أصول الأشاعرة العقلية، من حيث يحسبون أنهم متجردون في تلك الأصول من كل نظر أجنبي عن الدين وعن أهل اللسان، وكيف أنهم واهمون إذ يصرون على أن هذه القضايا الكلية التي قرروها لا علاقة لها بكون المرء أشعريا أو معتزليا أو سلفيا، وإنما هي قواعد عقلية مجردة يلتمس فيها قطع العقل المجرد من كل أصول فلسفية سابقة! وهذا هو ما نرجو لهم، والله، أن يتدبروا فيه وأن يتجردوا فيه للحق، لأنه لن ينفعهم الشيخ مولود ولا شيخ الشيخ مولود، ولا جميع مشايخ الأشاعرة، يوم لا ينفع مال ولا بنون! الحياد والنظر المستقل يبدأ بأن تراجع أيها الأشعري، من أين لك بقولك في "الكيفية" وقولك "بالعرضية" وقولك "بالجسمية" وما أساسك الذي تبني عليه في جميع ذلك تحقيقا، فإن صدقت في تمحيض الحياد والاستقلال بالنظر، صادقا في طلب الهداية، فأنا أقطع بأنك سترى الحق حقا، وسترزق التسليم له بفضل الله ومنته! ولكن هذا في أهل الأهواء كالكبريت الأحمر، نسأل الله السلامة! 

يقول: "إذن نريد جوابا على ما ذكر، فإنه سيفتح بابا للنقاش العلمي في هذا الموضوع، ولا أريد أن ننتقل إلى موضوع آخر ليس هو محل الحديث، لأن ذلك يشتت الذهن، ويفسد المناقشة والمباحثة، ولا نكون كما حصل مرة أنا كنا في الكلية، في موضوع الصناعة الفقهية، فتقدمت طالبة فقالت كلاما جميعا، وأتت بما يحمد، وكانت قضية الصناعة الفقهية معروفة، فيها مناقشة بعض المواضيع كالتوجيه والتخريج وما شابه ذلك، ففي نهاية الأمر وجد إنسان بالهندام الحسن، ويتكلم بشيء من الأبهة، فقلت هذا الرجل ربما سيغرقنا بالصناعة الفقهية، وسيدخلنا في معارف جديدة، وسيناقش الكتاب وربما ينتقده، فلم يهتم بهذا الموضوع نهائيا، وإنما قال: إن علم الأصول لا يوجد في سوس، وأنه يوجد في الدار البيضاء، والدليل على ذلك أنهم يدرسون الورقات! فمن الذي يتحدث عن جغرافيا الأصول؟! ثانيا حتى لو أردت أن تثبت الأفضلية لهذا المكان، قل كلاما يقتضي ذلك، وليس أن تقول ندرس الورقات! فلو قال مثلا: ندرس المحصول، ندرس البرهان، ندرس البزدوي، أما الورقات! وهذا يقال لمثله: أردت أن تصهل فنهقت! وهذا هو الذي يقع الآن في هذه المباحث، فكما في المثال: أريها السها، وتريني القمر!"

قلت: كل هذا لا يغنيك يا شيخ عما قررناه شيئا! وما ألزمناك به لا انفكاك لك منه إلا بالخروج من تلك النظرية اليونانية الفاسدة، أصولا وفروعا، والله يهدينا وإياك إلى الرشاد! 

ثم يختم الشيخ المقطع بقوله: "إذن فبداية المناقشة ما سلف! فمن أراد أن يكون مصفا عالما بدقائق المعاني، متعلما طريقة الجدل في بناء المعارف، مع استصحاب الأدوات ومناهج الكلام على تمامها، فليشاركنا في مناقشة هذا الموضوع بأدواته ومعداته ومنهجه حتى نصل إلى أن نثبت ما هو الحق في ذلك"

قلت: فما بال من يريد أن يثبت أن الآفة هي في الأدوات والمعدات والمنهج أصلا؟ كيف بمن يريد أن يبين لكم أن منهج علم الكلام منهج يوناني وليس مما استقر عند أهل اللسان الذين خوطبوا بنصوص الوحيين أصالة، ولا مما عرفوه أو ورد على أذهانهم يوما من الدهر؟؟ هذا يقال له: ليس هذا بعشك فادرجي! يقال له: دع عنك الكتابة لست منها ولو سودت وجهك بالمداد، وتنتهي القضية، والله المستعان! فأي نقاش هذا الذي تطلبه مع مخالفيك وأنت لا تريد أن تعترف لهم بالحق في أن يخالفوك في الأصول التي تصر على محاكمتهم إليها؟؟        

يقول: "وليعلم الجميع أن هذا الأمر إنما جلب القول فيه بعد توقيه لسنين، هذا الظلم والاعتداء على المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، فلابد أن نكشف حقائق المذاهب الكلامية، ونستخرج ما كان كامنا فيها على تمام، والغرض من ذلك الله عز وجل هو الذي يتولاه، فهذه كلمة مختصرة، على أننا مستعدون لمراجعة إليه وإلى غيره، على أننا سنأتي بالقواعد التي يعتمد عليها أهل هذا المسلك بالتتابع ونناقشها، وسنبين أنها مستنبطة من أحوال لا تدل عليها، كمثل هذه القاعدة أنت ترى انها أخذت من سكوت الصحابة، ولكن هل سكوت الصحابة يقتضي هذا الأمر؟ لماذا لا يقتضي أنها مجاز كما يقول الآخرون؟ فإذا اعتمدت على سكوت الصحابة في إثبات هذا، فسيعتمد الآخرون على سكوتهم في إثبات المجاز، وربما يكون الحق معهم، فأين هو دليلك؟ وأين هي حجتك؟ كل هذه اللوازم التي تأتي بها هي احتمالات، والاحتمالات لا يمكن أن تثبت العلوم في مواضع القطع كما هو معلوم في علم الكلام، والله أعلم."

قلت: قد ختم الشيخ كلامه بما ينقض عليه جميع ما بنى من حيث لا يشعر! فهو يقول هنا ما حاصله: إننا إذا استندنا إلى مجرد سكوت الصحابة، فلن يكون مستندنا إلا التأويل، أي تأويل ذلك السكوت، وهذا ظن ليس بقطع، فمن أين يأتي القطع الواجب في أمثال تلك المباحث التي يتعين فيها القطع لا الاحتمال؟ هنا لن تجد لديهم إلا النظرية اليونانية التي حملوها محمل القطع العقلي والحقيقة العقلية التي لا يماري فيها إلا غبي لا يفهم أو سفيه لا يعقل! فهل إذا بينا للشيخ وجه فساد تلك النظرية ومسلك الفلاسفة في بناء هذا الصنف من النظريات من الأساس، فسيقبل منا ويسلم بأن مذهبه واه لا يقوم على أساس عقلي صحيح كما يدعي، وأن تأويله لسكوت الصحابة تأويل بدعي متكلف لم يعرفه السلف وما كانوا ليعرفوه؟؟ نرجو ذلك، إن لم يكن له هو بخصوصه، فلغيره ممن هو معظم عندهم، رأس فيما بينهم، والله الهادي إلى سواء السبيل. 

انتهى المقطع عند هذا الحد، وبقي أن نعلق على مقاطع أخرى نشرها الشيخ بعد هذا المقطع، فيها أجوبة لأسئلة وجهت إليه وتعليقات على ما أحدثه مقطعه هذا من جدل وردود ومناقشات بين المشتغلين بهذا الباب بين موافقيه ومخالفيه، وهو ما نتمم به المقصود من هذا الرد فيما بقي من هذه المادة بحول الله وتوفيقه، والله يهدينا وإياه والمسلمين إلى سواء السبيل.   

يتبع إن شاء الله تعالى.

أبو الفداء حسام بن مسعود

غفر الله له ولوالديه ولأهله وللمسلمين.

إرسال تعليق