جواب سؤال مهم في مسألة البحث في الأديان

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله. أما بعد، فقد جاءني تعليق مهم على المقطع الذي نشرته أخيرا بعنوان "في قولهم: دعونا نبحث ونقارن بين الملل والأديان لعلنا نصل"، فرأيت أن أنشر الجواب عنه في مداخلة علنية عامة حتى يعم النفع إن شاء الله تعالى. قال صاحب التعليق وفقه الله:

"جزاك الله خيرا يا حبيب . ولكن قد يفهم من كلامك هذا أنه لا يجب على الدعاة عرض أدلة الإسلام على من يزعمون بحثهم في الأديان، كأدلة إعجاز القرآن البلاغية والغيبية والتشريعية والعلمية وأيضا معجزات النبي الحسية وإخباره بغيبيات كثيرة ونحو ذلك وإنما فقط يكتفوا بذكر مضمون رسالة الإسلام في دعوته إلى التوحيد. أتفق معك يا حبيب في أن مضمون رسالة الإسلام كاف لكل ذي فطرة سليمة، ولكن كما يقول شيخ الإسلام، أنه كلما كان طريق ثبوت الشيء طويلا كلما استحسنه البعض ورضي به بخلاف أن يكون باديا واضحا جليا." 

انتهى كلامه

وأقول في الجواب:

وأنت فجزاك الله خيرا. يا أخي الكريم، يجب التفصيل في هذا الكلام ولا يصح الإجمال. من تقصد تحديدا بقولك "من يزعمون بحثهم في الأديان"؟؟ 

أنا أتكلم عن أناس زعموا أن معنى التوحيد الخالص الذي جاء به الإسلام، والذي هو جوهر الرسالة ومضمونها، وهو موضوع القرآن ومضمونه، لا حجة فيه على أهل الملل، بل وأنه ليس يكفي مجرد تفرد محمد صلى الله عليه وسلم بدعوى أنه جاء بالتوحيد الخالص وبدعوة الناس لإفراد ربهم وخالقهم بالعبادة وحده لا شريك له، تصديقا للرسل والأنبياء من قبله، ليست تكفي تلك الحقيقة وحدها في حمل العقلاء الصادقين على الخروج من شركهم وقصده عليه السلام لسماع ما عنده! فمثل هذا في أي شيء يبحث وإلى أي نهاية ينتهي، إن كان هذا هو أساسه ومنطلقه ومبدأه في البحث والمقارنة؟؟

إن قدرنا أن كان من الناس من يبحث لأنه لا يدري أن الإسلام جاء بالتوحيد الخالص، وأن هذا هو مضمون القرآن وموضوعه الذي به نزل، وبه جاءت سائر الرسل، فهذا لا نتهمه بالجحود والهوى، وإن كنا نراه أمرا بعيد الوقوع قليل الحصول في زماننا هذا، والخلاف في تقدير ذلك وتعيين من يتصور فيه تلك الحال، واقع ومستساغ بين أهل السنة على أي حال. ولا شك أنه مما يستحسن مع من كانت هذه حاله – إن قدرنا وجوده – أن يساق إليه جميع ما عده علماؤنا رحمهم الله تعالى من جملة أدلة صدق النبوة، فإنه ولا شك أرجى لتقوية دواعيه لقبول الحق وتخلية النفس مما يخالفه، إضافة إلى ما نرجو أنه يحصل لها من تذكر شناعة الشرك وعظيم ما فيه من الظلم المبين، مع العمل على نقض وإبطال كل ما يعارض التوحيد عنده حتى تطمئن نفسه، وإن كان رأس الأمر وعموده في مخاطبته ينبغي أن يكون هو إسماعه القرآن وبيان معانيه له على أحسن ما في الوسع والإمكان، فإن أراد الله به خيرا أسمعه، وإلا فإنك لست بمسمع من في القبور.  

فالذي يقال له إن الشرك باطل، ولا يصح في العقل السوي أن يقبل رب العالمين دينا يعبد فيه بعض خلقه معه ويشرك فيه به سبحانه، ويرفع فيه شيء من خلقه إلى منزلته، فيقول: "لا أسلم لكم بهذا، ما الدليل على أن الشرك باطل؟" مثلا، أو الذي يقول: "لا أسلم لكم بهذا، بل قد يكون في تلك الأديان التي تسمونها بالشرك ما هو خير مما جاء به رسولكم"، فدعوني أبحث فيها لعلي أجد ما يرجحها عندي"، هذا كيف يقال إنه قد ترجى له الهداية من مخاطبته بما تفضلت بذكره؟؟ من كانت هذه حاله وكان هذا جوابه فهو مكابر لا خير فيه، واعلم يقينا أنك لن تأتيه بشيء من ذلك إلا قابلك بمثل ما قوبل به الرسل رضوان الله عليهم في عرضهم تلك الآيات والمعجزات نفسها على المعرضين والمكذبين والجاحدين من أقوامهم! 

وأما كلام شيخ الإسلام رحمه الله المشار إليه، فلا أتصور أن يكون مراده رحمه الله هو مخاطبة هذا الصنف الأخير الذي ذكرنا، بتقديم ما يستحسنونه هم من الأدلة والتخوض معهم كما يشترطون، أو أن نسكت عليهم ونمهل أحدهم عشرين أو ثلاثين سنة، مثلا، يبحث في مئات الأديان والملل والفرق بدعوى أن الحق لم يتبين له! ولا أن نتساهل فيمن يقول إنه لا يظهر له صحة دعوى التوحيد وبطلان الشرك، حتى بعدما سمع معاني القرآن بلغته ولسانه، وبينا له أن ما هو عليه محض شرك، وأن القرآن متوجه لمخاطبته هو وأهل ملته مع غيرهم من أهل الشرك، فنقول: إن كان هذا لا يكفيك، فسنسوق إليك إذن الآيات الدالة على الإعجاز اللغوي والبلاغي والتاريخي ومعجزات النبي عليه السلام، أو ما شئت من أنواع المعجزات في الإسلام وأبحاث مقارنة الأديان لعلك ترضى! مثل هذا لن يقبل منك ولو رأى الله جهرة! إذا كان لم يقبل أعظم البدهيات الجلية الظاهرة التي تقوم عليها حجة القرآن نفسها، فكيف يرجى منه أن يقبل ما دون ذلك؟ الذي تقول له: إن دعوى التوحيد المثلث، مثلا، باطلة جلية البطلان ظاهرة التناقض في أول العقل، فانته عنها واتق الله، فيجيبك بأن عقله لا يمنع ذلك المعنى ولا يرى به بأسا، وأن لديه اعتراضات على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وعلى بعض أقواله وأفعاله وبعض ما في القرآن، هذا لا يقابل بأن يساق له "أجوبة شبهاته"، ويؤتى من الأدلة الطويلة والأبحاث التفصيلية بما يشترطه، ولا نحسب أن شيخ الإسلام رحمه الله وضع سفره الضخم "الجواب الصحيح" في مخاطبة مثل هذا، فإن فمثله لن يرجع على ذلك إلا بالسفسطة والإفساد وتطويل الحق وتعميته على نفسه وعلى غيره من طالبيه! هو يزعم كذبا على نفسه من الابتداء جواز أن يكون الشيء شيئا واحدا وثلاثة أشياء، ولا يرى في ذلك ما يمتنع، ويرى جواز أن يتخذ الرب ولدا وأن يموت ويبعث من بين الأموات وأن يفدي خلقه بأن يصلب ويمتهن ويعذب من أجل أن يغفر لهم خطاياهم .. إلخ، فأي هداية ترجى له بذكر معجزات النبي الحسية، عليه السلام، بين يديه، أو معجزاته التاريخية أو الإعجاز اللغوي والبلاغي والتشريعي وغير ذلك؟؟ المصر على ذلك الباطل العظيم بعدما سمع بما جاء به محمد صلى امله عليه وسل ، هذا حقه أن يباهل لا أن يناقش! 

فنحن عندما نقول في معن من المعاني إنه باد واضح جلي، فإنما نقصد بذلك أنه واضح وضوحا لا يماري فيه إلا مكابر صاحب هوى! بخلاف المسائل التي تحتمل الخفاء والاشتباه، فتحتاج إلى بحث وتحقيق حتى تظهر، إن ظهرت. والقرآن لم يحاجج الناس إلا بما هو واضح غاية الوضوح، بل ليس في دعاوى الناس ما هو أوضح ولا أهدى منه! فصحيح إن الفطرة قد تدفن تحت طبقات من الأهواء والعقائد الباطلة، إلا أننا إن قصدنا إلى أصل الأمر وأساسه ونقضنا البنيان من قواعده كما هي طريقة القرآن، فقد أقمنا الحجة على كل من سلمت نفسه من الأهواء الصارفة عن قبول الحق، ولم يمار إذن إلا مكابر أو جاحد. والجاحد والمكذب لا يقال فيه إن الطريق الأطول في الإثبات هو المختار في مخاطبة مثله لمجرد أنه يستحسنه، ولا نظن أن هذا هو مراد الشيخ من كلامه، والله أعلى وأعلم. 

وكتب / أبو الفداء ابن مسعود

غفر الله له

إرسال تعليق