سؤال حول ما يقال له تجربة الاقتراب من الموت!

الحمد لله وحده. سألني أحد الأفاضل هذا السؤال: "هل هناك مانع شرعا من القبول أو التصديق بما يسمى بتجربة الاقتراب من الموت؟ وهل تنافي شيئا من عقائدنا في الروح؟"

فأقول في الجواب مستعينا بالله تعالى، مشترطا من الإيجاز غاية الوسع: 

نعم هي تخالف عقيدة المسلمين ولا شك، وقد تكلمت على هذه المسألة في كتاب الكشاف المبين بشيء من البسط. وبإيجاز يقال إن ما يسمونه Near Death Experience أو تجربة الاقتراب من الموت، لا علاقة لها بالموت أصلا، ولا يجوز للمسلم أن يعتقد ذلك، وإنما هي حالات من الوعي ما بين أن يكون الإنسان فيها منقطع الشعور بمن حوله، وقد توقف قلبه عن ضخ الدم في جسده، لكن لا تزال الروح قائمة به لأن أجله لم يحن بعد، ولم تأته ملائكة الموت ولا شيء من ذلك،  فإذا ما استعاد وعيه وشعوره بعدما استفيق قلبه، فإنه يروي ويقول رأيت كذا وكذا، مما تواطأ كثير من الناس على روايته (مسألة النفق المظلم الذي في آخره ضوء كما يقولون، ويزيد بعضهم فيقول رأيت أبي وأمي المتوفين وكذا، أو رأيت حديقة جميلة وأناسا يلبسون ثيابا بيضاء .. إلخ)، وبين أن يشعر الإنسان فيها وكأنما يحلق في السماء وينظر إلى جسده والناس من حوله يحاولون إفاقته، فيحكي ذلك بعدما يفيق أيضا. ولكن لا هؤلاء ولا أولئك يجوز أن يقال إنهم "اقتربوا من الموت"، بمعني أنهم رأوا ما يراه الميت إذا توقف قلبه! فهم يقصدون بقرب الموت Near Death أي في المرحلة الأولى من تلك العملية "الطبيعية" Natural Process التي يحاولون استكشافها، التي يقال لها الموت، أو سلسلة الحالات التي تنتهي في الإنسان بما نسميه بالموت، الذي هو عند الطبيعيين لا يزيد على أن يكون موت الدماغ وانقطاع عملها. فنحن نقول ليس هذا الذي يحكونه من الموت في شيء، ولا هو مرحلة من مراحله، لأن الموت لا يحصل إلا إذا جاءت ملائكة الموت تحقيقا. وملك الموت عليه السلام وأعوانه لا يبعث إلا لمن جاء أجله تحقيقا، وقد قال تعالى: ((فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ)) الآية [النحل : 61]! فالذي جاء أجله ورأى ما يراه الميت حقا، هذا لن يرجع أصلا حتى يروي ما رأى!! فالباب من الابتداء على غير مسماه! 

ولهذا يغلط كثيرمن المسلمين غلطا عظيما عندما يترجمون هذه القضية في كتبهم ومقالاتهم فيقولون: "العائدون من الموت" أو تجربة "العودة من الموت"! بل حتى قولهم "الاقتراب من الموت" لا يصح! فالذي يأتيه أجله ويرى ما يراه من جاء أجله، هذا لا يرجع ولا يعود أصلا حتى يقال إنه اقترب فعلا من الموت! والواقع أن الشياطين تتخبط الإنسان عند مظنة موته، فإذا ظن الشيطان أن أجل الرجل قد اقترب، فإنه يكثر من التلبيس عليه ومن التخليط عليه رجاء أن يفسد عليه خاتمته، نسأل الله السلامة. ولهذا كان عليه السلام يستعيذ بالله من تخبط الشيطان عند الموت. فإذا علم ذلك، لم يبعد أن يكون كثير مما يرويه هؤلاء (لا سيما رواية: رأيت نفسي وأنا محاط بالأطباء يحاولون إفاقتي، وما شاكلها) من تلاعب الشياطين بهؤلاء! فإن لم يفسدوا عليه خاتمته، يشغلونه عن التوبة والأوبة إلى الله تعالى قبل أن يأتي أجله، فلعلهم يغنمون منه بأن يروي للناس إذا أفاق، أنه رأى كذا وكذا، وعرف ما يراه الموتى وما يشعرون به قبل أن يموتوا .. إلخ، فتفسد بذلك عقائدهم وتختلط عليهم! وبعض الباحثين يفسرون تلك الأحوال بتأثير نقص الأوكسوجين في المخ عند توقف القلب عن ضخ الدم، على إدراك الإنسان ووعيه، وهذا التأثير الفسيولوجي إن قدرنا صحة كونه سببا فيما يراه هؤلاء في بعض الأحوال فلا أساس لتعميمه على كل حال، ثم إنه على أي حال لا صلة له بما يتعرض له الإنسان عند الموت تحقيقا، لأنه أمر غيبي مطلق التغييب، لا يراه من يراه ثم يرجع ليحكي ما رأى! فإنما يؤخذ العلم في ذلك من طريق السمع وحده. فمن كان مسلما ورأى شيئا من ذلك في تلك الأحوال، أي حال توقف قلبه ثم عودته بعد، فلا يجوز له أن يقول: رأيت ما يراه الميت، أي ما يراه حال قبض الروح أو قبيل ذلك، وليعلم أنه من خبط الشيطان ولعبه غالبا، وليستعذ بالله من تخبط الشيطان عند الموت، فإنه شديد، نسأل الله أن يختم لنا بالحسنى، وأن يخرجنا من الدنيا على طاعة، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

أبو الفداء.


إرسال تعليق