فالكلام إذن فلسفة تقوم على تكلف إثبات وجود الصانع وحدوث العالم باستعمال النظريات الميتافزيقية السائدة أكاديميا بدعوى الانتصار للدين، وهو ما يصبح بعدئذ – لا محالة - أساسا لتأويل النصوص بدعوى نفي معارضتها "للعقل" و"العلم" (ويقصد بهما تلك النظريات نفسها تحقيقا، وما ترتب عليها عند المتكلم من حدود وتعريفات ودعاوى كلية)! وإلا، فكل ما سوى هذه القضية التي يتكلف المتكلم كل طريق لنصب البرهان عليها (أعني حدوث العالم ووجود الصانع)، فهو خاضع عنده للنظر والاستنباط تبعا لما تقتضيه براهين الحدوث كما هو معلوم، وكما هي طريقة الفلاسفة الجدليين أيضا كما بينا! ولهذا فعلى نفس ترتيب الفلاسفة، ترى المتكلم يبدأ بتكلف البرهان الكلي الميتافزيقي لإثبات حدوث العالم ووجود الصانع أولا، ثم ينتقل بعد ذلك لإطلاق النظر والقياس العقلي في صفاته إثباتا ونفيا، وفي تقرير ما يجوز له وما يمتنع عليه من ذلك، ثم إثبات ما يوافق ذلك من النصوص الدينية ورد ما يخالفها رواية أو دراية، ملتزما في ذلك كله بما تقتضيه مقدمات ولوازم ذلك البرهان نفسه، ولا يجد لنفسه سبيلا إلا ذاك الالتزام المنهجي الكلي لأنه لو سقط ذلك البرهان بين يديه فسيلزمه خصومه بنفي وجود الباري نفسه في المناظرة، وإذن يرجع إلى حيث بدأ! ولذا فإنه إذا ما أثبت شيئا من المقتضيات واللوازم الضرورية لحفظ البرهان ودفع اعتراضات الفلاسفة عنه، صارت تلك المثبتات "ضروريات عقلية" لديه تحكما ودفعا بالصدر، ومن ثم صارت هي "القطع العقلي" الذي يجب أن يُحمل عليه كل نص، وأن يصار إليه بالتأويل ما اتسعت اللغة لذلك، وإلا تفنن المتكلم في طريق آخر من طرق تعطيل النص حتى تسلم له تلك الكليات التي لا ينتصب برهانه إلا بها (كقول بعضهم بإسقاط حجية حديث الآحاد في الاعتقاد مثلا)! ولهذا أيضا تراهم يتمسكون بتلك النظريات الميتافزيقية التي أسسوا عليها براهينهم أكثر من تمسك الفلاسفة بها، لأنها عندهم مقدمات ضرورية لأصل أصول الدين نفسه! فلا يدري المتكلم ماذا يصنع بعقيدته في صفة باريه وأفعاله، إن شهد في يوم من الأيام ببطلان ووهاء نظرية الجوهر والعرض (مثلا)! فمن ضخامة بنيانهم الذي بنوه على تلك النظريات، أصبح من غير المتصور لديهم الزوال عنها في يوم من الأيام، مع أن الفلاسفة قد انصرفوا عن ذلك التصور الميتافزيقي الأرسطي للعالم من قرون خلت، ولم يعد يتناوله القوم إلا في كتب تاريخ الفلسفة!
ولهذا تراهم اليوم يتكلفون تلبيس ميتافزيقا الطبيعيين المعاصرة بتلك النظرية القديمة، كتعلقهم بدعوى جسمية أو عينية "المتصل الزمكاني" الأينشتايني Spacetime Substantivalism! فالزمكان في ميتافزيقا الطائفة الغالبة على الفيزيائيين اليوم: جسم متصل متعين في الخارج، وهو محل لكافة الحوادث في طول التاريخ وعرضه، قد اتخذه الفلاسفة المعاصرون بديلا لحيز الجواهر اليوناني القديم، ولحيز الفراغ الوجودي النيوتوني من بعده! قتراهم يحاولون استعمال النسبية لتعضيد عقيدتهم القديمة بأن الله لا يسأل عنه بأين ولا بمتى! فإن صححوا القول بأن الزمان والمكان يندمجان في عين خارجية "متصلة" ontological continuum حدثت في الانفجار الكبير المزعوم بعد أن لم تكن، كما يزعمه قطاع عريض من الكونيين في هذا الزمان، كان في ذلك دعم لاعتقادهم القديم المؤسس على برهان الحدوث بأن المكان والزمان عرضان مخلوقان، فلا يصح أن يوصف الله بصفة تدخل في معناهما! ولا شك أن تصيير المعاني الذهنية إلى أعيان خارجية لازم من مجرد ادعاء أن العالم "يتركب" من شيء اسمه "جوهر" وشيء اسمه "عرض"، إذ الصواب في لسان العرب وجميع اللغات أن الصفة ليست جزءا يتركب منه الموصوف، فلا تطلق كلمة "تركب" أو "مركب" إلا وصفا للأجزاء المتعينة في الخارج للعين المركبة منها! ولكن النظرية تطلق إطلاقا ميتافزيقيا عريضا – على طريقة الفلاسفة – مفاده أن العالم كله من أوله إلى آخره يتركب من هذين "النوعين"! وأصحاب التنظير الميتافزيقي متلبسون بتلك الآفة لا محالة: أعني الخلط بين ما في الأذهان وما في الأعيان، بسبب حرصهم على إطلاق الدعاوى المجردة الشاملة بشأن العالم كله من أوله لآخره، بجميع ما فيه من موجودات، مستعملين في ذلك فنون العبارة اللغوية (كما في زمان فلاسفة اليونان) أو فنون العبارة الرياضية (كما في زماننا هذا)! ولهذا تلبس الجهمية بنفي الصفات، لأنهم صيروا مبدأ الصفة نفسه إلى ما سموه "بالعرض"! كل "تغير" في الصفات عندهم حدوث، وكل "متغير" عندهم "حادث" (هكذا)، لأنهم جعلوا التغير المشاهد في أجزاء العالم دليلا على حدوث العالم نفسه، ثم جعلوا ذلك دليلا على "مغير" لا يتغير! فلزمهم من ذلك نفي صفات الرب الاختيارية والفعلية جملة واحدة، وإلا كان "متغيرا" أو "محلا للحوادث"! ثم إنهم كذلك نفوا الصفات الذاتية لأن الصفات لما صارت في فلسفتهم الميتافزيقية اليونانية أعيانا في الخارج، لزم من القول بقدم الباري وقدم صفاته الذاتية القول بتعدد القدماء، أي الأعيان الوجودية القديمة! فبدلا من أن يرد عليهم الأشاعرة ضلالهم برد نظرية الجوهر والعرض الخرافية تلك ورد تنظيرهم الميتافزيقي المتنطع في توصيف أجزاء العالم ومفهومهم الساقط المترتب عليه لمعنى الحادث والحدوث، وبإرجاعهم إلى ما كان عليه الصحابة والسلف في مصادر تلقي المعرفة بالغيبيات المحضة (كمسألة أصل العالم وصفات الباري وأفعاله جل وعلا)، وفي سلامتهم من ذلك النوع من النظر جملة واحدة، أبوا إلا أن يجعلوا تلك النظريات نفسها أساسا للرد عليهم، والله المستعان!
ومن ذلك التلفيق دعوى المتكلمين المعاصرين أن ميكانيكا الكم المعاصرة تتبنى المبدأ الذري القديم الذي سموه بالجوهر الفرد (وهو القول بأن كل شيء في العالم يتركب من جسيم أولي دقيق غير قابل للانقسام، أو جزء لا يتجزأ)! وكذلك زعمهم أن نظرية الأوتار الفائقة (التي يعترف عامة الفيزيائيين اليوم بأنها نظرية ميتافزيقية صرفة لا علاقة لها بالحس والتجريب أصلا، بل إنها تقوم على ادعاء "أبعاد فراغية" خارجة عن قدرة الإنسان على إدراكها حسيا!) تثبت وجود الجوهر الفرد، مع أنها لا تثبت شيئا على الحقيقة، وإنما هي نظرية وهمية متنطعة لا يمكن إثباتها، كما كانت نظرية ديموكريتوس من قبل نظرية وهمية متنطعة لا يمكن إثباتها، وإن اختلفت لغة التنظير نفسها وأساليب الانتصار لتلك الدعاوى النظرية الميتافزيقية المحضة! فما زعمه بعضهم من أن النظرية الجسيمية Atomic Theory التي يتبناها الطبيعيون اليوم تنص على أن العالم يتكون من جسيمات أولية Elementary (أي لا تتجزأ) هذا غير صحيح، وإنما يعتقدون أن العالم يتركب من جسيمات قابلة للتفكيك، بصرف النظر هل تنتهي إلى جزء لا يتجزأ أم لا! ومسألة الجزء التي لا يتجزأ هذه من سخافات الفلاسفة والمتكلمين التي بين أئمة السنة تهافتها بما لا مزيد عليه ولله الحمد!
وقد زعم الأستاذ فودة في محاضرة أخرى من محاضراته أن ثمة فريقين في فلسفة العلوم الطبيعية المعاصرة يختلفان على تفسير العالم، أحدهما يقول بالطبيعة الجسيمية للعالم (أنه كله يتركب من جواهر فردة) والآخر يقول بالطبيعة الموجية (أي أن العالم كله يتركب من موجات)، وهو ما زعم أنه امتداد لخلاف الفلاسفة القدماء بين التصور الذري ونظرية الهيولى والصورة، مع أن الواقع أن الطبيعة الموجية هذه إنما هي نظرية بعضهم في طبيعة الضوء تحديدا، لا في طبيعة بناء العالم كله، ولا ترى اليوم عند الفيزيائيين ميلا أكاديميا عاما لا إلى هذه أو تلك، وإنما تضرب النظريات بافتراض جسيمات جديدة بصرف النظر هل تقبل التجزئة والانشطار أم لا، فتقبل في الوسط الفيزيائي إن أمكن تأويل بعض المشاهدات التجريبية لصالحها، وتظهر نظريات أخرى بافتراض جسيم لا يتجزأ فتجد أيضا من يقبلها لنفس السبب، ثم يظهر من يحاول الجمع بينها وبين غيرها بنظريات أعم! فأكثرهم يرجعون الأمر برمته (كتفسير ميتافزيقي) إلى نظريات الجاذبية الكمية Quantum Gravitation التي أراد أصحابها أن يفترضوا أساسا كليا مشتركا لنظرية الكم وللنسبية العامة معا، كنظرية الأوتار الفائقة المذكورة!
والحق أن الأشاعرة لا يتمسكون بإثبات الجوهر الفرد تمسكهم بأصل نظرية الجوهر والعرض نفسها وبغيرها من نظريات الحدوث وميتافزيقا بناء العالم لديهم، لأن الجوهر الفرد ليس من الأمور التي لو سقطت لسقط بنيان الاعتقاد على رؤوسهم كما هو الشأن في غير ذلك من نظرياتهم! لكن القصد أنهم أصحاب تنظير ميتافزيقي فلسفي موروث لا يزال يحملهم حملا على تلفيقه وتلبيسه مرة بعد مرة مع كل نظرية جديدة تغلب على الأوساط الأكاديمية في نفس الأمر، زاعمين أن "العلم الحديث" يدعمه، لأنهم بطبيعة الحال لا يسعهم إسقاطه برمته والزوال عنه لقيام الدين عليه عندهم! فما لا يقوم برهان وجود الصانع عند المتكلم إلا به، فإثباته واجب والانتصار له دين وعقيدة، مهما كلفه ذلك من تلبيس وتأويل!
والمتكلم إن طالبه قرينه الفيلسوف الدهري في يوم من الأيام بالترجيح بين الأديان ابتداءً، فسيرجع - لا محالة - إلى برهانه الذي أثبت به الصانع من قبل، وإلى مقتضيات ذلك البرهان في صفات الصانع وأفعاله التي خاض فيها ونافح عنها ما نافح، لتكون هي المرجح الأول في ذلك، وأساس البنيان البرهاني المطلوب، ثم سيدعي - تحكما أيضا ولابد! - أن نصوص الملة التي يعتنقها هي المؤدية إلى تلك القضايا الكلية التي خرج بها من محصول الخصومة والنظر! وهو ما يؤول - من جديد - إلى ركوب مطايا التأويل والقرمطة والتعطيل طولا وعرضا، إذ كيف يأتي المتكلم خصمه ببرهان فلسفي على وجود الصانع، ثم يدعوه إلى اعتناق دين تؤدي نصوصه على فهمها الموروث إلى مصادمة مقدمات ولوازم ومقتضيات ذلك البرهان؟ هذا أمر غير مقبول! ومن هنا ظهرت قاعدة المتكلمين في تقديم تلك القضايا النظرية الفلسفية على النقل وفهمه عند التعارض، وهي قاعدة الرازي المعروفة التي صنف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى سفره العظيم "درء تعارض العقل والنقل" في الرد عليها!
ثم قال الأستاذ فودة:
أنا حاولت أن أبين الخلاصة من مفاهيم الفلسفة، وسأحاول ذكر خصائصها كما ذكره أندريه آلان في موسوعته أو في معجمه الفلسفي. الخلاصة، حسب أكثر ما يقرره الفلاسفة هي أن الفلسفة في الحقيقة نظر بلا شرط. نظر بلا شرط. إذا أردنا أن نعيد تعريف مفهوم الفلسفة باستعمال الأسلوب الكلامي، باستعمال الأسلوب الكلامي يعني ما تعارف عليه من أساليب علماء الكلام: الفلسفة هي نظر بلا شرط. لا يشترط في النظر أن يكون صحيحا، لا يشترط في النظر أن يكون صحيحا ولا خاطئا. لا يشترط في النظر أن يفضي إلى هدف ما، لا يشترط في النظر أن يكون مطابقا للواقع، لا يشترط في النظر أن يكون معتمدا على رؤية واقعية، يمكن للنظر أن يكون اختراعيا، يمكن للنظر أن يكون استنباطيا من الواقع، يعني إيش بيسموها، انتزاعيا، كل أشكال النظر كل أنواع النظر تدخل في ضمن تعريف الفلسفة. ولذلك رأينا من تيارات الفلسفة ما لا يعترف بالأديان من أصلها، رأينا بعض تيارات الفلسفة يعترف بالأديان، بل قمم عالية من الفلاسفة يتبعون الأديان حقيقة، ورأينا بعض طوائف واتجاهات الفلسفة تقول أصلا الفلسفة ليست معنية لا بفهم الواقع كما هو ولا بشيء، الفلسفة معنية بتغيير العالم، كما قرره صاحب .. إيه .. لا مش ماركس، هو في الحقيقة صاحب "واتس فيلوسوفي" ... إيه .. سبحان الله .. (غير واضح) قال الفلسفة هي القدرة على اختراع المفاهيم، فقط، الفلسفة هي قدرتنا على اختراع المفاهيم، بناء على نظرته البراغماتية التي تقول إن العالم يتغير بفعل الإنسان، فالفلسفة ليست من وظيفتها وصف العالم بل إعادة خلق العالم وإنشاء العالم، إذن هذه الأطياف المتنوعة والأشكال والتيارات المتنوعة للفلسفة منها ما هو لصيق بعلم الكلام حسب ظاهر عبارات ابن رشد المخادعة – بنظري – ابن رشد الفيلسوف، ومنها ما هو يعلن عن نفسه فيقول الفلسفة أصلا ليست معنية بالدين، لا من قريب ولا من بعيد، وهذا ما عليه كثير، بل أكثر الفلاسفة من المقتدمين والمتأخرين، ومنها ما يقول الفلسفة ليست معنية أصلا بفهم العالم كما هو، الفلسفة معنية بتغيير العالم، ولذلك فالفلسفة عندهم هي اختراع المفاهيم. كل هذه الأطياف، كل هذه التيارات في ضمن الفلسفة، لذلك رأينا أن أقرب تعريف لمفهوم الفلسفة هو النظر بلا شرط. يقابله، تعريف علم الكلام: هو النظر بشرط. هذا هو الحدّ الجامع المبين الذي نستطيع به تلخيص العبارة على أجمع ما يكون وأخصر ما يكون، التي يتضح بها مفهوم الفلسفة، شاملة لجميع أنواعها، ومفهوم الكلام شاملا لجميع أنواعه كما سنرى.
قلت: مع أن الرجل قد تفطن - على ما يبدو - من محصول قراءاته إلى مسألة لامحدودية النظر عند الفلاسفة، الذي بينا رجوعه تاريخيا إلى أصل الفلسفة المدرسية اليونانية القديمة، إلا أنه تناقض عند تحريره تلك المسألة، فسماها بانعدام الشرط (النظر بلا شرط)، وهذا غلط محض، لأنه لو لم يكن لدى الناظر شرط ما، لم يصح أن يقال في عمله إنه "نظر" أصلا! فليست المشكلة في انعدام الشرط عند الفلاسفة، فكما بينا لا يزال القوم يضعون لأنفسهم النظريات المعرفية الكلية وأنواع الأسئلة التي يستجيز كل فريق منهم أن يطرحها للنظر والقياس، وأنواع الأقيسة التي يستحسنها في التماس الجواب عن تلك الأسئلة، كل بحسب هواه ومزاجه! فما جعله (تحكما) من بداهة وضرورة العقل، ومن حدود الصنعة نفسها، فهو شرطه في النظر الفلسفي، تبعا لنظره هو فيما يحلو له أن يطرحه للنظر! فالصواب أن يقال إن الفيلسوف لا يحد نظره حدّ إلا ما يختاره هو لنفسه بهواه، فيكون هو شرطه في النظر، وهو ما تتفاوت فيه مدارس الفلاسفة على التحقيق (أعني شرط النظر)! أما أن يقال إن الفلسفة هي النظر بلا شرط، فهذا غلط بين! وقد نقضه الأستاذ نفسه في قوله: "لا يشترط في النظر أن يكون صحيحا، لا يشترط في النظر أن يكون صحيحا ولا خاطئا"، فهذا عند فلاسفة ما بعد الحداثة من مقتضيات شرطهم ومنهجهم الذي اختاروه لأنفسهم (وهو شرط متناقض في نفسه لكنه شرط على أي حال، ومنهج كلي يلتزمونه في النظر)! أما أن يقال إن من سمات صنعة الفلسفة عموما أنها لا يشترط فيها أن يكون النظر صحيحا، فهذا غلط وتناقض ولا شك، وإلا فما من فيلسوف إلا وهو يدعو الناس إلى نتاج نظره بدعوى أنه هو الحق وخلافه باطل، وإلا فإلى أي شيء يجيبه الناس وعلى أي شيء يتابعونه؟ فكل هذه الشروط التي نفاها، هي منفية عند طوائف منهم، كل منها بحسب شرطها الكلي ومنهجها المعرفي الكلي الذي مارسوا الفلسفة عليه! فما نفاه هؤلاء من شرط في النظر أثبته أولئك، وما تحرر منه هؤلاء التزمه أولئك، كل منهم بحسب هواه ومزاجه في تقرير ما هو من الضروريات وما هو من النظريات، خدمة للنظرية الكلية التي يريد أن يصبح بها رأسا متبوعا بين الناس!
فإذا كان ذلك كذلك، كان الكلام مدرسة من جملة مدارس الفلاسفة كما بينا، تدور على شرط كلي وضعوه لأنفسهم وخالفهم فيه خصومهم ومخالفوهم في نفس الصناعة!
يتبع إن شاء الله تعالى
د. أبو الفداء ابن مسعود
عفا الله عنه
