تعليق على مقال سلطان العميري "الاستدلال بالقرآن على فرضية التطور الموجه .. قراءة نقدية"

 


تعليق على مقال للدكتور سلطان العميري بعنوان

"الاستدلال بالقرآن على فرضية التطور الموجه .. قراءة نقدية"

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أما بعد، فقد أوقفني بعض إخواني جزاه الله خيرا على مقال للدكتور سلطان العميري، فيه نقد لاستدلال د. عمرو شريف بالقرآن على نظرية التطور الموجه، والمقال بالجملة يجمع ردودا طيبة على قرمطة الرجل على آيات القرآن وتحريفه لكتاب الله تعالى، بيد أني ألفيته يفتتح المقال بكلام فيه غلط وسوء تصوير لمحل النزاع بين الدراونة الدهرية وبين الخلقيين النصارى أو الخلقويين كما يسميهم عمرو شريف، وسوء تصوير، وهو الأهم والأخطر، لمنزلة النظرية من حيث الثبوت المعرفي، ولمنطق الاستدلال فيها، فوجدته من الواجب بيان ذلك الغلط حتى لا يفتتن به شباب المسلمين، والله الهادي إلى سواء السبيل.

يقول الدكتور في مفتتح المقال: 

ظهر في الفكر الغربي تيار علمي كبير يقرّ بصحة فرضية التطور، وينكر القول بالخلق المباشر للأنواع الحيوانية، ويسلّم بأن وجودها في الأرض كان نتيجة تطور بيولوجي طويل الأمد، لكنه مع ذلك ينكر أن يكون حصول هذا التطور ناتجاً بالصدفة، ويرجعه إلى خلق الله وإرادته، وأضحت تسمى هذه النظرة: «فرضية التطور الموجه». ولم يقتصر تبنّي فرضية التطور الموجه على المفكرين الغربيين، وإنما تبنّاها عدد من المفكرين العرب المعاصرين، ورأوا فيها موقفاً راشداً جامعاً بين جميع الشواهد العلمية. ومن أشهر أولئك: الدكتور عمرو شريف، وهو يعد من أكثر من كتب في شرح هذه الفرضية والانتصار لها، وسيكون الحديث هنا مرتكزاً على أقواله واستدلالاته؛ لانتشارها وشيوعها في واقعنا. فقد ذكر أن المعترضين على فرضية التطور الدارويني صنفان، الأول: من ينكر التطور كلية ويؤمن بمفهوم الخلق الخاص لكل نوع، وهؤلاء يسمون «الخلوقيين». والآخر: من يقرّ بحدوث التطور وبأن الأنواع الحيوانية تشترك في أصل واحد وتطورت عنه إلى أنواعها الموجودة، لكنه ينكر أن يكون حدوث ذلك راجعاً إلى العشوائية والصدفة، وهؤلاء يسمون «مدرسة التطور الموجه»[1]. وجزم الدكتور عمرو شريف بأن كل الأدلة التي يستدل بها القائلون بالخلق الخاص، لا تبطل أصل فكرة التطور، وإنما تبطل الدارونية القائمة على الصدفة والعشوائية فقط[2]. ويرى أن حدوث الأنواع الحيوانية عن طريق التطور، حقيقة علمية ثابتة لا تقبل النقاش، وأن إنكارها يعد مخالفاً للمنهج العلمي، حيث يقول: «وقد جعلت منها الأدلة القوية حقيقة علمية ينبني عليها علم البيولوجيا بفروعه المختلفة»[3]. ويقول في نقده مواقف من خالفه من علماء المسلمين: «لقد وضع هؤلاء القرآن في موضع الرافض لما يتوصل إليه العلم من حقائق»[4]. ومع أنه يوافق أتباع الدارونية في قولهم بالتطور، إلا أنه أبطل أكثر أدلتهم، ويذكر أنه «بالرغم من اقتناعنا بالتطور فقد فنّدنا بموضوعية ما في هذه الأدلة والرسومات الكلاسيكية من تجاوز وأخطاء، ووضعنا الصحيح منها في موضعه، ونكرر مرة أخرى أن معظم هذه الأدلة قد أصبحت في ذمة التاريخ، وانتقل التطور إلى ملعب البيولوجيا الجزيئية جملة وتفصيلاً»[5]. وحين انتهى الدكتور عمرو شريف من عرض فكرة التطور الموجه، انتقل إلى بيان العلاقة بين هذه الفرضية ودلالات القرآن الكريم في خلق الإنسان، فابتدأ بالهجوم على المخالفين له، وقدح في موضوعيتهم ومنهجهم العلمي، وادَّعى بأن هناك «حاجزاً ضخماً يقف حائلاً بين المعترضين وبين التطور، حاجز ليس له علاقة بحقائق العلم وقوة أدلته ولا بآيات القرآن الكريم المحكمة، إنه حاجز يتمثل في إصرار الكثير على التمسك بالتفسيرات التراثية لآيات الخلق في القرآن الكريم»[6]. فهو إذن يرى أن دلالة نصوص القرآن على فرضية التطور الموجه محكمة ظاهرة، وأن من يخالف فيها ليست لديه حجة إلا الاعتماد على الآثار التراثية عن السلف والتمسك بها! ثم ذكر أن السلف إنما أخذوا بالخلق الخاص وفسروا القرآن بذلك؛ لنقص علمهم بالتاريخ والبيولوجيا. ولم يقتصر في تأثيره على عواطف القراء بالقدح في موضوعية المخالفين له، وإنما استحضر تاريخ الكنيسة الأسود في العصور الوسطى وأخذ يلوح به في وجه من يخالفه، فقال: «إن هذا الفصل صيحة نذير.. فالليالي قد تتشابه.. في العصور الوسطى عذبت الكنيسة في أوروبا العلماء وحرقت بعضهم؛ لأنها رفضت كلمة العلم حول كروية الأرض ودورانها حول الشمس، وأصرت على فرض مفاهيم أرسطو وبطليوس باعتبارها من أمور العقيدة.. وفي هذا العصر نكاد نحيا في علمنا الإسلامي ليلة تتشابه مع ليالي البارحة، فما زال بعض رموز علماء الدين المسلمين ممن لهم الكلمة المسموعة، يحيون على علوم العصور الوسطى وعلى فهم الأقدمين للآيات الكونية وآيات الخلق في القرآن وأحاديث الرسول»[7]. وما ذهب إليه الدكتور عمرو شريف في موقفه من فرضية التطور ودلالة القرآن عليها وطريقة تعامله مع تفسير القرآن؛ غير صحيح، وهو مبني على مقدمات خاطئة وتوصيف غير دقيق لمواقف المخالفين له، ومبالغة في نعت قوة موقفه وحججه، ويتبيَّن ذلك بالأمور التالية: الأمر الأول: ينطلق الدكتور عمرو شريف من أن فرضية التطور باتت نظرية علمية لا يقبل ثبوتها الشك أو الارتياب، وأن أمر صحتها محسوم باليقين، وجعلها الممثلة للعلم، وأنها لا تختلف عن النظريات العلمية الأخرى الثابتة، ووصف من يخالفها بأنه يخالف ما هو ثابت علمياً. وهذا الأمر مخالف للواقع، فإن فرضية التطور لم يحسم فيها الأمر بعد، وما زالت مثاراً للجدل والنقاش الحاد حتى يومنا هذا، وما زالت التيارات العلمية تتصارع حولها بشدة في كل محفل ونادٍ. ومع أن عدداً من المتبنّين لها أكثر من عدد الرافضين حتى وقتنا الحاضر، إلا أن عدد الرافضين ليس قليلاً، وشأنهم ليس ضعيفاً؛ فكثير منهم من العلماء البارزين في تخصصاتهم، وهناك هيئات علمية كاملة أعلنت رفضها نظرية التطور، وقد أنشئ موقع خاص على الشبكة الإلكترونية للعلماء المعارضين لفرضية التطور، وقد بلغ عددهم المئات، وهم مختلفون في توجّـهاتهم واختصـاصاتهم العـلمية، وما زالوا يقدمون من الأدلة والبراهين ما يضعف من فرضية التطور ويزيد من قوة موقفهم.

انتهى

قلت: ليس من الصواب أن نرد على الدراونة من تطوريين وتطويريين ومن شاكلهم بالاستناد إلى نفي الإجماع الأكاديمي إذا هم أثبتوه، وذلك لوجوه. فأما أولا: فليس للإجماع على النظريات التأويلية أو البارادايمات العلمية في الطبيعيات حجية البتة، وهم يعلمون ذلك ويعترفون به، ولو كانت له حجية بوجه ما، لما قبل المجتمع الأكاديمي ثورة أينشتاين على نيوتن، ولا ثورة كوبرنيكوس من قبلها على بطليموس، ولبقينا إلى اليوم متمسكين بأول نظرية حصل اتفاق أكاديمي عام عليها في كل مجال من مجالات البحث التجريبي بدعوى أن الإجماع قد انعقد عليها! فالصواب في هذا المقام أن نبدأ ببيان أن حجية الإجماع غير معتبرة في أي نظرية من نظريات العلوم التجريبية، حتى ما كان منها مداره على الاستقراء، إذ مهما كمل الاستقراء فإنه يظل ناقصا، مقيدا بقيود وشروط وظروف وأحوال فيما جرت به العادة والخبرة البشرية إجمالا، فكيف والحال أن باب تلك النظرية هو باب غيبي مطلق التغييب، توضع فيه الفروض لا على أساس إلا التحكم بالقياس، ويرجح بينها لا بشيء إلا بالتناسق الداخلي بين الفرضيات والتأويلات المبنية عليها لآحاد المشاهدات وللنظاميات السببية المستقرأة، وما يدخل في حكم ذلك إجمالا؟؟ والقصد أننا ينبغي أن نبين أنه مهما أجمع القوم على نظرية التطور أو غيرها في نفس الباب، فإجماعهم لا قيمة له في ميزان العلم والمعرفة البشرية بوجه من الوجوه! أما إن أغفلنا هذا التقرير المنهجي المهم في مقام كهذا، واكتفينا بأن نعدد العلماء والباحثين والجهات البحثية التي أنكرت التطور واعترضت عليه، لنصل إلى بيان أن الإجماع لم ينعقد، فهذا قد يفهم منه المخاطب أننا نقره على مبدأ حجية الإجماع في هذا الباب من الأساس، وهذا باطل غير صحيح. 

وأما ثانيا: فمع كثرة من ذكر الدكتور العميري مخالفتهم لنظرية التطور من المشتغلين بالطبائعيات، وتنوع انتماءاتهم الفكرية والتزاماتهم العقدية، إلا أنهم جميعا يعاملون معاملة الشواذ عن الإجماع الأكاديمي المعتبر عند الطبيعيين، ولا تقبل منهم دور النشر المحترمة في كبرى الجامعات الغربية أن ينشروا أفكارهم التي خالفوا بها النظرية! ولهذا فمهما لجأوا إلى المحاكم في أمريكا رجاء انتزاع حكم منها بجواز تدريس بضاعتهم للأطفال في المدارس على أنها نظريات علمية معتبرة ترقى لأن تقف على قدم المساواة مع نظرية التطور، خسروا القضية ولم يصلوا فيها إلى شيء! لماذا؟ لأنه ليس في دور النشر التي اتفق الأكاديميون الغربيون على اعتبار ما ينشر فيها من نزاع إجمالا، دار واحدة تجيز لهؤلاء نشر ما خالفوا به أو ترفع به رأسا! فمهما استعان القاضي في المحكمة بخبير من خبراء علم الأحياء، من المحررين القائمين على كبرى الدوريات العلمية فيه، مثلا، فلن يقولوا إلا بالتطور الدارويني لا محالة! وهو ما يعني أنك إن سلمت لهم بحجية الإجماع الأكاديمي في الباب، فلن يسلموا لك بدخول هؤلاء الذين سميتهم فيمن يعتبر بخلافهم أصلا في نفس الباب! فقولك: " وهذا الأمر مخالف للواقع، فإن فرضية التطور لم يحسم فيها الأمر بعد، وما زالت مثاراً للجدل والنقاش الحاد حتى يومنا هذا، وما زالت التيارات العلمية تتصارع حولها بشدة في كل محفل ونادٍ."، هذا يقال لك فيه: لم يحسم عند من؟ إذا كان المراد بالمتجادلين الذين لم يحسموا الأمر، الجامعات الكبرى ودور النشر الكبرى في المجال، من جانب، ومن يخالفونهم فيما اتفقوا عليه، فصحيح، الجدال مشتعل ولم ولن يصل إلى غاية أو نهاية أو حسم! وأما إن كنت تقصد بذلك، الباحثين في تلك الجامعات نفسها ودور النشر نفسها، فغير صحيح قطعا! ولهذا يتكلم الدكتور عمرو شريف وأمثاله في هذه البابة بثقة بالغة، كلما قالوا إن الوسط العلمي اليوم قد أجمع على قبول التطور والتسليم به في جملة الحقائق العلمية غير القابلة للجدال، ويعلمون أنهم يقفون في دعوى السلطان الأكاديمي Scholarly Authority على أرض صلبة لا حظ في نظيرها للمخالف! 

ادخل الآن يا دكتور إن شئت على شبكة Scopus مثلا، وانظر في أشهر الدوريات العلمية الكبرى في علوم الأحياء، التي توصف بأعلى معدل للتأثير الأكاديمي Impact Factor ويحرص الباحثون على النشر فيها من أجل الترقي في الدرجة العلمية في أي جامعة من الجامعات المرموقة في أي بلد في العالم، فلن تجد فيها دورية واحدة يشار فيها ولو من بعيد لما بات يقال له إجمالا "العلم الخلقوي" Creation Science! فإذا زعم هؤلاء أن هذا يكفي مستندا للقول بالإجماع في القضية، لم يجز أن ينقض عليهم ذلك بأن يقال: انظروا إن شئتم فيما ينشره معهد ديسكوفري الأمريكي وما شاكله! فحتى هؤلاء الذين تتعلق بهم، في ذلك "المعهد" ونحوه، يعترفون بأنهم يغردون بنظرياتهم خارج ذلك السرب، ولا يزالون يكافحون كفاح المستميت، طمعا في أن يحظوا بمعاملة الباحثين التجريبيين أصحاب النظريات المعتبرة أكاديميا! ولكن واقع الأمر أنهم لا يحترمون ولا يقام لنظرياتهم وزن إلا في نوادي النصارى المعجبين بما جاؤوا به، فيما بات يعرف كما أشرنا وكما قرره الدكتور عمرو، بالخلقويين! فمن غير اللائق بصاحب الحق، بل مما يعاب عليه ولا شك، أن ينتصر للحق الذي عنده بالتعمية على بعض الحقائق الواضحة التي لا يماري فيها إلا مكابر، أو بتصوير النزاع العلمي على غير صورته! فنحن نقول: نعم الأكاديميات الغربية العصرية قد أجمعت إجماعا سابغا على قبول دعوى تطور جميع الأنواع من سلف مشترك وعلى عدها من الحقائق المنتهية التي لا تقبل الجدال، هذا أمر نعترف به ولا إشكال، ولكن من ذا الذي قال إن في تنظيرهم في هذا الباب، أيا ما كان ما انتهوا إليه، ما يفيد المعرفة في نفس الأمر، وأن في إجماعهم إذا أجمعوا، حجة تلزم أهل الملل بقبوله والتسليم له؟ هذه هي القضية، وهي مربط الفرس عند التحقيق، فتأمل!

يجب أن يفهم الشباب أن الوسط الأكاديمي الغربي (أو "الوسط العلمي"، الذي يتعلق به د. عمرو شريف وأمثاله) كان ولم يزل جاريا على التزام منهجي دهري طبيعي صرف، في إطار ما يقال له إجمالا الطبيعية المنهجية Methodological Naturalism، فمن غير المستغرب البتة أن يجمعوا – إن أجمعوا - على الكفر والزندقة! يجب أن يفهموا ذلك جيدا، وأن يبين لهم، مع هذا، بوضوح وبحزم لا يلين، كيف يتعامل الباحث المسلم مع أنواع النظريات التي يتفقون عليها إذا اتفقوا والتي يختلفون فيها إذا اختلفوا، في كل موضوع من الموضوعات التي طرحوها للبحث الإمبريقي والنظر الطبيعي، بداية من تحرير الموقف الصحيح من مبدأ طرح هذا الموضوع أو ذاك للنظر من تلك الطريق من الأساس! لا أن يقال لهم "فرضية التطور" على هذا النحو الذي يوهم القارئ بأن تلك الأكاديميات لم تزل تتردد بين قبول فرضيات داروين وردها ولم تحسم موقفا في المسألة إلى الآن! نعم كانت في موازين القوم لا تزيد على أن تكون مجرد فرضية قبل أكثر من قرن ونصف من الزمان، يوم نشرها داروين أول ما نشرها، ولكن أين صارت اليوم؟! لم تزل عندهم مجرد "فرضية"؟ هذا يعلم أدنى طالب في علم الأحياء في أي جامعة من جامعات العالم وهاءه وبطلانه! ليست كذلك عندهم قطعا، بصرف النظر عن منزلتها عندنا! ولكن الشأن هنا ليس في منزلتها عندنا نحن المسلمين، فهي أحط من أن تعد فرضية علمية معتبرة أصلا في حقيقة الأمر، وإنما الشأن في تصوير حجم الدعوى ومنزلتها في المحافل العلمية الغربية التي يستند إليها أمثال عمرو شريف! "ففرضية التطور" هذه كما يسميها الدكتور العميري هي اليوم من كبرى النظريات العلمية حجما وسعة ووفرة فيما يعدونه من أدلتها، وأوسعها تشعبا وأدقها تفصيلا في مجالات تخصصية دقيقة في الأكاديمية الغربية المعاصرة تعد بالعشرات! هذه هي منزلة النظرية (وليس الفرضية) في الأكاديمية الغربية المعاصرة كما ينبغي أن تصور للناس، ثم يبين لهم الموقف الصحيح من ذلك كله كما هو حقه أن يبين! ولا يقال إنه جدال "لم ينحسم بعد"، وكأنما ننتظر أن ينحسم في يوم من الأيام! فإن كان المراد الموقف المعتمد أكاديميا عندهم، فقد انحسم وقضي الأمر كما تقدم، ومن يخالف لا عبرة به عندهم. وإن كان المراد بالحسم أن يظهر الحق بين المتنازعين في القضية من داخل الأكاديمية وخارجها، فهو ظاهر بحول الله وفضله، لا يتشبه إلا على من لم يضبط الأمر كما حقه أن يضبط، ولم يتصور ذلك النزاع كما حقه أن يتصور! لا يأتي القوم من طريقهم أبدا بشيء يرجى معه أن ينحسم الجدال فيما إذا كانت جميع الأنواع قد نشأت بالتطور من سلف منحط كما يزعمون، أم نشأت بما يسمونه بالخلق المباشر! فالحق أن كلا الفريقين المتنازعين في بلاد الغرب في ذلك الباب (فريق الطبيعيين الأكاديميين الرسميين، ومخالفيهم من أصحاب البحث الخلقوي النصراني كما يسمى)، ليسا على شيء البتة، ولا يمكن أن يكونا على شيء يترجح به قول على قول، أو نظرية على نظرية! لماذا؟ لأن موضوع الفرض والتنظير لا قياس له أصلا على شيء مما في العادة، وكلا الفريقين – مع هذا – ملتزمان فيه بالطبيعية المنهجية الصرفة طريقا لتحصيل المعرفة، حتى عند تطرقهم لافتراض وجود "مصمم ذكي" كما يسمونه، يفسرون به ما يسمونه بالتعقيد غير القابل للاختزال! 

فلسنا نثبت إجماع الأكاديميات الغربية على نظرية التطور كما يثبته عمرو شريف وحسب، بل إننا نقول إن النزاع الغربي السائد حاليا في الباب، إذا تحرر لدينا كما حقه أن يتحرر، لتبين أن الواجب على المسلمين أن يخرجوا منه بالكلية، وأن يردوا على كلا الفريقين ما عندهم على السواء، الدهرية والخلقويين معا، كما أطلت النفس في بيانه في كتاب معيار النظر عند أهل السنة والأثر! 

فأما ثالثا فنقول: ليست حقيقة هذا النزاع الخلقوي (أمريكي الأصل بجملته) الذي تتعلق به هنا يا دكتور عميري هو أنه نزاع بين من يقولون بالتطور ومن يتبرؤون منه بالكلية! وإنما هو نزاع بين من يعتنقونه منتصرين به للدهرية الصرفة، ومن يعتنقونه هو نفسه، على ما هو عليه أو بتعديل ما، ليؤسسوا عليه وجود "مصمم ذكي" له تدخل Intervention في جريان الأسطورة الداروينية بصورة ما أو بأخرى!! وصحيح إن من النصارى المعاصرين من يسقط تلك الأسطورة داروين بكليتها، من أولها لآخرها، ويقول إنها خرافة تصادم ما في الكتاب المقدس، إلا أن هؤلاء وإن كانوا يدخلون إجمالا في مصطلح "خلقويين" إلا أنهم ليسوا طرفا في ذلك النزاع الذي يحرص إخواننا على نقله للشباب على أنه نزاع أكاديمي معتبر بين نظريات "علمية" لكل منها أنصارها في الوسط العلمي كما يسمونه! فأصحاب ذلك الموقف الصارم، على قلتهم، لا يتخذونه تأسيسا على نظرية بديلة يريدون نشرها والانتصار لها لتقوم في الوسط الأكاديمي البيولوجي مقام نظرية داروين! وإنما يتخذونه تأسيسا على خلفية دينية اعتقادية صرفة لديهم! النظرية مخالفة للكتاب المقدس، وانتهت المسألة، ولسنا مطالبين باعتناق نظرية أخرى في محلها! فهؤلاء ليسوا أصحاب "علم خلقوي" Creation science كما يسمى، ولا يتعلقون بنظرية بديلة ينصرونها ويقولون إنها هي العلم في الباب، خلافا لأولئك الذين قالوا: بل إن المشاهدات والأدلة العلمية التجريبية تفيد بخلاف ما ذهب إليه داروين وأتباعه من زعمهم العشوائية المحضة في آليات النشأة والتطور، وبيان ذلك كذا وكذا! وهذا تفريق منهجي دقيق يجب أن ينتبه إليه إخواننا، لأنه لا يجوز لمن يتصدر في هذا الباب أن يقدم على الكلام فيه قبل أن يضبط أقوال الناس ومذاهبهم، ويقوم بما يجب عليه ابتداء من تحرير الموقف الصحيح من تلك الأقوال، حتى يعرف أين يضع قدميه وعلى أي أرض يقف! وهو ما فوته هؤلاء الإخوة هداهم الله وتجاوزوه بالكلية لما هجموا على كتب أصحاب نظرية التصميم الذكي بالترجمة والنقل منبهرين بما فيها من استدلالات أصحابها، والله المستعان! 

فلم يزل يخرج علينا من آن لآخر من يقول معترضا: إننا نضع الخلقويين النصارى في سلة واحدة ونعاملهم وكأنهم فرقة واحدة، مع أنهم في الحقيقة فرق شتى، منهم من هو أقرب إلى الداروينية الإلحادية، ومن هو أقرب إلى الاعتقاد الكتابي الموروث عند النصارى! وهذا صحيح إجمالا ولا شك، ولكن يا إخوان، في أي شيء اتفقت تلك الفرق الشتى وفي أي شيء اختلفت فيما بينها؟؟ هذا أمر يجب أن تحرروه تحريرا صحيحا لا لبس فيه! أنتم جميع من تعلقتم ببضاعتهم إنما هم من يقدمون ما يعدونه تنظيرا "علميا" صحيحا في القضية Proper Science، وهؤلاء جميعهم ينطلقون في نظرهم التجريبي في هذا الباب من مسلمات الطبيعية المنهجية بالضرورة، ولهذا من التبعات والمقتضيات المنهجية والعقدية ما لا يجوز للمسلمين أن يتهاونوا فيه، وله من الثمرات والتبعات العقدية فيما انتهوا إليه ما لا يجوز للمسلمين أن يقبلوه! 

خذ ويليام دمبسكي على سبيل المثال، فالرجل مع أنه ممن يصرحون بالعداء العلني المفتوح لنظرية داروين، إلا أنه في الحقيقة إنما أسس موقفه منها على التسليم بجملة من مسلماتها جريا على الطبيعية الدهرية، حتى يصل، على طريقة اللاهوت الطبيعي، لإثبات مصمم ما، بالتفريق بين ما هو تعقيد يبدو مخصصا لغرض ما (مصمما)، وتعقيد يبدو عشوائيا، أي جاريا على غيرما هدف أو غاية تظهر للناظر إليه! فطريقة الرجل كما بينت في كتاب المعيار، تقتضي حصر طريق الحكم على الموجودات بما إذا كانت ناشئة عن غاية وحكمة عند صانع ما، أو غيرَ ذلك، باستعمال الأقيسة التجريبية نوعا، بحيث إن ظهر في شيء ما، في حدود قدرتنا على التتبع، أن كونه على ما هو عليه، هو شرط ضروري لقيامه بوظيفة ما، ترجح لدينا حينئذ، وحينئذ فقط، أن ثمة من خلقه وضبطه لغرض ما، وإلا بقي الأمر على أصله: العشوائية الوجودية الصرفة! فالطريقة التي سلكها الرجل، وبسطت الكلام عليها في الكتاب، في التفريق بين ما هو عشوائي وما ليس بعشوائي، تقتضي إثبات ما هو عشوائي وجوديا، من أجل أن يكون للقياس أساس يقوم عليه! ولهذا أسس صاحبه مايكل بيهي مسألة التعقيد غير القابل للاختزال، تأسيسا تاما على طريقة داروين في تفسير ما يعد في المقابل تعقيدا قابلا للاختزال، فلم يزد محصول تلك الحملة الخلقوية الكبرى في نهاية الأمر على أن يكون التماسا لإضافة آلية ثالثة لكل من الانتخاب الطبيعي والطفرة العشوائية المحضة، آلية سموها بالمصمم الذكي، وبنوا إثباتها – إمبريقيا – على التفريق بين ما يوصف بأنه تعقيد قابل للاختزال وما لا يوصف بذلك!! ثم لم يزل بيهي إذا سألته عن نظريته هل هي نظرية نصرانية يريد بها إثبات إله النصارى أم لا، لم يزل يتنكر لذلك، ويقول بكل صراحة إنها نظرية علمية صرفة لا علاقة لها بالكنيسة، ولو أنك اعتقدت أن الذي خلق الحياة على الأرض إنما هو كائن فضائي متطور، لم تمنعك النظرية من ذلك! ونحن نقول بل إنها تقتضي ذلك أصلا، وتوجبه على من يعتنقها، شعر بذلك أم لم يشعر، لأن العالم الذي تصوره لك النظرية في نهاية الأمر، ومهما زعم أنصارها أنها تهدم نظرية داروين وتنسفها نسفا وهذا الكلام، إنما هو أنه عالم عشوائي طبيعي صرف من حيث الأصل، بقي كذلك لبلايين السنين حتى جاء "المصمم الذكي" وتدخل فيه أخيرا بصناعة الخلية الأولى بما فيها من آلات دقيقة غير قابلة للاختزال، على اصطلاح الرجل، ثم مضى التطور على المستوى التشريحي من أصل منحط، بآليتي الانتخاب والطفرة، كما هو مقرر في التاريخ الطبيعي الدارويني ولا إشكال! فالخالق إنما هو عندهم خالق لما لا يقبل الاختزال، وأما ما يقبله، فهو عشوائي طبيعي محض! ولا طريق أمامهم لإثباته من آلة النظر الطبيعي كما فعلوا إلا بأن يجعلوه كذلك لزوما! هذا هو ما يتوجه إليه شبابنا عند النظر في أدبيات ما يقال له "التصميم الذكي"، وليس الاعتقاد بوجوب أن يكون ثمة خالق حكيم عليم قد خلق كل شيء بحكمة وإرادة دون دخول للعشواء في القضية! هذا ليس اعتقادا "علميا" Scientific وإنما هو عندهم اعتقاد ديني يبطنونه تحت النظرية، على تناقض عميق في ذلك! 

ولهذا نقول إن نظرية التصميم الذكي لا تتفق في الحقيقة مع نظرية التطوير الإلهي (أو التطور الموجه كما تسمى)، بل تخالفها مخالفة جذرية، لأن الأولى تؤسس على إثبات الآلية العشوائية الوجودية، لتثبت آلية تصميمية مضافة إليها، خلافا للثانية التي تنفي العشوائية بالكلية، ومن ثم لا تدخل الصانع إلا على أنه قوة غيبية صرفة تحرك كل قانون وتخلق كل شيء، على دركات بين القول بالصانع الربوبي والقول بالاتحاد الطبيعي Naturalistic Pantheism كما بينت في الكتاب! فالقوم مضطربون في هذا في أدبياتهم أعظم اضطراب، ما بين نفي العشواء الوجودية بالكلية وإثباتها بقيود، ولا ينتبهون إلى رجوع ذلك عليهم بالتناقض في أصل الأمر، وما ذاك إلا لأنهم إنما أسسوا موقفهم على الطبيعية المنهجية الصرفة التي توجب أن يكون الاعتقاد في وجود أي موجود، مؤسسا على المنهج التجريبي المحض، على أساس أنه ليس في الوجود إلا الطبيعية وما هو طبيعي على أي حال! 

فحقيقة تلك "الأدلة" التي يقول فيها الدكتور: "وما زالوا يقدمون من الأدلة والبراهين ما يضعف من فرضية التطور ويزيد من قوة موقفهم." أنها من نوع لا يجوز للمسلم أن يقبله أصلا في هذا الباب! ولا يقبله القوم إلا على تناقض منهجي بالغ، كما لم أزل ماضيا في بيانه في الرد على ألفين بلانتينغا في نقده على الطبيعية المنهجية، في سلسلة محاضرات مخصصة لذلك على قناة إقناع! ولا يخفى أنك عندما تقول إن أدلة أحد الفريقين، يضعف من فرضية كذا ويقوي من فرضية المخالفين، فإنك بهذا تحكم لكلا الفريقين معا بالجريان على نفس المنهج الكلي في النظر والاستدلال في هذه البابة، فما هو هذا المنهج وما تحريره عندنا وما الموقف الصحيح منه كما ينبغي أن يكون عليه المسلمون؟؟ وهل يصح للمسلم أن يقبل مبدأ استعمال آلة النظر وتوليد الفروض التفسيرية الطبيعية في هذا الباب أم لا يصح من الأساس؟؟ هذه مسألة يجب أن تشتغلوا بتحريرها أولا يا إخوان، قبل أن تتطرقوا إلى الرد على عمرو شريف أو غيره، فالأمر له من التبعات واللوازم الاعتقادية ما لا يتصوره أكثر المشتغلين بترجمة تلك الكتب ونقلها من بني جلدتنا هداهم الله! يا دكتور فرضية التطور ليس فيها قوة أصلا حتى تكون أدلة المخالفين مضعفة لها! النظرية تقوم قياما كليا على الدور في الاستدلال، كما بينت ذلك في الكتاب وغيره! وقد انتقدها بنحو هذا المعنى بعض المعاصرين لداروين نفسه، وقالوا إن غايتها أن تقدم تفسيرا جائزا عقلا من جملة التفسيرات الجائزة لنشأة الأنواع الحية على الأرض (مع أننا نحن المسلمين لا يجوز أن نعتقد حتى جواز التفسير الدارويني لما يقتضيه من نسبة الرب سبحانه وتعالى للجهل والقصور عن حسن التقدير في الخلق)! فأين ذهبت تلك الاعتراضات اليوم؟ دفنت تاريخيا تحت عجلة الطبيعية المنهجية الدهرية الصارمة التي كانت ولم تزل تحكم الأكاديمية الغربية منذ أن نشأت في اليونان قبل ثلاثين قرنا أو يزيد، وإلى الله المشتكى! فالواجب أن نبين للمسلمين أننا لسنا تطوريين ولا تطويريين ولا خلقويين ولا دخل لنا بذلك العبث والسخف، والتجاوز البالغ لحدود آلة النظر التجريبي، بل نرده كله من بابه، والله المستعان! 

يقول الدكتور: "الأمر الثاني: أما ما حَكَم به الدكتور عمرو شريف من أن جميع الأدلة والبراهين التي نقض بها الخلقويون فرضية التطور، لا تدل على إبطال مبدأ التطور، وإنما غاية ما تدل عليه إبطال العشوائية والصدفة؛ فهو توصيف غير صحيح، بل إن الأدلة والبراهين التي قدموها تدل على أمرين أساسيين، هما: الأول: إبطال وجود أي أثر للصدفة والعشوائية في الكون والحياة، وذلك عن طريق إثبات التعقيد غير القابل للاختزال. والآخر: إبطال حدوث التطور بالانتخاب الطبيعي البطيء، وذلك عن طريق حساب الاحتمالات الذي أثبتوا من خلاله أن الزمن الذي يتطلبه حصول التطور يفوق عمر الكون بأضعاف مضاعفة، وقد وافقهم على هذه الدلالة بعض أتباع فرضية التطور، ولجؤوا لأجل ذلك إلى القول بالطفرات والقفزات الانتقالية. فتبيّن إذن أن توصيف الدكتور عمرو شريف لطبيعة دلالة براهين المعارضين لفرضية التطور؛ غير صحيح، وثبت أنه اختزل دلالتها بصورة كبيرة جداً. ومن أراد أن يثبت التطور الموجه فعليه مع إثبات بطلان الصدفة أن يقدم جواباً مقنعاً عن أن ما يدل عليه حساب الاحتمالات من إثبات أن التطور البطيء للأنواع الحيوانية يمكن أن ينسجم مع العمر المحدد للكون، وهذا ما لم يفعله الدكتور عمرو شريف."

قلت: بل ما حكم به عمرو شريف من كون أدلة الخلقويين لا تنقض أصل نظرية التطور، هو فيه مصيب إجمالا على التحقيق! وقولك أنت يا دكتور إن أدلتهم تبطل "وجود أي أثر للصدفة والعشوائية في الكون والحياة، وذلك عن طريق إثبات التعقيد غير القابل للاختزال" يدل على سوء فهم ظاهر لفكرة التعقيد غير القابل للاختزال عند مايكل بيهي ومن تابعوه عليها! فالرجل إنما بدأ بتصنيف الموجودات الحيوية Biological Entities إلى صنفين كليين، صنف تعقيده يقبل الاختزال، وصنف لا يقبل تعقيده الاختزال. ويقصد بقبول الاختزال، أي أنه يجوز نظريا أن يكون النوع (أ) من الفئة الأولى (أي القابلة للاختزال) قد خلق من سلف منحط، لا على أساس إلا "إمكان" الإتيان بتفسير تطوري سهل لكون بنيته البيولوجية على ما هي عليه، وذلك بالبحث في الأنواع الموجودة حاليا، كما تكلفه داروين، وتصنيفها من حيث مشابهة (أ) هذا بعينه محل التفسير، على طبقات من حيث "التعقد" Complexity و"البساطة" Simplicity، فيما يزعم، فيجعل ما يعده أبسط، دليلا على أن (أ) هذا إنما نشأ بالتطور من سلف مشابه له! وأما الصنف الثاني أو الفئة الثانية من النظم البيولوجية المعقدة، فهي تلك التي زعم بيهي أنه ليس من الممكن تفسيرها تطوريا على هذا النحو، على أساس أنك مهما أزلت من النظام الحيوي أي جزء من أجزائه فلن يقوم بوظيفته وإذن فلن ينتخب للبقاء، وإذن فلا محل لها في المنظومة التطورية إلا بأن تكون قد نشأت في أول الأمر مركبة سلفا على ما نراها عليه لا على غير ذلك. فالذي يقبل منه هذا المفهوم، يلزمه قبول جميع ما قام عليه عنده من مقدمات فلسفية ومنهجية وإلا تناقض! ومن تلك المقدمات كما ترى، ما يقوم قياما كليا على فلسفة داروين في بنائه نظريته نفسها، بداية من التسليم المبدئي بجواز أن تكون نشأة جميع الأنواع مستوعبة في نظرية طبيعية واحدة، فإن لم تكن نظرية داروين على ما هي عليه، فلتكن هي نظرية بيهي الداروينية المعدلة، التي ما عدلها إلا خضوعا لشرط داروين نفسه، كما ذكر ذلك في كتابه الأشهر "صندوق داروين الأسود"! ومعلوم أن مخالفيه لما أرادوا أن يردوا عليه نظريته تلك، لم يحتاجوا لأكثر من أن يتكلفوا تفسيرا داروينيا لنشأة جميع الأمثلة التي ضربها لنظم حيوية جزيئية دقيقة غير قابلة للاختزال، لا فرق بينه عند التأمل وبين تفسير داروين نفسه للعين ونشأتها، ذلك التفسير الذي قبله بيهي إجمالا، ثم زعم أن تلك النظم التي ضرب المثل لها في كتبه لا يمكن تفسيرها بمثل ذلك! فإذا كان ذلك كذلك، فبالله كيف يصح أن يقال إن إثبات بيهي للتعقيد البيولوجي غير القابل للاختزال كما يسميه، ينافي "وجود أي أثر للصدفة والعشوائية في الحياة" على هذا المعنى؟؟ يا دكتور مجرد تخصيص أنواع معينة أو نظم حيوية بالزعم بأن "تعقيدها" غير قابل للاختزال لنظم أبسط بحيث تكون قد تطورت منها، هذا يقتضي إثبات نظم أخرى يقبل تعقيدها الاختزال، وهو ما يقوم بدوره على فلسفة داروين في تصنيف الأنواع الحية إلى بسيط منحط، ومعقد أرقى منه، وادعاء نشأة الثاني بالتطور من نظير الأول! فبالله كيف يكون مبطلا لأصل دعوى التطور، ولوجود أي أثر للصدفة والعشوائية في الحياة، من يعتقد أن الحياة نشأت في ابتداء الأمر على انحطاط وضعة و"بساطة" (على المعنى الدارويني الذي ابتلعه بيهي)، ثم نشأت أنواع جديدة بعدُ بالتطوير عليها والتحسين و"التعقيد" المتدرج بآليتي داروين المزعومتين، وأنواع أخرى نشأت على تعقيدها الذي يراه – تحكما - مخصوصا بكونه "غير قابل للاختزال"، دفعة واحدة بالتصميم المباشر دون تطور، وكيف تكون أدلته التي أثبت بها هذا الموقف المخزي مفضية إلى إزالة "أي أثر" للصدفة والعشوائية الداروينية في الكون والحياة؟؟ سبحان الله! الاختزال Reduction هذا عملية ذهنية محضة أصلا، ما أن يتكلفها الباحث الدارويني في بناء نظريته حتى يصبح مجرد إمكان ذلك وسهولته عليه هو الدليل على صحة ما زعم في نفس الأمر! المنظر هو الذي ينظر هل يمكنه هو أن يفكك النظام الحيوي الذي بين يديه إلى أجزاء يجوز أن يكون قد وجد فيما مضى نظام حيوي مركب من بعض تلك الأجزاء دون بعض، بحيث يكون النظام الحالي قد نشأ بالترقي منها في وهمه وخرفه أم لا، فإن وجد أنه يمكنه ذلك، جعل هذا هو دليله على أن هذا قد وقع فعلا!! ولهذا لم يزد بيهي على أن يقول: لن تتمكنوا من تفسير هذه النظم الجزيئية الدقيقة التي جئت أنا بها بإثبات نظم أبسط وأقل تعقيدا، ولم يزيدوا هم في الرد عليه على أن أخرجوا له نظما فيها الشرط الذي شرطه، وإن كانت تقوم بوظائف أخرى! فإذا كانت العين البشرية، مثلا، قد ترقت من بشيء يشبه العين ويقوم بالاستشعار فقط دون الإبصار كما نراه في بعض الأنواع، وأنت يا بيهي تقبل من داروين وأتباعه هذا التفسير لنشأة العينين في رأسك، فما الذي يمنعك من أن تقبل تفسير من ردوا عليك في الفلاجيلام موتور مثلا الذي ضربت به المثل، إذ وجدوا بالفعل آلات جزيئية أخرى مشابهة مع كونها فاقدة لبعض أجزائه، وهي قائمة في الخلية بوظيفة أخرى، فقالوا لابد أن هذه قد تطورت من تلك؟؟ إن كان هذا هو الاختزال الذي زعمت أن هذا النظام الحيوي لا يقبله، فها هم قد اختزلوه كما اختزلوا العين البشرية من قبل! فكما قبلت هذا يلزمك قبول ذاك ولا فرق، وأن تشهد لجميع الأنواع كما يؤمنون هم، ولجميع النظم الحيوية، بالقبول المبدئي للاختزال على الوتيرة نفسها! فبالله يا دكتور كيف يكون صاحب هذه الدعوى مبطلا لكل أثر لوجود العشواء والصدفة في الكون والحياة؟؟ يا إخوان قد عجلتم على أنفسكم والله ولم تفهموا أصول الأمر كما حقه أن يفهم، فاتقوا الله في الشباب الذين تخاطبونهم بهذا الكلام! 

قوله: "إبطال حدوث التطور بالانتخاب الطبيعي البطيء، وذلك عن طريق حساب الاحتمالات الذي أثبتوا من خلاله أن الزمن الذي يتطلبه حصول التطور يفوق عمر الكون بأضعاف مضاعفة، وقد وافقهم على هذه الدلالة بعض أتباع فرضية التطور، ولجؤوا لأجل ذلك إلى القول بالطفرات والقفزات الانتقالية." قلت: هذا كسابقه، مبني على سوء تطبيق لنظرية الاحتمالات وسوء فهم لمنطق الترجيح الاحتمالي من مبدئه، وإن كان مصدر ذلك الفهم عالم رياضيات كويليام ديمبسكي! يا دكتور، أنت من أجل أن تقول إن احتمالية وقوع الواقعة (أ) أو احتمالية أن تكون قد وقعت في الماضي، مقدارها (س)، حيث (س) هذا مقدار محصور بين الصفر والواحد الصحيح، فلابد أن تكون قد تحصلت في خبرتك من الأشباه والنظائر على ما يكفي لبناء ذلك التقدير على أساس معقول! فهلا نظرت في حساب الاحتمالات هذا الذي زعمه ديمبسكي، على أي أساس بناه يا دكتور؟ موضوع النظرية هو ما جرى في الماضي السحيق من حوادث خلق الله بها جميع الأنواع الحية على الأرض على غير مثال سابق! تلك الحوادث التي دلت نصوص المسلمين في الكتاب والسنة، التي يفترض فيك أنك من القائمين على تدريسها للناس، على أنها وقعت في أيام الخلق الستة، التي تقدمت ضرورة على انتهاء الأرض والسماوات إلى أن تكون على ما نعهدها اليوم عليه! فهذه حوادث غيبية مطلقة التغييب بأول العقل! وهو ما يوجب بداهة وضرورة ألا يكون قد وقع في عادتنا ما يناظرها بحيث يوصل إلى معرفتها بالقياس عليه! فعلى أي أساس يقبل المسلم تطبيق المنطق الاحتمالي أو يجد له مدخلا في هذا الباب أصلا يا دكتور؟ 

ثم يا سيدي، أنت تعترف بأن الدراونة لا يعييهم شيء أصلا ولا يعجزهم في الفرض والتأويل شيء، ولا يحدهم حد! عندهم في أسطورتهم حقبة يسمونها بالانفجار الكامبري، حصل فيها من التطور السريع ما لهم أن يختلفوا في تقديره كما يحلو لهم! وعندهم كذلك نظرية عند ستيفن جاي غولد، يقال لها Punctuated Equilibrium اختلفوا عليها على عادتهم (بلا مرجح معقول كما هو الشأن في جميع خلافاتهم)، تجيز للتطور أن يحدث على قفزات جيولوجية وليس على تدرج طويل بالضرورة كما كان اعتقاد داروين، ولعلها هي ما تقصد بقولك "القفزات الانتقالية"! وعندهم غير ذلك من الفرضيات المتكلفة Ad-Hoc التي لا تجد لها نظيرا في شيء من نظريات البشر على الإطلاق! ولكل فريق منهم في ذلك من تقدير الاحتمالات ما لا أساس له إلا الهوى والمزاج! فبأي مستند في العقل ترى أن الخلقويين هؤلاء قد أصابوا في الاحتجاج عليهم بنظرية الاحتمالات، إذ قالوا إن احتمالية أن يكون عمر الكون قد اتسع لجريان الأسطورة الداروينية على نحو ما يعتقده الدراونة احتمالية ضعيفة للغاية؟ الذي اعتنق نظرية الانتقالات الحادة هذه، يؤسس ترجيحه الاحتمالي عليها، لا أنه يؤسسها هي عليه، وكذلك الذي يخالفه فيها! كلاهما يعاني الدور القبلي والمصادرة على المطلوب في مبدأ النظر والاستدلال لديه، وإلا فبأي شيء ترد أنت على حساب الاحتمالات عند أصحاب الانجراف التطوري أو الانتقالات التطورية الحادة في التاريخ الطبيعي؟؟ كل منهم يضع أسطورته على هواه، يوائم بين أطرافها وينسق بين فروضها كما يحلو له، فلا يكون من حجة لأحد على أحد أصلا!! وإلا فأي أسطورة من أساطيرهم تقصد، بل وأي تقدير لعمر الكون تعتمد ابتداء، وعلى أي أساس؟؟ على أساس الاعتقاد الجازم بأن جميع قوانين الطبيعة وتغيرات النظام الجيولوجي المعتادة لنا، قد اطردت في الماضي اطرادا مطلقا بلا انخرام، بما أجاز للجيولوجيين أن يقدروا عمر الأرض بكليتها على نحو ما فعلوا؟؟ هذا الاعتقاد من أين لك القول به كما قالوا وما مستندك أنت فيه؟ هم دهرية أقحاح، يؤمنون إيمانا دينيا بأن الطبيعة كانت ولم تزل ماضية على وتيرة واحدة، بلا سبب فائق لها يجوز معه أن يكون الأمر قد اختلف في الماضي السحيق عما هو عليه في الحاضر، سواء في البيئة الفيزيائية أو في الحشوة الحية، اختلافا لا يمكن الوصول إلى معرفته بالقياس على ما في الحاضر!! هم يجب على دينهم ألا يكون عالم الغيب إلا كعالم الشهادة، سواء في غيب الزمان أو في غيب المكان! هذه مسلمة اعتقادية دينية بالأساس، وإن لم يروها كذلك، فهل هي جزء من دينك أنت؟ النصارى أمثال دمبسكي وبيهي ابتعلوها تقليدا، وعليها أسسوا "العلم الخلقي" عندهم، فأين أنت منها؟ 

قولك: "ومن أراد أن يثبت التطور الموجه فعليه مع إثبات بطلان الصدفة أن يقدم جواباً مقنعاً عن أن ما يدل عليه حساب الاحتمالات من إثبات أن التطور البطيء للأنواع الحيوانية يمكن أن ينسجم مع العمر المحدد للكون، وهذا ما لم يفعله الدكتور عمرو شريف"

قلت لا والله يا دكتور، على طريقة القوم، ليس عليه ذلك ولا يلزمه! لا أدري والله أي معيار تضبطه أنت لقولك "جوابا مقنعا" في هذا السياق!! إذا كان ما يقنعهم هم لا يقنعك أنت والعكس، فمن أين تأتي الحجة؟؟ القوم لا يعجزهم، فيما أومأت أنت إليه بنفسك قبل قليل، أن يتلاعبوا في شيء من فروضهم الكثيرة في تلك النظرية وليعيدوا بناء الموافقة والملاءمة و"الانسجام" بينها على أيما نحو يريدون! حتى تقدير عمر الكون نفسه الذي يبدو أنك تظن أنه أمر صارم منتهي عندهم لا يسعهم الخروج عليه، لهم أن يعيدوا تقديره جيولوجيا بفروض جديدة إن احتاجوا إلى ذلك، وهو ما سلكوه فعلا في العقود القليلة التي أعقبت نشر كتاب "في أصل الأنواع لداروين" عملا باقتراح داروين نفسه في كتابه! لا إشكال عند أصحاب التطور الموجه أن يكون تصورهم للتاريخ الطبيعي جاريا على عمر أقصر مما يلزمهم به ديمبسكي، إن أمكنهم أن يبذلوا في تلفيق الفروض وتأويلات الكشوف الحفرية ما يمكنهم من نشر نظرية متكاملة لديهم فيها جواب عن كل مشاهدة يستند إليها مخالفوهم فيما يذهبون إليه!! هذا باب سهل مطروق لكل من يطلبه وطريق لا صعوبة فيه ولا تعذر على الإطلاق! فحالة الانمياع التام هذه لا يجوز أن يقال فيها إنها علم أصلا!! 

تدري لماذا كان الحال كذلك يا دكتور؟ لأن الفرضيات لا يستدل لإثباتها في هذا الباب إلا بموافقة غيرها من الفرضيات جملة، في نظريات وتأويلات يأخذ بعضها بذيل بعض، إلى الحد الذي حمل بعض فلاسفة العلم في النصف الثاني من القرن العشرين، كالأمريكي ويلارد فان أورمان كواين مثلا، إلى القول بأن معيار القبول والرد في النظريات العلمية ليس معيارا بنائيا رأسيا، بمعنى أن تقوم كل دعوى على أدلة يجب أن تثبت صحتها هي نفسها من تحتها وإلا لم تثبت، بل تقوم الدعاوى على استدلال شبكي جانبي، فيما يقال له المذهب التناسقي Coherentism، فلا نقبل النظرية إلا إن وجدناها تتناسق وتتوافق مع ما سبق أن تحصل لدينها من نظريات وتصورات متناسقة فيما بينها، يؤتى بالدعوى الجديدة لتوضع فيما بينها، فإذا أثبتنا التناسق و"الانسجام"، انتهت قضية التسويغ المعرفي عند ذلك ولم نطالب أحدا بالمزيد!! فغاية ما يطالب به الباحث في تلك النظرية البائسة، هو أن يتمكن من تلفيق الفروض والتأويلات بعضها في بعض، وانتهينا! يقال ما الدليل على صحة الفرضية، فلا يجد إلا أن يقدم تأويلا لمشاهدة من المشاهدات قوامه فرضية مبنية أصلا على جملة الفرضيات المراد الانتصار لها بتلك المشاهدة! فما الدليل على صحة (أ)؟ أنها تتناسق مع (ب) و(ج) و(د)! وما الدليل على صحة (ب)؟ أنها تتناسق مع (أ) و(ج) و(د)! وهكذا في الجميع!! فإذا شاهدنا مشاهدة ما واستطعنا أن نؤولها بما يوافق (أ)، جعلنا ذلك التأويل نفسه دليلا على صحة (ب) و(ج) و(د) جميعا، فيما غايته أن يكون من أعظم المغالطات في تاريخ المعارف البشرية على الإطلاق! يجوز أن تقع (أ) إن صح أن كان الماضي على الصفة (ب)، فإذا كانت (أ) قد وقعت تحقيقا، ثبت إذن أن الماضي كان على الصفة (ب)! هذا هو منطق الاستدلال في جميع النظريات الطبيعية في هذا الباب، وكبر على العقل أربعا! غاية الأمر أن يقال كما قال عمرو شريف فيما نقل عنه الدكتور: "النظرية متلاءمة تمام التلاؤم من المشاهدات، وتقدم لها أحسن تفسير"!

فهذا "الانسجام" الذي صرت تتكلم به يا دكتور كما يتكلمون، وتشترطه على المخالفين حتى "يثبتوا" التطور الموجه كما يشرطونه على بعضهم البعض، هذا هو أعظم الآفات العقلية التي يعانيها العلم الطبيعي في عصرنا، ومن أبلغ آيات الانحطاط العقلي الذي صارت إليه الأكاديمية الغربية في عصرنا هذا، لا لشيء إلا لإصرار أصحابها – خدمة لدهريتهم الطبيعية - على حشو العلم الطبيعي بما ليس منه ولا يجوز أن يكون من موضوعاته أصلا! اشترط بيهي على خصومه أن يأتوا بما ينسجم في الرد عليه، فأجابوه لما اشترط، فلم يقبل منهم كما تقدم، فعلى أي أساس يقبل ما يقبل ويرد ما يرد إذا كان غاية الأمر هي تقرير الانسجام في جملة الفروض التي يتحصل عليها صاحب النظرية لا غير؟؟ وهل لو قدرنا أن جاءك عمرو شريف في يوم من الأيام بما اشترطت عليه، فستقبل حينئذ القول بالتطور الموجه؟؟ طريقتك هذه يا دكتور تلزمك بما أجزم بأنك لم تفرغ من الوقت والجهد ما يكفي لأن تحرره لنفسك وتدقق فيه كما هو حقه! والله إنها لمصيبة من جملة المصائب التي ابتلينا بها نحن المسلمين في هذا العصر، أن يتشبع دكاترة العقيدة في جامعات المملكة بمثل هذا المنطق المعوج من حيث لا يشعرون، وإلى الله المشتكى وإنا لله وإنا إليه راجعون! 

الدكتور يشترط على من يريدون إثبات التطور الموجه تجريبيا أن يثبتوا بطلان الصدفة، مع شرط آخر كما مر! فهل نفهم من هذا أنك تعتقد يا دكتور جواز إثبات الصدفة أو نفيها من طريق النظر الطبيعي نوعا؟؟ الصدفة هنا - وانتبهوا إخواني الكرام - تطلق ويراد بها نفي الغائية الوجودية، أي أن يوجد الشيء ويحدث من غير أن يكون من وراء وجوده تعليل غائي غيبي! يقع بلا حكمة ولا إرادة ولا مشيئة عند فاعل غيبي يقال إنه هو الذي فعله، بل من غير تعليل سببي البتة، لا غيبي ولا طبيعي ولا غير ذلك! فهل هذا مما يمكن إثباته من طريق التنظير الطبيعي فيما ترى يا دكتور؟؟ وهل تظن، أصلحنا الله وإياك، أن دمبسكي وبيهي وجونسون وأصحابهم قد أثبتوا بطلان تلك الصدفة الوجودية بما جاؤوا به؟؟ يا إخوان اتقوا الله في أنفسكم وفي المسلمين ولا تخوضوا فيما لم تضبطوا تصوره ولم تفهموه كما حقه أن يفهم! يا دكتور لو أنك اكتفيت بالرد على قرمطة الدكتور عمرو على آيات القرآن كما فعلت في القسم الثاني من المقال، دون أن تقدم له بهذا الكلام، لأحسنت لنفسك وللناس، غفر الله لك! 

يقول الدكتور: الأمر الثالث: أما إشارة الدكتور عمرو شريف إلى أن المخالفين له إنما خالفوا فرضية التطور الموجه بناء على اعتبارات غير علمية، وأن ذلك راجع إلى التمسك بالتفسيرات التراثية؛ فهذا التوصيف هو الآخر غير صحيح، ولا يقوم على أسس علمية مستقيمة؛ فإن مخالفة فرضية التطور ليست خاصة بأهل الإسلام ولا أهل الأديان الأخرى، فإن هناك عدداً من المخالفين لفرضية التطور التدريجي - سواء كان موجهاً أو مبنياً على الصدفة - ليسوا من أتباع الأديان، وكانوا يعتمدون على أسس علمية محضة، ولا علاقة لهم بتفسيرات النصوص الدينية.

قلت هذا على أساس أن "الاعتبارت العلمية" في هذا الباب ليست إلا ما يأتي به القوم من طريقهم في نفس الأمر؟؟ أنا أقطع بأن هذا ليس هو اعتقاد الكاتب، ولكن تأمل كيف سكت على إجمال الاصطلاح وتكلم من ثم بما يوحي بوصف النظرية وأدلتها بأنها هي الأساس العلمي المستقيم للاعتقاد في هذا الباب، وأنها هي العلم المحض في الباب، ولم يتكلف نفي اسم "غير العلمية" عن تفاسير السلف، مع أنه إن كان من علم فيه فلا يلتمس إلا فيها أصلا، وإنما ساءه أن يظن الناس أن المسلمين وحدهم هم الذين خالفوا النظرية على اعتبارات "دينية" من عندهم، وإذن فلا علاقة لها بالعلم!! يا دكتور ليس العلم في هذا الباب إلا قال الله وقال الرسول، فاتق الله! وأنت تشهد في غير هذا المقال بأن المعاصرين قد استولوا على اسم "العلم" حتى صيروه مقصورا على العلم الطبيعي دون غيره، وتبدي استياءك من هذا، فلماذا لا يظهر هذا الموقف في هذا المقام، وهو داع إليه ملجئ له؟؟ يا إخوان فاصلوا الطبيعيين مفاصلة منهجية كلية ظاهرة كما هو الواجب عليكم، واخرجوا من هذا التمييع والتضييع الذي تشبع به النصارى في هذا الباب كما وقع لهم في غيره، فإنه ليس منا ولسنا منه، نسأل الله السلامة! 

يقول: إن الطريقة التي سار عليها الدكتور عمرو شريف في التعامل مع القرآن تؤدي إلى العبث به وبمعانيه، فكما أنه يخشى من الوصول إلى الحالة التي وصلت إليها الكنيسة في معارضة العلم، فإن منهجه في فهم النصوص يخشى منه أن يصل إلى حالة العبث بالقرآن وإضعاف قوته وثبوته، وذلك حين لا نلتزم في فهم نصوصه بالقواعد العلمية المنهجية، وحيث نصرّ على ربطه بنظريات لم تصل إلى درجة اليقين بعد، وما زال الجدل محتدماً حولها بين علماء الاختصاص ذاته.

قلت: لم تصل إلى درجة اليقين بعد؟ هذا على أساس أنها الآن على درجة الظن الراجح مثلا؟ 

على أي حال فقد حصل المقصود من الرد بهذا القدر فيما أرجو، فنسأل الله أن يبصرنا وإياك يا دكتور وعموم المسلمين بالحق، وأن يرزقنا الصبر على تحقيق مذهب أهل السنة في تلك المضائق الحرجة، التي انفتح الباب لها لتجتاح المسلمين كالسيل الجارف في هذا العصر، تغمرهم في المقروء والمسموع والمبصر، تدخل عليهم بيوتهم بل وحتى الهواتف التي يحملونها في أكياسهم، فالله نسأل أن يثبت أقدامنا وأن يعلمنا ما ينفعنا وأن يصرفنا عن كل علم لا ينفع، إنه ولي ذلك والقادر عليه والحمد لله أولا وآخرا.

وكتب د. أبو الفداء حسام بن مسعود

غفر الله له ولوالديه وللمسلمين

إرسال تعليق