الحمد لله وحده. أما بعد،
فقد سألني أحد الإخوة جزاه الله خيرا سؤالا عن الإعجاز في القرآن، فقال:
كيف نرد على من يقول: لا نستطيع أن نقول أن البشر لم يستطيعوا الإتيان بمثل القرآن الكريم، لأن القرآن نزل بالعربية، والعرب هم عدد قليل بالنسبة للعالم فكيف نقول أن البشر لم يستطيعوا الإتيان بمثله؟
فقلت في الجواب:
يقال: إن كان العرب لم تقدر على الإتيان بمثله، وهم من نزل القرآن بلسانهم، فلأن يعجز غيرهم عنه من باب أولى. ومعلوم بداهة أن العجمة في الناس لا تمضي بتأخر الزمان إلا إلى تفاقم وازدياد! فلن يكون الآخرون أفصح وأبرع في لسان التنزيل من الأولين قطعا، فوجب أن يكونوا أعجز عن الإتيان بمثله ممن سبقهم!
ويقال كذلك إن التحدي بالإتيان بالمثل يبدأ من أصل موضوع الكتاب، فإذا كان الكتاب يدعو البشر المخلوقين لأن يفردوا خالقهم بالعبادة وحده لا شريك له وأن يقدروه حق قدره، فلابد بالضرورة ألا يتكلف أحد الإتيان بمثله إلا كان على أحد خصلتين لا ثالث لهما: إما أن يزعم أنه جاء بمثله في المعنى والمبنى، أو أنه جاء بمثله في المبنى دون المعنى.
فإن قدرنا الحالة الأولى (أن يتكلف أحدهم المحاكاة في المعنى والمبنى جميعا)، كان منتحلا كاذبا، يشهد على نفسه بالكذب! لأنه لا يتصور أن يتكلم بما في القرآن أحد من البشر ينسبه لنفسه إلا كان كاذبا بالضرورة! فالخالق وحده هو الذي يصدق إذا خاطب الناس بخطاب يدعو فيه خلقه لأن يعبدوه سبحانه، يذكرهم بآلائه وبما استحق من أجله أن يفرد بالعبادة. وهذا يقال في كل من زعم أنه قد أوحي إليه مثل القرآن ولكن بموضوع يخالف ما جاء فيه!
فإذن لا يكون من نقل معناه وهو ينسبه لنفسه ممن "جاء بمثله"، بل يكون كاذبا بادعاء الربوبية لنفسه، أو بادعاء النبوة! ومدعي النبوة كاذب بالضرورة، لأن موضوع القرآن وما نزل به من الهداية، يوجب تصديقه وتكذيب من يأتي من بعده بخلاف ما فيه، ومن ذلك أن يدعي أحدهم النبوة بعد محمد صلى الله عليه وسلم!
وإن كانت الثانية (أن يتكلف أحدهم محاكاته في المبنى دون المعنى)، لزم أن يكون موضوعه موضوعا فاسدا لا هداية فيه، أو لا يبلغ من الهداية ما في القرآن ولا قريبا منه، بل يكون سفها وسخفا لا محالة، يجزم به العقل السوي جزما تاما بمجرد أن يسمعه. ومثال ذلك ما تكلفه مسيلمة الكذاب فيما جاء في الأثر، من نصوص حاول فيها أن يحاكي نظم القرآن، ولكن بمعان تضحك منها الثكلى! يقول "ضفدع يا ضفدعين نقي ما تنقين" إلى آخر ذاك الهراء، ومنه كذلك ما تكلفه أنيس شوروش المنصر الأمريكي لما ألف كتابا في الثمانينات من القرن الماضي سماه "الفرقان الحق"، حشر فيه الدعوة إلى التثليث وعبادة المسيح من دون الله، وجاء فيه بقص ولصق من القرآن على نحو تضحك منه الأطفال! فهذا اجتمع فيه سفاهة المعنى وانحطاط المبنى! إذ قد تقدم أنه إذا كانت أكابر العرب قد عجزت على الإتيان بمثله في البيان وبلاغة النظم والبناء اللغوي، فلأن يعجز أعجمي معاصر من باب أولى كما تقدم.
فإذا كان ذلك كذلك، لزم أن يمتنع الإتيان بمثله مطلقا على كل تقدير ومن كل وجه، والله أعلم.
أبو الفداء ابن مسعود
وفقه الله
