الحمد لله وحده، أما بعد، فوجه ذلك أن مبدأ الابتداع في الدين، يقتضي الافتيات على رب العالمين والتعديل على شريعته، وتكذيب قوله تعالى: ((اليوم أكملت لكم دينكم))، وهذا المعنى كفر لا ريب فيه! قال محمد بن سيرين: "إني أرى أسرع الناس رِدَّةً أصحابَ الأهواء" وقال مالك بن أنس: من ابتَدَعَ في الإسلامِ بِدعةً يَراها حَسنةً فقد زَعَمَ أنَّ مُحَمَّدًا خانَ الرِّسالةَ! لأنَّ اللهَ يَقولُ: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ. ونظائر ذلك كثير.
فيقال للحدادي: هذا الفعل إما أن يكون مكفرا أو غير مكفر. فعلى طريقتكم في فهم كلام السلف والأئمة يلزم أن يكون مطلق الإحداث في الدين كفرا، لعموم اللازم المذكور وتعلقه بمبدأ الإحداث والابتداع بإطلاق، وهذا لا قائل به! وأنتم، حتى الغلاة منكم، تفرقون بين بدعة مكفرة وبدعة غير مكفرة. ثم يقال له: إن العالم الذي تلبس بهذا الفعل (الابتداع في الدين، ولو بإحداث صفة جديدة لم ترد في الشرع لعبادة مشروعة)، إما أن يكون بحيث يتصور قيام المانع من تكفيره بهذا اللازم الكفري الذي ذكره الإمام مالك رحمه الله، وإما ألا يكون كذلك. فإن قلت لا يتصور قيامه به، لكونه عالما مدققا، قد وقف على كلام أئمة السلف بهذا المعنى، ويعلم أنهم يستلزمونه من مبدأ الإحداث في الدين، وإذن يجب أن يكون كافرا بعينه لذلك العلم الذي عنده، لزمك القول بتكفير كل عالم تلبس يوما ما ببدعة ما، أيا ما كانت، تعبدية كانت أو اعتقادية، دقيقة كانت أو جلية، بالنظر إلى مقتضى الفعل الذي لا ينبغي أن يخفى على مثله! وهذا قول لن تجد في أهل القبلة من قال به أبدا، لا في الأولين ولا في الآخرين! ولن تجد من يوافقك عليه إلا الغلاة الذين تزعم البراءة من طريقتهم، وهم من تسميهم أنت بالحدادية! وإن قلت بل يتصور قيام المانع من تكفيره بعينه بهذا المقتضى الذي ذكرنا، لزمك أن تنقض قاعدتك الفاسدة في عدم إعذار العالم بالشبهة أو بالتأويل البتة، وهو المطلوب!
فإذا قلت بل لابد لهذه القاعدة من قيود وضوابط، فليس كل عالم يصح إعذاره بالشبهة والتأويل، وأنا عندي لذلك قيود، قلنا لك: فمن أين جئت بها؟ إما أن يكون من طريقة علماء أهل السنة الموروثة عبر القرون، التي جرى عليها عملهم، وإما أن يكون من تأويلك أنت لبعض كلام السلف وتصرفاتهم وأحكامهم، فيما تدعي أنه المنهج الصحيح. فإن كانت الأولى، لزمك طرد ذلك في كل باب من أبواب التأصيل والتقعيد المنهجي، وإذن تعين عليك أن تتوب مما خالفت فيه العلماء، وأن ترجع إلى ما ندعوك إليه! وإن كانت الثانية، فلمخالفك أن يدعي أنه أيضا يتأول كلام السلف بما تدله عليه اللغة واستقراء الآثار، وإذن فلكل أحد أن يخترع لنفسه منهجا جديدا من رأسه، بتأصيله وفهمه المستقل للآثار، يزعمه هو منهج السلف وفهم السلف، كما وقعت فيه غلاة الحدادية على أشكال وألوان وأنحاء أنت نفسك تنكرها عليهم ولا تقبلها!
فمن فهم هذا الإلزام، أدرك لماذا نقول إن طريقة الحدادية طريقة بدعية مطلقا، وأن من سلكها بوجه ما، انفتح الباب بين يديه للوصول فيها إلى منتهى الغلو، وهو ما عليه من يسميهم هو بالحدادية وينكر عليهم! ومن فهم هذا، أدرك أن الضابط الصحيح، والحد الجامع المانع لما يسمى بالطائفة الحدادية أو الفرقة الحدادية، ليس هو تكفيرهم فلان وفلان من علماء الأمة، ولا تكفيرهم فرقة من أهل البدع لم يكفرها أهل السنة، ولا إفتاؤهم بإحراق كتب فلان وفلان ممن تلقت الأمة كتبهم بالقبول، ولا إحياؤهم الكلام في أبي حنيفة رحمه الله، هذه كلها علامات وأعراض مرضية لفساد منهجي كلي يشتركون فيه جميعا، ما بين مستقل ومستكثر! وإنما الحدادية هم تلك الطائفة من الغلاة في كتب السلف، الذين فرقوا بين السلف الأول، وبين سائر القرون من تلامذتهم الذين اتبعوهم بإحسان إلى يوم الناس هذا، فصاروا يأخذون من كتب السلف ما لم يأخذه أحد قبلهم، ولا قال به غيرهم إلا شذوذا ومخالفة للجماعة وخروجا على سبيل المؤمنين، يخترعون من القواعد الكلية ما لا قائل به قبلهم، ينسبونه إلى السلف جهلا وسخفا، وتجاوزا لفهم القرون من تلامذتهم وعملهم، وكأنه لم يقف على تلك الكتب والآثار أحد قبلهم! مع أنهم لولا أن من الله عليهم بالتعرض لبعض كلام العلماء، ما عرفوا ما السلف ولا كتب السلف ولا اهتدوا إلى ذلك سبيلا!
أبو الفداء.
