إن الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله. أما بعد، فقد سألني أحد إخواني النبلاء جزاه الله خيرا، سؤالا مهما في تسجيل صوتي قال فيه:
ما حكم قول الغزالي المشهور عنه أو المنقول عنه "ليس في الإمكان أبدع مما كان"؟ لأني أنا أشكل علي، طبعا لأن بعض العلماء تناول هذا القول بالنقض يعني، وقالوا إن هذا قد يوهم نسبة العجز إلى الله سبحانه وتعالى. وكنت أنا قرأت كلام قريبا من هذا النقد، لحضرتك في معيار النظر، لما كنت بترد على باسل الطائي تقريبا في مسألة الضبط الدقيق أو حاجة زي كده، في مسألة تغير النسب وخلق العالم على غير ما هو الآن، لو زادت أو نقصت أو غير ذلك، وربطت ده بمسألة الحتمية السببية، أو الحتمية الطبيعية. طيب أنا الآن، في كتاب الكشاف المبين، في مسألة الشر خاصة يعني، مشكلة الشر، فيه جملتين حضرتك كتبتهم أو ذكرتهم، أشكلوا علي. الجملة الأولى موجودة في صفحة 558، عند الكلام على بلانتينغا، فقلت: أما كان يكفي بلانتينغا أن يقرر، أن حكمة الله الكاملة والسابغة في كل خلقه، التي نثبتها ببداهة العقل ومقتضى الفطرة ولا نعرف تفصيلها إلا بالوحي، ما كانت لتتحقق (أنا عندي هنا وجه الإشكال)، ما كانت، والغزالي يقول ليس في الإمكان، ما كانت لتتحقق على أتم وجه لو اختلفت مقادير الشرور في العالم عما جعلها عليه سبحانه.. طيب ما أدرانا بردو؟ أن الله سبحانه وتعالى لو غير مقادير الشر، لما كانت الحكمة تأتي على أكمل وجه؟ ما أدرانا؟ هذا غيب. ده موضع. الموضع الثاني في صفحة 570، بردو في الكلام عن بلانتينغا، قلت أما كان يكفي أن يقال إن الغايات الأخلاقية العليا التي أرادها الله تعالى في خلق هذا العالم، بموجب صفات الكمال، ما كانت لتتحقق في الواقع على أكمل وجه، بردو ما كانت لتتحقق في الواقع على أحسن وجه ممكن، إلا بوجود ما في هذا العالم من صور الشر أشكالا وألوانا، لأن حكمة الله التامة السابغة لابد وأنها اقتضت ذلك بالضرورة لا غيره. أنا اللي أنا عارفه إن طبعا لو بنتكلم عن الواقع الموجود، فلا شك أن الموجود ده وجوده من كمال صفات الله سبحانه وتعالى، أو من آثار كمال صفات الله سبحانه وتعالى. لكن أنا الإشكال عندي في قولك: "ما كانت لتتحقق في الواقع على أحسن وجه، إلا بوجود ما في هذا العالم" بردو ما أدرانا يعني؟ فحبذا لو أزلت لي هذا الإشكال، إن كان الأمر يرجع لسوء فهمي أنا بارك الله فيكم.
انتهى السؤال.
فقلت في الجواب عنه:
عليكم السلام ورحمة الله وبركاته. المقصود في كتاب الكشاف، بارك الله فيك، أن لله تعالى حكما معينة من خلق هذا العالم الذي نحن فيه، حكما وغايات ومقاصد في علمه جل شأنه. فالواجب أن نعتقد أنه خلق العالم وجميع ما فيه على ما تتحقق به تلك الحكم المعينة والغايات المعينة على وجه الكمال. فجواب السؤال: لماذا كانت الشرور على ما هي عليه في العالم، ولم تكن على أهون أو أخف أو أقل من ذلك؟ هو أن يقال: لأن حكمة الله تعالى السابغة وغاياته ومقاصده من خلق هذا العالم بعينه، ما كانت لتتحقق بخلاف ذلك، لا بأقل ولا بأكثر. وهذه حقيقة معلومة بداهة وفطرة، أنه سبحانه كامل الحكمة، لا يضع الشيء إلا في موضعه الصحيح. فلو كانت غاياته من خلق هذا العالم تتحقق بما يكون معه الشر في مفعولاته ومخلوقاته أخف من هذا، لكان هو الأحكم والأليق بكمال صفاته سبحانه. ولكن لأن الفلاسفة يشترطون أن تكون الحكمة الإلهية من خلق كل شيء على أهوائهم لا على ما في علم الرب سبحانه، علمه من علمه وجهله من جهله، كرهوا أن تكون الشرور على ما هي عليه، بل وأن توجد أصلا!
فقولي: "أما كان يكفيه أن يقول إن هذا الذي عليه العالم في مقادير الشرور التي خلقت فيه، هو أكمل ما به تتحقق حكمة الله تعالى من خلقه إياه؟"، هذا هو المقصود به، وليس المقصود أنه ما كان من الممكن أن يكون العالم على غير هذه الهيئة أو النظم أو الكيفيات أو السنن السببية التي هو عليها، كما هو قول الطبيعيين الحتمانيين القائلين بالضبط الدقيق! فهم يقولون إنه ما كان من الممكن أن تنشأ في العالم حياة عاقلة البتة، لو لم تكن حوادث نشأة العالم على نحو ما زعموه في ميثولوجياهم! وهذا حقيقته إثبات العجز لله تعالى عن أن يخلق نوع البشر على ما نعرفه من صفاتهم، بل عن أن يخلق حياة أصلا، إلا بأن يكون نظام العالم على ما يظهر لنا منه، بل وأن يكون قد بدأ خلقه على نحو ما زعموا أن الأمر كان عليه بأقيستهم الطبيعية المحضة. فهم يشبهون أفعال الله تعالى بأفعال المخلوق الذي لا يجد من أجل أن يُمضي ما يريد إلا أن يسلك تلك المسالك ويفعل تلك الأفعال التي يسمح بها قانون العالم ونظامه الذي هو خاضع له بمقتضى مخلوقيته! وهذا ما فيه تعجيز الرب سبحانه كما بينت في موضعه.
فقولي إن العالم الحاضر مخلوق على أكمل ما تحصل به الحكمة المقصودة من خلقه، ليس المقصود منه ولا يقتضي أن الله ما كان ليقدر على أن يخلق نوع البشر إلا بأن يكون من الحوادث التي تولد عنها خلقه إياه ما كان لا غير! بل لو أراد أن يخلق نوعنا هذا في عالم يخالف صفة عالمنا هذا (وهو ما يكون في الآخرة تحقيقا)، لما منعه من ذلك مانع سبحانه، يخلق ما يشاء ويختار، ما كان لهم الخيرة. وإنما المقصود أنه ما جعل الأشياء (الممكنات) على ما هي عليه تحقيقا، إلا لأن هذا هو أكمل ما تحصل به الحكمة والغاية المعينة المقصودة من خلقها بأعيانها حيث خلقت ومتى خلقت.
وليس هذا كما قد يفهم من قول الغزالي: "ليس في الإمكان أبدع مما كان"، وإنما هو كقولك: ليس في الإمكان ما هو أحسن تحقيقا لغايات الرب سبحانه ومقاصده من خلقه هذا العالم بخصوصه على وجه التمام والكمال، مما عليه خلقه تحقيقا.
فما الفرق بين القولين؟ الفرق، بارك الله فيك، أن إطلاق الغزالي مجمل، وقد يفهم منه المنع المطلق من أن يكون عالم ما، أي عالم، على أبدع مما خلق الله في هذا العالم، بصرف النظر عن الحكمة المعينة المرادة من هذا العالم بخصوصه، وهذا ما فهمه منه من أنكروا على الغزالي مقالته، وهي منكرة لأجل الإجمال، لا لأجل أنها لا وجه لها يتصور إلا وجه نفي القدرة الإلهية عما سوى ما كان! وإلا فقد أجاب بعض الأشاعرة بأن المقصود أن الإمكان العقلي للموجودات الممكنة، متعلق بالحكمة الإلهية مشروط بها وجوبا وضرورة، فمن غير المتصور أن يكون مراد الغزالي من هذه العبارة، أنه لم يكن من المتصور أن يكون لله حكم أخرى في خلقه هذا العالم بحيث يكون تحقيقها بما هو أبدع مما عليه العالم فعلا، وإنما يقصد أنه لم يقع من الممكنات المخلوقة إلا أبدع ما به تتحقق الحكمة المعينة التي قصد إليها رب العالمين من خلقه ما خلق. فعلى هذا الوجه، يكون كلامه هو عين ما يقوله أهل السنة في اعتقاد كمال الحكمة في جميع أفعال رب العالمين ولا إشكال فيه، ولكن كما تقدم فهو، على ما هو عليه، مجمل، وقد يفهم منه نفى إمكان وجود عالم أبدع من هذا الذي نحن فيه مطلقا.
وآفة الغزالي أن مذهبه الكلامي ينفي عن رب العالمين أن يكون قد سبق منه خلق أي عالم بخلاف عالمنا هذا، على وجه الإطلاق، فلازم ذلك أن يقتصر قوله "مما كان" عند التحقيق، على ما كان في هذا العالم بخصوصه، لأنه عنده لم يكن شيء قبله أصلا، ولا وقع في دائرة الممكنات غيره! وإذن فلا يتصور عنده أن تكون له حكم أخرى أو غايات أخرى من خلقه أي شيء بإطلاق، خلاف ما كان منه في هذا العالم بخصوصه! من هنا شابه كلامه في هذه المقولة كلام الطبيعيين الذين قالوا إنه ما كان من الممكن أن يوجد شيء في الماضي إلا ما قد كان ووجد تحقيقا، ولا أن يقع شيء إلا ما قد وقع تحقيقا، لأنهم ليس في اعتقادهم إلا هذا العالم الذي يرون، وليس في علمهم إلا ما اعتادوه من سننه وقوانينه السببية، التي هي عندهم الحاكم المهيمن على كل موجود، كما بينت في النقض عليهم! وإلا فلسنا نرتاب في أننا لو سألنا الغزالي هل كنت تقصد: لم يكن في قدرة الله تعالى أن يخلق هذا العالم على خلاف ما خلقه عليه، لو قدرنا أن كانت له حكم أخرى وغايات أخرى في خلقه إياه؟ لما أجاب إلا بالنفي الجازم، والله أعلى وأعلم.
انتهى الجواب
فقال السائل وفقه الله: " أنا أشكل علي شيخنا عموم الكون المنفي في قولكم(أما كان يكفي أن يقال إن الغايات الاخلاقية ما كانت لتتحقق في الواقع على أحسن وجه ممكن إلا بوجود ما هذا العالم من صور الشر أشكالا وألوانا"
فقلت: المقصود هنا الغايات الأخلاقية المعينة التي سبق من ربنا تبارك وتعالى أن قصد إليها من خلقه هذا العالم. هذه لو قلنا إنه كان من الممكن أن تحصل هي نفسها، ولكن مع شر أقل في مفعولات الله تعالى، للزم النقص في حقه سبحانه.
فقال السائل: نعم جزاكم الله خيرا شيخنا الدكتور. اتضح الأمر بارك الله فيكم.
وأقول معلقا، ولزيادة الفائدة: خلاصة القضية أن الوقوع (أي وقوع الممكنات إذا وقعت) منوط بالحكمة، وما كان ليقع من الممكنات إلا ما به تتحقق الحكمة الإلهية على وجه الكمال! فهل كان في قدرة الله تعالى أن يخلق عالما على خلاف عالمنا هذا في بعض ما فيه أو في جميع ما فيه؟ الجواب نعم قطعا! وهل كان بوسعه أن يخلق عالما على خلاف عالمنا هذا، ومع هذا يكون فيه نوع البشر؟ الجواب نعم قطعا، ولا إشكال من جهة القدرة على الإطلاق. ولكن المسألة، مسألة الشر، مدارها على إثبات الحكمة! فإذا طرأ السؤال: هل كان من الممكن أن يخلق عالما فيه شرور أقل مما في هذا العالم، مع بقاء الحكمة أو الغاية من خلقه إياه على ما هي عليه لا غير ذلك؟ فلا يكون الجواب إلا بالنفي القاطع! لأنه إنما خلق هذا العالم على أتم وأكمل ما تحصل به الحكمة المقصودة، وهذا هو تحقيق معنى الحكمة في الخلق والتكوين. أما لو فرضنا أن كان له من خلق هذا العالم حكم أخرى وغايات أخرى، لجاز أن تكون الشرور في هذا العالم أقل مما هي عليه. فعلى هذا يصح أن نقول: ما كان في الإمكان أن تكون موجودات العالم على خلاف ما هي عليه، لتتحقق الحكم والغايات والمقاصد التي من أجلها خلق سبحانه عالمنا هذا.
هذا والله أعلى وأعلم.
أبو الفداء ابن مسعود
غفر الله له.
