الحمد لله وحده، أما بعد، فقد راسلني أحد الإخوة بسؤال يقول إنه لا يفهم لماذا أنكر على الدكتور عبد الله الدعجاني ما قرره في كتابه "منهج ابن تيمية المعرفي: قراءة تحليلية للنسق المعرفي التيمي"، وأستخرج نقدي من عنوان الكتاب نفسه، مع أنه لم يقل إن ابن تيمية أسس إسلامه هو نفسه على النظر الفلسفي، فقلت فيما أجبته به:
أنا لم أكتف بنقد عنوان الرسالة، وإنما نقدت مبدأ الطرح نفسه، وبينت أن الكاتب يسلك فيه مسالك الفلاسفة في نسبة شيخ الإسلام رحمه الله إلى نظرية معرفية خاصة به، كما سلكه أبو يعرب المرزوقي وغيره ممن صرح باستحسانه طريقتهم مع قطع النظر عن النتيجة التي انتهوا إليها!
وقد فتحت الرسالة بابا لجدل فلسفي مذموم يأتي الكلام عليه في محاضرة لاحقة إن شاء الله. فصحيح إنه لم يقل إن ابن تيمية وصل للإسلام بعقله، ولكن هذا مقتضى القول بأن الرجل قد وضع لنفسه "نظرية معرفية" أسس عليها كل تقرير ونقد! أرأيت لو أني زعمت الآن أني أخالف المؤلف في زعمه أن تلك القواعد الثلاثة هي أصول نظرية الشيخ كما سماها، وإنما كانت له نظرية أخرى، ثم أخذنا نتنازع نزاعا نظريا في ذلك، كما وقع فعلا على أثر نشر هذا الكتاب، فما الذي يؤول إليه موقفنا من عامة ردوده على الفلاسفة وأهل الكلام رحمه الله، إذا كان الحال أننا لا نتفق على القاعدة الكلية الأولى التي عليها أسس الإمام كل رد ونقد وتقرير عقلي، نجعلها نظرية فلسفية قابلة للأخذ والرد مبدئيا، كما هو واقع لا محالة في أوساط الفلاسفة؟؟
سيقول المخالف: أنا لا أوافق ابن تيمية في نظريته المعرفية من الأساس، ومن حقي أن أخالفه، وإذن فلا حجة لشيء مما جاء به على مذهبي وكلامي! وإذن فلا حجة لرأي على رأي، ولا لنظرية على نظرية، ويصبح تراث الإمام وقد اختزل إلى نظرية فلسفية يتجادل الناس على الأصول التي قامت عليها ولم يحررها الشيخ نفسه في شيء من كتبه!! فلماذا لا ينتبه هؤلاء الإخوة أصلحهم الله لهذا الفساد؟؟ لأنهم سبق إليهم الافتتان بتعمق وتنطع الفلاسفة!! هم أصلا لا يخاطبون بما يكتبون طلبة العلم بالعقيدة من أهل السنة، وإن نشروا بضاعتهم في كليات الشريعة، وإنما يخاطبون الفلاسفة!!
المتكلمون، مثلا، لا يثبتون الفطرة والمعرفة الفطرية، فإن فتحنا مبدأ ثبوت المعرفة الفطرية نفسها للجدل الفلسفي على طريقتهم، لزم أن نصبح جميعا سواء في مبدأ الاستناد إلى مقدمات نظرية عقلية استنباطية من أجل أن نثبت ذلك الأصل نفسه، إن كنا مثبتين، وإذن فلا فضل لسلفي على متكلم أو فيلسوف، لأنه لا فضل لنظرية على نظرية ولا رأي على رأي، وللمخالف حق في أن يخالف دون تشنيع أو استنكار! بل يصبح إيمان المتكلم أفضل من إيمان السلفي لأنه يزعم الاستغناء عن أصل كلي نتعلق نحن به بلا دليل في زعمه!
الأخ المؤلف يصر على أن الشيخ رحمه الله كان مؤسسا منشئا ولم يكن ناقضا فقط، فإذا جمعت إلى ذلك تقريره أن الشيخ كان لا يتكلم في شيء من المسائل البتة، لا في تقرير ولا نقد، ولا في علوم الشريعة ولا غيرها، إلا وقد اشترط على نفسه نظرية معرفية معينة سلفا، أو هاجسا منهجيا كليا كما سماه، يرجع كله إلى نظرية قد حررها في نفسه، لم تجد بدا من إلزامه بأن يكون الشيخ على طريقة الفلاسفة في تأسيس المعرفة والإيمان في نفسه هو! الدكتور القرني يقرر في تقدمته للكتاب أن الشيخ لولا أن اشترط على نفسه ألا يخالف الكتاب والسنة لزاغ كما زاغت الفلاسفة!!
فأي فرق إذن بينه عندهم وبين أهل الكلام الذين عرفوا الكلام على أنه النظر الفلسفي (هكذا) المقيد بثوابت الشرع، أو النظر الفلسفي على شرط الشرع؟؟ أئمة أهل السنة يبغضون التنطع والتعمق والسفسطة أعظم ما يكون البغض، وهذا إغراق لتراث الشيخ رحمه الله في تعمق وجدل لا طائل تحته إلا إشباع شهوات الفلاسفة وحرصهم على هدم هذا الجبل الأشم بإنزاله إلى منزلتهم، وتصييره صاحب نظرية كلية يحق لأحدهم أن يخالفه فيها دون أن يستطال عليه بالنكير والتشنيع! فأي نفع يبقى لتراث الشيخ إذا صار الأمر إلى ذلك؟؟
السلفية ليست مجرد التزام بألا تخالف النص والأثر السلفي، وإنما هي منهج كلي معصوم لا يجتمع وطريقة الفلاسفة في نفس واحدة، ولا يجوز أن يقال إنه "نظرية معرفية"، أو إن إماما من أئمته قد وضع لنفسه نظرية معرفية التزم بها فوافق السلف فيما انتهوا إليه! لا يكون المتكلم سلفيا ولو انتهى إلى موافقة السلف في آحاد أقوالهم!
أبو الفداء ابن مسعود
عفا الله عنه
