سائل يسأل:
ما المانع من أن يقال إن الله "جوهر"؟
الحمد لله وحده،
أما بعد، فقد سألني أحد الإخوة في التعليق على محاضرة من محاضرات سلسلة "لكل قوم وارث" سؤالا رأيت أن أنشر جوابه هنا لتعم الفائدة. قال السائل:
"السلام عليكم. حينما كنت اقراء لكتب ابي حامد الغزالي كنت اقع كثيرا على تصريح منه يفيد ان الله ليس له جوهر. فكنت استغرب من هذا القول. ولما بدأت استمع لمحاضراتكم تبين لي انه كان يقصد مفهوم الجوهر حسب اللغة الفلسفية الارسطية. رغم هذا يرتابني شك في جواز قول ان الله ليس له جوهر. فالجوهر بمفهومه العام يعني تلك الخاصية التي يتمتع بها كل كائن موجود حسب طبيعة وجوده. وسؤالي هو: هل قول ان الله ليس له جوهر، بغض النظر حسب اي مفهوم يندرج هذا القول، يمنكن ان يكون بابا لنفي وجود الله بالكلية، حيث ان نفي الجوهر لشيئ يعني نفي وجوده، ومنه يكون بابا للاحاد والعياذ بالله؟ بارك الله فيكم والسلام عليكم ورحمة الله."
فقلت في جوابه (بتصرف يسير):
عليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
من آفات الكلام، بارك الله فيكم، تأسيسه مقالات الاعتقاد على ميتافزيقا الفلاسفة وحدودهم الميتافزيقية، أي تعاريف الألفاظ الجارية في نظرياتهم الميتافزيقية. والتنظير الميتافزيقي كما بينا، هو تكييف الحقيقة العقلية والمعنى الكلي للفظة ما، بكيفية قياسية واحدة (قياس تمثيل، يقاس فيه كل موجود يدخل تحت المعنى الكلي، من حيث الحقيقة والكيفية، على نوع محسوس من أنواع الموجودات الداخلة تحت المعنى نفسه). فلفظة الجوهر عند المتكلمين ليست على معناها اللغوي الذي تتجه إليه الأذهان الخالية من التشبع بنظرية ميتافزيقية معينة، ليست على حقيقتها العقلية التي منها جاء الوضع اللغوي في الاستعمال الأول، أيا ما كانت، وإنما هي على المعنى الجديد الذي فرضه الفلاسفة في نظرية الجوهر والعرض، إذ قالوا: كل موجود لابد أنه يتركب من جوهر لا يتغير، تتقلب عليه الأعراض فتحصل له بذلك الصفات والهيئات والأحوال .. إلخ، قياسا على حبيبات الرمال إذا عرض عليها أن اجتمعت على هيئة التل، وجد ما نعرفه بالتل، وإن جمعت هي نفسها على هيئة قالب الطوب، وجد ما نعرفه بقالب الطوب، وهكذا. فليس هذا اصطلاحا على طريقة أهل الفنون، وإنما هو إعادة تعريف للحقيقة العقلية، يجعل كيفية معينة ملازمة لها ملازمة مطلقة، فلا تثبت الحقيقة العقلية إلا ثبتت معها تلك الكيفية القياسية التي جاءت بها النظرية. ففي قياس الجوهر والعرض هذا، تكون التجميعات المختلفة لحبيبات الرمال هذه أعراضا تعرض على محصول الحبيبات (الجواهر) فتصيرها شيئا بعد شيء. وبعض المعاصرين شبه تلك الفكرة بالنقاط الكهربية التي تتركب منها الصورة على شاشة التلفاز، قالوا كل نقطة جوهر، تتغير صفاته من آن إلى آن، فتتركب الصور على الشاشة من مجموع صفات تلك الجواهر في كل آن، ويكون ذلك التغير نفسه هو معنى الأعراض. هذا ونحوه هو القياس الذي به تصور الفلاسفة تلك النظرية، وهو أساس المبدأ الذري القائل بأن جميع الموجودات لابد أنها تتركب من جواهر مفردة (عناصر أساسية) غير قابلة للتفكيك. مع أننا إن سلمنا تنزلا بسلامة تلك الصورة من مغالطة جعل المعاني الذهنية حقائق عينية (كدعوى أن كل موجود "يتركب" من شيء حقيقته أنه الصفة، وشيء آخر حقيقته أنه موجود لا صفة له، لأنه لا امتداد له، وهو محال أصلا) فالعقل يجيز، بل يوجب، موجودات توصف بالصفات والأحوال والأعراض (على المعنى اللغوي) دون أن تكون حقيقتها أنها تتركب من جواهر دقيقة!
فلأن النظرية تقول إن مطلق معنى تغير الأحوال والأعراض إنما حقيقته أو كيفيته في كل موصوف به، هي أنه شيء وجودي يحل بتلك الجواهر عديمة الصفة بزعمهم (على خلاف بينهم في ذلك)، فيثبت لها ما يثبت من صفات الأجسام، لزم أن يكون مجرد مبدأ اتصاف موجود ما بصفة ما، أيا ما كان ذلك الموجود، ناشئا عن تركبه هو نفسه من جواهر على هذا المعنى، وهذا فساد في العقل عظيم! فلا فرق بين الموجودات في الأعيان من حيث إن مبدأ الاتصاف بالمعنى الكلي لتغير الأحوال، أو حتى مبدأ الاتصاف بالصفة نفسه، حقيقته وكيفيته أنه ذلك الشيء الوهمي المسمى بالعرض، الذي يتقلب على ذلك الشيء العدمي المسمى بالجوهر!! من هنا جاء تعطيل الرب جل في علاه عن جميع معاني الصفات والأحوال والأفعال، وزعمهم أنها كلها تقتضي تشبيهه بالمخلوقات، أي إدخاله في الموجودات التي تتركب من جواهر وأعراض، ومن هنا ألزمهم شيخ الإسلام رحمه الله بألا يثبتوا إذا أثبتوا إلا عدما لا صفة له ولا حقيقة إلا في الذهن!
ولهذا لم يجز أن نقبل من أحد أن يثبت أن الله تعالى جوهر أو أن ينفي كونه كذلك، دون أن يفصل، لجواز أن يكون المراد هو المعنى الذي ذكرته، البعيد عن الحد الميتافزيقي الذي فرضه الفلاسفة على اللفظة فرضا، في كل استعمال لها عند العقلاء. فإن أريد بالجوهر المعنى اللغوي، وكان المعنى صحيحا، لم يجز نفيه عن رب العالمين، وإن أريد المعنى الفلسفي الميتافزيقي (كما هو الأصل في كلام المتكلمين) لم يجز إثباته في حق رب العالمين. ونظير ذلك يقوله العلماء في المنع من أن يقال إن الإنسان مخير وأن يقال إنه مسير، هكذا دون تفصيل للمقصود باللفظتين، وكذلك يمنعون من نفي ذلك، أي أن يقال ليس بمخير أو ليس بمسير، لماذا؟ لأن الذي يقول هو مخير، قد يقصد معنى صحيحا، فإذا نفيناه نفيا مجملا نفينا الحق، وقد يقصد معنى باطلا فإذا أثبتناه إجمالا أثبتنا الباطل، وكذلك في اللفظة الأخرى (قولهم مسير)، والله أعلم.
انتهى
وكتب أبو الفداء ابن مسعود
غفر الله له
.jpg)