إن الحمد لله نحمده، ونتسعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله،
أما بعد، فقد راسلني أحد الأفاضل بسؤال رأيت تعميم الفائدة بننشر جوابه على العام. قال وفقه الله:
"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، كيف حال الأحبة في إقناع؟ وددت سؤال الدكتور حفظه الله عن ما ذكره في المقطع الاخير وغيره من أن مبدأ الفرض والاحتمال في المطالب العالية مرفوض وهو خلاف ماينبغي للمسلم اعتقاده من الجزم في هذه المطالب.. لكن هذا ألا يرد على برهان التمانع في التوحيد المقرر عندنا من أن (فرض) إلهين يلزم منه محال فتعين أنه واحد سبحانه. فترى أن الفرض والابطال في مثل هذا المقام مسلك صحيح صواب"
-----------
قلت: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد، فقد قررت في غير موضع أن أصل النزاع بيننا وبين أهل الكلام إنما هو في منهجهم في تأسيس العقيدة ومصادر التلقي لديهم في قضايا الغيب عامة وفي الإلهيات خاصة، وليس في جميع ما يزعمون صحته من المعاني التي يجعلونها عندهم براهين وأدلة على ما سميته بالمطالب العالية. فإن ذلك المعنى الذي جعلته المعتزلة أولا ثم عامة الأشاعرة من بعدهم برهانا كلاميا وسمته ببرهان التمانع، هو معنى صحيح في نفسه ولا غبار عليه، وقد جاء صريحا في القرآن. ولكن نقطة الفرقان المنهجي هنا هي هذه، وانتبه: هل هذا المعنى الذي نجزم بصحته ولا نماري فيه، جاء القرآن بتأسيسه في نفوس المخاطبين ابتداء، أم جاء بالتذكير به في مقام الإلزام بغيره؟؟ المتكلمون يزعمون أنه جاء بتأسيسه ابتداء، أي تأسيس المعرفة بالربوبية نفسها وإثباتها عند المخاطبين، بحيث يكون هو طريق المخاطبين لاكتساب المعرفة (بعد خلو نفوسهم منها) بأن الله واحد أحد سبحانه، من الأساس، وأما نحن فنقول إنه إنما جاء بالتذكير به والإلزام به، ليظهر للمخاطبين شناعة ما هم عليه إذ أشركوا بربهم سبحانه ما أشركوا. فالإلزام في القرآن يحصل في مقام النقض والتبكيت والتوبيخ، ببيان أن الحق الذي يجب على المخاطب أن يؤمن به (ألا وهو توحيد الإلهية) يترتب على نفيه والتكذيب به من المقتضيات واللوازم الفاسدة ما يكفي مجرد التذكير به لأن يخجل السامع سوي النفس من نفسه ويرجع عن غيه!
وأما طريقة أهل الكلام فهي طريقة الفلاسفة من حيث أنهم يقولون إن النتيجة في البرهان الكلامي لا تعرف صحتها إلا تأسيسا على المقدمات، جريا على طريقة الاستنباط الأرسطية الصورية Formal Syllogism! فإذا أردنا أن نعرف (بعد جهل) أن الرب واحد لا شريك له، احتجنا إلى التماس تلك المقدمات حتى نصل إلى ذلك! ولهذا قال شيخ الإسلام رحمه الله عن ذلك الدليل في الدرء: "وهو دليل صحيح في نفسه، لكن من المتأخرين من لم يفهم وجه تقريره كالآمدي وغيره فزيّفوه"، فوجه تقريره في القرآن ليس كما زعموا أننا نبدأ ونفوسنا خالية من العلم بوحدانية الله تعالى في الربوبية، ثم نفرض أن للعالم خالقين عدة، ثم ننظر في لوازم ذلك فنرى بطلانها ومن ثم يتبين لنا بطلان التعدد وامتناعه، فيثبت إذن لدينا معنى الوحدانية تأسيسا على ذلك! وإنما وجه تقريره في القرآن هو كأن يقال لهم: يا هؤلاء أنتم تعلمون بالبداهة أنه واحد لا شريك له، كيف وبأي عقل يكون معه شركاء ثم لا ينازعونه إرادته ولا يعلو بعضهم على بعض؟؟ كفاكم مكابرة واعترفوا بما علمتم أنه الحق، ووحدوه في التأليه كما هو حقه سبحانه!
والقصد أن معنى وحدانية الرب سبحانه وتعالى حق بدهي ضروري لا يفتقر في معرفته إلى برهان (أ)، وكذلك معنى أن تعدد الأرباب لهذا العالم يقتضي أن يكونوا أندادا، وألا يكون لإرادة أحدهم إذا استقل بها وشاء أن يمضيها، فضل على إرادة غيره ومشيئته، وإذن لعلا بعضهم على بعض ولذهب كل إله بما خلق (ب)! كلا المعنيين في البداهة والجلاء والظهور عند العقلاء أسوياء النفوس سواء، فلا يقال إن (ب) هي الدليل على صحة (أ) كما هي طريقة المتكلمين ومفهومهم لمعنى الدليل (من حيث إفادة المعرفة بعد عدمها، أو تجلية وجه الحق في المسألة بعد خفائه واشتباهه)! أما أن يفتح باب المناظرة مع الدهرية المسفسطة الزاعمين أنه ليس في عقولهم ما يمنع من أن يكون الصانع صانعين أو أكثر، فيساق إليهم المعنى (أ) على أنه هو الدليل الفلسفي أو العقلي الذي به تعرف صحة الدعوى (ب)، جريا على شرطهم الفاسد في طريق الإثبات والنفي في تلك الأبواب، فهذا ما يفضي إلى تزييف المتكلمين ما زيفوه من صور فاسدة متنطعة لذلك المعنى في إطار ما سموه بدليل التمانع، وهو كذلك ما يفتح أبواب السفسطة والاعتراض عليها أشكالا وألوانا، والله المستعان.
ولهذا قال شيخ الإسلام رحمه الله في الدرء: "هؤلاء اعتقدوا أن قوله :" لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا " إنما يدل على نفي الشركة في الربوبية، وهو أنه ليس للعالم خالقان، ثم صار كل منهم يذكر طريقا في ذلك."، وقال كذلك: "وكثير من أهل النّظر يزعمون أن دليل التمانع هو معنى قوله تعالى:" لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا " ؛ لاعتقادهم أن توحيد الربوبية الذي قرّروه هو توحيد الإلهية الذي بيّنه القرآن، ودعت إليه الرسل. وليس الأمر كذلك، بل التوحيد الذي دعت إليه الرسل، ونزلت به الكتب، هو توحيد الإلهية المتضمن توحيد الربوبية، وهو عبادة الله وحده لا شريك له "... اهـ. فتأمل قوله رحمه الله: "المتضمن"، إذ كلا التوحيدين بدهيان متلازمان، فإذا أشرك المشرك في الألوهية، فقد اقترف ما يعلم بالبداهة والضرورة أنه يقتضي الإشراك في الربوبية، وإذا كان يعلم بطلان الشرك في الربوبية، لزمه أن يقر ويشهد ببطلان الشرك في الألوهية، وذلك كله يأتي في القرآن في مقام التذكرة، أن يقرن الرب سبحانه المعاني المتلازمة إقرانا يذكر الغافلين ويوبخ المكابرين ويحاجج الخلق على أكمل ما تكون المحاججة! أما المتكلمون فعندهم أنه إنما أراد المبادأة بتأسيس وحدانية الربوبية نفسها بهذه الآية ونحوها!
فقولك وفقك الله: "(فرض) إلهين يلزم منه محال فتعين أنه واحد سبحانه"، هذا الترتيب الإثباتي السيلوغي ليس هو طريقة القرآن، وأنت ترى بجلاء أن الله ما قال لهم: "لو كان فيهما إلهين لفسدتا، فتعين أن أكون أنا الإله الواحد" كأنما يعلمهم بذلك بعد جهل أو يجليه لهم بعد خفاء، يرتب النتيجة على المقدمات! فليس ها هنا فرض Hypothesis على المعنى الذي يشترطه الفلاسفة طريقا لإثبات معرفة تخلو منها نفوسهم في تلك الأبواب بزعمهم! وإنما نرى تذكيرا بشناعة وفداحة ما يقتضيه التكذيب بوحدانية رب العالمين من تناقض قد علم العقلاء الأسوياء مصادمته للفطرة والحس جميعا، وإحضارا لذلك المعنى في نفس المخاطبين على أحسن ما يكون ذلك، مما يحملها حملا على التوبة والندم إن كان يرجى منها الخير، ويحصل به تمام المحاججة إن لم تكن كذلك.
ولهذا (أي لافتراض الممتنعات للتبكيت والتوبيخ) نظائر في القرآن، كقوله تعالى: ((وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ . لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ)) [الحاقة : 44-45]، فقد علم بالبداهة أن الرب ما كان ليصطفي رجلا لرسالته وهو لا يعلم أنه سيكذب عليه أو يتقول عليه ما لم يقله سبحانه، لأنه سبحانه لا يكون هو الرب المستحق للعبادة والتوحيد إن لم يكن موصوفا بكمال العلم، كما أنه لا يصطفي رجلا لرسالته وهو يعلم أنه كذاب صاحب هوى، إذ هو كذلك موصوف بضرورة العقل والبداهة بأنه لا يقبل الكذب ولا يأذن لرسول أرسله بأن يكذب عليه! ومع ذلك فقد علم بالضرورة كذلك أننا لو قدرنا أن وقع من ذلك الرسول نفسه، كذب على الله أو تقوّل، لقطعه ربه ولقضى عليه ولم يعجزه ذلك، والحال أنه لم يكن منه ذلك مع محمد صلى الله عليه وسلم، فكل تلك المعاني بدهية واضحة متساوية في جلائها، يحضر بعضها بعضا، ويكون في جمهرتها على المكابر المماحك ما يحصل به توبيخه وتبكيته وإحراجه أمام أتباعه إن كان من كبرائهم، لا أن المقام في هذه الآية أن الرب سبحانه أراد أن يعلم هؤلاء المكذبين لرسوله، بعد جهلهم، أنه يراه ويسمعه وسيصنع به كذا وكذا إن كذب عليه، فإن فرض الكذب معلوم بالبداهة والفطرة أنه لا يقع وما كان ليقع! ولكنه إمعان في البيان والمحاججة، ولله الحكمة البالغة، ولهذا نظائر كثيرة في القرآن يطول المقام ببسطها، والله أعلى وأعلم، والحمد لله أولا وآخرا.
وكتب
أبو الفداء ابن مسعود
غفر الله له ولوالديه وللمسلمين
