الجواب السديد لمن جعل "الحاكمية" قسما رابعا من أقسام التوحيد



إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، أما بعد، فقد أرسل إلي بعض إخواني الأكارم وفقه الله كلاما للدكتور سلطان العميري، ينتصر فيه لمسألة تقسيم التوحيد إلى أربعة أقسام، توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات وتوحيد الحاكمية، وطلب مني، جزاه الله خيرا، أن أكتب مقالا في الرد عليه، فنظرت فيه وألفيته يحتاج إلى الرد المفصل، قياما بواجب النصيحة لله ولرسوله وللمؤمنين، والله الموفق المستعان. 

فقد سلك الدكتور في تقرير تلك الدعوى، التي أعدها بدعة محدثة كما سيأتي بيانه بحول الله وقوته، مسلكا تأصيليا، يوهم من يقرأه بأن ما انتهى إليه من تجويز تلك القسمة الرباعية الحادثة إنما يستند هو فيه إلى الأصول الكلية الواجب مراعاتها في نظائر ذلك من تصرفات العلماء في التقسيمات الاصطلاحية في كل فن من فنون العلم، والواقع وكما سنبين بحول الله وقوته، أنه أغفل أصولا كلية كان الواجب تقريرها في تأصيله ذاك، ثم إنه غلط وتناقض في الأصول التي قررها كما سيأتي. وعلى رأس تلك الأصول التي أغفلها الدكتور، وما كان ينبغي له أن يفعل، هو لزوم جادة السابقين من أئمة الدين، من السلف ومن تبعهم بإحسان من علماء المسلمين. فالتأصيل والتقعيد إنما يكون مقبولا علميا، مستحسنا من صاحبه، إن لم ينته به إلى تقرير أمر لا سلف له في تقريره! 

فالفارق بين أهل السنة وبين الفلاسفة والجهمية ومن لف لفهم، أن القواعد الكلية والأصول العقلية عندنا إنما تستمد من النصوص، بما لا يجاوز فهم الأولين لها وعملهم بها إجمالا، خلافا لأهل الأهواء الذين يتخذون من أصول فلسفية معينة، مستندهم الأول ومنطلقهم في التقعيد والتأصيل، ثم تجعل النصوص خادمة للقواعد بالتأويل المتعسف الذي لم يسبقوا إليه. فالمتعين على طالب العلم إن أراد السلامة لنظره وعقله وقواعده وأصوله أن يحرص في كل ذلك على ألا يخرج عما كان عليه سلف الأمة، وما جرى عليه أئمة أهل السنة. فإذا رأيت التقعيد والتأصيل يشذ عما كان عليه السابقون، فاعلم أنما سبب ذلك تلوث صاحبه بكلام بعض الفلاسفة والمفكرين ومن شاكلهم، وتأثره إجمالا بذلك الكلام من حيث لا يشعر. وكلما عظمت اللوثة، بعدت النجعة واتسعت الهوة بين التقعيد وثمرته المترتبة عليه عند صاحبه، وبين ما كان عليه السلف إجمالا. فكان الواجب على الدكتور، غفر الله له، أن يضع هذه القاعدة الكبرى نصب عينيه قبل أن يشرع في تناول تلك المسألة. ولو أنه فعل لما كتب ما كتب، لأنه لا يعرف من سلف الأمة من سلك ذلك المسلك الحادث في تقسيم التوحيد، الذي كتب الدكتور ما كتب في الانتصار له! 

ولا أرتاب في أن الدكتور سيظن أن كلامي هذا لا يرد عليه وعلى تصرفه في تلك المسألة، بالنظر إلى جملة الأصول التي قررها فيها، ولكن كما تقدم، فإن الواجب على طالب العلم أن يتهم نفسه وفهمه والطريقة التي سلكها، إن وجد أن جملة ما بين يديه من القواعد والأصول لا ينتهي به إلى حيث انتهى السلف وأئمة السنة في قرون الأمة رحمهم الله تعالى، بل يفضي به إلى مقالة أنكرها أكابر أئمة أهل السنة في هذا العصر كما سيأتي. ونحن نرجو للدكتور، أصلحنا الله وإياه، ألا يكون من المعجبين برأيهم، الذين يصرون عليه وإن قام الدليل الظاهر على غلطه، والله الهادي إلى سواء السبيل. 

يبدأ الدكتور فيقول إن تقسيم التوحيد يقوم على خمسة أصول أساسية، يجعلها كما يلي: "الأصل الأول أن التقسيم داخل في دائرة الاصطلاح، فهو – أعني التقسيم – ليس تقريرا لحكم شرعي مخصوص، وإنما هو من قبيل المصطلحات، وتنطبق عليه قاعدتها. الأصل الثاني: أن الأصل في باب المصطلحات أنه باب اجتهادي، والأبواب الاجتهادية لا يشترط فيها التوقيف من الشارع، وإنما يشترط فيها عدم مخالفة الشرع، والصحة والاستقامة في المعنى واللفظ، يقول ابن القيم: "الاصطلاحات لا مشاحة فيها إذا لم تتضمن مفسدة." الأصل الثالث: أن التقسيم يتنوع بتنوع الاعتبارات المراعاة فيه، فالأمور المتعددة يمكن أن تقسم إلى أقسام متنوعة بحسب المعنى المعتبر في كل تقسيم. الأصل الرابع: أن إفراد نوع من الأنواع بقسم خاص مقبول إذا وجد ما يسوغه، ولا يعد انخراما في التقسيم أو اضطرابا فيه. الأصل الخامس: أن ثم فرقا بين المضامين الشرعية وأحكامها وبين تقسيم المضامين الشرعية، فالأمر الاصطلاحي هو التقسيم وليس المضامين ذاتها، فالركوع مثلا بناء على دلالة النصوص الشرعية هو جزء أساسي لا تصح الصلاة إلا به سواء جعل من الشروط أو من الأركان أو من غيرها." انتهى. قلت، إن هذه الأصول التي قررها فيها نظر. فأما الأصل الأول، ففيه نقص على ما حرره الدكتور، إذ إن التقسيم الاصطلاحي إنما ينظر فيه إلى الغرض منه والثمرة المترتبة عليه، فليس هو تقسيما نظريا لمجرد التقسيم، وإنما هو تقسيم يراد به تقرير ما يجب على العبد تحقيقه من أنواع التوحيد. فتوحيد الربوبية إنما يراد به إفراد الرب سبحانه بالخلق والتدبير وما يتعلق بهما من المعاني، وتوحيد الألوهية هو إفراد الرب سبحانه بالعبادة وحده لا شريك له، فلا يتوجه العبد لغيره بما لا يجوز أن يصرف لغيره من أنواع الأقوال والأعمال، وتوحيد الأسماء والصفات، هو إفراد الرب سبحانه بأسمائه الحسنى وصفاته العليا، تثبت له على ما يحب سبحانه ويرضى. 

ولهذا اقتصر بعض السلف على قسمين، فقالوا توحيد المعرفة، وهو إفراد الله تعالى بصفاته وأفعاله، ومن ذلك توحيد الأسماء الحسنى، وتوحيد العمل، وهو إفراد الله تعالى بأفعال العباد. فلماذا لم يشاحح أصحاب القسمة الثنائية من جعلوها ثلاثة في تقسيمهم؟ لأن أصحاب القسمة الثلاثية إنما فصلوا ما أجمله أصحاب القسمة الثنائية، بمعنى أن الذين قالوا بقسمين، كان القسمان عندهم جامعين مانعين، فلا يخرج عن مجموعهما نوع من أنواع التوحيد، ولا يدخل في أي منهما ما ليس بتوحيد، ولا يدخل نوع واحد من أنواع التوحيد تحت كليهما معا، وكذلك كان الشأن فيمن جعلوها ثلاثة، إذ فصلوا في قسم من القسمين المجملين السالفين فجعلوه على قسمين، ملتزمين بشرط الجامعية والمانعية كذلك، فلا يخرج عن مجموع الثلاثة نوع من أنواع التوحيد، ولا يدخل في مجموعها ما ليس بتوحيد، ولا يدخل نوع واحد تحت قسمين منهما معا فضلا عن أن يدخل تحتها جميعا. 

وهذان الشرطان (الجامعية والمانعية) من القواعد المرعية في التقسيم الصناعي وفي وضع الحدود والتعاريف العلمية عامة، التي أغفلها الدكتور أو غفل عنها في هذا التأصيل. فعندما قسم الفقهاء أعمال الصلاة، في المثل الذي استعان هو به لتقرير مراده كما سيأتي، إلى واجبات وسنن وأركان وشروط، حرصوا في تعريفهم العلمي لتلك الأقسام على أن تكون جامعة لجميع أعمال الصلاة وما يتعلق بها شرعا، وعلى أن تكون مانعة لدخول غير ذلك من الأعمال فيها، وعلى ألا يشتبه عمل بين قسمين أو أكثر من تلك الأقسام، فيدخل تحتهما معا! أو بعبارة أخرى أن يكون كل قسم جامعا مانعا للمعاني التي تدخل تحته دون أن تتداخل الأقسام، وأن يكون المجموع (أي مجموع الأقسام) جامعا ومانعا كذلك. 

فالركن مثلا هو عمل من أعمال الصلاة لا تصح إلا به، وهو جزء من ماهيتها، هذا هو تعريفه الذي يحده عن أن يختلط بالشرط، مثلا، الذي هو عمل خارج عن ماهية الصلاة ولكنها لا تنعقد إلا به (يلزم من عدمه عدم المشروط ولا يلزم من وجوده عدم ولا وجود لذاته). فبهذا لا يتصور في عمل واحد أن يكون ركنا من أركان الصلاة وشرطا من شروطها معا، لأنه إذن يكون من ماهيتها ولا يكون من ماهيتها في نفس الوقت، وهو تناقض! 

والقصد أن تحديد الأقسام العلمية والأنواع المتباينة في أي علم من العلوم، لا ينتفع الناس به حتى يمتاز كل نوع عن غيره وكل قسم عن غيره بما يمنع حصول التداخل والاختلاط والالتباس فيما بينها، وهذه من أصول الصناعات العلمية كافة. ولأن توحيد الأسماء والصفات ينبني عليه عمل مشروع، واضح المعالم لا لبس فيه ولا اشتباه، وهو إثبات الأسماء والصفات لله تعالى (معرفيا) كما هو حقه أن تثبت له سبحانه، بلا تعطيل ولا تأويل ولا تحريف، وهو عمل قد دل النص عليه دلالة منفردة، كما في قوله تعالى: ((وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ)) [الأعراف : 180]. فالذي يقول بالقسمة الثنائية، يجعل هذا العمل داخلا في أعمال التوحيد الخبري أو توحيد المعرفة أو توحيد الإثبات، ولا مشاحة في ذلك. فمن الشروط والأصول المرعية كذلك أن يكون العمل المترتب على التقسيم واضحا لا التباس فيه ولا اشتباه، إذ هو الثمرة المرجوة من التقسيم بالأساس. والحاصل أن بعض السلف أجمل فجعلهما قسمين إجماليين، وبعضهم فصل في أحد القسمين (توحيد الإثبات) فجعله على نوعين (توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات) فصار المجموع ثلاثة! 

فهذا ما يقال في مثله كما قال الدكتور إن "إفراد نوع من الأنواع بقسم خاص مقبول إذا وجد ما يسوغه، ولا يعد انخراما في التقسيم أو اضطرابا فيه." فإنه سواء قولهم بالتوحيد الخبري كقسم واحد، أو تقسيمهم هذا القسم إلى قسمين، توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، فإن المقصود الشرعي حاصل من كلتا القسمتين، من غيرما تداخل ولا اشتباه ولا التباس بين الأقسام، والعمل المترتب على كلتا القسمتين لا لبس فيه ولا إجمال ولا اشتباه، خلافا لمن أضاف قسما رابعا سماه "بتوحيد الحاكمية"، فإن لنا هاهنا أن نسأل ابتداء: هل هذا النوع مشتمل عليه في قسم من الأقسام الثلاثة أم لا؟ فإن كان كذلك فليس من طريقة أهل العلم أصلا أن يجعل في قسم إضافي لأقسام قد اشتملت عليه تحتها بالفعل!

ثم يقال: ما المقصود بالحاكمية هذه أصلا؟؟ هذا اصطلاح فلسفي حادث مجمل، بدعه المودودي وتابعه عليه سيد قطب، ثم لما تشرب به عبد الرحمن عبد الخالق، جعله قسما رابعا من أقسام التوحيد، متأولا لنفسه بمثل هذا الذي يؤصله الدكتور في كلامه المنقول آنفا! والسلف لم يستعملوا شيئا من الاصطلاحات الفلسفية كما مر معك، لا في القسمة الثنائية ولا في الثلاثية، وليس في ألفاظهم شيء من الإجمال أو الاشتباه كما هو ظاهر. بل العمل المترتب على التقسيم ظاهر جلي، لا التباس فيه ولا اشتباه. خلافا لتوحيد الحاكمية، إذ هل المقصود به إفراد الله تعالى بألا يكون في الوجود حاكم غيره؟؟ أم المقصود إفراده بألا نتحاكم إلا إليه؟ إن كانت الأولى فهذا فيه إجمال، إذ يحتمل أن يكون المراد اعتقاد أنه هو الرب الذي لا يجري شيء في الأرض ولا في السماء إلا بقضائه وحكمه وتدبيره، كما في قوله تعالى: ((قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَكَذَّبْتُم بِهِ مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ)) [الأنعام : 57]، وقوله: ((وَقَالَ يَا بَنِيَّ لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنكُم مِّنَ اللّهِ مِن شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ)) [يوسف : 67]، وهذا هو عين توحيد الربوبية، وليس داخلا تحته، بل هو هو! 

ويحتمل اللفظ أن يكون المراد إفراده بأن يكون هو إمام الأرض الذي يحكمها كما يحكم الملوك أممهم وبلدانهم، وهذا، على السبر، يحتمل بدوره معنيين، إما أن يكون المراد اعتقاد أنه كذلك حقا، أي أنه هو الذي يحكم بلدان الأرض بأمره ونهيه تحقيقا، وهذا ظاهر الفساد، وإما أن يكون المراد إلزام الأمم كافة بألا يجعلوا للأرض ملكا يحكمها إلا الله، وهذا المعنى باطل فاسد، لا انصراف له إلا على فلسفة المودودي وسيد قطب في مفهوم الحاكمية، كما سيأتي الكلام عليه بتوسع إن شاء الله تعالى عند كلامنا على تجهم المودودي في النظرية الاجتماعية والسياسية، إذ مهما جهد حكام البشر في أن يحكموا في الناس بما أنزل الله، فلا يجوز أن يقال إن حاكمهم إذن يكون هو الله جل شأنه، هذا لم يقل به أحد من علماء المسلمين ولا من أئمة أهل السنة، فالله تعالى يحكم بالقضاء والتدبير، ويحكم كذلك بالأمر والتشريع، فيأمر المكلفين وينهاهم لا كما يأمر الحاكم محكومه، وإنما كما يأمر الرب عبده المكلف بتشريع عام يجتهد هو في تنزيله والعمل به في كل حالة، تأسيا بالرسول عليه السلام وبأصحابه، ولهذا فرق أهل العلم بين الشرع المنزل والشرع المؤول، إذ حكم الحاكم المسلم ليس هو عين حكم الله تعالى، وإنما هو بالضرورة استنباط وتنزيل وتأويل لحكم الله تعالى. هو حكم العبد من حيث هو فعله، وليس حكم الله تعالى، وإنما يرجو به أن يكون مصيبا لحكم الله ورسوله، جاريا عليه فيه لا غير. فالإمام إذا حكم في زان غير محصن، مثلا، بأنه يجلد، فهذا حكمه هو في تلك الواقعة ونحوها، يرجو به أن يكون قد أصاب حكم الله جل وعلا في ذلك النوع من الحدود والعقوبات. فإن أصاب فمن الله، وإن أخطأ فمن نفسه. ولا نقول إن الله هو الذي حكم على هذا المعين بأنه يجلد، فانتبه! فإن قالوا ليس هذا ما نريد، وإنما المقصود ألا يتحاكم الناس إلا إليه سبحانه، قلنا إن هذا أيضا فيه تفصيل واجب، إذ التحاكم لغير الله تعالى قد يقع من صاحبه كفرا وخرقا للتوحيد، كما في قوله جل وعلا: ((أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً)) [النساء : 60] وقد يقع منه معصية لا يكفر بها، كما في قول ابن عباس رضي الله عنهما في مناظرته الخوارج في تأويل قوله تعالى: ((وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)) الآية [المائدة : 44] "إنه ليس بالكفر الذي تذهبون إليه، وإنما هو كفر دون كفر"! 

فالذي يحكم بغير ما أنزل الله، هو محتكم لغير الله، سواء استقل من ذلك أو استكثر أو جعله نظاما عاما للناس يتحاكمون إليه، فإما أن يكون مستحلا، مقدما لحكم الطاغوت على حكم الله تعالى وهو يعتقد أنه خير منه، فيدخل في قوله تعالى: ((أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ)) [المائدة : 50]، وهو إذن مؤمن بالطاغوت كافر برب العالمين، وعمله إذن خارم للتوحيد، وإما أن يكون غير مستحل ولا مستحسن لحكم الطاغوت، بل يفعل ذلك وهو يعتقد أنه على باطل وعصيان، أو يظن من الجهل والشبهة أن ما هو عليه هو حكم الله تعالى، فإما أن يكون عاصيا أو فاسقا مبتدعا، ولا يكون كافرا! فإن قالوا إنما نقصد بالحاكمية إفراد الله تعالى بحقه في ألا يقدم على شرعه شرع ولا يرفع على حكمه حكم، قلنا إن هذا أيضا من توحيد الربوبية، إذ إن الاعتقاد بأنه ليس في الوجود حكم أحسن من حكم الله تعالى، هو من إثبات الربوبية لله تعالى. وإن قالوا هو إفراده بالاحتكام إلى كتابه وإلى شريعة رسوله كما في قوله تعالى: ((وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِيناً)) [الأحزاب : 36] وقوله ((فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً)) [النساء : 65]، وقوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً)) [النساء : 59] وإفراده بالطاعة المطلقة من هذا الوجه، قلنا هذا إذن من توحيد الألوهية لأنه من إفراده سبحانه بما لا يصرف لغيره من أفعال العباد.

فتأمل ما في لفظة "الحاكمية" هذه من إجمال واشتباه يجعلها تحتمل الدخول في توحيد الربوبية، بل تكون هي توحيد الربوبية، وتحتمل الدخول في توحيد الألوهية، وتحتمل كذلك أن تكون مصطلحا فلسفيا تقرر به بدعة ضلالة، أو أمر محال لا حصول له إلا في ذهن صاحبه!! 

لهذا لما سئل العلامة العثيمين رحمه الله عن قوله فيمن يحدث قسما رابعا هو "توحيد الحاكمية"، قال: "نقول: إنه ضال وجاهل؛ لأن «توحيد الحاكمية» هو توحيد الله عز وجل، فالحاكم هو الله عز وجل، فإذا قلت: التوحيد ثلاثة أنواع كما قاله العلماء: توحيد الربوبية فإن «توحيد الحاكمية» داخل في توحيد الربوبية؛ لأن توحيد الربوبية هو توحيد الحكم والخلق والتدبير لله عز وجل، وهذا قول محدث منكر، وكيف «توحيد الحاكمية»؟ ما يمكن أن توحد هذه! هل معناه: أن يكون حاكم الدنيا كلها واحد أم ماذا؟ فهذا قول محدث مبتدع منكر ينكر على صاحبه، ويقال له: إن أردت الحكم فالحكم لله وحده، وهو داخل في توحيد الربوبية؛ لأن الرب هو الخالق المالك المدبر للأمور كلها، فهذه بدعة وضلالة. [لقاء الباب المفتوح - (رقم اللقاء ١٥٠)]." اهـ.

فمن هنا يتبين لك أن من أهم القواعد الكلية التي أهملها الدكتور في تأصيله هذا: ضبط اللفظ والاصطلاح بحيث يكون خاليا من الإجمال والاشتباه، سالما من ضلالات الفلاسفة والمفكرين ومن شاكلهم، التي لا سلف لأصحابها بها، من حيث المضمون أو المعنى المصطلح عليه! ولفظة "الحاكمية" هذه فيها من ذلك ما فيها كما بينا، وكما نبسط الكلام عليه في غير هذا الموضع بإذن الله تعالى. 

قال العلامة الفوزان حفظه الله في شرح الفتوى الحموية الدرس الأول، لما سئل عن قولهم "توحيد الحاكمية": "إي والله هذا الذي نحذركم عنه، شيء ما قاله السلف لا تقولوا به! أبدا! الحاكمية يا أخي داخلة في توحيد الألوهية، ومن العلماء من يقول إنها داخلة في توحيد الربوبية، فهي داخلة في الأقسام الثلاثة، ولم يفردها ناس علماء، وإنما أفردها حزبيون، يريدون نصرة مذهبهم وحزبهم، لا نعبأ بهم، نقول ما قاله علماؤنا وسلفنا الصالح ولا نزد شيئا من عندنا، نعم." اهـ. 

فلا شك أن لفظة "الحاكمية" هذه حتى لو سلمنا بخلوها من الفساد في التصور الفلسفي الراجع إلى فكر المودودي كما أشرنا إليه آنفا، فإن مجرد الاشتباه في دخولها تحت توحيد الربوبية تارة وتحت توحيد الألوهية تارة، إلى جانب حقيقة أنه ليس من السلف ولا من الأئمة من يقولون بذلك القسم الرابع، هذا يجعل طالب العلم المؤصل تأصيلا صحيحا، المستقيم على منهج أهل السنة من أول الطلب، يتهيب من أن يأتي به من كيسه، دع عنك أن ينافح عنه وينتصر له إذ سئل، يقول هذا أمر اجتهادي والاصطلاح لا مشاحة فيه وهذه الأشياء، يناطح فيما ليس من طريقة أهل السنة أن يناطحوا فيه! انتبه إلى هذه القضية بارك الله فيك، فإنها فرقان بين من تربى على طريقة أهل السنة الخالصة، ومن اختلطت روافد المعرفة في تربيته العلمية، فجمع في بنائه العلمي بين الأخذ عن العلماء الكبار، والأخذ عن الفلاسفة والمفكرين ومن شاكلهم! طالب العلم السلفي المؤصل لا يتجاسر على إحداث قسم رابع في قضية قد تتابعت قرون المسلمين على الاقتصار فيها على قسمين أو ثلاثة، ثم يجادل وينافح عن ذلك بتأصيل وتقعيد يخترعه بين يدي المخالفين عند الرد عليهم، على طريقة أهل الكلام ومن شاكلهم! لا سيما وقد علم أن النزاع على هذا القسم الرابع المزعوم، نزاع بين أهل السنة وخوارج العصر ممن زعموا أن من لم يحكم بغير ما أنزل الله، بهذا الإطلاق، فقد نقض التوحيد من جهة إسقاطه هذا القسم الرابع نفسه! تعلموا من أكابركم بارك الله فيكم، فإن البركة مع الأكابر! 

وأما الأصل الثاني فيقول فيه: "أن الأصل في باب المصطلحات أنه باب اجتهادي، والأبواب الاجتهادية لا يشترط فيها التوقيف من الشارع، وإنما يشترط فيها عدم مخالفة الشرع، والصحة والاستقامة في المعنى واللفظ، يقول ابن القيم: "الاصطلاحات لا مشاحة فيها إذا لم تتضمن مفسدة." قلنا: فمن الذي طالبك بالتوقيف على نص صريح في إثبات أقسام التوحيد؟ هذا لا قائل به وفيه مصادرة على المطلوب. وإلا فإذا أجرينا عليك ما اشترطته أنت على نفسك يا دكتور، وهو عدم مخالفة الشرع، مع الصحة والاستقامة في المعنى واللفظ، تعين أن نرد القسمة الرباعية الحادثة هذه لما تقدم بيانه في التعليق على الأصل الأول. فهذا الذي اصطلحه الحزبيون ممن يقال لهم "المفكرون الإسلاميون"، يشاححهم فيه أهل العلم للمفسدة التي بيناها فيما مر معك، فانظر إلى أي الفريقين تنتسب! 

وأما الأصل الثالث، وهو قوله: " الأصل الثالث: أن التقسيم يتنوع بتنوع الاعتبارات المراعاة فيه، فالأمور المتعددة يمكن أن تقسم إلى أقسام متنوعة بحسب المعنى المعتبر في كل تقسيم. فيقال فيه كما قلنا في سابقه. فالاعتبارات التي روعيت في إحداث ذلك القسم الرابع إنما هي اعتبارات حزبية تقوم على فلسفة المودودي السياسية، وليست اعتبارات علمية شرعية مما يعتبر بمثله أهل العلم في تقسيماتهم واصطلاحاتهم. 

ويلحق بهذا أصله الرابع الذي قال فيه: "أن إفراد نوع من الأنواع بقسم خاص مقبول إذا وجد ما يسوغه، ولا يعد انخراما في التقسيم أو اضطرابا فيه." 

وأما الأصل الخامس، فقال فيه: " الأصل الخامس: أن ثم فرقا بين المضامين الشرعية وأحكامها وبين تقسيم المضامين الشرعية، فالأمر الاصطلاحي هو التقسيم وليس المضامين ذاتها، فالركوع مثلا بناء على دلالة النصوص الشرعية هو جزء أساسي لا تصح الصلاة إلا به سواء جعل من الشروط أو من الأركان أو من غيرها." قلت وهذا فيه تكلف ونوع سفسطة في الحقيقة، هو أشبه بكلام الفلاسفة منه بكلام طلبة العلم. قوله: "الأمر الاصطلاحي هو التقسيم وليس المضامين ذاتها"، عجيب! إذ المصطلحات إنما تتناول المضامين الشرعية بالتقسيم والتصنيف، فيكون لكل قسم حكمه والعمل المبني عليه! 

فأنت يا دكتور عندما تقول الركوع هو جزء أساسي، فما معنى جزء أساسي؟ هنا يأتي الاصطلاح الذي يُتوجه به إلى المعنى من قوله "لا تصح الصلاة إلا به"، وهو عند العلماء الركن وليس الشرط ولا غير ذلك! وإذن يقال إن الاصطلاح يثبت مضمونا شرعيا، وهو ركنية الركوع، لفظة "ركن" هذه مصطلح يثبت مضمونا شرعيا ولا شك، ويثبت كذلك حكما شرعيا وهو أن الصلاة لا تصح إلا به، ويثبت تقسيما للمضامين الشرعية كذلك على اعتبار أن من أفعال الصلاة ما هو ركن ومنها ما ليس بركن! فالتقسيم الاصطلاحي لأفعال الصلاة إنما جرى تبعا للمضامين الشرعية وأحكامها عند العلماء، كل قسم يشمل تحته جملة من المعاني المنفصلة نوعا عما في القسم الآخر ضرورة، فما معنى أن يقال إن الاصطلاح هو التقسيم وليس المضامين ذاتها؟! 

وهل يكون التقسيم الاصطلاحي إلا تقسيما نوعيا للمضامين الشرعية تبعا لأحكامها تحت مصطلحات تجمعها؟؟ فلسفة وتكلف ظاهر لا طائل تحته! يقول: "فالتقسيمات التي يذكرها العلماء في الحقائق الشرعية ليست لإثبات المضامين الشرعية، وإنما لفرزها وتصنيفها بعد ثبوتها بأدلتها المعتبرة." وهذا فيه نظر كثير، إذ تقدم أن التقسيم إنما هو تقرير وإثبات لمضامين شرعية، إنما يؤتى به لعمل يطلب من المسلمين، لا لمجرد الفرز والتصنيف الشكليين كما يفهم من هذا الكلام! وكلامه فيما يضرب بعد من الأمثال يدلك على أنه لم يضبط تصور القضية. فهو يقول إن العلماء قسموا الصلاة إلى شروط وأركان وواجبات ومستحبات، وهذا صحيح ولا شك، ولكن نحن نسأله، هل يجوز اليوم أن يأتي من يضيف إلى هذه الأقسام، على هذا المذهب الفقهي في تصنيفها، قسما خامسا، ثم يقول لا مشاحة في الاصطلاح، والعبرة في النهاية بالمضامين لا بالمصطلحات؟؟ إذا كانت تلك المصطلحات الأربعة قد استوعبت المضامين الشرعية الداخلة في وصف أفعال الصلاة على تنوعها استيعابا تاما عند من وضعوها، فمن أين يأتي القسم الخامس إذن؟ والقصد أنه لا صحة لأن يقال إن استخراج قسم إضافي على تقسيم قد درج عليه أهل العلم في باب من الأبواب، لا تأثير له على المضامين الشرعية! وهذا المثل الذي جاء به الدكتور هو أدل على فساد هذا التقعيد من مسألة تقسيم التوحيد نفسها التي جاء به من أجل أن يقرر مراده فيها! 

التقسيم إنما تكلفه العلماء من أجل أن ينبني عليه عمل الناس بصورة ما أو بأخرى! يحكم بالدليل بأن عملا من الأعمال في الصلاة داخل تحت نوع الأركان، فيعلم المسلم إذن أنه إن أسقطه لزمته الإعادة، أو يعلم أنه يدخل تحت واجبات الصلاة، فيترتب على ذلك أنه إن أسقطه لم تلزمه الإعادة بل يجزئ عنه سجود السهو، وهكذا! فالتقسيمات الاصطلاحية تابعة للأحكام والمضامين الشرعية، مشتملة عليها، تجري صنعة العلم بين أيدي أصحابها في إطارها ولا تتجاوزها، لأنها إنما تستوعب تلك المضامين والأحكام! فإنما هي تقسيم للأحكام والأعمال المترتبة عليها أصالة! فمن أراد أن يجعل أقسام التوحيد أربعة، فعليه أن يسأل نفسه: ما العمل المترتب شرعا على هذا القسم الرابع، وهل يستساغ في ضوء ذلك العمل، إخراج القسم الجديد من الأقسام الثلاثة المعروفة ليكون إضافة إليها، أم الصواب أن يعاد التقسيم كله بما يناسب فصل ذلك القسم الجديد في قسم مستقل (إن صح أن يكون قسما مستقلا نوعا، وجاز نظريا أن يفصل عن بقية الأقسام)؟؟ لهذا قلنا إنه ليس لكم متمسك في مسألة أن السلف منهم من قسم التوحيد إلى قسمين لا إلى ثلاثة، لأن الذي قسمها إلى ثلاثة، لم يقل: لنجعلها "توحيد علمي" و"توحيد طلبي" و"توحيد أسماء وصفات"، مثلا، وإنما فصّل فجعل التوحيد العلمي أو توحيد الإثبات على نوعين: توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات! أما أنتم فتريدون أن تضيفوا قسما مجملا للغاية لذلك التفصيل الثلاثي، محتملا ما بيناه من الفساد، مع الإبقاء على الأقسام الثلاثة كما هي! فصار ذلك تشويها وإفسادا للتقسيم نفسه على التحقيق، من حيث الصناعة العلمية، وحشرا لبدعة المودودي وسيد قطب وتخليطهما في الحاكمية في أقسام التوحيد التي قررها السلف، وليس جريا على طريقة السلف والعلماء في التقسيم التي لم يتشاححوا بها في الاصطلاح كما تزعمون! 

فقول الدكتور: "وكذلك لو عمد أحدهم إلى تلك الأقسام وجعلها أركانا للتوحيد، فقال التوحيد يقوم على ثلاثة أركان: إفراد الله بالربوبية وبالألوهية وبالأسماء والصفات، وجعل بكل ركن منها الأحكام التي دلت عليه النصوص الشرعية، لما أمكن الإنكار عليه، لأنه في الحقيقة لم يخالف حكما شرعيا، وإنما خالف في قضية اجتهادية." قلت: هذا حجة عليك لا لك يا دكتور، لأنه إن جعل تلك الأقسام أركانا للتوحيد، فقد حكم بأن التوحيد ينتقض بانخرام أي واحد من تلك الثلاثة! فكيف إذن لا نشاححه في التقسيم إن زاد على تلك الثلاثة أو نقص، نقول إنه مجرد اصطلاح، مع أنه إنما هو تقسيم لأحكام شرعية يفترض أن لكل واحد منها أدلته لديه؟؟ ومن جديد يرجع الدكتور ليكشف اضطرابه في تصور مسألة التقسيم فيقول: "فلا شك أن المضامين الشرعية المندرجة ضمن التوحيد دلت عليها وعلى تعددها النصوص الشرعية، ولكن تلك النصوص لم تدل على تقسيمها إلى ثلاثة أقسام أو أربعة أو قسمين، وإنما هذه أمور يجتهد فيها الناظرون كل بحسب ما يفتح الله عليه من النظر، فلابد إذن أن نفرق بين أحكام الأقسام والمضامين وبين أحكام التقسيم، فالأقسام والمضامين توقيفية وأما تقسيمها فهو محل نظر واجتهاد" 

قلت: خبرني بربك كيف وبأي عقل يصح أن تكون المضامين قد دلت عليها وعلى تعددها النصوص الشرعية، ومع ذلك لم تدل على تقسيمها إلى ثلاثة أقسام أو أربعة .. إلخ؟؟ وهل يوجب التقسيمَ إلا التعددُ في المضامين؟؟ وهل يأتي التقسيم إلا من ذلك التعدد أصلا، كل قسم بدليله؟؟ فلا شك أن ثمة تناقضا في قوله: "فالأقسام توقيفية، وأما تقسيمها فمحل نظر واجتهاد"، وهل التقسيم إلا تقرير الأقسام يا دكتور؟؟ كيف يقال إن التقسيم محل نظر بينما الأقسام توقيفية؟؟ لعله هنا سيقول: "أنا أقصد بالأقسام المضامين والمعاني المشتملة عليها، لا من حيث كونها أقساما"، ونرد فنقول: وكيف صارت أقساما أصلا عند أهل العلم إلا بافتراق مضامينها ومعانيها عن بعضها البعض بالدليل الشرعي؟؟ الدليل على تقرير المعاني المشتمل عليها في الأقسام هو الدليل على التقسيم نفسه يا دكتور، وهو ما يوجبه، فدعك من شقشقة الكلام عفا الله عنك! يقول: "لا بأس بإفراد نوع من الأنواع المندرجة في التوحيد بقسم خاص إذا وجدت الحاجة، وذلك أن إفراد قسم أو عدم إفراده راجع إلى الاعتبار الاجتهادي في التقسيم، فإذا رأى بعض الناظرين أن قسما من الأقسام يحتاج إلى إفراد، لأهميته أو لكثرة الحاجة إليه أو لكثرة الخلل فيه أو لنحو ذلك من المعاني فلا ضير في ذلك ما لم يتضمن ذلك الإفراد مخالفة شرعية. وهذا الإفراد أشبه بعطف الخاص على العام، فإن حقيقته أن بعض أفراد العام تخرج منه وتفرد باسمها الخاص وتعطف على العام، ببعض تلك الاعتبارات التي ذكرت، ولا يكون في ذلك قدح في العموم ولا عيب في التقسيم، وإنما يكون في كثير من المواضع صنيعا فاضلا." قلت: فمن سلفك يا دكتور في أن التقسيم العلمي المعتمد لأنواع التوحيد يجوز أن يضاف فيه قسم مستقل يكون من باب عطف الخاص على العام؟؟ أين وقفت على نظير لذلك التصرف في شيء من تقسيمات السلف للتوحيد؟؟ عطف الخاص على العام أسلوب بلاغي يفيد التوكيد في الكلام، هو طريقة جارية في كلام العرب، وليس مسلكا علميا في تقسيم الأنواع والأحكام الشرعية المترتبة عليها! 

ليس في شيء من صناعات العلوم أن يقال إن من أنواع (س): (أ) و(ب) و(ج)، بحيث تكون (ج) فردا من أفراد النوع (ب) عطف عليه من باب عطف الخاص على العام!! تقدم أن هذا ينقض قاعدة من قواعد التفسيم العلمي وهي الانفصال والتغاير النوعي بين الأقسام. وقد تقدم بيان مسلك السلف في القسمة الثلاثية وأنه كان تفصيلا لما أجملوه في القسمة الثنائية! فليس توحيد الأسماء والصفات من توحيد الربوبية أو يشتبه به، ولا هو من توحيد الألوهية أو يشتبه به! وإنما هو توحيد لله تعالى بما سمى به نفسه وسماه به رسوله، وبما وصف به نفسه ووصفه به رسوله، صلى الله عليه وسلم! تأمل في هذا، ثم قارنه بتخليط القطبيين في قولهم بالقسم الرابع، إضافة إلى هذه الأقسام الثلاثة كما هي، وقل لي بربك كيف لا يكون هذا عيبا في التقسيم؟! 

يقول: "فإذا أفرد بعض الناظرين نوعا من أنواع التوحيد بقسم خاص، فسماه توحيد الطاعة مثلا أو توحيد الحكم أو توحيد التشريع أو نحوها من الأقسام، لأجل إبراز أهمية هذا النوع أو لأجل كثرة الانحراف فيه أو لكثرة المخالفين فيه، ولم يتضمن إفراده لذلك مخالفة لحكم شرعي، فإن صنيعه هذا مقبول، ولا يجوز الإنكار عليه." قلت: فهذا هو منتهى المقال ومقصده وغاية المراد منه. ونقول بل ننكر عليه ولا شك، فأما توحيد الطاعة، فننكر عليه لأنه داخل تحت توحيد الألوهية، ولا وجه لجعله قسما مستقلا! وأما توحيد الحكم فلما تقدم من كلام على لفظة "الحاكمية"، ونظير ذلك يقال في توحيد التشريع، فإنه كذلك اصطلاح حادث لم يعرف من قال به من السلف، وهو مجمل مشتبه كذلك! 

ونختم بنقل فتوى للجنة الدائمة المملكة برئاسة الإمام ابن باز رحمه الله، إذ سئلت سؤالا هذا نصه: "بدأ بعض الناس- من الدعاة - يهتم بذكر «توحيد الحاكمية»، بالإضافة إلى أنواع التوحيد الثلاثة المعروفة. فهل هذا القسم الرابع يدخل في أحد الأنواع الثلاثة أم لا يدخل، فنجعله قسماً مستقلاً حتى يجب أن نهتم به؟ ويقال: إن الشيخ محمد بن عبد الوهاب اهتم بتوحيد الألوهية في زمنه، حيث رأى الناس يقصرون من هذه الناحية، والإمام أحمد في زمنه في توحيد الأسماء والصفات، حيث رأى الناس يقصرون في التوحيد من هذه الناحية، وأما الآن فبدأ الناس يقصرون نحو «توحيد الحاكمية»، فلذلك يجب أن نهتم به، فما مدى صحة هذا القول؟" 

فجاء الجواب: "أنواع التوحيد ثلاثة: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات، وليس هناك قسم رابع، والحكم بما أنزل الله يدخل في توحيد الألوهية؛ لأنه من أنوع العبادة لله سبحانه، وكل أنواع العبادة داخل في توحيد الألوهية، وجعل «الحاكمية» نوعا مستقلا من أنواع التوحيد عمل محدث، لم يقل به أحد من الأئمة فيما نعلم، لكن منهم من أجمل وجعل التوحيد نوعين: توحيد في المعرفة والإثبات؛ وهو توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، وتوحيد في الطلب والقصد؛ وهو توحيد الألوهية، ومنهم من فصل فجعل التوحيد ثلاثة أنواع كما سبق. والله أعلم. ويجب الاهتمام بتوحيد الألوهية جميعه، ويبدأ بالنهي عن الشرك؛ لأنه أعظم الذنوب ويحبط جميع الأعمال، وصاحبه مخلد في النار، والأنبياء جميعهم يبدؤون بالأمر بعبادة الله والنهي عن الشرك، وقد أمرنا الله باتباع طريقهم والسير على منهجهم في الدعوة وغيرها من أمور الدين. والاهتمام بالتوحيد بأنواعه الثلاثة واجب في كل زمان؛ لأن الشرك وتعطيل الأسماء والصفات لا يزالان موجودين، بل يكثر وقوعهما ويشتد خطرهما في آخر الزمان، ويخفى أمرهما على كثير من المسلمين، والدعاة إليهما كثيرون ونشيطون. وليس وقوع الشرك مقصوراً على زمن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ولا تعطيل الأسماء والصفات مقصوراً على زمن الإمام أحمد - رحمهما الله -، كما ورد في السؤال، بل زاد خطرهما وكثر وقوعهما في مجتمعات المسلمين اليوم، فهم بحاجة ماسة إلى من ينهى عن الوقوع فيهما ويبين خطرهما. مع العلم بأن الاستقامة على امتثال أوامر الله وترك نواهيه وتحكيم شريعته - كل ذلك داخل في تحقيق التوحيد والسلامة من الشرك. وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم." [فتاوى اللجنة الدائمة - المجموعة الثانية (١/ ٣٧٦-٣٧٧)]. 

انتهى المقصود من الرد، والله المستعان لا رب سواه، والحمد لله أولا وآخرا 

وكتب 

أبو الفداء ابن مسعود 

غفر الله له

إرسال تعليق