شؤم المناظرات العلنية وطريقة أصحابها في الدعوة إلى الإسلام


إن الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله. 

أما بعد، فإن مما لا يعلمه كثير من الناس، أن من شؤم المناظرات العلنية في دعوة غير المسلمين إلى الإسلام، ظهور ذلك المسلك العصري في جمع المنصرين ما أصبح يقال له اليوم "الشبهات" على دين الإسلام ونشرها مجتمعة في محل واحد. فقد كان المستشرقون ولم يزالوا ينشرون زبالتهم وكذبهم على الإسلام وعلى نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم متفرقة متناثرة في سياق أكاديمي زائف، تحت شعار الدراسات الثقافية والحضارية والدراسات التحليلية في تاريخ منطقة الشرق الأوسط وما شاكل ذلك، حتى خرج علينا في أواخر القرن الميلادي الماضي أحد المنصرين بجمع ما تشتت وتفرق من جهود هؤلاء في "نقد" نصوص الإسلام، في سياق الرد على مناظرة للشيخ أحمد ديدات رحمه الله وغفر له. 

وقد كان للشيخ رحمه الله مسلك دعوي حادث، لم يسبق إليه، ألا وهو عقد المناظرات العلنية لاستخراج مواطن التناقض والفساد في كتب أهل الكتاب، رجاء إحراج الخصم بإلزامه ببطلان دينه بين أيدي أتباعه، وعلى ملء عظيم منهم، رجاء دعوة هؤلاء إلى الإسلام. هذا المسلك لم يسلكه أحد من الصحابة والسلف في دعوة أهل الكتاب وغيرهم إلى الإسلام، ولم يعرف إلا في عصرنا هذا. وهو يشبه مجالس الكلام والجدل التي كانت تعقد قديما، بيد أنها لم تكن تفتح لعامة الناس ولم تكن تنشر بينهم إعلاميا كما انتشرت تلك المناظرات! 

وهو مسلك غير محمود في الحقيقة، ولا ينبغي للمسلم أن يتخصص في دراسة كتب النصارى بغرض التخصص في استخراج ما فيها من تناقضات أو تحريفات، هذا علم لا نفع منه، ولا يؤمن معه رد ما في تلك الكتب من الحق، وتسفيه بعض كلام الأنبياء من حيث يظن الباحث أنه يستخرج من تلك الكتب تحريفا وكذبا يحاجج به أصحابها! ولا يأتي في الحقيقة، وفي منتهى الأمر، إلا بتشجيع أهل الملل المخالفة على الاجتراء على اختراع الشبهات ضد الإسلام بالتلبيس في فهم نصوصه، وهو ما يضطر الداعية للاشتغال بتلك الدعاوى الهابطة، وإذا بالطريق يطول عليه أضعافا مضاعفة، وإذا بجوهر الدعوة وأساسها ولبها (الدعوة إلى التوحيد ونبذ الشرك الذي يعلم أهل الملل المخالفة أنهم متلبسون به)، وأصل حجية القرآن التي بعث بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يشوش عليها أشد التشويش، وينفتح الباب للخوض في كلمة كذا في النص رقم كذا في كتاب كذا صفحة كذا هل معناها باللاتينية كذا أم كذا، ويقابله خوض المخالف في تفسير فلان لآية من الآيات وكيف أن فيه كذا وكذا، مع أن الحجة قائمة على الخصم والحق ظاهر له متحصل في معرفته بمجرد أن يتلى عليه قول الله تعالى: ((لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَـهٍ إِلاَّ إِلَـهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)) [المائدة : 73]، لأنه يعلم أن مبدأ التوحيد المثلث هذا لا يقبله عقل صحيح! فأي ثمرة رجعت على المسلمين من تكلف تلك المباحث في كتب النصارى ونصوصهم (أعني في مجال دعوة أتباع تلك الملة إلى الدين الحق)؟ انفتح الباب واسعا - كما تقدم - لما لا يحمد من الجدل والتشويش (لا سيما على "المنتديات الدعوية" في الشبكة العنكبوتية)، ولسفهاء الأحلام من الصبية والشباب المتحمس يقع الواحد منهم في عين ما نهى الله عنه في قوله ((وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ)) الآية [الأنعام : 108]، بل لعله يدخل من حيث لا يشعر تحت قوله تعالى: ((وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُواْ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ)) [البقرة : 42] وهو يحسب أنه يفتح للإسلام فتحا مبينا، ولا حول ولا قوة إلا بالله. 

روى البزار عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال نسخ عمر رضي الله عنه كتابا من التوراة بالعربية فجاء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فجعل يقرأ ووجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتغير، فقال رجل من الأنصار ويحك يا ابن الخطاب ألا ترى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا وإنكم إما أن تكذبوا بحق أو تصدقوا بباطل والله لو كان موسى بين أظهركم ما حل له إلا أن يتبعني". ومحل الشاهد في الحديث (وإن كان في هذه الرواية بعينها ضعفا) قوله "إما أن تكذبوا بحق أو تصدقوا بباطل". وقد رأيت في بعض "المنتديات الدعوية" بعض الشباب حدثاء الأسنان يتخصصون في استخراج "التناقضات" من كتب النصارى ليجدالوهم بها رجاء هدايتهم إلى الإسلام! وإذا بهم من جهلهم يردون من نصوص القوم ما في السنة عندنا نظيره وهم لا يعلمون (أو كما قال عليه السلام: يكذبون بالحق)، فكيف بما لا نجد له نظيرا في السنة عندنا وقد ردوه بآرائهم وجهلهم من حيث لا يشعرون؟ وكم من كلام نبي من أنبياء بني إسرائيل قد سخروا منه وهزئوا به بجهلهم وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا؟ وما حاجتهم إلى الخوض في تلك الكتب أصلا وقد أغناهم الله تعالى بما بعث به محمدا صلى الله عليه وسلم، وأقام به الحجة على أهل الكتاب كاملة ناصعة البياض؟ إنها نفس فتنة المتكلمين الذين جاؤوا إلى الفلاسفة والمتكلمين من أهل الملل وقالوا لهم لن نحاججكم بنصوصنا لأنكم لا تؤمنون بها، ولكن نحاججكم بالعقل وحده، فحاصوا بعقولهم فيما لم يجعل الله للعقل فيه سلطانا أصلا، وحسبوا أنهم جاؤوا بما ينصر الملة ويرفع الحجة، والله المستعان!  

وقد رأيت بعضهم يتناول كتب النصارى مطبقا قواعد ما يقال له "النقد الأعلى" للنص الديني الذي لم يبتدعه الفلاسفة الأوروبيون بالأساس إلا لإسقاط مطلق الحجية الأخلاقية والعلو الأخلاقي المزعوم للنص الديني (من أي ملة أو كتاب كان ذلك النص)، فلا يدري أحدهم ما يرجع على دينه هو نفسه وعلى كتابه من عبث المنصرين وتشويشهم إن التزموا معه تلك القواعد نفسها التي استعملها هو على نصوصهم في النقد "السياقي" والأخلاقي والهرمنوطيقي والتاريخي ونحو ذلك! 

مع أن هذا الداعية لو عمد من أول الأمر إلى أصل أصول الشرك والتناقض الجلي في اعتقاد أهل الكتاب في صفات ربهم فأتى عليه ببيان الحق فيه بإيجاز وإحكام، ثم أتبع ذلك بالوعظ والتخويف على وجه التمام، لما انفتح بين يديه الباب لشيء من ذاك العبث المحض أصلا، ولرأيته ينقل الحق ويبطل الباطل بكلام يأتي على بنيان الباطل من قواعده فيهدمه هدما من غير أن يحجبه حجاب أو يشوش عليه شيء، فمن قَبِل منه بضاعته فقد اهتدى ولله الحمد أولا وآخرا، وإلا فقد أدى هو ما عليه، وجادلهم بالتي هي أحسن كما أمر الله تعالى! ولكن كيف وبأي شيء يتميز هذا الداعية أو ذاك عن غيره، إن لم يبهر الناس (من الأقران قبل الخصوم) بما له من سعة علم ودراية بنصوص المخالفين وكتبهم وما فيها؟ بأي شيء يرفعه الناس على أقرانه ويقدموه فيما بينهم، إن اكتفى بحجج القرآن الباهرة ولم يزد عليها شيئا؟ من هنا يتسرب إلى نفوس بعض الدعاة – من حيث لا يشعرون – الظن بعدم كفاية النص القرآني وحده في ذلك الشأن، وهكذا تخفى الأهواء في نفوس أكثرهم من حيث لا يشعرون، والله المستعان.

وقد كان من ثمرة ذلك المسلك في فحص ونقد كتب القوم، توسعهم في اختراع الشبهات على القرآن وعلى السنة وجمعها وشحنها في محل واحد، على نحو غير مسبوق. ربما لا يكون التأريخ لبداية ذلك المسلك الخبيث في شحن وجمع الاتهامات الواهية ضد الإسلام بأنه بدأ بسبب مناظرات أحمد ديدات لخصومه، تأريخا دقيقا (وهو ما لا يعنيني في هذا السياق حقيقة)، ولكن قد لا يختلف اثنان ممن تابعوا آخر مناظرة علنية عقدها الرجل مع المنصر الخبيث المدعو "أنيس شوروش" (ولا يحضرني هل كانت الثانية أم الثالثة من مجموع مناظراته مع ذاك المنصر)، في أن "شوروش" هذا قد نجح في "إلقاء القفاز" في وجه ديدات كما يقولون، إذ أسقِط في يد الشيخ من براعة الأداء المسرحي لمنصر أمريكي لبناني الأصل، خرج على جماهير الحضور وهو يلبس ملابس أهل الجزيرة العربية ويتكلم في بعض المواضع باللغة العربية التي لم يكن ديدات – على عجمته – يجيدها كإجادة صاحبنا هذا، ثم إذا به يضرب في وجهه بما لا يقل عن الخمسين شبهة وتهمة واهية ضد القرآن وبعض معانيه والسنة وبعض ما فيها من أفعال النبي عليه السلام وصحابته، ربما لم يسبق أن جُمعت كلها في سياق واحد قبل ذاك اليوم المشؤوم، يعرضها كلها عرضا سريعا في مدة لم تتجاوز خمس عشرة دقيقة، وهو يعلم أن خصمه سيرتبك بسبب تلك المفاجأة الصادمة لا محالة، وهو ما كان بالفعل، حتى اعتبره عامة النصارى "انتصارا عظيما" لداعيتهم على ديدات (أو على "أسد المناظرات" كما كان يلقب).

ومن ذلك الحين انتشرت تلك الشبهات (التي جمعها "شوروش" هذا من قبل من أعمال بعض المستشرقين وغيرهم وزخرفها وزاد عليها ونشرها في كتاب خصصه لجمع الاتهامات الأخلاقية والاعتراضات التاريخية على نصوص الإسلام) بين أيدي المنصرين واقتات عليها القوم في منتدياتهم ومحافلهم الرقمية بعد ظهور شبكة الإنترنت فيما بعد، وزادوا فيها وتفننوا في التفريع والتشعيب عليها حتى أصبحت غطاء نفسيا ثخينا لأهل الأهواء من المنصرين، يقال للواحد منهم دينكم فيه كذا وكذا، فيرد بكل قوة قائلا: وأنتم عندكم في القرآن كذا وفي السنة كذا، وترى منهم من يتخصص في ذلك كما يتخصص في مقابله من يبحث في كتبهم من المسلمين، والله المستعان.

وبغض النظر عن مفسدة مسلك المناظرة العلنية في مثل هذا، وعما في مسلك النقد النصي الذي تفنن فيه ديدات وتلامذته لكتب أهل الملل القديمة من خلل وفساد (وليس هذا موضوعنا في هذا المجلد أصلا) ، فالمقصود هنا بيان أن ذاك المنصر الخبيث "شوروش" كان يعلم تمام العلم بأن عقيدته متناقضة شديدة التناقض، وقد أحرجه ديدات في أولى المناظرات بينهما ببيانه بطلان "الثالوث" في العقل واللغة بكلام موجز في غاية القوة، لم يحر الرجل له دفعا ولا جوابا. غير أنه من مكره ودهائه تفتق ذهنه عن تلك الخطة الخبيثة لاستدراج الشيخ إلى مناظرة مسرحية لم يكن يرجو منها غاية أكبر من التشويش على الحق من طريق الارتكان إلى تأثير الصدمة من جانب، وإلى تعجيز الخصم وحصره في وقت المناظرة المحدود، للإيحاء بنقصه وجهله، ومن ثمّ تحصيل المراد بإسقاطه على طريقة Ad Hominem من الجانب الآخر. فعمل الرجل على أن يستغل نظام المناظرة نفسه حتى يوحي لمتابعيه من جماهيره من النصارى أن هذا الذي يزعم أنه صاحب حق دامغ إنما هو في الحقيقة أعجمي لا يفقه من نصوص القرآن ما فقهه منها خصمه الكتابي "العربي" الذي يناظره (وليس إلا أمريكيا من أصل لبناني في الحقيقة)، وذلك بأن يضعه في موقف لا يملك معه الجواب عن ذلك الحشد الكبير من الهجمات والطعنات على القرآن والسنة التي جمعها في جعبته، ولعله لو حاول ذلك لأعيته عجمته وقلة بضاعته في لسان القرآن. 

لقد كان شوروش يعلم – كما كان يعلم أتباعه – أن ذاك الأداء المسرحي الذي تكلفه في تلك الليلة لا جواب في شيء منه عن زعم خصمه بطلان الثالوث وبطلان دعوى إلهية المسيح في البداهة المجردة، كما كان يعلم كذلك أن التوحيد الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم هو الحق الذي لا يليق برب العالمين شيء سواه، ولكن ديدات هذا كان رجلا يزعم أنه يحفظ الكتاب المقدس كما لا يحفظه أكثر خصومه من القساوسة واللاهوتيين، وأنه أعلم وأدرى به من علماء النصارى أنفسهم، فهو يتفنن في استخراج النص كذا من صفحة كذا، وفي تتبع أصوله واختلاف الطبعات والترجمات فيه وما إلى ذلك، يتحدى المنصرين بتلك الأشياء، فلم يكن يكتفي بما أقامه القرآن من حجة ظاهرة كافية على القوم في أصل أصول الملة (مسألة الثالوث ومسألة ألوهية المسيح) كما كان مسلك الأنبياء وأتباعهم، ويا ليته فعل، رحمه الله! فلم يجد "شوروش" نفسه مضطرا لأن يخترع ردا جديدا واهيا على زعم المسلمين بطلان فكرة الثالوث، كمثال المثلث ومثال المصباح والضوء ونحو ذلك، أو تلك الدعوى الحق التي أرادوا بها باطلا من قولهم إن الباري لا عمل للعقل في تصور صفاته، وإنما وجد في سياق المناظرة العلنية نفسها (وفي موضوعها بالطبع) وفي صفات الخصم المناظر فيها ما يكفي لصرف أذهان الناس عن تلك القضية الكبرى برمتها (قضية الثالوث)، و"قلب الطاولة" على ذلك الخصم بإطلاق سحابة كثيفة من التراب والدخان تدخل النشوة والسرور على نفوس أولئك الذين طالما حلموا بضربة قاضية على رأس ديدات هذا من شدة بغضهم له! 

هذا هو تفسيرنا "السيكولوجي" لزعم عامة المنصرين على الإنترنت وغيره أن تلك المناظرة قد علا فيها داعيتهم النصراني على خصمه، وأنه قد أظهر فيها أن النصرانية هي الحق وأن الإسلام دين باطل من وحي الشيطان، على الرغم من شدة جلاء التناقض المنطقي في أصل اعتقاد القوم في صفة الباري جل وعلا. وكما ترى أيها القارئ الكريم فقد كان ديدات نفسه سببا في نجاح تلك الحيلة التسويغية الخبيثة Rationalization ورواجها عند القوم، مع أنه كان قد سبق منه إظهار الحجة الدامغة على اعتقاد الثالوث والبنوة وغيره من أمهات اعتقاد القوم مرارا وتكرارا، فكان كالتي نقضت غزلها من بعد قوة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

تحضرني الآن مناظرة علنية عقدها أحد الدعاة المشتغلين بتلك الطريقة "الديداتية" في دعوة النصارى في غرف البالتوك، وكان خصمه فيها عالما من كبار علماء اللاهوت النصراني في مصر، ورأسا من رؤوس الكنيسة الأرثوزوكسية. وكان صاحبنا قد أعد لتلك المناظرة إعدادا وروج لها ترويجا، وكان موضوعها (إن لم أكن واهما) في نقد بعض النصوص في كتاب العهد الجديد، بغية إثبات وقوع التحريف فيه. وفي سياق المناظرة، حاول ذاك الشاب المسلم أن يبين بكل طريقة ممكنه أنه أعلم وأدرى بكتاب النصارى وبأصوله المخطوطة من ذلك العالم اللاهوتي الكبير، وهو ما عُلم بالبداهة امتناع أن يكون طريقا لمحاججة النصراني بأن كتابه محرف أصلا، لأنه مهما ظهر من نزاع نظري تأويلي بين هذين الخصمين في دقائق ذلك الكتاب، فلن يقبل النصراني العامي الجاهل بأدلة تلكم المسائل الدقيقة، كلام الخصم المسلم فيها ويدع في مقابله كلام عالمه وإمامه وأستاذه، بل وسيده الذي يتخذه ربا من دون الله! 

وقد استغرقت تلك المناظرة ما يزيد على ست ساعات كاملة، تحولت في ساعاتها الأخيرة على يد الخصم النصراني إلى ما يشبه الدرس اللاهوتي المتخصص في تفسير نصوص كتاب القوم، ومع هذا كله، يزعم صاحبنا أنه خرج منها وقد "أفحم" عالما من علماء النصارى وانتصر للحق، فهل يدري هذا معنى كلمة "إفحام" في علم الجدل؟ المضحك المبكي أن القس النصراني حرص على ألا يختم "المناظرة" إلا وقد دعا ذاك الداعية الشاب إلى أن يكرر ذلك اللقاء بينهما مرات ومرات، بغية نشر الوعي اللاهوتي بين الناس! فلا شك أنه هو المستفيد من أمثال تلك اللقاءات، ومع ذلك يرى ذاك الشاب ومحبوه أنه قد انتصر عليه في تلك الليلة، والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله.

وممن يقال إنه من تلامذة ديدات، طبيب هندي جراح يدعى "زاكر نايك"، رأيته يلقي المحاضرات لدعوة الهندوس إلى الإسلام، فيستعرض حافظته وقدرته المذهلة على استحضار نصوصهم من كتبهم باسم الكتاب ورقم الصفحة ورقم النص، على نحو أقطع بأنه لا يجيده بل لا يقدر عليه أحد من الحضور من الهندوس أنفسهم، ورأيته يستخرج مواضع "الاتفاق" بين تلك الكتب وبين القرآن، فاستغربت ذلك منه جدا، وقلت سبحان الله، كيف يصبر المسلم على قراءة تلك الكتب أصلا، دع عنك أن يحفظها أو يحفظ بعض نصوصها وكأنه يحفظ القرآن أو السنة المطهرة؟ هذا أمر عجيب حقا، ولا بد وأن له من الثمرة الخبيثة في نفس ذاك الأعجمي الجاهل ما سيكشفه الله لا محالة ولو بعد حين! ولو أنه اجتهد في تعلم العربية وحفظ كتاب الله بلسانه الذي أنزله الله به لكان خيرا له من حفظه ترجمة من ترجماته مع حفظ أرقام الصفحات والنصوص الانكليزية في النسخة المترجمة! 

ثم إذا بي يصدق حدسي ويصيب ظني به، وأسمعه ذات يوم في محاضرة من محاضراته يطالب المسلمين والهندوس جميعا بأن يصطلحوا فيما بينهم وينبذوا القتال الطائفي في كشمير، فيقرر أن الفرق بين الإسلام والهندوسية إنما هو حرف واحد فقط! فبينما يرى المسلم أن "العالم كله هو لله" The World is God’s يرى الهندوسي أن "العالم كله هو الله" The World is God! فإذا كان الأمر كذلك، فلا داعي لأن تقع العداوة والبغضاء بين الفريقين من أجل الخلاف على حرف واحد! 

فما أن سمعت هذا الكلام حتى وجدتني أقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، والله لو مات هذا الرجل على هذا القول ولم يتب لحشر مع الهندوس وأصحاب وحدة الوجود، نسأل الله السلامة! كيف يصبح الفرق بين عقيدة التوحيد وعقيدة الاتحاد (أو وحدة الوجود)، فرقا لفظيا لا يجاوز "الحرف الواحد" ومن ثم فلا يوجب البراءة من أهله ولا بغضهم في الله جل وعلا؟ هذا ما خرجنا به من إغراق المسلم نفسه في كتب المشركين وفي مقارنتها بكتبنا، ووالله ما كان هذا مسلك النبيين والمرسلين وأتباعهم أبدا ولا جاءنا أن الصحابة اتخذوه منهجا لدعوة المشركين في يوم من الأيام! الدعوة إلى الله عبادة توقيفية وليست متسعا للإبداع والاختراع المنهجي! ما معنى أن ندعو الكتابي أو من كانت له شبهة كتاب (كالهندوسي كما ذهب إليه بعض أهل العلم) إلى نبذ الشرك وقبول التوحيد، من طريق استخراج ما في كتبه هو من نصوص توافق الحق الذي عندنا وتوافق القول بالتوحيد؟ أيريد الرجل أن يؤسس إيمان القوم بالقرآن على إيمانهم "بالفيدا" و"البورانا" الوثنية ابتداءً؟ أيريد جعلهم مسلمين وهندوس معا؟ هذا والله إلى دعوة وحدة الأديان أقرب منه إلى دعوة الإسلام، ولا حول ولا قوة إلا بالله! 

وقد قرأت أن الرجل يرى أن السيخ موحدون، لأنهم يعبدون إلها واحدا، ولا يرى مانعا من تسمية الله تعالى باسم الإله الذي يعبده هؤلاء، بشرط ألا ينسبوا إليه من الصفات ما لم يأت به الإسلام، فأي تلبيس هذا وأي خلط لأصول الملل ببعضها البعض، وقد أجمع المسلمون على أن الله لا يسمى إلا بما سمى به نفسه وسماه به رسوله؟ المشكلة ليست في الاسم فقط، المشكلة في حقيقة التوحيد عند الرجل! فهل معنى التوحيد عندك وحقيقته يا جهول مقصور في أن يعبد الإنسان إلها واحدا، أيا من كان ذلك الإله؟ نعم هو كذلك، تبعا للمصطلح الفلسفي العصري الذي تعلمه ذلك الأعجمي المسكين لوصف الملل بأنها "توحيدية" Monotheistic! 

السيخ هؤلاء أتباع رجل دجال يقال له "الغورو ناناك" أو "المعلم ناناك"، ظهر في إقليم بونجاب في الهند في القرن الخامس عشر الميلادي، وظهرت على يديه خوارق شيطانية وادعى أنه نبي يوحى إليه، وزعم أنه سافر في رحلة خارقة للعادة (كما كان مع نبينا عليه السلام في الإسراء والمعراج) ثم رجع منها، فكان أول دعواه فيما نقل عنه بعد تلك الرحلة المزعومة أن قال "لا هندوسية ولا إسلام"، وراح يدعو لإله واحد سماه باسم اخترعه من عنده، ثم خلط بين الإسلام والهندوسية في صفات ذلك الإله فقال بوحدة الوجود وبأن الإله في كل مكان، وقال – في نفس الوقت – بأن ذلك الإله هو الخالق الباري وأنه أحدث العالم بإرادته بعد أن لم يكن! ولو كان "موحدا" حقا ما كفر بما جاء به محمد وما قال بوحدة الوجود، وهذه مسألة لا يتصور أن يجهلها مسلم، فكيف يقال إن دينه هو وأتباعه "دين توحيد" وكيف يكون هذا طريقا إلى دعوة أهل تلك الملة إلى التوحيد الخالص الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم؟ 

هذا الجهول (زاكر نايك) يتصور أن ذلك المدخل يرجى منه إزالة الشحناء والبغضاء بين الطائفتين، ولو أنه عقل وتعلم ما جهل، لعلم أن السبب في ذاك البغض التاريخي الشديد بين السيخ والمسلمين هو أن السيخ أتباع نبي كذاب يزعم أن محمدا لم يكن مرسلا من ربه، فما خرجوا – كطائفة - إلا لمحاربة الإسلام نفسه ودعوة أتباع محمد صلى الله عليه وسلم إلى دين نبيهم الدجال، مع محاربة الهندوسية كذلك وحمل أتباعها على اتباع نبيهم المزعوم! أي أن نبيهم الكذاب إنما أراد أن يجمع المسلمين والهندوس جميعا على اتباعه! 

فحتى لو سلمنا تنزلا بصحة هذا المنهج البدعي الفاسد في الدعوة (أعني التأسيس على مواضع الاتفاق بين الكتب السماوية)، الذي فيه بدعة إضافية فوق ما جاء به ديدات، فكيف يدعو السيخ إلى الإسلام بالتأسيس على مواضع الاتفاق بين القرآن وكتبهم مع أنه يعلم أنهم ليسوا على بقية من كتاب سماوي أصلا، وأنما خرج نبيهم الكذاب لنبذ القرآن ونسخه بما جاء به؟

ونقول من اعتقد أن هؤلاء "موحدون"، فلابد وأن إخناتون هو عنده أقدم موحد جاءت باسمه سجلات التاريخ المكتوب، لأنه كان يعبد إله الشمس إلها واحدا، ولو أنه بُعث الآن من قبره واعتقد أن هذا الإله الواحد الذي كان يعبده (آتون) هو ما دعا إليه الإسلام، ولكن مع اختلاف الاسم وبعض الصفات (!!)، فجمع بين القرآن وما عنده من نصوص دينية، لمات إذا مسلما موحدا على دين محمد بن عبد الله عند صاحبنا هذا ولا إشكال! فبالله ما هذا العبث والضلال المبين؟

هذا الرجل والله من أشد الدعاة فتنة للغربيين وخطرا على الدين، وأول فتنته ومدخلها إلى المسلمين في حافظته المذهلة التي قلّ أن ترى لها نظيرا في زماننا هذا، حتى زعم بعضهم أنه يحفظ الأناجيل بأكثر من لغة وأكثر من ترجمة، ويحفظ كتب اليهود ونصوص الهندوس والسيخ أكثر من أصحابها! وأنا أقول: من ملأ صدره بتلك النصوص كلها، فأي اعتقاد تتصور أن يدعو إليه في النهاية وأي دين تتوقع أن يموت عليه؟ نسأل الله السلامة.

وأنا أزعم أن جزءا من وزر هذا الرجل يقع على أستاذه "ديدات" رحمه الله وعفا عنه، والله أعلم، لأنه هو من علم الدعاة الأعاجم سلوك تلك الطريقة المعوجة المبتدعة في دعوة أهل الملل السماوية إلى الإسلام. وهي بدعية قطعا لأنه لا سلف له في اتخاذ كتب أهل النحل الكتابية خصوصا والشركية عموما (وهو التعميم والتوسع الذي جاء به تلميذه حتى أدخل فيه الملل الوثنية الأرضية)، مدخلا لدعوتهم إلى ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم! فما رأينا النبي ولا رأينا صحابته يدرسون كتب اليهود والنصارى ويحفظونها حفظا حتى يخرجوا منها موضع كذا وموضع كذا برقم الصفحة (!!) رجاء أن يقنعوا أهل الكتاب بصحة ما بعث به محمد صلى الله عليه وسلم، فضلا عن أن يقنعوهم بأن كتابهم الذي يتداولونه بين أيديهم كتاب محرف وليس هو ما جاءت به رسل الله إليهم! فسواء محاولة إقناع الكتابي بأن كتابه محرف باستخراج مواضع من الكتاب وبحثها وفحصها على طريقة ديدات، أو محاولة إقناعه بأن كتابه فيه ما يلزمه بالدخول في الإسلام على تأويل لا يعرفه أحد من أهل الملة أصلا، على طريقة نايك، فكلاهما مسلكان لم يسلكهما السلف! وما رأينا نبيا من أنبياء الله تعالى يدعو قومه للإتيان بكتبهم الدينية الموروثة لديهم ليخرج لهم منها الدليل على أنه نبي! فالآفة هنا في كون ديدات قد أحدث طريقة يُستند فيها إلى نصوص كتب بخلاف القرآن في الدعوة إلى الإسلام! بدأ بها مع أهل الكتاب، ثم جاء تلميذه من بعده وأطلق تلك الطريقة البدعية ليطبقها على الهندوس والوثنيين وكل من لديهم كتاب ديني موروث! 

وقد صرح "نايك" هذا بأنهم لا يكتفون بالقرآن في دعوة أهل الكتاب لأن أهل الكتاب لا يؤمنون بالقرآن أصلا، فكيف يمكن إقناعهم بنبوة محمد إلا من كتبهم التي يؤمنون بها؟ ونحن نقول إن من زعم أن ما جاء في القرآن لا يكفي لدعوة أهل الملل الشركية (بما فيهم أهل الكتاب) إلى التوحيد وإلى التسليم بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم بمجرد سماعه وتدبره كما سمعه الصحابة أول نزوله، فهذا طاعن في القرآن نفسه وفي كفاية الوحي لأداء المطلوب من هداية الخلق وإرشادهم وإقامة الحجة عليهم! وكيف يستند الداعية إلى الله إلى كتب أهل الكتاب وهو يؤمن – في نفس الوقت - بأنها كتب محرفة، وأن من أعظم أسباب تحريفها: حرص أصحابها على نفي نبوة محمد نفسه، عليه صلاة الله وسلامه؟ هذا تناقض واضح! 

ولا مستند للقائلين به في قوله تعالى عن محمد صلى الله عليه وسلم ((الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل)) الآية (الأعراف 157) لأن الآية إنما تحاجج علماء أهل الكتاب الذين علموا بذلك التحريف والتبديل، لا أنها تدعو عامة اليهود والنصارى لأن يفتحوا "الكتاب المقدس" طبعة الملك جيمس – مثلا – ليجدوه مكتوبا فيه!! وعلى أي حال فلا يؤخذ من الآية مشروعية أن يبحث المسلم في تلك الكتب حتى يحاججهم بما يجد فيها من ذلك إن وجده! فإذا كان هذا المسلك فاسدا متناقضا مع أهل الكتاب، الذين ورثوا كلاما من أنبياء الله تعالى وحرفوه، فما بالك بمن يتبع المسلك نفسه مع كتب من لا تُنسب كتبهم إلى نبي من أنبياء الله أصلا، وليسوا هم بأصحاب "دين سماوي" من الأساس، كما يصنعه ذلك "النايك"؟! تراه يأتيهم بنص من كتبهم يؤوله على أن المقصود به محمد بن عبد الله، فإن أجابه أحبارهم بأنه تأويل فاسد معوج وأن المقصود كذا وكذا، خلافا لما يقول، جرى النزاع النظري على تأويل ذلك النص بين الجانبين، فأي خير يرجى من هذا، ومن سلفه في هذه الطريقة أصلا؟ والقصد من هذا كله بيان أن من السهولة بمكان أن يُستدرج أصحاب الحق الجلي الظاهر - مهما كانوا يتمتعون بالذكاء وحدة الذهن - إلى سلوك مسالك جدلية لا يخرج أحدهم منها إلا وقد قدم لأهل الأهواء المزيد من وسائل التشويش على ذلك الحق الواضح الذي يدعو إليه، فيكون كالذي يهدم بشماله ما يبنيه بيمينه، ونفسه توهمه - مع ذلك - بأنه يقف على ثغر دعوي يفتقر إلى من يقف عليه ويتصدى لهجمات أهل الباطل من جهته، وإلى الله المشتكى.

وأخيرا نقول: ليست العبرة في قبول الطريقة الدعوية (شرعا) بعدد من يدخلون في الإسلام بسببها يا عباد الله، وإنما العبرة بمستندها من الكتاب والسنة وفعل الصحابة والسلف رضي الله عنهم، فتأملوا! 

وكتب أبو الفداء ابن مسعود

غفر الله له ولوالديه وللمسلمين

إرسال تعليق