الحمد لله وحده، أما بعد، فقد جاءتني رسالة كتبتها إحدى الأخوات في التعليق على المحاضرة الأخيرة من سلسلة "مقدمة في علم نفس الإلحاد" التي رددت فيها على رسالة أحد الأطباء يقول إنه لا يرى للرقية من الأثر ما يراه للعلاج الدوائي، فتشكك في الدين من أجل ذلك!
فرأيت أن أنشر الجواب عنها هنا على العام، حتى تعم الفائدة، لأن هذا الموقف الذي تتكلم منه تلك الأخت، قد عمت به البلوى في زماننا هذا، ووجب الوقوف معه لخطورته البالغة، والله المستعان.
قالت الأخت، وفقنا الله وإياها:
سمعت المقطع ساعة ونصف كاملة
الله يجزاهم خير من دلّ وأعان ، وجزى الله الشيخ المجيب خيرا ولاشك أن إجاباته تنبع من عاطفة إيمانية متقدة ونفس غيورة على الحق، ولكن !
من باب النصح وتحقيق المقصد الدعوي وأنا في مقام المسؤول الخائف على من يحب من الشبهة فمن وجهة نظري لا أنصح بإرسال هذا المقطع لأي ملحد لأسباب منها:
- من أكثر أسباب الفتنة للعصاة والملحدين أن طرح أصحاب الفتنة والشبهة عاطفي حنون هادئ وأن يجدوا في الملتزمين الذين يتولون الرد على الشبه والمتشككين هذا الحزم والحدية في التصنيف وقسوة الكلمة والأسلوب و هجوم الرد بل وسرعة الرتم.
قلت: ومن قال لك، يا أختنا الفاضلة، أن هذا المقطع موجه أصالة للملحدين؟؟ ليس عندنا على هذه القناة ما نخاطب به الملحدين أصلا، وما لهذا أنشأناها! وإنما نخاطب المسلمين! أنا أخاطب، من بعد السائل الذي شخصت له آفته ووصفت له علاجها (فيما يرجى)، شباب المسلمين الذين توشك أقدامهم أن تنزلق بهم في ذلك المنزلق الذي ينتهي بهم إلى حيث انتهى السائل هداه الله وإلى أبعد منه، من حيث لا يشعرون!! ولهذا نشرته على القناة، في سلسلة عنوانها "علم نفس الإلحاد"، أخاطب بها المسلمين أصالة، لا الملحدين! فالذي يجب أن يتفطن إليه المسلمون المتعرضون لأمثال تلك الشبهات، أن الذي يضخمها في نفوس من يعانونها ويصيرها سببا للتشكك في الدين وزوال أصل الإيمان بالكلية، إنما هو مرض القلب، وليس الجهل بالجواب المفصل الذي توهمهم نفوسهم بأنه – مع فقده – هو الطريق للخروج من تلك الأزمة! فإن مثل هذا، الذي وصل إلى حيث وصل السائل هداه الله، هذا يأتيه الجواب، فلا يجد نفسه إلا محمولة على تضعيفه، أو مائلة إليه، مهما كان قائما بالمطلوب عند كل عاقل! فيظل ذلك العجز عن قبوله يؤرق عليه حياته ويقض مضجعه وهو لا يدري ما المخرج، حتى يصل إلى أن يقدم على الانتحار في نهاية المطاف، كما شاهدنا ذلك في كثير من تلك الحالات!
لذا فلما جاءني من كان قد انتهى إلى تلك النهاية فعلا، يعرض علي ما بناه في نفسه من الشبهة فوق الشبهة، ومكث يشتغل على ذلك البناء الإلحادي في نفسه وهو غافل عن سببه القلبي تمام الغفلة، حتى وصل إلى الشك في أصل الدين، لم يسعني إلا تبصيره بحقيقة ما هو عليه الآن: وهو الردة عن دين الإسلام، إذ الشاك في أصل الدين، مرتد عنه قولا واحدا، ثم تبصيره بسبب وصوله إلى ما وصل إليه، لعله إن كان فيه خير أن يرجع! هذا هو ما يجب أن يبين لمن كانت هذه حاله، لا أن يقال له، كما يسلكه من تشبعوا بطريقة أهل الكلام والجهمية في ذلك من حيث لا يشعرون، ومن كانت صنعتهم وشغلتهم مجالس الكلام التي ذمها السلف: تعال يا طالب الحق، تعال نقيم لك البرهان النظري العقلي على صحة الدين، أو يُكتفى بالرد النظري على جملة ما أورده من الشبهات، بصورة مسلسلة يرجى منها أن تعجبه وتروق له، ثم يترك ليفكر فيما أجبناه به، مع أننا نعلم سلفا أن آفته ليست في عدم العلم بهذا الجواب أو ذاك أصالة، أو عدم كفاية ما لابد وأنه قد سبق أن تعرض له من جوابات الناس، وإنما هي في مرض نفسه الذي بلغ بالفعل أن صار يحجزه عن قبول ما نجيبه به من ذلك غالبا، مهما فصلنا وبينا! هذا والله ما يكون إلا ضربا من التغرير بذلك المريض!!
فإن أول ما يمتاز به الطبيب البارع من الطبيب الجاهل، صحة التشخيص!! يا أختنا الفاضلة، لا يبلغ إنسان أن يقول ما حاصله: أنا أشك في أصل دين التوحيد، بسبب أني لا أدري لماذا لا تعمل الرقية الشرعية غالبا، كما يعمل العلاج الدوائي، إلا أن يكون قد نما – بالفعل - في صدره من الهوى الخفي، المتراكم بعضه فوق بعض، ما يجب إظهاره له ومواجهته به حتى يعرف أين يقف من دينه وما حقيقة حاله!! ومن محض الإرجاء أن يعامل مثل هذا معاملة المسلمين وهو يقول صراحة إنه بات يشك في الدين، وما عاد يدري هل هو الدين الحق أم لا، وبعدما أخذ في جمع الشبهات بعضها إلى بعض على نحو ما فعل صاحب السؤال هداه الله، وهو يؤصل منها ذلك الأصل الكلي! ولهذا تكلمت بتلك اللهجة الحادة التي سمعت، تخويفا للمسلم الذي لم يزل بعد على حافة هذا الداء، من التهاون في أسبابه، ولأنه لابد من إفاقة المشتغلين بمخاطبة أصحاب الشبهات، قبل أن يصبحوا وليس فيهم إلا التجهم والإرجاء، والله المستعان!! الله تبارك وتعالى لما خاطب المشركين في القرآن، لم يخاطبهم بما يحلو لهم أن يسمعوه أو بما يشترطونه من أساليب الحجاج! وإنما خاطبهم بكشف أغوار نفوسهم وأسباب إعراضهم عن الحق بعدما بلغهم، وصدودهم عن قبوله! نعم نقض عليهم شركهم بالعقل، ولكنه لم يتركهم دون أن يبين لهم سبب ما هم فيه، السبب القلبي الخفي الذي وصل بهم إلى تسويغ البقاء على تلك الملل شديدة التهافت، والإعراض عن دين التوحيد! ولكن لأن عامة الدعاة الذين يتصدرون في هذا الباب إنما تدربوا على طريقة المتكلمين وكتب المتكلمين ومجالس المتكلمين، فهم لا يرون في الداعية الذي يتعامل مع هذا الباب، إلا أن يكون فيلسوفا، على نحو من الأنحاء! وهذا مما عمت به البلوى ووجب أن يكون لنا معه، معاشر طلبة العلم، وقفات ووقفات! القوم صار لا يبالي أحدهم بالطريق الذي يوصل منه إلى إرجاع الملحد المرتد إلى الإسلام! المهم أن يرجع! أو يعلن أنه رجع! أو حتى يعلن أنه "يفكر" وأنه خرج أخيرا من الإلحاد إلى "اللاأدرية"! هذا يصبح نصرا عظيما عند بعضهم!! مع أن أصل الداء القلبي لا يكون قد زال عن الشاب من أولئك! وإنما يكون قد تحول من صفة لدين دهري، إلى صفة أخرى لنفس الدين الدهري، لمجرد التترس بذلك التحول بين أيدي من يحيطون به، ومن يحاولون إخراجه من إلحاده، وحتى يشعرهم بأن ثمة بصيصا من النور بين يديه! فلو أنهم واصلوا مجادلته عشرين أو ثلاثين سنة أخرى، فلربما يصل في نهاية المطاف، أخيرا، إلى القول بالربوبية!! يعني يقتنع بأن هناك صانعا قد صنع هذا العالم، وحسب!! وهو ما يراه كثير من أولئك الدعاة المتجهمة إنجازا عظيما، لا يجدون إلا أن يسموه به قد صار "مؤمنا"! وهو ما أنبت في أهل الكلام الإرجاء الغالي كما بينته في غير موضع، إذ صاروا من أجل ذلك السجال السرمدي الذي يغرقون فيه، والسفسطة الطويلة، مضطرين لإعادة تعريف الإيمان على أنه مجرد التصديق بوجود الصانع!! أليس قد كان غاية سعيهم وكفاحهم عبر السنوات أن يحاولوا "إقناعه" بأن له صانعا ما، قد صنعه وصنع كل شيء؟؟ فإذا انتهى أخيرا إلى ذلك، فقد تكلل جهدهم أخيرا بنوال الثمرة! وهذا مما لأجله ذم السلف طريقة أهل الكلام ومجالس الكلام وبالغوا في ذمها والتحذير منها!! لا سيما والذي يصل في النهاية لأن يقول إنه قد "اقتنع" أخيرا بأن الإسلام حق، فلن تجده إلا جاريا في تأسيس الاعتقاد عنده على نفس الأسس الفلسفية التي من أجلها سلم بوجود من خلقه! وهو ما كان سببا في أنك لا ترى الملحد المرتد يرجع إلى الإسلام إلا على الجهمية أو محض الزندقة! وأنا أتحدى أي واحد من الدعاة المشتغلين بهذا الباب، أن يأتيني بشاب واحد قد رجع إلى الإسلام بعد أن كان قد صرح بردته وإلحاده وخاض الخصومات والمناظرات الفلسفية الطويلة على ذلك، ومع هذا، كان إسلامه على السنة الصافية!! لا يوجد ولن يوجد! تدرين لماذا؟ لأنه لم يجد من يعالج أصل الهوى في نفسه الذي أسقطه في تلك الحمأة من الأساس!! وإنما وجد من يسايرونه على هواه الفلسفي ويقابلون سفسطته بسفسطة مقابلة، فصار يتخذ من الخصومات والمناظرات والحوارات الطويلة ترسا وستارا نفسيا يسوغ به لنفسه البقاء على ما هو عليه من الانفكاك من تكاليف الدين! فإن اتفق له أن تغير ميل قلبه في يوم من الأيام لموافقة المتكلمين ومن سلك سلكهم من الجهمية، فحينئذ فقط تراه يقول إنه قد "اقتنع" أخيرا بصحة دين الإسلام! ثم هو يدخله إذا دخله على شرطه وهواه، على شعبة من شعب الجهمية والفلاسفة!! وهذا يعرفه من خبر أحوال هؤلاء ولا يخفى عليه!! فهل المطلوب من الداعية أن يصبر على هؤلاء حتى يسمع من أحدهم الشهادتين، وينتهي الأمر، وإن كانت طريقة الخطاب والدعوة نفسها مما لا يزيد به صاحب الهوى إلا تمسكا بهواه وتشبثا بالفلسفة المعظمة عنده التي يشترط على أهل الملل أن يؤسسوا الدين عليها وإلا لم يقبله؟؟ بئست الدعوة تلك والله!!
تقول الأخت: "عادة الذي يسأل ويلجأ إلى من يرد عليه يريد الاحتواء النفسي أحيانًا قبل الإيماني، فمثل هذا المقطع لا أتوقع يكمل أي ملحد سماعه ويكفي أول ١٠ د منه بالكثير على زيادة إصراره وعناده وتثبيت الصورة النمطية للملتزمين التي يلزمنا منها جميعا كمسؤولية لاحتواء الشباب تغيير النصح لصورة أكثر قربا وحنانا وتعاطفا مع صاحب البلاء الإيماني!"
قلت: تقدم أن الملحد ليس مخاطبا بهذه المحاضرة أصلا، وإنما المخاطب به هو كل داعية تصدر لمكافحة الإلحاد قبل أن يضبط طريقة السلف في التعامل مع تلك القضية ابتداء! وهذا الذي أقرره في الحقيقة مما يشتد به ابتلاء بعض الناس ممن يجد أن الذي تحول إلى الردة والإلحاد هو واحد من المقربين إليه، نعوذ بالله من ذلك! يبقى الرجل وهو لا يريد أصلا أن يصدق أن ابنه أو أخاه قد ارتد عن دين الله تعالى، فيما يسميه علماء النفس بآليات الدفاع النفسي والإنكار Denial Defense Mechanisms! فيصر على معاملته على أنه مسلم عنده "شبهات"، مع أن حقيقة الأمر أن الولد قد تشبع قلبه بالشك والتكذيب، في عملية تدرجت عبر شهور، بل وربما سنوات، وهو لا يشعر ولا ينتبه ولا يدري! ولعله رأى ولده يفرط في صلاة الجماعة، فالتمس له العذر بعد العذر ولم ينصحه! ثم رآه يترك الصلاة، فتساهل ولم يبال، أو نصحه مرة أو مرتين ثم لم يرجع ولم يتابع! ورآه يجالس أهل السوء والفساد ولم ينصحه! فلما سمع منه كلاما يصرح فيه بالشك في الدين والاشتباه في فساده، أبت عليه نفسه أن يعترف بأن ولده قد ضاع، لألا يشعر بأنه هو الذي ضيعه!! وقد يكون الوالد صاحب فضل وديانه، وبذل معه غاية الوسع في التوجيه والنصح، ومع هذا، لا يكتب الله تعالى للولد أن يكون من المؤمنين، فيصدم الرجل صدمة بالغة بوصول الولد إلى تلك الحالة، وتحدثه نفسه بأنه لم يزل مسلما، وإنما هي وساوس سيحدثه بفسادها، أو يحدثه شيخه بذلك، ومن ثم يرجع ويقتنع ويعود الولد وكأن شيئا لم يكن! لست أتكلم بهذا الكلام من خبرة حصلت لي من ممارستي الدعوة في هذا الباب، وحسب، ولكن لأني أنا نفسي قد ابتليت بابن عم ألحد وعاش على الإلحاد أكثر سنوات عمره ولم يزل! وقد رأيت والده (وهو داعية أزهري يعيش في ألمانيا) يحاول معه محاولة المستميت دون فائدة! وأنا أعلم أنه نادم الآن أشد ما يكون الندم، لأنه تزوج امرأة ألمانية وأنجب منها ذاك الولد، فغلبته أولا ليكون على دينها (النصرانية) ثم مال بين أصحابه للإلحاد! لم أدعه لأن يفرط في دعوة ولده، ولا شك، فإن هذا غير متصور أصلا، ولا يأمر به الشرع ولا يجيزه الطبع! ولكن كيف يكون الخطاب؟؟ هذا هو السؤال! نخاطبه بلين ولا شك حتى لا ينفر، ولكن نخاطبه، مع ذلك بالحق، لا بما يصور له حاله على غير صورته! لقد خاطب إبراهيم عليه السلام أباه المشرك، مترفقا في الخطاب غاية الترفق، لكن ماذا قال له؟ قال: ((يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً [مريم : 43] وقال ((يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيّاً)) [مريم : 44] وقال: ((يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً)) [مريم : 45]! يبدأ بأن يقول له يا أبت هذا الذي أنت عليه من ولاية الشيطان، وهو طريق يوصل للعذاب في الآخرة، وأنا عندي من العلم ما تنجو به منه، فاقبله مني. فليس مما ينافي الترفق أبدا أن نقول لمن هو على طريق هلكة: أنت على طريق هلكة!! ليس مما ينافي الرفق واللين أن تصوَّر لمن ندعوه صورة الحالة التي هو عليها على ما هي عليه تحقيقا، بلا تجميل ولا تزيين ولا مواربة، تنفيرا له منها واستظهارا لما بقي في قلبه من شعور بالفطرة التي فطره الله عليها! فعندما أقول لمن ارتد بالفعل أنت كفرت بهذا أنت ارتددت عن دين الله تعالى، فليس هذا منافيا للرفق ولا للمجادلة بالتي هي أحسن! ولكن الآفة كل الآفة أن كثيرا من الناس قد فهموا وتوهموا، من كثرة ما تشربوا به من كتب المفكرين والفلاسفة، أن الجدال بالتي هي أحسن إنما هو الجدال على طريقة الفلاسفة والمتكلمين! أي أن نجلس من الملحد مجلس الند للند، ونخاصمه مخاصمة صاحب الرأي لصاحب الرأي المخالف، بل ونبدي له أتم الاستعداد لأن ننقلب عن ديننا ونتابعه على إلحاده إن استطاع أن "يقنعنا" بالدليل العقلي بصحة ما هو عليه!! فوالله ليس هذا من فقه الدعوة ولا من الجدال بالتي هي أحسن في قليل ولا كثير! هذه طريقة أولئك الذين جعلوا النظر في وجود الباري أول واجبات المكلفين! أي يكون الرجل مولودا على الإسلام، ومع هذا يؤتى به ويقال له: لا تكون مؤمنا على وجه الكمال حتى تؤسس إيمانك على برهان كلامي صحيح، فتعال نعلمك كيف تقيم إيمانك على أصول العقل الصحيح! هو نفس الغش والتغرير بعباد الله بدعوى الحجاج لصالح الدين ونصرة أصوله! ليس هذا من الجدال بالتي هي أحسن، وإنما هو من الجدال بالتي هي أرجى لأن يظهر الداعية نفسه على أنه من أصحاب المكنة في الفلسفة والعقليات! وكأنما يقول للملحد إن كنت قد افتتنت بما عند الفلاسفة، فستجد نظيره وأحسن منه عندي، فتعال أدعوك إلى ما تحب!
فقولك يا أختاه، إن الذي يسأل يريد عادة الاحتواء النفسي، هذا غير دقيق! بل يريد عادة أن يوهم نفسه بأن الأمر عويص للغاية، وأن الشبهة عظيمة للغاية، وأنه سمع من كل من استطاع سؤاله، ولم يقنعه أحد! هو لا يشعر بأنه يريد ذلك، ولكن هذه هي حقيقة حاله! فالصورة النمطية لأهل الدين، فيما تزعمين، هذه ليس علاجها بأن نسمعه ما يحب أن يسمع، على طريقة "ما يطلبه المستمعون"، فنبين له أن أهل الدين فلاسفة متمكنون، لا يقلون تعمقا وسفسطة وبراعة في تلك الصناعة، عمن سبقت إلى نفسه الفتنة بهم! وإنما علاجها بأن نكشف له حقيقة مرضه الذي لا يشعر به، إن كان ممن يرجى له الشفاء منه! أنا أعلم أن كلامي هذا ثقيل على كثير من الناس، لكن يجب أن يواجهوه وأن يفهموه بقلوب صادقة واعية متجردة للحق، تقدمه على كل أحد، إن صدقوا حقا في طلب النجاة لمن يحبونهم ممن أصيبوا بمقدمات ذاك الداء العضال!
فما هو الحنان والتعاطف و"الاحتواء" الذي تنصحني به الأخت، عفا الله عنا وعنها؟
تقول: "يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا *وحنانا من لدنا وزكاة وكان تقيا"! قلت: ما مورد هذه الآية في هذا السياق؟ لا شيء إلا أن لفظة "حنانا" وقعت فيها!! تقول: "الحقيقة أني تعاطفت جدددا مع صاحب الرسالة، واستنكرت كثير من الكلام الموجه إليه من الشيخ حفظه الله إما لقسوته أو لدخوله في النيات وتأويل الكلمات بشكل مزعج" قلت: أما القسوة، فليست كذلك، وإنما هو حزم المربي! ألا تشددين في وعظ ولدك أحيانا، ويظهر لك الداعي إلى ذلك في تربيته في بعض الأحيان؟؟ سبحان الله! السائل بدا ظاهرا من أسلوبه أن له حظا من المطالعة في العلوم الشرعية، وقد نقل لي كلاما لابن القيم في سياق عرضه ما عنده! والذي يصل إلى الإلحاد والشك بعد أن كان هذا ابتداءه، نسأل الله السلامة والعافية، فلا يقال للدعاة وطلبة العلم خاطبوه بحنان ومحبة وهذا الكلام!! اللين له موضعه، والشدة أيضا لها موضعها يا أختنا، عفا الله عنك! وخطاب القرآن فيه هذا كما أن فيه ذاك! وأما الدخول في النيات، فهذه العبارة أكثر من يستعملونها لا يفهمون معناها، وأكثرهم ملوثون بالإرجاء بكل أسف! لا يقال للرجل إنه دخل في نية أخيه، إلا عندما يتهمه بفساد طويته بلا دليل ولا بينة! وإلا فالله تعالى يقول في المنافقين: ((وَلَوْ نَشَاء لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ)) [محمد : 30]، فما هو هذا الذي يعرفه من لحن القول؟ يعرف المنافق الذي يخفي ما في قلبه ولا يبديه صراحة! لحن القول هذا قرينة ودليل حسي معتبر على ما يكون في النفس، مما يحسب الإنسان أنه يخفيه! ورؤوس أهل البدع من الفرق الضالة سماهم العلماء بأهل الأهواء، لأن ما هم عليه من لحن القول يفضحهم، ويدل دلالة ظاهرة على أهواء قلوبهم التي لا يصرحون بها! فلا يقال لنا: لا تتهموا أحدا على نيته، لأن هذا دخول في النيات! بل إن مبدأ دلالة العمل على ما في القلب، من أركان اعتقاد أهل السنة، ومما يمتازون به عن المرجئة في باب الإيمان! فنحن نقول الإيمان قول وعمل واعتقاد، وقال بعض العلماء قول وعمل ونية، فإذا ذهب العمل ذهب الإيمان، لأن الذي لا يظهر عليه شيء من أعمال أهل الإيمان البتة، هذا يدل ظاهره على خلو قلبه من الإيمان البتة! خلافا للمرجئة الذين قالوا: لا يضر مع الإيمان ذنب، كما لا ينفع مع الكفر طاعة! قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وإن قالوا (يعني المرجئة): إنه لا يضره ترك العمل فهذا كفر صريح؛ وبعض الناس يحكى هذا عنهم، وأنهم يقولون: إن الله فرض على العباد فرائض ولم يرد منهم أن يعملوها، ولا يضرهم تركها." قلت: والترك حال ظاهرة تعرف بقرائنها، وتدل على باطن صاحبها ولا شك! فليس ما سلكته من استظهار ما في نفس ذاك السائل، ووعظه بمقتضى ذلك، دخولا في النيات على هذا المعنى الذي تريدين، غفر الله لك! وأما تأويل الكلمات بشكل مزعج، فليس في "انزعاجك" ما يضرنا، ما لم تبيني ما تقصدين!
ثم تقول، أصلحنا الله وإياها: "المعرّض للشبهة سواء عُرضت عليه أو تعرّض لها لا يصلح أن تلومه على الأسئلة وكأنك تؤنبه" لماذا ليس لديك إيمان عجائز نيسابور؟"، هو لجأ لأجل اكتساب ما ليس عنده أو سُلب منه، ونحن نريد كسبه وردّه لله؛ فهونًا ما حتى لا نكون عونًا للشيطان على أخينا."
قلت: يا أختنا أصلحك الله، "أخونا" هذا لم يأت بالسؤال عن شبهة واحدة، وإنما جاء ببناء اعتقادي جديد شيده لنفسه على جملة كبيرة من الشبهات، حتى وصل به إلى التشكيك في دينه، وذهب بأصل إيمانه! فلا يكون خطاب مثل هذا، كخطابنا لمن وصفت! أنا لم أسأله لماذا ليس لديه "إيمان عجائز نيسابور" وإنما شرحت له السبب في فقده ذلك الإيمان، ولمته وأنبته لأنه غفل عن نفسه حتى انتهت به إلى تلك الحال! فلو كان فيه خير، وكان ممن يرجى له الرجوع (نسأل الله ذلك)، فسيغلق عليه باب بيته، ويتأمل في حال نفسه، ويتدبر فيما نصحته به، ويراجع أسباب سقطته تلك، فإذا علم الله فيه صدقا وحرصا على الأوبة والإنابة، فسيكشف له مكمن الخلل والمرض لا محالة، وسيعينه على العمل على إصلاح قلبه كما هو المتعين عليه إن أراد النجاة في الآخرة! هذه قضية لا ينطح فيها كبشان! ولو علم الله فيه هذا الصدق الذي وصفت لك، فسيكفيه ما كتبته في الرد عليه من بيان فساد ما زعمه مستندا للتشكيك في الإسلام، ولن يحتاج إلى شيء بعده! وإذن فلن يلتفت إلى تلك الشبهات، بل سينفر منها كما هو شأن المؤمنين، ولن يرجع بعد إلى المصدر الذي مالت نفسه إلى سماعها منه، الذي هو بيت الداء أصالة! ولكن ليس علينا هداهم، وإنما علينا الإرشاد! وأما قولك: "نحن نريد كسبه"، فأقول: هذا لابد فيه من التفصيل يا أختنا! ومشكلة أكثر المشتغلين في هذا الباب أنهم لا يفصلون! فبصرف النظر عن هذا السائل بخصوصه، فليس كل من يأتينا وهو يقول "أنا طالب للحق، فناقشوني وحاوروني لعلي أقتنع"، فإننا نجري خلفه لاهثين رجاء أن "نكسبه"! أين تعلمتم هذا الأصل؟ إن قلتم قد قال تعالى: ((وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ)) [الأنبياء : 107] وقال عليه السلام: "إن منكم لمنفرين"، أو كما قال، فقطعا ليس من الرحمة بعموم المسلمين أن ندخل عليهم زنديقا يدعي الإسلام تقية، مثلا، أو صاحب هوى عظيم يريد دينا على المزاج، ونحن نغفل عن علامات ذلك اللائحة في كلامه، بدعوى أنه خير له أن يموت على الإسلام من أن يموت على الكفر! أولو غلب على الظن أنه قد يصبح بعد ذلك سببا في ضلال المئين من المسلمين، بما يبث فيهم من الأهواء، بدعوى أنه صاحب تجربة سابقة مع الإلحاد، وعنده، من أجل ذلك، من العلم بأسباب الإلحاد وشبهات أهله، ما يدعو به الشباب للسلامة من ذلك؟ فليهلك هذا إذن على إلحاده، لا شأن لنا به! وأما التنفير، فمن سبق إلى قلبه أسباب النفور والأنفة من الحق وأهله، فلن ينفعه ملء الأرض حوارات ومناظرات وأدلة وبراهين!! فإن كان من طريق لعلاج تلك الأسباب وإزالتها، فليس هو هذا قطعا! نعم ننقض شبهته بعون الله ولا شك، لا نتركها بلا جواب! ولكن ليس بهذا وحده يرجى رجوعه، إن كان لمثله أن يرجع!
تقول: "العبارات في المقطع تنفيرية منها: أنت لست مسلما أنت خرجت من الدين تماما. هذا الإجرام الذي أنت عليه/ مرض قلبك/ الكفر الذي أنت فيه/ نسأل الله السلامة مما أصابك " قلت: لا أذكر أني قلت له: الإجرام الذي أنت عليه، ولكن فيما عدا ذلك، فليس في شيء مما ذكرت تنفيرا أبدا! هذا وصف دقيق لحقيقة حاله، حتى يعلم أين هو، وقد مثلت لك قبل بكلام إبراهيم لأبيه، إذ قال له، مع التطلف واللين بقوله: يا أبت، قال: لا تعبد الشيطان! مع أن أباه يقينا ما كان يرى أنه يعبد الشيطان! وما كان يحب أن يوصف بذلك، ولكن هذه حقيقة حاله التي يجب أن تبين له على ما هي عليه! والله تعالى أمر موسى بأن يقول لفرعون قولا لينا، لعله يتذكر أو يخشى! فابتدأ موسى الخطاب بأن قال له كما أمره ربه: "فهَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى* وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى"! ما معنى هل لك إلى أن تزكي؟ أي هل لك رغبة في أن تطهر نفسك من دنس الشرك وخبثه؟ وهل لك أن تهتدي إلى ربك فتخشاه كما هو الواجب عليك؟ جئتك لأعرض عليك الطهارة من الشرك والخوف من ربك! فعلى طريقتك هذه يكون هذا غاية التنفير، والله المستعان! لين القول يا أختنا، لا يتنافى مع التذكير والتخويف، ومع تسمية حال المخاطب باسمها الصحيح! فمن أعظم الغلط، بل ومن الإرجاء أن يقال إن تنبيه من جنح بقلبه خارج دائرة الإسلام إلى ردته، إنه تنفير! أوهمه بأنه لا يزال مسلما وأنا أعلم علم اليقين أنه قد ارتد؟؟ هذا من أعظم الغرر، والله المستعان!
أما قولك: "تيئيس السائل من طريق الرجعة لليقين بشكل منفّر لكل سامع متيقن من إيمانه وليس للسائل المقصود فقط بعبارات ذكرها وكررها أكثر من مرة منها: ولا يتوقع لمثلك بعد ما وصل لهذه المرحلة أن يتمكن من الرجوع.> فتُرى بأي نفسية سيكمل السائل السماع؟"
قلت: إيش تنفير كل سامع متيقن من إيمانه؟؟ ما هذا الكلام هداك الله؟؟ نعم لا يتوقع لمن وصل إلى تلك المرحلة أن يرجع! هذا هو مبلغ الهوى الذي وصل إليه، وهذه حقيقته، وعليه أن يعرف فداحة الحال حتى يخاف! ومع هذا فقد نصحته بما عليه أن يفعله إن كان صادقا في طلب الهداية، وبالغت في النصيحة! فإن علم الله فيه صدقا، فسيهديه قطعا! أبعد منه وأعظم ضلالا قد هداهم رب العالمين وما ذلك من الله ببعيد! قد رأينا على عهد النبي عليه السلام من كانوا يقاتلونه وأصحابه، وينكلون بالمؤمنين تنكيلا، ثم شرح الله صدرهم للإيمان فأسلموا حسن إسلامهم وخرجوا بعد في الفتوحات والغزوات في سبيل الله!! فلماذا هداهم؟؟ لأن داعية من الدعاة جاءهم بالفلسفة التي يشتهون أن يسمعوها، ويشترطونها على من "يحاورهم"؟ أبدا! لأن ثمة من جاءهم بنظير الجاه والمنصب الذي كانوا من قبل يكرهون الإسلام لأنه سيحرمهم منه؟؟ أبدا! ولكن لأن نفوسهم قد تحركت بفضل من الله وحده، في سبيل الفيئة والإفاقة من الغفلة والخروج من تلك الحمأة، فمالوا عن بغض الإيمان وأهله إلى محبته! فإن كان ذلك لسبب طرأ عليهم، فيقينا لن يكون من جنس ما تطلبين!
تقول: "عرض الشبهة أقوى بمراحل من الرد عليها، وهذا بحد ذاته فتنة للسائل وأي سامع عامي أو متشكك."
قلت: هذا رأيك، ولا أظن أن كثيرا ممن سمعوا المحاضرة يوافقونك عليه!
تقول: "٥٠ د كلها في لوم السائل واتهامه بالتقصير في عباداته وخلطته بمن حبّب إليه هذا المدخل من الشبهات ودخول في النيات من قوله "أن هذا من هوى في نفسك وإن لم تعترف "> وليس هذا بالضرورة كما لا يخفى، بل إن الترف والماديات والإغراق في المتع من الرخاء ثم الاصطدام بالمصائب والشر مع تهيئة إيمانية هشّة له بالغ الأثر مؤخرا في فتح باب سؤالات الشر التي تجر إلى ما وراءها من شبه ، وأحيانا ممن درسوا في الخارج تعرضوا لأسئلة من زملاء أو من مواد فلسفية كان لها أسوأ الرواسب على ما هم فيه، ولا يخفانا أن غياب تواصي الناس الإيماني أحدث فجوة مثلا تفاجأت جدا مؤخرا بعد زلزال تركيا من أسئلة تشكيكية ممن أعرف عنها الثبات واليقين طوال عمرها، فنحن جميعا في أزمة لابد أن يشد أحدنا بيد الآخر بعطف وتراحم قبل الإجابة بهكذا كلمات."
قلت: يا أختنا كل هذا لا تأثير له على أصل المرض الذي شخصته له: الهوى!! جميع تلك الأحوال التي ذكرتيها، تدخل الفساد على القلب والهوى البالغ ومحبة أهل الكفر والزنا والخنا والميل إلى مخالطتهم وموافقتهم، فيسنلخ الإنسان من دينه وإيمانه خطوة بعد خطوة من حيث لا يشعر، فلا يفيق إلا وقد خرج من الدين بالكلية! سؤالات الشر التي ذكرت هذه ليست، وبشهادة أكثر الفلاسفة المعاصرين الذين كتبوا فيها من النصارى، مشكلة معرفية أو شبهة عقلية، وإنما هي مرض نفسي محض! والمريض النفسي يحتاج لمن يعرفه بأنه مريض نفسي، ويبين له سبب مرضه إن كان يرجو له العلاج! فما معنى العطف والتراحم الذي تطالبين به وما وجهه؟؟ هذه التي كنت تعرفين عنها الثبات واليقين، ودخلت عليها الأسئلة التشكيكية، تحتاج إلى من يبين لها سبب دخول تلك الأسئلة عليها! وهو سبب قلبي من جنس ما بينته للسائل في هذا الجواب الذي لم يعجبك! وإلا فما سبب تشككها عند تعرضها لتلك النازلة الكبيرة؟؟ قال تعالى: ((وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ)) الآية [الحج : 11] فما مرض أولئك المذكورين في الآية وما آفتهم، مع أنهم لا يظهر من حالهم للناس قبل ذلك الانقلاب إلا مثل ما ذكرت؟؟ شيء في القلب غفلوا عنه، شيء لا يظهر في الرخاء وإنما يظهر عند الشدائد، نسأل الله السلامة! وأنا أعجب منها تتهمني بأني أدخل في النيات، مع أنها تزكي تلك المرأة التي ذكرت تزكية بالغة، بأنها كانت تعرف عنها الثبات واليقين، فهل دخلت في قلبها ورأت فيه ذاك الثبات واليقين حتى تشهد لها به؟ ((فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى)) الآية [النجم : 32]! هذا لا نشهد به لأحد أصلا، وإنما نقول نحسبه من أهل الثبات واليقين، والله حسيبه! ثم قد تتغير أحكامنا بما يظهر لنا من تغير الأحوال، نسأل الله الثبات!
تقول: "مرة أخرى أجدني أقول: أن اتهام الناس بالتقصير في دينهم حتى دخلت عليهم هذه الشبه يُشعر ببعد عن الواقع، والتجارب تشهد، فنحن في زمن معقد جدا حتى من يحصّن نفسه تماما من أي شبهه ليس بمأمن،
قلت: وهل ادعيت أنا أننا لسنا في زمان معقد، وأننا في مأمن؟؟ نسأل الله السلامة من الفتن! يا أختنا ألست تؤمنين بأن الإيمان يزيد وينقض، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية؟؟ فما علاقة تعقد الواقع بهذه القاعدة الأصيلة عند أهل السنة؟؟ نعم هو فرط في العبادة فنقص إيمانه، فانشرح صدره لأهواء كان منها في عافية! وما فرط في العبادة أصلا إلا لميل في القلب كان ينبغي أن يجتهد في معالجته! هذه هي القضية! تعقد الواقع أم لم يتعقد، هذا هو بيت الداء كما استفاض بيانه في القرآن بما لا يتسع له هذا المقام!
تقول: "وكم ممن كتم شبهاته خوفًا من أسرة أو مجتمع وعاش بها وهي تكبر في داخله - أحيانا كتمها خوفا من التحديث بها على إيمانه- و ماكان ينبغي السكوت عنها من البداية"
قلت: نعم، وهذا بالضبط ما نبينه لمن يأتينا بتلك الشبهات! أن أهواء نفسه وميول قلبه هي التي تحركه أصلا، وليس الجهل بما ينبغي العلم به حتى يتحصن من الشبهة، وإن كان للجهل دورا ولا شك! هذا الذي تصفه، ما الذي حمله على الكتمان؟ أنه يكره أن يظهر للناس من حوله ما يبطن في نفسه! فما الذي أوقعه في نفسه أصلا؟ أنه أحب أن يوافق قوما آخرين قد قرأ لهم، وعظموا وكبروا في نفسه، فكره أن يكون على دين يخالفهم! هذه هي القضية! كره وأحب! فمن أراد أن يعالج مثل هذا، فليوقفه على حقيقة ما وقع له في قلبه، مع نقض ما يتعلق به من الأوهام التي يطرحها، وهذا ما سلكناه في الجواب! ولكن هي لا تريد ذلك! فماذا تريد إذن؟
تقول: "فإعطاء مجال للاحتواء لا للاقصاء مسؤولية لابد من العناية بها"
قلت: جنحنا الآن إلى الكلمات المجملة التي لا تسمن ولا تغني من جوع! الاحتواء لا الإقصاء! فما هو الاحتواء المطلوب هذا؟؟ أن أوهمه بأنه بخير وأن دينه في مأمن من أن يزول مهما قال، وأن عليه فقط أن يفكر في الجواب النظري الذي أكتبه له؟ وما هو الإقصاء عندك؟؟ أن أبين له أنه قد خرج بالفعل من دائرة الإسلام، كما هو الواجب أن يبين له؟؟ الله المستعان!
ثم تقول في الختام: "أعرف صديقة عمرها متصل بالقرآن علما وعملا لكنها لما أصيبت بموت حبيب كادت تفقد صوابها نفسيا وايمانيا، ليس لأنها ابدا مكنت نفسها من الشبهة لكن لأنها ظنت انها محصنة بما يكفي" قلت: فما كانت إذن متصلة بالقرآن عملا على الوجه الذي ينبغي كما تصفين، ومن هنا دخل عليها الشيطان وغلبتها نفسها حتى بلغت ما بلغت! لهذا قال السلف: إنه لا يأمن النفاق إلا منافق!! أنا أكتب هذا الكلام وأنا لا آمن أن أنقلب على عقبي غدا من شبهة تقع لي، نسأل الله العافية والسلامة! فالقلوب بين أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، نسأل الله التثبيت!! فما معنى "مكنت نفسها من الشبهة"؟؟ أنا لم أزعم أن ما فعله ذاك السائل من انكباب على الشبهات وتشوف لها، هو السبب الوحيد لانقلاب القلوب عن سبيل الرشاد!
تقول: "فمن أول مشكلة شر تعرضت لها ذبلت وتفجرت عندها أسئلة ما كانت تخطر على بالها وجدت نفسها المصابة دون إحابات قوية عليها، فتخيلوا هذه سألت من سيرد عليها بهذا الرد القاسي ، كيف ستكون نفسيا زيادة على ماهي عليه؟"
قلت: فما هي الإجابات القوية التي تشترطينها يا أختنا هداك الله؟؟ أدعوك لمطالعة كتابي "الكشاف المبين لما في نفوس المستكبرين" لا سيما الباب الذي خصصته للكلام عن مشكلة الشر تلك، واقرأي ما جمعته فيه مما لا أحسب أن أحدا من المتفلسفة يرى أو يتصور ردا "أقوى" منه، وانظري فيما بينته مما يعانيه الجدال الفلسفي الأكاديمي كله من أوله إلى آخره من مرض قلبي طافح عند كلا المتخاصمين في المسألة جميعا، فلاسفة الإلحاد وفلاسفة النصارى على السواء، وسيظهر لك بحول الله تعالى كيف أن هذا المسلك الممرض، هو أبعد المسالك عن تحصين النفس من ذلك المرض على الحقيقة، وعن علاجه وإزالته ممن ابتلي به!
نسأل الله أن يبصرنا وإياك بسبيل المؤمنين، وأن يتوفانا على الإسلام والسنة غير مبدلين ولا مفرطين، وأن يهدي شباب المسلمين إلى ما فيه السلامة من سبل الشياطين، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
أبو الفداء ابن مسعود
غفر الله له ولوالديه.
