الحمد لله وحده، أما بعد، فإذا أردت أن تمتحن رجلا على القدرية، فاسأله هذا السؤال: خياراتك التي تقوم في نفسك قبل الفعل، أنت من خلقتها أم الله هو خالقها؟؟ فإن كان مؤمنا بالقدر كما يجب الإيمان به، فسيقول: الله خالقها وخالق كل شيء، ولا ينفي ذلك كوني أجد في نفسي أنها خياراتي، أفعل ما أفعل تأسيسا عليها، لا على جبر أو إكراه! فأنا أختار وأفعل، والله يخلق الخيار والفعل جميعا، على ما سبق في علمه وتقديره وكتابته، وتبعا لما اقتضته مشيئته، ولا تناقض! وإن كان مكذبا بالقدر، فلن يجد إلا أن يقول: بل أنا من خلقها، لأني لا أتصور لنفسي خيارا حقيقيا مع كونه خاضعا لمشيئة أحد غيري! فهذا منكر للقدر مهما تعلق بإثبات العلم والكتابة الإلهيين، ومهما تشدق بإثبات خلق الله تعالى لجميع الأسباب التي يأخذ بها العبد عند الفعل، ولا يغني عنه شيئا ملء الأرض أمثلة من نحو قولهم (وكما رأيت له انتشارا بين الناس اليوم): الأستاذ يعلم أحوال طلبته فيكتب عنده من سينجح فينجح كما كتب، ومن سيرسب فيرسب كما كتب! فالذي أوقع الفلاسفة في نفي مشيئة الله لخيارات البشر وأفعالهم، وخلقه ذلك منهم، أنهم قالوا: لا يكون فعل الرجل خاضعا لمشيئة غيره إلا كان مجبرا عليه! وقالوا: لا تخضع مشيئة حرة لمشيئة أخرى، ومع هذا تكون مشيئة حرة على الحقيقة! وهذا إنما يكون صحيحا عندما تكون المشيئة التي يخضع لها هذا الفاعل المخلوق هي مشيئة مخلوق مثله، فإنه لا يخضعه إخضاعا حقيقيا لمشيئته إلا بأن يكرهه إكراها، يجبره إجبارا على ما يريد! فإنه ليس هو خالق المشيئة أو الخيار الذي ينقدح في نفس صاحبه، فلا يحمله على الخضوع لمشيئته هو إلا بأن يكرهه إكراها، وهو الجبر!
وأما عندما يكون الكلام على مشيئة رب العالمين سبحانه، وخضوع المخلوقين لها، فهي تلك المشيئة الإلهية التي بها تركب كل مشيئة وكل خيار مخلوق في نفس الفاعل المخلوق المختار، عند كل فعل يفعله، ولولاها ما عقل ولا علم ولا اختار ولا فعل! فالمخلوق يختار على الحقيقة لأن الله خلق في نفسه ما به يختار على الحقيقة فلا يجد إذا فعل، جبرا ولا إكراها! كل خيار يقع في نفس العبد يكون مخلوقا لرب العالمين على مشيئة رب العالمين، وحده لا شريك له، وعلى أثره يخلق الله أفعاله! فإذا وجده العبد في نفسه لم يجده إلا خياره الحر الذي لم يحجزه حاجز عن بناء الفعل عليه! ولا يعلم العبد أنه مجبر أو مكروه، إلا إذا وجد من يملي عليه فعلا هو يجد في نفسه خيارا ومشيئة بخلافه! يريد غيره، فيجبر عليه! فالخيار مخلوق، والجبر – إذا وقع - مخلوق، ولا يزال العقلاء يفرقون بين هذا المعنى وذاك ولا يختلطان عليهم بحال!
فإذا سلم العبد من تشبيه فعل الخالق بفعل المخلوق، ومشيئة الخالق بمشيئة المخلوق، كما تلبس به الفلاسفة، فلن يجد في الأمر تناقضا ولا فسادا كما زعمه هؤلاء! وسيسلم بأنه أمر لا قياس له على ما يكون من خضوع صاحب مشيئة مخلوق لمشيئة مخلوق مثله! أما أن يقال بل مشيئة العبد غير مخلوقة، لأنا لو قدرناها مخلوقة لكان مجبورا عليها لا يملك أن يختار خلافها، فهذا يفسد معنى الخيار ومعنى الجبر في حق العبد، ومن قبلهما معنى المشيئة في حق خالقه سبحانه، والله المستعان لا رب سواه.
أبو الفداء ابن مسعود
غفر الله له
