إن الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله. أما بعد،
فينبغي أن نعلم في الابتداء، أن من حفظ الله تعالى وصيانته لهذا الدين، أن جعل في منهج الطائفة الناجية المنصورة، ما به تدفع الخبث والدغل عن نفسها، فلا ينتسب إليها داع إلى بدعة أو ضلالة أو صاحب هوى وميل إلا سلط الله عليه منهم من يفضحه ويبين حاله عاجلا أو آجلا، نصيحة للمسلمين، وصيانة لحياض السنة من أن يختلط صفاؤها ونقاؤها على طالبيها من المسلمين. وهذا من حسن الظن بالله تعالى، الذي قال في محكم التنزيل: ((إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)) [الحجر : 9]. تصور معي دينا يشتبه فيه الداعي إلى الحق الذي نزل من عند رب العالمين، بالداعي إلى نقيض ذلك الدين، فلا يدري مجيب ذلك الداعي إذا أجابه، ولا يجد ما به يعرف معرفة جازمة، هل دخل في الدين كما يرجو أم لم يدخل، أفيعقل أن يكون ذلك هو الدين الخاتم دين رب العالمين، الذي جعله الله حجته في أرضه إلى يوم القيامة؟ أبدا!
وكذلك الفرقة الناجية التي يسلم من كان على ما هي عليه من ضلالات الفرق الضالة التي شوهت رواسخ الملة ونقضت كل فرقة منها أصلا كليا واحدا على الأقل من أصول السنة ومن منهاج النبوة الذي ترك عليه النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه. لا يتصور في تلك الفرقة، التي يرحم الله بها المسلمين من الفُرقة والخلاف في أصول الدين، ألا يكون فيها من الضوابط الصارمة في معرفة أحوال الرجال من السنة والبدعة، ما به يسلم المسلمون من أن يشتبه عليهم طريق السلف بطريق الخلف أو يختلط به، أتم ما تكون السلامة! لابد أن تكون قضية صفاء السنة ونقاء مصادر التلقي السلفي عند علماء ودعاة هذه الطائفة من أعظم وأهم القضايا التي تشغل أولئك العلماء وطلبتهم، إن كانوا صادقين في انتسابهم إليها! فإنه لا يهون من خطورة البدعة ومن خطر مجالسة صاحبها، إلا من أكل النفاق من قلبه حظا، وغلبت الأهواء على نفسه، ولا يكون علماء أهل السنة لهؤلاء إذا تصدروا في المسلمين بالدعوة والتعليم إلا بالمرصاد، لأن الحق الذي حملهم الله إياه أحب لأحدهم من أبيه وولده والناس أجمعين! الذي يهون من أمر البدعة كالذي يعتنقها سواء في الهوى، نسأل الله السلامة! وصاحب الهوى كالسم، يسري في الدم من حيث لا يشعر صاحبه، حتى إذا وصل إلى مقاتله قضى عليه! فلابد عند الفرقة الناجية من فرقان صارم يمتاز به أهل الأهواء ممن سلمهم الله من الهوى، وهذا ما نجده في تراثهم تحقيقا، بالسند المتصل إلى سلف الأمة رضي الله عنهم!
هذه من العلامات الفارقة التي تُعرف بها تلك الطائفة بمقتضى العقل ولا شك. فمما يقتضيه العقل بداهة، أن تجد سلف الأمة، الذين هم مرجع تلك الطائفة ونهاية سندها، أشد الناس حرصا على صيانة الدعوة من الدخلاء عليها، وعلى غربلة الرجال من الدعاة والمفتين والقضاة والمعلمين أصحاب الحلق والدروس والمحاضرات، وتحقيق الأدلة الصحيحة على سلامتهم من الأهواء والميول القلبية التي يرى صاحبها الحق باطلا والباطل حقا، نسأل الله السلامة! فإن مرض الهوى إذا أصاب القلب، عميت بصيرته، وإذا به يدعو الناس إلى هلكتهم، وهو يرى أنه يدعوهم إلى النجاة، والله المستعان! ولا يرى ذلك الخُلف فيه إلا من بصره الله بحاله وسلمه من الفتنة به ومن أسباب تلك الفتنة! ولهذا لا يكتمل منهج السلف بما فيه تمام حفظه وصيانته مما يفسده، حتى ترى فيه الآثار المستفيضة في التحذير من مجالسة أهل البدع ومخالطتهم والركون إليهم! فإن القلب إذا مال، مال معه دينه وفهمه واعتقاده حيثما مال، وإذا بما كان من قبل يراه بدعة ضلالة، ينقلب إلى أن يستحسنه، أو على الأقل لا يشنع على صاحبه كما هو حقه! ولهذا يكره أهل الأهواء آثار السلف في هذه البابة خاصة، ولا يصبرون على سماعها، وإذا سيقت إليهم، وكان لهم حرص على إثبات النسبة المزعومة للسلف والسلفية، أخذوا في تأويل تلك الآثار وتحريف معناها كما هي طريقة أهل الأهواء في كل نص لا يعجبهم! يقول قائلهم: هذه ليست على إطلاقها، وإنما يجب التقييد بقيد المصلحة! ألا ترى أن المبتدع قد يكون من المصلحة الراجحة أن تجالسه لتنصحه في الدين، أو على الأقل لتحصل منه نفعا دنيويا لا تتحصل عليه إلا بهذا؟؟ فكيف تكون على إطلاقها إذن؟ وهذا كله تلبيس ولا شك، إذ أولا، لا يثبت للرجل عند أهل السنة أنه من أهل الأهواء، من الابتداء، إلا وقد انقطع الرجاء في قبوله وسماعه الحق من الناس! فليست هذه مصلحة معتبرة في ذلك أصلا. وثانيا، فليس أهل الأهواء على السواء، كما أنه ليست المصالح الدنيوية على السواء، وليس طالبوها من أهل السنة على السواء كذلك. فمعلوم أن ما يمنع سدا للذريعة يباح للمصلحة الراجحة، ومجالسة أهل الأهواء ممنوعة بالإجماع، سدا لذريعة التأثر ببدعهم وأهوائهم وحفظا للدين من أدرانهم، إذ الأهواء تنتقل انتقال العدوى كما هو معلوم. يتعلق القلب بصاحب الهوى، فإذا به يسمع منه ذلك الهوى، ويتمهد لدخوله على نفسه من حيث لا يشعر! ولو أنك فتشت عن أهل الأهواء لوجدت أكثرهم مقيمين عليها لميل قلوبهم إلى عظيم يعظمونه أو إلى ثلة يحبون صحبتهم ومجالستهم من أهل تلك الأهواء نفسها! ولهذا قال عليه السلام: "المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل". ولا شك أن المجالسة والمخالطة هي بريد الخلة والمصاحبة، ومظنة المصير إليها! فالذي يعظم أمر الهوى وخطره على الدين، لابد أن تراه يفر منه ومن أسبابه ومداخله أعظم ما يكون الفرار! هذه مسألة مهمة يجب الانتباه إليها! فإنه لا يعظم أمر الهوى وخطره وخطر أصحابه على الدين إلا من سلم الله تعالى قلبه من التلبس بها ابتداء، نسأل الله أن نكون من هؤلاء!
أما بعد، فقد أوقفني بعض الأحبة النبلاء، وفقه الله تعالى، على كلام لبعض من لا خلاق لهم ممن ذاع أمرهم في الأيام الأخيرة على اليوتيوب والفيس بوك وغيرهما من شبكات التواصل الاجتماعي، ممن رفعوا عقيرتهم بتلبيس معالم الفرقة الناجية على عامة المسلمين، حقدا عليهم ونقمة مما منّ الله عليهم به من نقاء المشرب وسلامة المورد.
ففي مقطع لشاب سوري يدعى "محمد شمس الدين"، تجد تقريرا لبدعة سرورية جديدة ينقض بها ذلك الشاب ما سماه بروتوكولا من بروتوكولات حكماء المداخلة، تشبيها لأهل السنة بحكماء صهيون، وإلى الله المشتكى! تلك البدعة هي تسميته قاعدة الجرح بالمخالطة والمجالسة عند السلف، باسم "التبديع بالتسلسل"، ومن ثم تسخيفها وتسطيحها على تلك المغالطة المشهورة في الأدبيات العصرية "بمهاجمة رجال القش"، واستنكارها على أنها بدعة بدعها من سماهم هو وأقرانه ومشايخه بالمداخلة! وهذا والله من أعظم ما أنت راء من تلبيس السرورية القطبيين وكذبهم، عاملهم الله بما يستحقون.
يبدأ الشاب المذكور مقطعه المذكور بتقرير أن من يسميهم بالمداخلة يبدعون على قاعدة يسميها "التبديع بالتسلسل"، وأن إعمال تلك القاعدة يقتضي تبديع الشيخ الألباني نفسه! يقول:
"يبدعون مثل الخوارج عندنا، الخوارج يكفر شخص، كفر الشخص الأول، يرى مثلا الشخص الثاني لا يكفره، فيقول الثاني كافر لأنه لم يكفر الأول، ثم الثالث كافر لأنه لم يكفر الثاني لأنه لم يكفر الأول، حتى يكفرون جميع المجتمع! يعني على سبيل المثال عندما يكفرون الحاكم، يكفرون جميع المشايخ الذين لا يكفرون الحاكم، ثم يكفرون جميع طلاب المشايخ الذين لا يكفرون المشايخ الذين لا يكفرون الحاكم، حتى يصلون بذلك التسلسل إلى تكفير مجتمعات كاملة، هذا يفعله المداخلة عند التبديع، ولكنهم انتقائيين في هذه القضية. على سبيل المثال، إذا شخص، طبعا من خصومهم، أرادوا تبديعه فلم يجدوا عنده بدعة، بحثوا لم يجدوا، شخص غير مبتدع، فلم يجدوا عنده بدعة، ماذا يفعلون؟ يقولون هذا الشخص، مدح شخصا مبتدع، أو مدح شخصا مدح شخص مبتدع، أو مدح شخصا مدح شخصا مدح شخصا مبتدع، حتى يصلون به إلى بدعة، حتى تجدون أن شخصا.. صورة، تكون بينه وبين المبتدع، فيبدعونه على أساس هذه الصورة. ويقولون قال الأوزاعي: من خفيت علينا بدعته، لم تخف علينا إلفته، وهذه قاعدة صحيحة، لو طبقناها بالشكل الصحيح، وهي بمعنى أنك لو لم تعرف بدعة فلان، ووجدته يألف أهل البدع، فعندها لابد أن يكون موافقا لهم!" اهـ.
قلت: هذا الكلام، وقد نقلته بلحنه كما سمعته، من أقبح ما أنت راء من التلبيس والله المستعان. فهو كما أشرت آنفا، من مغالطة تصوير قول المخالف على صورة سخيفة فاسدة تخالف صورته التي هو عليها في الحقيقة، حتى إذا ما هجم على تلك الصورة السخيفة التي صورها وأسقطها، توهم السامع أنه قد أسقط قول المخالف، مع أنه ليس من ذلك في شيء أصلا! فإنه إن كان يقصد بمن يسميهم بالمداخلة، الشيخ ربيع المدخلي والشيخ رسلان ومن كان على طريقتهما وغيرهما من علماء السنة في جرح القطبيين والسروريين والتحذير منهم بما هم أهله، فليس عند هؤلاء المشايخ قاعدة هذه صورتها: أن الرجل إذا مدح شخصا مدح شخصا مدح شخصا مبتدعا، فهو مبتدع!! أين وقع هذا في كلامهم، بهذا الإطلاق، أو بهذا التسلسل، أو ما يفهم منه هذا الإطلاق والتسلسل يا كذاب؟ بل أين في كلامهم ما يدل على أنهم يقولون "من لم يبدع المبتدع فهو مبتدع" بإطلاق هكذا بلا تقييد ولا تفصيل، كما تقول الخوارج مقالتهم المطلقة "من لم يكفر الكافر فهو كافر"؟؟
اللهم عليك بالكذبة والمدلسين يا رب العالمين!
قولك: "على سبيل المثال، إذا شخص، طبعا من خصومهم، أرادوا تبديعه فلم يجدوا عنده بدعة، بحثوا لم يجدوا، شخص غير مبتدع، فلم يجدوا عنده بدعة، ماذا يفعلون؟ يقولون هذا الشخص، مدح شخصا مبتدع"
قلت: بالله هل هذا كلام من يعامل الناس بظواهرهم أم بسرائرهم التي لا يعلمها إلا الله؟ من أين لك يا عدو نفسك الحكم بأن العالم ممن تسميهم بالمداخلة لمزا وتنقيصا، إذا بدع شخصا ما بأنه يمدح مبتدعا، فإنما يفعل ذلك لأنه أراد تبديعه أولا، تشفيا وانتقاما، على ما يفهم من كلامك، فبحث ونقب فلم يجد عنده بدعة، ثم لما لم يظفر منه إلا بأنه يمدح مبتدعا، بدعه بذلك؟؟ هل أطلعك الله على سرائر الناس، أم أرسل ملكا يوحي إليك بما فيها؟؟ سبحان الله! علماء أهل السنة الذين تسميهم بالمداخلة، لم نر منهم في جرح من جرحوا، بفضل الله تعالى، إلا الدليل الظاهر! وأكثر ما يكون ذلك منهم، يكون بعد مناصحة طويلة وصبر طويل، كما لا يخفى على من يطالعون مواقعهم ويحضرون مجالسهم! لا يكون الرجل من خصومهم أصلا إلا إذا بدعوه بالدليل، وليس العكس! ولكن لأنك تعلم ذلك عنهم، خنست يا جبان عن أن تأتي بشيء من أحكامهم على من جرحوهم، ولو بحالة واحدة، حتى تدلل على أن ذلك المسلك الذي زعمته يقع عندهم! وإنما جئتنا بكلام للألباني تلزمهم فيه بما لا يلزمهم من الحكم عليه، على فهمك السقيم، مع أنه ليس من كلام الألباني أصلا، وأنت تظن أنك بذلك قد قمت بالمطلوب! وهذا من خفة عقلك وقلة علمك ولا شك! فنقول إن بينة ما تدعيه عن طائفة من الطوائف، وتزعم أنه اعتقادها ومنهجها وطريقتها، لا تثبت ولا تقوم حتى تأتي بها من كلام مشايخ الطائفة نفسها، المعظمين فيها! لا أقول من عامة المنتسبين إليها، وإنما من مشايخها ومن الكتب التي يدرسونها لطلبتهم! وهذا يعلمه أصغر طالب علم ممن سلمت نفوسهم من الأهواء والأغراض والضغائن والأحقاد! سلمنا بأن هؤلاء المشايخ قد بدعوا بدعة كلية جديدة لم يسبقوا إليها، صاروا بها فرقة ضالة هي فرقة "المدخلية" كما تسمونها، فنطالبكم الآن بأن تخرجوا لنا الأصول البدعية التي تنسبونها إليهم، من الكتب التي يدرسونها هم لطلبتهم! ثم إيتنا يا هذا ولو بحالة واحدة حكم فيها واحد من أولئك العلماء على رجل بالجرح والتبديع، من غير أن يكون لديه فيه إلا العلم بأنه "مدح شخصا مدح شخصا مدح شخصا .. إلخ"، على هذا المسلسل الهزلي الذي تنسبه إليهم! نتحداك ونمهلك من اليوم عشرين عاما أن تأتي بذلك، ولن تفعل، والله المستعان!
أنت يا كذاب، ناقم عليهم لأنهم يبدعون بالمجالسة والمخالطة، كما هي طريقة السلف رضي الله عنهم، وليس لأنهم يبدعون "بالتسلسل" كما تسميه، فلا تراوغ!
فلأنكم قوم حزبيون مخلطون، لا يبالي أحدكم من يجالس ومن يخالط، ما دام يرى المصلحة لنفسه ولجماعته حاصلة من ذلك، كنتم أشد الناس توجعا وتضررا وتضجرا من أن يعاملكم أهل السنة بهذه القاعدة الأصيلة عند السلف رضي الله عنهم! أنتم توالون من توالون للمصلحة، وتبرؤون ممن تبرؤون منه للمصلحة، على قاعدة البنا في الاجتماع والمعذرة، تتفاوتون في تطبيقها ما بين مستقل ومستكثر! لا تصرحون بتبديع فرقة من الفرق الضالة المحترقة وتحذير المسلمين منهم، إلا إن كان ميزان ما تسمونه بالمصلحة الدعوية يسمح لكم بذلك! وقد رأينا من مشايخكم (كمحمد حسان) من يبرأ من الصوفية قبل الثورات ويرفع لواء الحرب عليهم، ثم بعدها يهادنهم ويداهنهم ويتودد إليهم! ورأينا منهم (كمحمد عبد المقصود) من يبرأ من مبارك للحكم بغير ما أنزل الله وللديموقراطية النيابية ولما زعمه موالاة لليهود، يكفره بمجرد التلبس بالفعل، ثم هو نفسه يوالي محمد مرسي، يلتمس له المخارج في جميع ذلك وأشد! ورأينا الإخوان يعظمون الدعوة السلفية السكندرية لما كانوا يطمعون في أصواتهم ودعمهم لانتخاب مرسي، ثم لما سقط مرسي وأعلن حزب النور دعمه للسيسي، بدعوه وفسقوه بل رموه بخيانة الدين والملة! ورأينا الدعوة السلفية نفسها تقول في أيام الثورة الأولى إن الإخوان هم "رجال المرحلة" لما كانت الدولة مقبلة عليهم، ثم لما أدبرت عنهم وضاع السلطان من أيديهم، أصبحوا هم "خوان المسلمين" وخوارج العصر! لم يصبحوا خوارج عندهم إلا لما خرجوا على مصلحتهم! ونظائر ذلك كثير في جميع تلك الجماعات بلا استثناء، وليس هذا مقام إحصائها! فلا تحدثنا يا هذا عن التبديع بالانتقاء، فأنتم والله من تبدعون بل وتكفرون بالانتقاء! وأنت تعلم كما نعلم أن عامة قضايا المنهج عند من تسمونهم "بالإسلاميين" قضايا خلافية اجتهادية، والخلاف فيها خلاف تنوع عندهم وليس خلاف تضاد! المنهج السلفي عندكم من جهلكم يشمل جميع تلك الطوائف، وخلافهم في جميع ما اختلفوا فيه خلاف سائغ لا يفسد للود قضية، بل يوجب المعذرة لمصلحة التعاون، على قاعدة حسن البنا!
فما حيلتنا وأنتم تجهلون ما به تثبت البدعة في حق صاحبها أصالة؟؟
قال الشيخ الحويني في بيان الخلاف بين الفرق والجماعات العصرية (والكلام في مقطع له على اليوتيوب بعنوان "رأي الشيخ الحويني في منهج الإخــوان والسلفيين والفرق بينهما"):
"الجماعات كثيرة، تلاقي السلفيين وتلاقي الإخوان وتلاقي التبليغ وتلاقي القطبيين والسروريين .. وجماعة الخشبة! آه .. عندنا جماعة (غير واضح) .. حَكِم مصر دي ولادة يعني! هي إمام في الخير والشر. لما تشوف الخير تلاقي الخير كله طالع منها، أنصار السنة، والسلفيين وبتاع، وعند البدع تلاقيهم أساتذة بردو، تمام؟ وبردو في الفن! مصر رقم واحد! عادي يعني! فكل الجماعات دي، والتكفير طبعا والكذا، كلها جماعات دعوية، إلا من تقلد عقيدة فيها، زي جماعة التكفير والهجرة، اللي أطلق عليهم التكفير والهجرة أعداؤهم يعني! الذين لا يرون مذهبهم! فكل جماعة من هذه الجماعات أخذت ناحية من نواحي الإسلام! السلفيين، أخذوا الجانب التعليمي، الاهتمام بالعقيدة وإرجاع الناس إلى ما كان عليه أصحاب القرون الأولى، القرن الأول والذي يليه والذي يليه، فهذا هجيرا السلفيين، ووكدهم وسدمهم وكل ما يشغلهم، أن يردوا الناس إلى الاعتقاد الصحيح! ليه؟ لأنه إذا اختلفنا في الله، فعلى من نتفق؟ فالجماعات أو الفرق، في الأول خالص، إنما سميت فرقا لأنها فارقت أهل السنة والجماعة في معنى من معاني الإيمان. مش أي حد يفارق، زي الجماعات الحالية يعني، يبأى اسمه فرقة! لأ ما اسمهاش فرقة، إلا إذا هو اعتقد! اعتقد فرقة من الفرق، وتدين بها! إنما مجمل الجماعة، من أهل السنة، داخلين في معنى أهل السنة! الجماعات الموجودة اليوم، جماعات دعوية! كل واحد يرى الإسلام من منظوره هو! مثلا، السلفيين يقولوا: صلح من تحت لفوق! والإخوان يقولوا صلح من فوق لتحت! يقول لك أنا لو كنت على رأس الهرم، سآمر الكل أن يتبعوا القانون، وهاعمل عقوبات لمن يخالف هذا القانون! ده قطعا أسهل! أسهل جدا جدا من التعليم! ليه؟ لأن التعليم أنت تناقش أناسا لهم عقول! فكل كلام تقوله يقول لك أنا معترض! معترض ليه؟ يقول لك عشان كيت وكيت وكيت! والله كلامك معقول بس أنت غلطان عشان كيت وكيت وكيت وكيت! الله! هانفضل مع كل واحد كده؟ كل واحد عنده اعتراضات، إزاي نقدر نزيل الاعتراضات والكلام ده؟؟ فإن لم يزل اعتراضه يمكن أن يخرج من السنة والجماعة ببدعة من البدع. فالسلفيون يهتمون بالعلم! ليه؟ لأن اعتقادهم، وهذا اعتقادي أنا، الاعتقاد إذا لم يرجعوا إلى الله ويتفقوا عليه، فحبلهم مفسوخ، منصرم، خلاص ما فيش فايدة في هذا الكلام! فقال لك ده أهم شيء المسلمين يحتاجون إليه اليوم، فأنا لا أستطيع أن آخذ الإسلام بكلته، لأن فيه أشياء لا أقدر عليها، فانحازوا إلى جانب العلم! الإخوان انحازوا إلى جانب التنظير، التنظير والإدارة، يؤول لك إحنا أهم حاجة إذا كان الحاكم مسلما، فكل شيء هايستقيم، وده كلام صحيح!" اهـ.
قلت: فالرجل يصرح بأن جميع من سماهم في أول الكلام، وغيرهم ممن شملهم إجمال حكمه على من سماهم "بالجماعات" هذه ليست فرقا مخالفة لأهل السنة والجماعة في معنى من معاني الإيمان! القطبيون والسروريون والتبليغيون والإخوان وغيرهم، هؤلاء كلهم جماعات دعوية، وليست فرقا من الفرق النارية! والتكفير كذلك من الجماعات الدعوية، وخصومهم ومن خالفوهم في المذهب هم الذين سموهم بالتكفير والهجرة! لكن كل هؤلاء جماعات دعوية، الجماعة منهم تبقى من أهل السنة، إلا من تقلد في جماعة من الجماعات، اعتقادا من اعتقادات الفرق القديمة، فهذا فقط من يخرج من دائرة أهل السنة، دون بقية الجماعة!! لهذا تراهم يقولون "سلفية جهادية" و"سلفية علمية" و"سلفية كذا وسلفية كذا، لأن هؤلاء كلهم عندهم من أهل السنة، وطريقة السلف تتسع عندهم لهؤلاء جميعا!! يقول "إنما مجمل الجماعة، من أهل السنة، داخلين في معنى أهل السنة! الجماعات الموجودة اليوم، جماعات دعوية! كل واحد يرى الإسلام من منظوره هو!" حتى القاعدة وداعش يا شيخ؟ نعم حتى القاعدة وداعش، هذه في الأصل جماعات دعوية تنظر للإسلام من منظور إقامة الخلافة، وترى في اجتهادها المصلحي الذي قد تصيب فيه وقد تخطئ، أن الطريق إلى ذلك هو القتال والسلاح (جهاد الطلب)! فما الإشكال في ذلك؟؟ وأما أن فيهم ناس فاسدو العقيدة فهذا لا تؤخذ به الجماعة كلها! ولهذا لما "تراجعت" الجماعة الإسلامية في أواخر التسعينات من القرن الماضي عن استعمال العنف، ونشروا مراجعاتهم المشهورة، لم ينتبه أكثر الناس إلى أن الكلام كله كان مداره على ما سموه "بالمصلحة الدعوية"، وأن العنف لا تترجح به كفة المصلحة في الوقت الحالي! مصلحة من، وبأي ميزان وزنت، لم يبينوا ذلك ولم يحرروه بطبيعة الحال! ولكن حقيقة الأمر أنه لم يكن توبة من منهج فاسد مخالف لمنهج السلف، وإنما كان تغيرا في الفتوى والاجتهاد لا غير!
هذا المنهج الفاسد الذي يصير مسلمات وثوابت طريقة أهل السنة والجماعة مسائل اجتهادية، هو المنهج الذي يعلمه الشيخ الحويني لتلامذته يا محمد يا شمس الدين! الشيخ الحويني الذي تعده أنت من أئمة هذا العصر! الحزبية هي المنهج! الحاكم عندهم كافر على أي حال، أو على أحسن الأحوال جائر يجب الخروج عليه، وإذن فلكل جماعة أن تأخذ من الإسلام ما تقيم به الدولة التي يطمعون في إقامتها! تصلح "من تحت" بالتعليم والدعوة والتأليف والخطابة، أو تصلح "من فوق" (بالثورات أو بالاغتيالات أو بالتفجيرات والعمليات الإرهابية أو بإنشاء الأحزاب الإسلامية ودخول الانتخابات أو غير ذلك)، هذا كله خلاف تنوع، اختلاف في "المنظور الذي تنظر منه الجماعة الدعوية للإسلام" لا غير، ولا يفسد للدين ولا للود قضية، ولا يخرج به أصحابه عن السلفية! طالما لم "تعتقد" الجماعة فرقة من الفرق، فهي على خير!! فإن لم تكن هذه حزبية يا عقلاء المسلمين فما الحزبية بربكم؟؟ وما حقيقة الجماعة التي تعتقدون أنها هي المقصودة من قولنا "أهل السنة والجماعة"؟؟
والشيخ هداه الله لم ينتبه إلى أن آخر كلامه ينقض أوله! إذ لو صح أن كان الإصلاح يحصل من فوق كما تقول، بل وصح أن يكون أسهل كثيرا، أن تقفز على الحكم ثم تفرض على الناس العقوبات إن خالفوا الحق وأفسدوا في الأرض، فلماذا تتكلفون أنتم ما تتكلفونه من تعليم وجدال ومناقشة مع الناس وكذا؟ يقول في آخر النقل: إن لم يتفق الناس على الله فعلى أي شيء يتفقوا؟ حبلهم إذن مفسوخ منصرم ولا فائدة من أي دعوة! إذن فأنت تعي يا شيخ أنه لو هجمت جماعة ما على الحكم دون أن يكون الناس على السنة من الابتداء، أي دون أن يكون قد تم الإصلاح "من تحت" كما سميته، فلن يتمكن الحاكم من أن يحكمهم بالحق الذي عنده، ولن يبقوا تحت سلطانه أصلا! وإذن فلا حقيقة للإصلاح من أعلى بهذا الفهم الحزبي الإخواني إلا أن يكون إفسادا في الأرض، وتفريقا لجماعة المسلمين! ولكن لأنه رجل حزبي، لا يريد أن يثير نقمة الجماعات عليه، لم يجرؤ حتى على أن يقول للإخوان إن طريقتكم غالطة ومسلككم ليس بالمسلك القويم، ولو على سبيل الاجتهاد في طريقة الإصلاح ومنهجيته، التي يعلم قبل غيره أنها قضية توقيفية بالأساس، لا مدخل فيها للاجتهاد أصلا، فنعوذ بالله من الخذلان!
إنني أقذف بهذا النقل في وجه "ياسر لطفي" ومن شاكله من مشايخ اليوتيوب، ممن يشنعون علينا استعمالنا مصطلح "حزبي" و"حزبية" و"حزبيون" في وصف هؤلاء المشايخ وفي التحذير منهم، ويقولون لا يكون الرجل حزبيا حتى ينتسب إلى حزب ما، يتعصب له عصبية جاهلية! ونحن نقول كما يقوله علماء السنة في كل عصر ومصر: إن الحزبية هي كل ما يشق عصا الجماعة، أو يزين للمسلمين الخروج عليها، من قول أو عمل أو اعتقاد! الحزبي يا هؤلاء هو كل من لا يرى في الأحزاب والجماعات المفارقة لجماعة المسلمين أنها على ضلالة أصلا، سواء انتسب إلى بعضها وتعصب لها أم لم يفعل! الحزبية هي أن يقال: كل فرقة سمت نفسها باسم الجماعة الدعوية، فهي من أهل السنة، أيا ما كان منهجها! هذا هو الأصل المطلق المطرد الذي أصله الشيخ كما ترى، كلهم من أهل السنة، إلا من كان في الجماعة نفسها مقلدا في الاعتقاد فرقة من الفرق العقدية القديمة، فهذا هو الذي يخرج بعينه من أهل السنة! أما الجماعات، هكذا، فسلفية كلها من حيث الأصل، يكمل بعضها بعضا!
وجماعة الإخوان على كلامه من خيرة أهل السنة ومن أهم الجماعات للدعوة، لماذا؟ لأنهم يريدون أن يصلحوا من فوق، هكذا، وهذا أمر لا يحسنه من سماهم "بالسلفيين"! لماذا؟ لأنهم يعلمون أنه ما دام الحاكم كافرا، فلن ينصلح المجتمع! فهم يريدون أن يصبح الحاكم مسلما! ولا يصبح مسلما إلا بأن يكون منهم ومعهم، أي يكون من تلك الجماعات الدعوية، إذ هم وحدهم الذين سلكوا "طريق الإصلاح من فوق" وتربوا عليه، ولأنه ليس في منظومة الدولة على ما هي عليه – على فلسفة المودودي وسيد قطب – من يرجى أن يحكم بما أنزل الله إن وصل للحكم، فالنظام كله والمجتمع كله يجب أن يتغير "من فوق"! وقد أصبح الحاكم مسلما أخيرا لما وصل الإخوان للحكم، وأوشك المجتمع أخيرا أن يصبح "إسلاميا"، ولكن يا للخسارة، فبسبب دخول المطامع الدنيوية في قلوب الإخوان، نزع منهم الملك بعدما مكنهم الله منه، كما قال الحويني بمعناه في محاضرات أخرى!
فمن أين جاء هذا الجهل المركب والإفساد المبين، وتضييع معالم الفرقة الناجية ومعنى "الجماعة" فيها حتى جعلت جميع تلك الفرق الضالة داخلة تحتها؟؟ جاء من حقيقة أن هذا الشيخ هداه الله لم يترب، هو وتلامذته وأصحابه، على كتب ومدونات السلف في الاعتقاد، أو تربوا عليها وهم يلقنون أن أبوابا كاملة منها لا تنطبق على عصرنا هذا، وإلى الله المشتكى! قال عمرو بن قيس الملائي رحمه الله: "إذا رأيت الشاب أول ما ينشأ مع أهل السنة والجماعة فارجه، وإذا رأيته مع أهل البدع فايئس منه؛ فإن الشاب على أول نشوئه" الإبانة (1/205)
لهذا لا نعجب أبدا عندما يخرج علينا أمثال هذا الجهول، محمد شمس الدين، ليقول إننا نفرط في التبديع ونغلو فيه! هؤلاء اخترعوا ضابطا للجرح والتعديل من رؤوسهم ثم نسبوه للسلف كذبا وزورا! فبالله إن لم يكن التبليغي مبتدعا مفارقا للجماعة، ولا الإخواني ولا القطبي ولا السروري ولا القاعدي ولا الداعشي ولا المنتسب إلى جبهة النصرة أو أنصار بيت المقدس أو حتى التكفير والهجرة، إن لم تكن تلك كلها من الفرق النارية المارقة من السنة المفارقة للجماعة، فمن المبتدع إذن يا هؤلاء؟؟
تسأل الواحد منهم من الخوارج عندك في هذا العصر، فيقول قائلهم: هم أولئك الذين يكفرون جميع البشر إلا جماعتهم، وهؤلاء لم يوجدوا إلا قليلا، أو لم يوجدوا إلا كأفذاذ من الناس! أو يقول هم أولئك الذين قالوا بعقائد الخوارج القدماء، وهؤلاء لا وجود لهم اليوم أصلا عندهم، إلا أن يكونوا أفذاذا في بعض الجماعات الجهادية لا أكثر! فلا يكاد يوجد اليوم من يقول إن صاحب الكبيرة مخلد في النار، مثلا (مع أن الحويني نفسه يقول بأن المصر على الكبيرة مستحل!!)! وليس في تلك الجماعات الجهادية من يقول بخلق القرآن، وقد نقل الأشعري إجماعهم عليه (مع أن سيد قطب نفسه قال به، وكثير من الإخوان، كزغلول النجار وغيره، يسوغون الخلاف عليه)! فكيف تجعل هؤلاء من الخوارج إذن وبأي شيء؟؟ فإن قلنا لهم إن ضابط الخارجية هو الخروج على إمام المسلمين وتكفيره بغير مكفر، بصرف النظر عما انضاف إلى ذلك في هذه الطائفة من الخوارج أو تلك من العقائد الفاسدة، بدليل أن الذين خرجوا على عثمان نفسه وعلى علي رضي من بعده لم يقولوا لا بخلق القرآن ولا بتكفير صاحب الكبيرة، قالوا ليس في الزمان إمام أصلا حتى نخرج عليه! فهل يحسب هؤلاء النوكى أننا لو سألنا قتلة عثمان عما إذا كانوا خوارج أم لا، لقالوا نعم نحن خوارج، وقد خرجنا على إمام المسلمين وشققنا الجماعة؟؟ كل من كفر إماما من أئمة المسلمين بغير مكفر، فهو كذلك لا يرى في العصر إماما يكون هو خارجيا بالخروج عليه! فكان ماذا؟؟
أنتم كأسلافكم، لا فضل لكم عليهم ولله الحمد!
ولهذا لا يبغضون أحدا كما يبغضون من سموهم بالمداخلة والجامية!
هؤلاء هم السم الزعاف والشر المستطير الذي يجب تطهير الأمة منه البتة، لماذا؟ لمصلحة المعركة السياسية ضد العلمانيين، أو للدقة ضد حكام المسلمين! فجميع ما يخططونه لا يتم لهم حتى يراهم الشباب هم حملة راية الصحوة والإصلاح والجهاد الشرعي! فالجماعات القطبية كلها مجتمعة على محاربة الحكام العصريين في السر والعلانية! و"الجامية" هؤلاء يحذرون المسلمين منهم، حكاما ومحكومين، فإن لم يجعلوهم كفارا من عبدة الطواغيت، فلا أقل من أن يجعلوهم على رأس الفرق الضالة جميعا في هذا الزمان، فلا يخرجون من أهل السنة أحدا بعد "الفرق القديمة" على عبارة الحويني، سواهم! هؤلاء هم العقبة الكبرى في الطريق "الدعوي" الذي اجتمعت عليه تلك الجماعات، ألا وهو الطريق إلى إقامة الخلافة، طريق "الإصلاح من فوق" كما سماه الحويني!
من هنا يكره هؤلاء أعظم ما تكون الكراهة أن نثبت حزبية الواحد منهم بمجالسته هؤلاء الذين لا يبدعهم هو أصلا ممن هم غارقون في البدعة على التحقيق! ولست أدري حقيقة هل محمد شمس الدين هذا يكفر جميع الحكام أم يكفر بعضهم وحسب، لكنه يقينا لا يبدع من يكفرونهم ولا يراهم من الخوارج أصلا، لأنه قطبي سروري جلد! ولهذا يجالس الإخواني والجهادي التكفيري ولا إشكال، فهو لا يراه مبتدعا من الأساس، وإنما غايته إن خالفه، أن يراه مخالفا له في المنظور الذي ينظر إلى الإسلام منه لا غير! وإن خطّأه، خطأه في اجتهاد وسياسة شرعية بزعمه، لا أكثر! فعندما نرى مثل هذا يجالس الإخواني ونقول إنه لاحق به بدلالة المجالسة، فلا نعجب من أن يرمينا بالغلو في التبديع، مع أن قاعدة "من لم يبدع المبتدع فهو مبتدع" تنطبق عليه هو وأمثاله على سبيل الأولوية عند التحقيق! فهو ومن شاكله، لديهم خلل كلي عظيم في منهجهم وضابطهم في الجرح والتعديل وفي التفريق بين أهل السنة وأهل الأهواء، يجعلهم لا يبدعون من حقه التبديع (بالأدلة الشرعية الصحيحة)، ولا يفسقون من حقه التفسيق، ويرون من الإنصاف أن نذكر محاسن الخوارج ونجعل خارجيتهم غلطا يذوب في بحر تلك الحسنات! فما هو عندنا خارجية محضة بالدليل الظاهر، يكون عندهم اجتهادا غالطا على أسوأ الأحوال! فالواحد منهم إن لم نعرف عنه من كلامه أن هذا هو منهجه، فلابد أن تدلنا خلطته وصحبته على ذلك الفساد العظيم عنده لا محالة، ولو بعد حين!
ولابد كذلك أن يدلنا على بدعته وجهله ثناؤه على من يثني عليهم! فرؤوس البدع لا يثني على الواحد منهم إلا من كان على بدعته، أو لا يراها بدعة أصلا، أو لا يرى ضيرا، من هوان البدعة على نفسه، في أن يزين لأتباعه التعلق بصاحب تلك البدعة والإقبال عليه بمجرد أن أثنى هو عليه! ووالله لو عظمت البدعة في نفوس هؤلاء كما هو حقها أن تعظم، وكما كان عليه سلف الأمة، لخافوا أعظم ما يكون الخوف من أن يكونوا سببا في تعرض المسلمين لبدعة يتصدر بها أحدهم في الناس، فتأتي يوم القيامة جماهير من ضالة المسلمين لا يحصونهم وقد تعلقوا برقابهم، بسبب مجلس جالسوا فيه فلانا أو فلانا ممن يسعون في الأرض بنشر بدعهم والترويج لها في كل مناسبة! ليس في المصالح المعتبرة شرعا ما يعدل المفسدة التي ترجع على المسلمين من دلالتهم على متصدر بالبدعة! ولكن هؤلاء قوم أهل أهواء، يتبعهم أناس جهال عميان لا يميزون، هانت عليهم البدع الكلية الكبرى، ورأوا مصالح جماعاتهم وأحزابهم ومشايخهم في التساهل فيها، فثقل عليهم أن نبدعهم نحن بتلك البدع وبتساهلهم في مخالطة المتلبسين بها، وبتغريرهم بشباب المسلمين إذ يقدمون لهم رؤوس الضلالة على أنهم دعاة ومجاهدون ومصلحون ومفكرون إسلاميون .. إلخ، ولا حول ولا قوة إلا بالله! هذه هي حقيقة هذا الخلاف بيننا وبينكم فافهمها إن أردت الرشاد!
نعم يا هذا الذي يثني على المبتدع الداعي إلى بدعته، يلحق به! يُظن به الهوى إن لم نعلم عنه أنه جاهل بحاله! لا نغتر بمحاسن المبتدع الذي ثبت عليه الهوى والزيغ ولم يزل يضل الناس ببدعته! ولا نذكر للناس محاسنه نغرهم به! فإن هذا الميزان الذي أشرنا إليه آنفا (رجحان مفسدة أن يأخذ الناس البدعة عن صاحبها، على أي مصلحة أيا ما كانت)، لا ينقلب إلا عند صاحب هوى! وعلى هذا درجت طريقة السلف رضي الله عنهم، فليس هو من أكياسنا ولا هو تنظير أو تأصيل نخترعه من عقولنا كما هو ديدنكم في هذا الباب. قال الفضيل بن عياض رحمه الله: "من عظَّم صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام". (شرح السنة للبربهاري، ص 193، ط. دار الصميعي)، وقال الإمام أبو عثمان الصابوني حاكيا مذهب السلف أهل الحديث: "واتفقوا مع ذلك على القول بقهر أهل البدع وإذلالهم وإخزائهم وإبعادهم وإقصائهم والتباعد منهم ومن مصاحبتهم ومعاشرتهم والتقرب إلى الله عز وجل بمجانبتهم ومهاجرتهم" (عقيدة السلف أصحاب الحديث ص 123 ط. مكتبة الغرباء الأثرية) وعـن علي بن أبي خالد أنه جاء للإمام أحمد فقال: إن هذا الشيخ هو جاري وقد نهيته عن رجل ويحب أن يسمع قولك فيه، إنه الحارث المحاسبي، وكنتَ رأيتني معه منذ سنين كثيرة فقلت لي لا تجالسه، فما تقول فيه؟! قال: فرأيت الإمام أحمد قد إحمرَّ لونه وانتفخت أوداجه وعيناه وما رأيته هكذا قط، ثم جعل ينتفض ويقول: "ذاك! فعل الله به وفعل، ليس يعرف ذاك إلا من قد خبره وعرفه، أوَّهْ، أوَّه، ذاك لا يعرفه إلا من قد خبره؛ ذاك جالسه المغازلي ويعقوب وفلان... فأخرجهم إلى رأي جهم هلكوا بسببه". فقال الشيخ: يا إمام، هذا الرجل يروي أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم ساكن خاشع من قصته وقصته؛ كيت وكيت.. قال: فغضب الإمام أحمد، وجعل يقول: "لا يغرك خشوعه ولينه ولا تغتر بتنكيس رأسه؛ فإنه رجل سوء، ذاك لا يعرفه إلا من خبره، لا تكلمه ولا كرامة، كل من حدَّث بأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وكان مبتدعاً تجلس إليه؟ لا، ولا كرامة، ولا نُعْمى عين" وجعل يقول ذاك.. وذاك .. فعل الله به وفعل." اهـ.
قلت: فهذا وربي ما نتوقعه ممن عظم لديهم شأن السنة وعظم بغضهم للبدعة وأهلها! هكذا يجب أن يكون الكلام فيمن يدعو إلى البدعة ويروج لها، لا يوقر ولا يعظم ولا يثنى عليه ولا تذكر محاسنه، ولا كرامة! ((ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ)) [الحج : 32]، هذا ما نتوقع أن تكون عليه الفرقة الناجية التي حفظ الله فيها وبها السنة المطهرة، كما تركها رسوله صلى الله عليه وسلم في أصحابه، نقية خالصة رائقة، غير مبدلة ولا محرفة ولا ملوثة ولا بربع كلمة من كلام أهل البدع! فالذي يتساهل في هذا الباب، يجب على كل مسلم عاقل أن يفر منه فراره من الأسد، لا يأخذ منه الدين ولا يجالسه ولا يسمع منه، فإنه لا يتقي الله في دين من يسمعه، وإنما يحركه هواه، شعر بذلك أم لم يشعر، نسأل الله السلامة! فلا يأمن المسلم على نفسه أن تدخل إليه البدعة أو الشبهة من حيث لا يشعر، فيهلك على غير السنة التي جاء بها رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير أن يشعر!
قوله: "حتى تجدون أن شخصا.. صورة، تكون بينه وبين المبتدع، فيبدعونه على أساس هذه الصورة."
قلت: تأمل كيف يهون هذا الغوي من أمر البدعة ومن مجالسة أصحابها! يا هذا، الأصل المتقرر في عادة الناس، في الرجلين يظهران معا في صورة واحدة مبتسمين متلاطفين، أنهما على صحبة وألفة ووداد، وقد علم أنه لا يجالس صاحب الهوى رجل يعلم بحاله، إلا كان على مثل هواه، أو على الأقل لم يكن في قلبه من الإيمان ما يبغضه في ذلك الهوى وأهله، نسأل الله العافية! أما سمعت قول الله تعالى: ((لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ)) الآية [المجادلة : 22]؟ أما سمعت قوله تعالى: ((وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ)) [هود : 113]؟؟ أما سمعت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه: "الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف"، وقوله في الصحيحين كذلك: "المرء مع من أحب" وقوله عند أصحاب السنن: "المرء على دين خليله"؟؟ أما سمعت تحذيره في الصحيحين وغيرهما من جليس السوء؟؟ أما سمعت قول الإمام البغوي في "شرح السنة" (1/227): "وقد مضت الصحابة والتابعون وأتباعهم، وعلماء السنة على هذا مجمعين متفقين على معاداة أهل البدعة، ومهاجرتهم"؟
الرجل في الحقيقة، وكما أشرت آنفا، ليس اعتراضه على تلك الصورة الهزلية التي سماها بالتبديع بالتسلسل: "شخص مدح شخصا مدح شخصا مدح شخصا مبتدعا .. إلخ"، وإنما يعترض على مبدأ التبديع بالمصاحبة والمخالطة والمجالسة من الأساس كما ترى! فصدق القائل جل شأنه: ((وَلَوْ نَشَاء لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ)) [محمد : 30]! مسألة تحريم مجالسة أهل البدع ووجوب هجرانهم مسألة ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع، وليست من اختراع فرقة من الفرق يا جهول! ولكن أنتم من جهلكم وأهوائكم لا تسمون المبتدع باسمه أساسا إلا قليلا، ولا تحذرون المسلمين منه ما دام لكم في مجالسته أو على الأقل في السكوت عنه هوى ومصلحة! أنتم أصل السلسلة الهزلية المزعومة التي تنكرونها علينا، منخرم عندكم! فليس ضابط الحكم بالبدعة على المعين صحيحا عندكم أصلا، حتى تنكروا علينا أننا نبدع مادحيه بالتسلسل بزعمكم!! لسان حال أحدكم يقول: تريدنا أن نبدع الجماعات كلها والأحزاب الإسلامية كلها، فنضيع بذلك كل ما أحرزناه من تابع عريض في بلاد المسلمين، ونفوت الأموال التي تأتينا من هنا وهناك ننشر بها كتبنا ودروسنا وخطبنا في كل مكان؟؟ تريدنا أن يصارع بعضنا بعضا، فيتمكن الحاكم في بلادنا من قهرنا والتغلب علينا؟؟ ليس هذا من "مصلحة الدعوة"، زعموا، وإنما هي مصلحتهم هم على التحقيق، وليست مصلحة المسلمين، نسأل الله السلامة!
تأمل قول المتعالم الجهول: "ويقولون قال الأوزاعي: من خفيت علينا بدعته، لم تخف علينا إلفته، وهذه قاعدة صحيحة، لو طبقناها بالشكل الصحيح، وهي بمعنى أنك لو لم تعرف بدعة فلان، ووجدته يألف أهل البدع، فعندها لابد أن يكون موافقا لهم!" قلت فبالله بأي شيء تثبت الألفة التي تدل على الموافقة، يا عقلاء، إن لم يكن بالمجالسة؟؟ وما معنى "يألف أهل البدع" هذه، ومن أين جئت أنت بضابطها؟ هل ننتظر من الرجل أن يشهد على نفسه بوثيقة موقعة ومختومة بأنه مؤالف للمبتدع، ينشرها في الجريدة الرسمية في صفحة الإعلانات، حتى نبدعه مثلا؟؟ ما هذا السخف؟؟ المجالسة والمصاحبة وما يدل عليها من القرائن، هي المراد من قول الأوزاعي لم تخف علينا إلفته، وهذا يعلمه من درس هذه الآثار وجمع بعضها إلى بعض، وعمل بها على ما جرى عليه عمل أهل الحديث، يتوارثونه كابرا عن كابر! أما الذي سمع بهذه الآثار أول ما سمع، يوم ساقها إليه من ينكرون عليه زيغه وضياعه، كما أحسب أنه ما وقع مع هذا الرجل وأمثاله، فليس له أن يقول للمنكرين عليه إنكم لا تطبقون هذا النص "بالشكل الصحيح"!! المجالسة يا مسكين، التي هي المراد من المؤالفة، تثبت بمجلس واحد، إذا تحققت فيه الشروط وانتفت الموانع، لا بمئة مجلس! أم تراك تفهم أن الموالفة يراد بها طول المعشر وكثرة الوصال وحسب؟
حرروا لأتباعكم حقيقة ما تفهمون من كلام السلف، وبينوا لهم من أين جئتم بذلك الفهم، إن كنتم صادقين في اتباعهم!
خذ يا هذا جانبا من آثار السلف - الذين تزعم أنت النسبة إليهم زورا وكذبا - مما يتجلى به الفهم الصحيح لأثر الأوزاعي الذي زعمت أننا لا نطبقه التطبيق الصحيح، ودعك من التأصيل بالرأي والهوى وبكلام المفكرين الذين تربيتم على كتبهم!
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "لَا تُجَالِسْ أَهْلَ الْأَهْوَاءِ، فَإِنَّ مُجَالَسَتَهُمْ مُمْرِضَةٌ لِلْقُلُوبِ".
وعن عمرو بن قيس قال: "كَانَ يُقَالُ: لَا تُجَالِسْ صَاحِبَ زَيْغٍ، فَيُزِيغَ قَلْبَكَ"
وعن أَبِي قِلَابَةَ قَالَ: "لَا تُجَالِسُوا أَصْحَابَ الْأَهْوَاءِ، فَإِنِّي لَا آمَنُ أَنْ يَغْمِسُوكُمْ فِي ضَلَالَتِهِمْ، أَوْ يَلْبِسُوا عَلَيْكُمْ بَعْضَ مَا تَعْرِفُونَ" وقال أبو حاتم بن حبان رحمه الله في روضة العقلاء (ص. 103) "ومن يصحب صاحب السوء لا يسلم كما أن من يدخل مداخل السوء يتهم"
قلت فما حد المجالسة والمصاحبة التي يتهم صاحبها، فيُحذر منه ويتعين على المسلم أن يحتاط منه لدينه ولا يأخذ منه العلم إن تلبس بها؟؟
قال ابن مسعود رضي الله عنه: "اعتبروا الناس بأخدانهم"، أي بأخلائهم.
وقال ابن بطة رحمه الله في الإبانة، حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الدَّقَّاقُ قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَيَّاطُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ يَزِيدَ الصَّائِغُ، مَرْدَوَيْهِ قَالَ: سَمِعْتُ الْفُضَيْلَ ابْنَ عِيَاضٍ، يَقُولُ: الْأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ، وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ صَاحِبُ سُنَّةٍ يُمَالِي صَاحِبَ بِدْعَةٍ إِلَّا مِنَ النِّفَاقِ."
قلت: فما معنى يمالي صاحب البدعة؟ أي يماشيه ويصاحبه ويناصره!
وقال رحمه الله: "أَخْبَرَنِي أَبُو الْقَاسِمِ عُمَرُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْمَرُّوذِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ الْبَاهِلِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ الْقَطَّانَ، يَقُولُ لَمَّا قَدِمَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ الْبَصْرَةَ: جَعَلَ يَنْظُرُ إِلَى أَمْرِ الرَّبِيعِ يَعْنِي ابْنَ صُبَيْحٍ، وَقَدْرَهُ عِنْدَ النَّاسِ، سَأَلَ: أَيُّ شَيْءٍ مَذْهَبُهُ؟ قَالُوا: مَا مَذْهَبُهُ إِلَّا السُّنَّةُ قَالَ: مَنْ بِطَانَتُهُ؟ قَالُوا: أَهْلُ الْقَدَرِ قَالَ: هُوَ قَدَرِيٌّ."
فالبطانة هنا أي القوم الذين يتخذهم خلة وأصحابا، فهذا لا شك في أنه يكون على دينهم، لقوله عليه السلام: المرؤ على دين خليله! ولكن هل بالخلة والممالأة وحدها تلحق التهمة بالرجل؟؟ الجواب لا! بل بمطلق المجالسة، وانتبه!
قال ابن بطة حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ مَخْلَدِ بْنِ حَفْصٍ الْعَطَّارُ قَالَ: أَمْلَا عَلَيْنَا يَعْقُوبُ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ جَدَّتِي أَسْمَاءَ تُحَدِّثُ قَالَتْ: دَخَلَ رَجُلَانِ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ مِن أَهْلِ الْأَهْوَاءِ فَقَالَا: يَا أَبَا بَكْرٍ نُحَدِّثُكَ بِحَدِيثٍ قَالَ: لَا، قَالَا: فَنَقْرَأُ عَلَيْكَ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ قَالَ: لَا، لِتَقُومَانِ عَنِّي، أَوْ لَأَقُومَنَّ" قلت وهذا ظاهر جدا في أن المجلس الواحد ممنوع مشدد فيه، حتى وإن أراد المبتدع الداعي إلى بدعته أن يقرأ على الرجل آية من كتاب الله! فوالله لو أن محمد بن سيرين رحمه الله كان بيننا اليوم، لرموه بالمدخلية عن قوس واحدة، أو لربما سموا تلامذته بالسيرينيين أو السراينة أو نحو ذلك من عبثهم، والله المستعان!
وقيل للأوزاعي إِنَّ رَجُلًا يَقُولُ: أَنَا أُجَالِسُ أَهْلَ السُّنَّةِ، وَأُجَالِسُ أَهْلَ الْبِدَعِ، فَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: "هَذَا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يُسَاوِيَ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ"، قلت: فهذا الأوزاعي نفسه يقرر أن مجرد الجلوس مع أهل البدع تلحق التهمة بصحابه!
و قَالَ أبو الجوزاء: "لَأَنْ يُجَاوِرَنِي قِرَدَةٌ وَخَنَازِيرُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يُجَاوِرَنِي أَحَدٌ مِنْهُمْ"!
وقَالَ مُسْلِمُ بْنُ يَسَارٍ: "لَا تُمَكِّنُ صَاحِبَ بِدْعَةٍ مِنْ سَمْعِكَ فَيَصُبُّ، فِيهَا مَا لَا تَقْدِرُ أَنْ تُخْرِجَهُ مِنْ قَلْبِكَ". فالممنوع منه مجرد تمكين السمع، أي مطلق المجالسة، وليس طول المخالطة والمصاحبة والممالأة وحسب! والذي يمكن صاحب البدعة من سمعه، وهو يعلم أنه صاحب بدعة، هذا في قلبه ميل وهوى يوجب الحذر منه، كما أن الذي تطول مجالسته ومصاحبته للمبتدع في قلبه زيغ! ولو لم يكن مجرد السماع من المبتدع مظنة لميل القلب إليه، وسببا في التهمة، ما شدد السلف فيه كما ترى! قال عبد الله ابْنُ الْمُبَارَكِ: يَكُونُ مَجْلِسُكَ مَعَ الْمَسَاكِينِ، وَإِيَّاكَ أَنْ تَجْلِسَ مَعَ صَاحِبِ بِدْعَةٍ"، فالنهي هنا والتشديد على مجرد الجلوس ولو لمرة واحدة كما هو ظاهر! بل قال يحيى بن أبي كثير: "إِذَا لَقِيتَ صَاحِبَ بِدْعَةٍ فِي طَرِيقٍ، فَخُذْ فِي طَرِيقٍ آخَرَ"! لماذا؟ حتى لا تعرض نفسك لما عنده، وحتى لا تلحقك التهمة بأنك ماشيته في نفس الطريق!
فتأمل تشديد السلف رضي الله عنهم، وانظر أين أنت منه!!
وهذا المعنى له مستند في كلام النبي نفسه، صلى الله عليه وسلم، عند التدبر. ألم تسمع قوله عليه السلام فيما صح عنه (عند أبي داود والترمذي وابن حبان): "لا تصاحب إلا مؤمنا، ولا يأكل طعامك إلا تقي"؟ فإذا كان النهي عن المصاحبة قد يحمل على طول المعاشرة، فالنهي عن أن يأكل طعام الرجل من ليس بتقي، صريح في المنع من مطلق المجالسة، ولو لمرة واحدة! لا تدخله بيتك أصلا ولا لمرة واحدة! وهو كذلك مفهوم قوله عليه السلام في جليس السوء: "ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك أو أن تجد منه ريحا منتنة"، فهذا الأثر الخبيث يترتب على المجالسة لمرة واحدة كما هو ظاهر! حسبك أن تجالس نافخ الكير لمرة واحدة حتى يحترق ثوبك أو تجد الريح المنتنة! وهذا يفهمه كل عاقل سلمت طويته من الهوى! قال الصنعاني رحمه الله في شرحه على هذا الحديث: "قوله: (أو تجد منه ريحاً خبيثاً) كذلك جليس السوء إما أن يصيب من دينك ويحرقك بناره أو يجلب لك كرباً وضيقاً وهو حث على البعد من جليس السوء والقرب من الجليس الصالح."
والنصوص والآثار السلفية في هذا كثيرة جدا، ولولا ضيق المقام لسقت المزيد منها، ولكن لست أظن في القارئ السالم من الأهواء إلا أنه يكفيه ما ذكرنا!
ثم إنه ليس يخفى على عاقل أن الذي استجاز أن يجلس مع المبتدع مرة واحدة، هذا لا يجد في نفسه ما يحجزه عن تكرار المجالسة بعد، فهو في حكم من كثرت مجالسته من جهة ما في القلب من الميل والهوى، والمؤمن التقي من احتاط لدينه من جميع ذلك! من هنا يتبين لك فساد نحلة من يهزأ من السلفيين الخلص إذ يراهم يحذرون من الرجل إذا رأوه في صورة فوتوغرافية جالسا مع داعية من دعاة البدعة! وأكثر من ذلك: يتبين لك خطورته على دينك أنت، يا من كنت ترعيه سمعك من قبل وتثق في دينه! فكما ترى فإن أئمة السلف كان الواحد منهم يسد أذنيه ولا يسمع من المبتدع الخير الذي عنده، بل لا يسمع منه حرفا واحدا، مخافة أن يجره ذلك إلى أن تدخل على قلبه الشبهة فلا يدري كيف يخرجها! وهكذا السلفي الصادق الذي عظمت لديه البدعة وخطرها، يخاف من البدعة وأهلها، ويحذر من الذين يتساهلون فيها ولا يهجرون أهلها كما هو حقهم أن يهجروا، ولا يحقروهم كما هو حقهم أن يحقروا، ولا ينفرون المسلمين منهم كما هو الواجب في أمثالهم! فالقلوب جنود مجندة، لا يأتلف منها إلا ما توافق! أما الذي يأتينا بالسخرية والاستهزاء، يقول يبدعون بالتسلسل، رجل مدح شخصا مدح شخصا مدح شخصا، إلى آخر ذلك اللعب والاستخفاف بالبدعة وأهلها، فهؤلاء قوم خفاف العقل رقاق الدين، لم يشموا رائحة السلفية أصلا ولا وردوا لها على حوض!
تأمل يا هذا فقه السلف رضي الله عنهم في الحذر والتحذير الصارم من مجالسة أهل البدع، وافهم إن كان لك عقل، وابك على حالك إن كان لك قلب!
قال مفضل بن مهلهل (الإبانة 2/444): "لو كان صاحب البدعة إذا جلست إليه يحدثك ببدعته حذرته وفررت منه، ولكنه يحدثك بأحاديث السنة في بُدوِّ مجلسه، ثم يدخل عليك بدعته، فلعلها تلزم قلبك فمتى تخرج من قلبك!!!"
قلت فالمجلس وإن خلا من البدعة ولم تظهر فيه، ولم تكن هي موضوعه أصلا، فإن المبتدع يستدرج الحاضرين فيه لسماع المزيد منه، بما معه من الحق والسنة، فيتعرضون لبدعته! وكلما ازداد تعلقهم به لما معه من الحق وحسن البيان، صعب جدا أن يجدوا في نفوسهم ما يدفعون به بدعته إذا سمعوها منه، بنفس هذا البيان الذي أحبوه والمنطق الذي تعلقوا به! ولهذا كثيرا ما يسألني الناس عن فلان وفلان من الدعاة ممن هم في حقيقة الأمر خوارج قطبيون، ولكن لهم جهود دعوية ضد الملاحدة وكذا، هل نسمعهم أم لا، فلا أجد في طريقة السلف التي أرجو أن أكون من أهلها، إلا أن أنهاهم عن سماعهم، حتى وإن قدرنا أن كان الذي جاؤوا به لم يوجد في أهل السنة الخلص من جاء بمثله! فإن من البيان لسحرا كما قال صلى الله عليه وسلم! وأنت حين تتعرض لكلام الساحر من هؤلاء في أبواب ترى أنك محتاج إلى كلامهم فيها، وتراه يعجبك جدا ويملأ عليك عقلك ونفسك، ثم تتعرض بعد ذلك لبدعته وهو يعرضها عليك بنفس هذا المنطق والبيان الساحر، فأغلب الظن أنك ستقبلها وتتلبس بها إن لم تكن قد سمعت من العلماء كلاما بخلافها من قبل! وإن كنت قد سمعت، فستحملك نفسك حملا على توهينه وتضعيفه لما حصل في نفسك من منزلة لهذا الرجل ولكلامه في المسألة! وإذا بك تحركك الأهواء لمخالفة الحق من حيث لا تشعر! فالذي يزين للشباب أن يسمعوا هؤلاء وهو يعلم ما هم عليه من بدع كلية عظيمة، يدعون لها ويتكلمون بها في كل مناسبة، هذا خائن للأمانة، غاش للمسلمين، نسأل الله السلامة!
والعجيب أنهم يرموننا بالإرجاء، ونحن نقول: أتدري يا هذا ويا هذا من المرجئ حقا؟ المرجئ من هون من أمر البدع المغلظة، والانحرافات الكلية العظيمة، التي يزول بها أصل من أصول السنة التي أجمع السلف على إخراج من خالف في واحد منها من دائرة أهل السنة، يقول هذا تصيد للأخطاء وظلم وبغي على إخوة الدعوة ورفاق الدرب وجرح بلا موجب، والله المستعان! أصحاب منهج الموازنات هم المرجئة حقا، فهم خوارج مع الحكام، مرجئة مع أقرانهم وأحبابهم ومواليهم من المشايخ وقادة الجماعات، الذين يعلمون أن في مفاصلتهم وتبديعهم بما هم أهله، تفويتا للمصلحة الحزبية التي سموها زورا وكذبا بمصلحة الدعوة! تراهم يسكتون على شنائع الاعتقاد والمنهج إذا صدرت من الموالين والأحباب، يهونون من شأنها بدعوى أنها أخطاء تغفر ويتجاوز عنها بالنظر إلى ما كان لصاحبها من حسنات وعمل وجهاد وبذل.. إلخ! مع أن من البدع ما كان مجرد التلبس به دليلا على أن صاحبها من أهل الأهواء قطعا مهما ظهر منه أنه صاحب عمل صالح وأنه مخلص في الدعوة والعبادة! ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حذرنا من الخوارج، وابتدأ تحذيره بأبي هو وأمي بالتنبيه إلى كثرة عبادتهم وتنفلهم وتزهدهم وقراءتهم وأنهم في ذلك كله يسبقون الصحابة رضي الله عنهم؟؟ فأصحاب منهج الموازنات هؤلاء، الذين تقول لأحدهم إن فلانا هذا خارجي يكفر حكام المسلمين بغير مكفر، فيقول لك: حتى لو سلمنا بأنه بالغ في التكفير، فإن له تاريخا من الدعوة والجهاد والزهد والتعبد ليس من الإنصاف أن نسقطه، هؤلاء يخالفون تعليم النبي عليه السلام لأصحابه، والمنهج الذي أسسه فيهم، فتأمل.
يقول، فض الله فاه إن من سماهم بالمداخلة "يعادون حكم الله معاداة كاملة لأن سيد قطب تكلم في الحاكمية"، وهذا تكفير ظاهر لجميع من يسميهم بالمداخلة! وأنا أكاد أجزم بأنك إن واجهته بهذا فسينفي كونه تكفيرا، وهو ما لن يكون، إن وقع، إلا تأكيدا على جهله وتعالمه، وتزببه قبل أن يتحصرم! فإنه ليس يتصور أن يوجد مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وهو مع ذلك يعادي حكم الله ولو في قضية واحدة، دع عنك أن تكون "معاداة كاملة" كما سماها!
ثم يجهد الرجل في محاولة إلزام من سماهم بالمداخلة بتبديع الشيخ الألباني رحمه الله بما وقع في بعض كتبه من ثناء على سيد قطب والمودودي ونقل لبعض كلامهما، إمعانا في المغالطة نفسها: مغالطة تسطيح مذهب المخالف وإظهاره على غير صورته، ثم يقول إنهم متناقضون انتقائيون لتركهم تبديع الألباني بما زعم أنه يقتضي تبديعه على طريقتهم! وجواب ذلك بحول الله وقوته لا يزاد فيه على أن نقول: هذا يلزم من يبدع كل من أثنى على المبتدع أو نقل بعض كلامه، دونما اعتبار لشروط يجب أن تتحقق وموانع يجب أن تنتفي، منها على سبيل المثال، ألا يكون قد سبق لدينا العلم الجازم بكونه إماما من أئمة أهل الحديث في زماننا، في كتبه ومحاضراته من إحياء علم الحديث ومن تقرير عقيدة أهل السنة ومنهجهم ومن المنافحة عنهما والانتصار لهما ما قل نظيره في كتب المعاصرين! فمعلوم لدى أدنى طالب علم أن الشيخ رحمه الله كان في أول الأمر يحسن الظن بسيد قطب والمودودي ويثني عليهما، لما وجد في كلامهما من حماسة للشريعة، ومن استنكار ما عليه المجتمعات الإسلامية المعاصرة من جهل وتفريط في العمل بشرع الله جل وعلا كما هو الواجب عليهم! ولكن معلوم كذلك أن الشيخ رحمه الله كان على مذهب واعتقاد ومنهج يخالف الرجلين في جميع ما بدعهما به غيره من العلماء الذين انقطعوا لدراسة كتبهما دراسة مدققة متأنية، كالشيخ ربيع بن هادي المدخلي جزاه الله خيرا! فلم يكن ينتبه لما في مصطلح الحاكمية ومصطلح الجاهلية وغيرهما من إجمال خادع، كما وقع فيه كثير من الأفاضل!
فما الذي يخرج به كل عاقل يجمع بين هاتين الحقيقتين، يعلم سلامة اعتقاد الشيخ الألباني ومنزلته في علماء السنة في عصرنا، ويعلم كذلك شناعة بدعة قطب والمودودي وخارجيتهما الماركسية الغالية، إلا أن يقول إنه رحمه الله كان في تلك المواضع مخطئا يعوزه التحقيق والتدقيق، إذ كان يفهم حاكمية المودودي وقطب على غير حقيقتها، ولا يدري حقيقة ما يقصده قطب من الحكم بجاهلية المجتمع بهذا الإطلاق في ذلك الموضع الذي اقتبسه من كلامه في بعض كتبه؟؟
ومع أن الشيخ رحمه الله ثبت عنه فيما بعد الاعتراض المجمل على كلام الشيخ ربيع في سيد قطب وأن فيه شدة وإفراطا، إلا أن عندنا وثيقة بخط اليد، نقلها من نثق في نقله، فيها شهادة لاحقة من الألباني للشيخ ربيع في آخر أيامه، بصحة نقده لسيد قطب في كتابه "العواصم مما في كتب سيد قطب من القواصم" وبأن كل ما رده عليه فيه حق وصواب! وهذا هو الظن في مثل هذا الإمام، وهو ما نتوقعه من رجل قد تقدم لدينا العلم بأنه يخالف سيد قطب في جميع تلك المسائل التي نقدها عليه الشيخ ربيع! فالشيخ ربيع كان هو أسبق أهل السنة في هذا العصر للغوص في كتب سيد قطب وتحليلها ونقدها على ميزان أهل السنة والجماعة وبيان ما فيها من الطوام، قياما بفرض الكفاية في ذلك، على ما في تلك الكتب من جاذبية أدبية وفورة عاطفية شديدة يعلمها كل من سبق له أن قلب في بعض صفحاتها! فلما وقف الشيخ الألباني على تفصيل النقد في آخر الأمر، قبله ولم يرفضه ولله الحمد والمنة، كما هو الظن به!
والقصد أن هذا الأحيمق الخفيف يعامل علماء من يسميهم بالمداخلة معاملة الصبية الصغار! ينسب إليهم سطحيته وسخافته على أنها هي قواعدهم، ثم يزعم أنهم لو التزموا بقواعدهم (كما صورها هو)، فلن يجدوا إلا أن يحكموا بتبديع علم من أعلام السنة في هذا الزمان، لمجرد أن وجدوه يثني في بعض كتبه على كلام مجمل لسيد قطب والمودودي في الحاكمية وفي الحكم على المجتمعات بغلبة الجاهلية! يقول: "أنا أتكلم عن التبديع بالتسلسل، رجل ينقل عن سيد قطب، بدعوه، ينقل عن سيد قطب الحاكمية، ينقل عن المودودي الحاكمية، يمدح سيد قطب، يمدح المودودي، ويمدح الشباب الذين استفادوا من كلام سيد قطب والمودودي!" قلت: يا هذا أنت لا تخاطب قوما حمقى من أمثالك!! أنت تناطح علماء كبار أفنوا أعمارهم في الحديث وفي علم الجرح والتعديل وفي دراسة نقد الرجال على طريقة السلف، يدرسونه لطلبتهم من حيث يجب على كل مسلم أن يدرس ذلك العلم المبارك، إن أراد أن يكون فيه على الجادة!
فاتق الله في نفسك وفيمن سحبتهم خلفك من السذج والجهال، وتب من هذا الذي أنت فيه قبل ألا يجدي الندم! واعلم أن السلفية ليست شعارا أجوف يرفع بلا طائل تحته، وإنما هي أصول راسخات كالجبال الرواسي، يقوم كل أصل منها قياما محققا على آثار السلف المستفيضة في إثباته، بفهم السلف أنفسهم لا بفهم من خلف! فلن يغني عنك شيئا دندنتك الجوفاء بأنك لا توصي بالأخذ إلا من كتب السلف، ولا بالأخذ عن أحد من المعاصرين أصلا، بما في ذلك سيد قطب نفسه! كل هذا سمعنا نظيره ممن هو أغرق منك في مفارقة سبيل السلف، فلا يغتر به إلا الجهال والمغفلون من أتباعكم، والحمد لله رب العالمين!
هذا ما أرجو أن يكون قد حصل به المقصود من الرد، والحمد لله أولا وآخرا،
والسلام على من اتبع الهدى.
وكتب
أبو الفداء ابن مسعود
غفر الله له
