كلمة موجزة في مخاطبة بعضهم إيانا بقولهم

 


لا تهدموا العلم الطبيعي انتصارا للشريعة فتضروا الشريعة!

الحمد لله وحده، أما بعد، فقد نقل إلي بعض إخواني قول بعضهم ما حاصله: "لا تسقطوا العلوم الطبيعية بالحجج العقلية بدعوى الانتصار للشريعة على الطبيعيين الدهرية، فتصدوا الناس عن الشريعة نفسها من حيث تحسبون أنكم تنصرون الدين!" 

ونقول لهم، قولكم هذا إن كنتم تخاطبوننا به، فهو حق أردتم به باطلا! فأما وجه كونه حقا في نفسه، هو أن من الناس من يهجم على العلم الطبيعي والتجريبي فيسقطه كله ولا يبقي منه شيئا، من غير أن يكون له فيه دراية أو فهم البتة، يظن أنه بذلك يقي شباب المسلمين من الإلحاد الذي لا يخفى تعلقه ببضاعة أصحاب تلك العلوم. ينهاهم، من الأصل، عن الانضمام لكليات العلوم الطبيعية ومعاهدها. وصنيع هؤلاء جهل ورعونة ولا شك، وهو الذي يتوجه إليه نكير شيخ الإسلام رحمه الله بهذا المعنى الذي يخاطبوننا به.

أما وجه كونه يراد به باطل، فإن ما نحن ماضون في تحريره بحول الله وقوته في كتاب المعيار وفي هذه القناة المباركة، ليس هدما للعلوم التجريبية، وإنما هو تطهير لها ببيان الفرقان الدقيق بين فروض الدهرية الطبيعية في التنظير الطبيعي، وبين ما هو علم تجريبي نافع حقا، مع بيان المنهج التنظيري الصحيح الذي ينبغي أن يكون عليه طالب العلوم التجريبية من المسلمين، حين يضع الفروض النظرية التفسيرية وغيرها، وحتى يقرر ما يقبل من ذلك وما يرد، وما ينبغي أن يكون عليه العمل فيما يتعلق بما يقبله وما يرده من النظريات، فيمتاز له الغث من السمين في تلك العلوم، نبين بحول الله وقوته التفصيل الدقيق في الموقف الواجب اتخاذه من النظريات الطبيعية على اختلاف موضوعاتها ومجالاتها، مؤسسين ذلك كله على خبرة واشتغال طويل بدراسة وتدريس فلسفة العلم التجريبي Philosophy of Science ومنهجية البحث العلمي وما يتعلق بهما لطلبة الدراسات العليا بالجامعة! 

فلا يقال لنا إن ما أنتم فيه إسقاط للعلوم الطبيعية بما من شأنه أن يضر قضيتكم ولا يفيدها، إلا كما قيل لابن تيمية نفسه رحمه الله من قبل: إن إسقاطك المنطق الأرسطي المشائي انتصارا للشريعة، من شأنه أن يصد الناس عن الشريعة ويبغضهم فيها! فالذي لم يفهم ما صنعه شيخ الإسلام ابن تيمية بالمنطق الأرسطي في مطولاته وما حمله عليه وما خرج به منه، هذا ليس له أن يتوجه إليه بمثل هذا الكلام! فالشيخ رحمه الله لم يسقط المنطق الأرسطي بكليته كما زعمه خصومه، وإنما نقد منه ما ظهر فساده، وأظهر نقصه وعواره، حتى يبين للجهمية والمتكلمين أن استنادهم إلى ذلك المنطق ورفعهم إياه إلى أن يكون هو طريق العقل الذي لا يكمل إلا به، حتى صيروه هو مدخل طالب العلم الشرعي لأن يتعلم الشريعة نفسها ويفهم علومها، هذا فساد عظيم في العقل والدين جميعا! 

ولا شك أن ثمة فارقا مهما بين المنطق الأرسطي والعلم التجريبي، إذ الأول يمكن الاستغناء عن دراسته بالكلية، بل إن هذا هو الأصح والأسلم على التحقيق، وكما جرى عليه علماء أهل السنة رحمهم الله تعالى في تدريس العلوم الشرعية لطلبتهم، خلافا للعلم التجريبي الصحيح، فإنه لا يستغني عنه المسلمون، بل إن تعلمه وإتقانه واجب على الكفاية، تأثم الأمة كلها إن لم يقم فيها من يفي بحاجة المسلمين إليه!

فالذي نحن ماضون فيه في باب نقد العلوم الطبيعية العصرية من على هذا المنبر المبارك، ليس إسقاطا للعلم التجريبي معاذ الله، وإنما هو تطهير له مما حشره فيه الطبيعيون الدهرية تلامذة الأكاديمية اليونانية مما ليس منه في شيء، وتنبيه للجهمية وأشباههم من المفتونين بنظريات الطبيعيين في عصرنا هذا أعظم الفتنة، كفتنة سابقيهم بنظريات اليونان، الذين لا يقال لهم في شيء إن "العلم الحديث قد أثبته" إلا خروا على ركبهم مذعنين، مقلدين تقليد الأذناب العميان، والله المستعان. 

ومن تابع السلاسل العلمية التي ننشرها على هذه القناة وصبر عليها واستعان بالله تعالى ليفهم ما فيها، يدري حقيقة ما نحن فيه، ويشهد بذلك بفضل الله تعالى! ولكن هؤلاء المساكين لما رأونا ننتقد فلسفة النسبية الخاصة والنسبية العامة، فزعوا وهاجوا وماجوا وقالوا: أنت تهدم العلم كله بمثل هذا، كيف تنقد نظريتين هما من أركان الفيزياء العصرية بالعقل والدليل العقلي وهذه الأشياء؟؟ وما علموا أن موقفهم السطحي الساذج هذا يقتضي إسقاط فلسفة العلم التي كان أينشتاين نفسه أستاذا من أساتذتها، ومؤسسا لمدرسة فيها، ويرى أن من مارس الطبيعيات من غير أن يكون له فيها مذهب ما، فهو مقلد جاهل! ولو أنهم صبروا وفهموا الكلام، لأدركوا إن نقدنا للنسبيتين ليس إسقاطا لتطبيقاتهما ولا للعمل الجاري على معادلاتهما عند الفيزيائيين وغيرهم بالضرورة، مما انتفع به الناس في صناعاتهم وكذا، ولا يقتضي منع المسلمين من الانتفاع بتلك التطبيقات أصلا! ولو أنهم تكلفوا أن يردوا على ما استنكروه من حجج عقلية وشرعية في السلسلة بتفصيل يليق بما بذلناه فيها، لبينا لهم محل الغلط في فهمهم، بحول الله وقوته، ولربما انتبهنا إلى غلط وقعنا فيه من حيث لا نشعر، فنصححه بإذن الله تعالى ونحن صاغرون! ولكن ماذا تنتظر ممن سبق منه اعتقاد أننا نحارب العلم كله ولا ندري عن أي شيء نتكلم، ولا يريد أن يقرأ أو يسمع؟؟  

ترى أحدهم يقول، وكأنما يتكلم بلسان الملحد الغارق في فتنته بالأكاديميات الغربية: إن كان ما عندك من نقد للنظريات علما حقا، فلماذا لا تنشره في دورية معترف بها أكاديميا، ولو في مجال فلسفة العلم الذي تنتسب إليه؟ ونجيبه فنقول إنك لو تابعت ما قدمناه وشرحناه في غير موضع، وحررناه في مقدمة سلسلة بيان منهج أهل السنة في التجريبيات، في بيان مسلمات الدين الطبيعي التي كانت ولم تزل هي الحاكمة للأكاديمية الغربية منذ زمان مؤسسيها في اليونان، لعلمت أنهم يقينا لن يقبلوا من أحد أن ينشر لديهم نقدا لتلك الأصول نفسها في الدوريات العلمية المتخصصة في الطبيعيات! وللسبب نفسه لست أتصور أن يقبلوا نشر بضاعتنا في دوريات فلسفة العلم، لأن نقدنا يفرض حدودا وقيودا على صنعة النظر الفلسفي نفسها هم لا يمكن أن يقبلوها! فما مثل الذي يطالبنا بنشر نقدنا لنظرية داروين، مثلا، في مجلة Nature إلا كمثل من يطالب مسلما بنشر نقده لعقيدة الفداء والصلب عند النصارى، في مجلة الأحد في الكنيسة!! 

ولكن هؤلاء المخانيث قد سبق منهم التسليم بأن العلم الطبيعي ونظرياته لا تنقد إلا بالطريقة المعتمدة في الأكاديمية الطبيعية الغربية في نقد النظريات، فحتى نظرية داروين نفسها لن تراهم ينتقدونها إلا بمثل ما نقده بها المتدينون من التجريبيين النصارى الأمريكيين أمثال بيهي ودمبسكي وغيرهما، وهي طريقة منقوضة في أصل منهجها كما بيناه في كتاب المعيار، وكما يأتي الكلام عليه في حينه في سلاسل قناة إقناع، بحول الله وقوته! فيا هؤلاء تعلموا وافهموا أصل الخلل الفلسفي في هذه النظرية أو تلك، وفي طريقة القوم في الترجيح بين النظريات المتمحضة في الغيبيات المطلقة، قبل أن تقولوا: لماذا لا ينشر ردوده نشرا أكاديميا معتمدا إن كانت مما يقال في مثله إنه نقد علمي؟! ووالله حتى لو كانت مما يقبل أصحاب تلك الدوريات العليمة أن ينشروه لديهم، ما جاز لهم أن يشترطوا علينا النشر فيها حتى يقبلوا ما قدمناه من حجج وبراهين واعتراضات شرعية وعقلية! فإن المسلم الحر لا يلزمه تقليد أحد من الخلق إذ تبين له الدليل، بل إنه يأثم بذلك على التحقيق! والحكمة ضالة المؤمن، فحيث وجدها فهو أحق بها.  

فالله أسأل أن يرزق عباده العدل والإنصاف وأن يشرح صدور الصادقين منهم للحق، وأن يهدينا وإياهم الرشاد، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

وكتب

أبو الفداء ابن مسعود

غفر الله له ولوالديه وللمسلمين

إرسال تعليق