جواب استشكال حول الإخبار عن الله بالتحيز والمكان

 


الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، 

أما بعد، فقد كتب أحد الإخوة هذا السؤال، تعليقا على المحاضرة الأخيرة في تعليقات اليوتيوب، قال:

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته. مازال عندي بعض الاشكال لانني كنت اظن مايظنه الكاتب وذلك بعد مشاهدة فيديو قديم على اليوتيوب اسمه 10th dimensions وايضا فاننا كمسلمين نعتقد ان الله موجود ولا مكان. فالله لا يتحيز . فما معنى انه لا يتحيز غير انه في خارج المكان الخاص بكوننا المنظور؟ و الزمن هو التغير في الاشياء واصغر مده زمنيه معروفه في كوننا هي زمن بلانك و الله يغير ولا يتغير فيلزم انه خارج حدود الزمن. فالله الاول قبل الزمن و ليس قبله شيء و الاخر فليس بعده شيء محيط بالزمان و المكان. فالزمان و المكان من خصائص كوننا نحن. ولا يلزم ان الله خارج الزمان و المكان ان صفاته معطله. فاذا كان هو خالق الزمان و المكان فمن الطبيعي انه له التصرف فيهما. و لا يلزم لان الزمن بالنسبة لنا هو ماض و حاضر و مستقبل ان يكون كذلك بالنسبة لله. طبعا لا يشترط ان الزمان و المكان في كوننا المنظور يكون مماثل او امتداد لكل خلق الله مثل العرش و الكرسي و الجنة و النار. لم اشاهد المقاطع السابقة فربما فيها اجابة. ارجو الرد

فأجبته قائلا: 

عليكم السلام ورحمة الله وبركاته. هذا الذي تقرره يا أخي هو اعتقاد الأشاعرة والماتريدية وليس اعتقاد أهل السنة. 

قولك "موجود ولا مكان" و"الله لا يتحيز"، هذه عبارات مجملة والتفصيل فيها واجب. 

فإن كان المقصود بالمكان، تلك العلاقة الذهنية الواجب إثباتها عقلا بين أي موجودين في الأعيان، فلا يجوز أن يكون في الوجود شيء غير الله تعالى (وليس ثم إلا الخالق والمخلوق)، ومع ذلك لا يوصف ربك تبارك وتعالى بأنه فوقه، والفوقية ولا شك داخلة في هذا المعنى الكلي للمكان أو المكانية أو الجهة. وإنما عطلها المتكلمون لتشبعهم بنظرية الجوهر والعرض اليونانية، التي اختزلت حقيقة جميع الموجودات في التركب مما قالوا له الجوهر وما قالوا له العرض، فصيرت مطلق معنى التغير والحدوث، في أيما موجود يوصف بهما (بهذا الإطلاق)، أنه العلاقة التي تصوروها بين الجوهر والعرض، 

فهم لما سبق منهم التشبع بتلك النظرية، وأرادوا مع ذلك أن يثبتوا ربا خارجا عن حقائق المخلوقات، منزه عن مماثلتهم، لم يجدوا إلا تعطيله عن جميع المعاني الكلية التي تناولتها النظرية بالتكييف والتمثيل المطلقين (على شرط الوجود)، فأهدرت ما لتلك الألفاظ من اشتراك معنوي، الأصل فيه عند العقلاء ألا يكون مقيدا بحقيقة معينة أو كيفية مخصوصة إلا عند الإضافة والتخصيص!

ولهذا قالوا إن الله تعالى يغير ولا يتغير، لأنهم متعلقون بالحد الميتافيزيقي اليوناني للفظة تغير ولفظة حركة، المستمد من تلك النظرية وأخواتها عند فلاسفة اليونان! وهو إطلاق باطل من مبدأ النظر نفسه (التنظير الميتافيزيقي) كما بينت ذلك في سلسلتي "بيان منهج أهل السنة في التجريبيات" و"لكل قوم وارث: الحاشية البهية على متن الرسالة التدمرية"، فأرجو منك التكرم بالاستماع إليهما، ففيهما إن شاء الله تعالى ما تندفع به تلك الشبهة. فهم من حصروا الحقيقة العقلية (المعنى الكلي) لهذه الألفاظ (التغير، الحركة، الحدوث، الجسم، الزمان، المكان .. إلخ) في نوع معين، بجعلها ملازمة وجوديا لتلك الكيفية القياسية التي جاءت بها النظرية، ومن ثم قالوا إن كل ما "تحل به الحوادث" (أي يوصف بمعنى التغير أو التحول من حال إلى حال، أو يوصف بصفات ذاتية يمتاز منها شيء عن شيء، كصفات الله تعالى الخبرية، الوجه والعين واليد والأصابع .. إلخ) فهذا لا يكون إلا حادثا مركبا من الجواهر والأعراض، وإذن يتعين التعطيل والمصير إلى التأويل! والحق كما بينا أن المعنى الكلي، الذي عليه العقلاء الأسوياء، للفظة مكان، لا ينفك عن رب العالمين ما دام في الوجود شيء غيره. وأما الزمان أو الزمانية، فالمسلمون يؤمنون بأن الله تعالى لم يزل فعالا لما يريد، من الأزل بلا فعل أول. لأنه لا يكون الشيء موصوفا بأن له فعلا أول بإطلاق، إلا لزم أن يكون حادثا، أو أن تكون الفاعلية فيه حادثة بعد عدمها! وهذا المعنى (أزلية الفاعلية الإلهية) نفاه المتكلمون عن ربهم بالكلية للسبب نفسه الذي لأجله قالوا إنه لا يوصف بالمكان! لأن مبدأ تعاقب الأفعال، أن يكون غير فاعل، ثم يفعل، ثم يصبح وقد فعل شيئا ما في الماضي، هذا كله عندهم محصور معناه الكلي (أي على شرط الإطلاق: في أيما موجود يوصف به بإطلاق) في تلك الكيفية المخصوصة المفروضة في نظرية الجوهر والعرض، التي لا تكون إلا لحادث. لا يكون الشيء بحيث يوصف بصفة ما، ثم يتحول عنها ليكون موصوفا بصفة أخرى، إلا لزم أن يكون مركبا من الجواهر والأعراض عندهم، وهذا شرط باطل لا مستند لهم فيه إلا الإطلاق الميتافيزيقي الفاسد! هم الذين كيفوا الحقيقة العقلية لمطلق المعنى الكلي، فقاسوا ربهم على خلقه بذلك، ومن ثم لم يجدوا إلا نفي صفات الأفعال عن رب العالمين! وأما نحن فنقول إن كان المراد بالزمان، مطلق تتابع الأحوال وتقلبها من حال إلى حال، فهذا لم يزل ثابتا لله تعالى من الأزل، على الكيفية اللائقة بذاته، لأنه لم يزل قابلا للوصف بأنه كان فاعلا لكذا وكذا ثم صار غير فاعل له، لما في مطلق معنى الفعل والإحداث نفسه من ضرورة التحول من حال يكون المحدث فيها غير محدث للفعل، ثم يصبح محدثا له، وهو ما يدخل بالضرورة في الحقيقة العقلية لمعنى التتابع الزماني، ويقال فيه بتعاقب الأحوال، فيقال في حال إنها ماضية منصرمة، خلافا للحال الحاضرة والحال المستقبلة التي لم تقع بعد. ولا ينتفي ذلك كله عن الحي العليم الذي لم يزل فعالا لما يريد، كل يوم هو في شأن، إلا عند هؤلاء! فهم الذين حصروا مطلق معنى التحول والتغير (الذي عليه مدار العلاقات الزمانية والتتابع الزماني) في الأشياء المركبة من الجواهر والأعراض. 

وكذلك "التحيز" فإن كان المراد أن يكون الشيء محاطا بأشياء أخرى من جميع الجهات، فهذا منفي عن الرب قطعا، ولكن لا يلزم من نفيه نفي معنى المكانية أو الجهة بهذا الإطلاق الذي تقدم بيانه. فأهل السنة يثبتون الجهة على المعنى اللائق برب العالمين، خلافا للمتكلمين، للسبب الذي بينا. . واليوم يقولون، تبعا لميتافيزيقا النسبيتين، إن المكان والزمان جميعا لا يوصف بهما إلا ما كان واقعا في الزمكان النسباني الوجودي المزعوم! وهذا يفضي إلى نفس التعطيل للاشتراك المعنوي ومن ثم إخراج رب العالمين جل وعلا عن صفاته الذاتية والفعلية، ونسبته إلى الممتنعات (إلى المعنى ونقيضه معا، فيقال: لا خارج الزمكان ولا داخله، ولا قبل الزمكان ولا بعده، لأنه لا يوصف بالقبل والبعد والداخل والخارج إلا ما كان محصورا في الزمكان)! فالنظريات تتغير، والأقيسة الميتافيزيقية والحدود والتعاريف المطلقة المترتبة عليها تتبدل، ويبقى مبدأ التعطيل وداعيه عند القوم واحدا!

لا يقال إن الزمان والمكان مخلوقان، إلا إن كان المراد بالمكان خلاء الكون الذي يعلوه العرش وتنحصر فيه المخلوقات، وكان المراد بالزمان حركة تلك المخلوقات وتغيرها الرتيب، مع حركة الشمس حول الأرض التي نقيس عليها مقادير الزمان والتتابع الزماني! أما أن يقال إن الرب خارج بالكلية عن مطلق معنى الزمان والمكان، فهذا لا يقال إلا تأسيسا على تعاريف ميتافيزيقية اختزالية اختزلت تلك الحقائق العقلية الكلية في قياس معين صوروا به حقيقة كل موصوف بالزمان والمكان بإطلاق، على كيفيات معينة فرضوها في نظريتهم! قديما قالوا الزمان والمكان لا يكون إلا بتركب الأعراض على الجواهر والصور على الأجسام، واليوم يقولون إنه لا يكون إلا بتأثير قانون الجاذبية على الموجودات في بحر الزمكان الوجودي المزعوم، وكلاهما إطلاقان مردودان منهجيا، لا يصح قبولهما ولا ما شاكلهما مما يجري على نفس الطريقة اليونانية المدرسية الدهرية القديمة في الإطلاق الميتافيزيقي، والله أعلى وأعلم.     

وكتب 

أبو الفداء ابن مسعود 

عفا الله عنه.

إرسال تعليق