الحمد لله وحده، أما بعد، فقد وقفت على تعليق كتبه أحدهم معقبا على مقالي الذي نشرته من قريب في مسألة برهان التصميم، ورأيت أن أرد عليه حتى يتبين للإخوة المتابعين وفقهم الله، عمق الفجوة التي تفصل بين منهج أهل السنة ومنهج الفلاسفة والمتكلمين في مفهوم العقل والحجة العقلية عامة، ومحاججة الملاحدة ومن شاكلهم خاصة.
كتب المعلق أصلحه الله يقول:
"يعنى هو (ويعنيني أنا) يقبل فقط نوعا من أنواع حجة المقارنة و القياس (نفس منطق المقارنة والقياس لكن بهيكلة مختلفة) و يرد حجة صانع الساعات.
نقده للاخيرة نابع من اعتقاده بأن قياس المخلوعات علي المصنوعات قياس فاسد... لأن المخلوقات متقنة لا نقص فيها و المصنوعات فيها نقص و عيوب!!.
أحد الاشكالات مع هذا النقد هو المصادرة علي المطلوب
نعم، فالشيخ هنا يصادر علي المطلوب و هو إثبات أن المخلوقات من ورائها سبب ذكي، عليم، قادر، مريد.... الخ.
فإذا حكمت اولا بأن المخلوقات بان من ورائها سبب بهذه المواصفات، .. هنا تصبح حجة صانع الساعات لا معنى لها و لا حاجة بل فقط ستفتح باب الاستدلال العكسي علي أن المخلوقات فيها عيوب لأن مصنوعات البشر فيها عيوب (لو قمنا بالمقارنة المطلقة)"
قلت: يا أخي الكريم، قولك: "يقبل نوعا من أنواع حجة المقارنة والقياس" هذا مغرق في الإجمال، عفا الله عنك. ما المقصود بأنواع حجة المقارنة والقياس؟ إن كان المقصود جنس الحجج الاقتراحية Propositional Arguments، أي التي يقدم صاحبها اقتراحا تأسيسيا لمعرفة جديدة، الفرض أنها غير حاصلة سلفا في نفس المخاطب بالحجة، فليس هذا النوع مقبولا عندي في هذا الباب أصلا، جملة واحدة! لماذا؟ لأننا نجزم، خلافا للفلاسفة والمتكلمين، بأن وجود الباري جل شأنه وكماله واستحقاقه الإفراد بالعبادة وحده لا شريك له، هذه معان مركبة في نفوس العقلاء تركيبا فطريا جبليا، لا تلجئ لنظر أصلا ولا يُحتاج من أجل تحصيل المعرفة بها إلى حجاج منطقي أو برهان اقتراحي! فليست المحاججة التي نجيزها، ونزعم أن القرآن جاء بها في مخاطبة المشركين، من هذا الصنف الأكاديمي الذي يستساغ بل ويستحسن غاية الاستحسان في جنس القضايا النظرية البعيدة عن أذهان الكافة، التي لا يوصل إلى تحقيق معرفتها إلا تأسيسا على مقدمات نظرية تساق بين يدي الدعوى تمهيدا لقبولها! نحن نخالف المنهج المدرسي اليوناني في تلك السفسطة المنهجية الكبرى التي بها أنزلت هذه القضية إلى منزلة المسائل النظرية الجدلية التي يُلجأ المثبت فيها ويضطر إلى تقديم البرهان الاقتراحي للتدليل عليها، رجاء أن يسلم من التهمة بالتقليد! فموضوع النزاع بيننا وبين الملاحدة هاهنا ليس مسألة نظرية من جنس المسائل التي يسوغ له أن يشترط علينا فيها بناء البرهان النظري الاقتراحي على النحو الذي يرتضيه هو ويقبله، إن أردنا له أن يتحول إلى موافقتنا فيها! موضوع النزاع يا كرام، هو من جنس قول القائل: أنا لا أدري هل أنا موجود حقيقة أم لا! أو أنا لا أدري هل طلعت الشمس بالأمس حقا كما توهمني ذاكرتي أم لا! أو لا أدري هل الواحد نصف الاثنين أم ضعفها! بل إنه من جنسٍ، حق الموقف الحق فيه أن يكون أثبت في نفوس العقلاء الأسوياء من أمثال تلك القضايا البديهية التي لا تكون حاضرة في نفس الإنسان ووعيه حتى يقع ما يدعوه إلى استحضارها، وهو ما لا يكون إلا قليلا عادة، ولو قدرنا أن عاش الرجل عمره كله ومات دون أن يقع له ذلك الداعي ولو لمرة واحدة لم يضره ذلك شيئا! ليس هو نزاعا في مسألة يتصور خفاؤها على عاقل سوي النفس، أو اشتباهها بما يناقضها على ما يلجئ العقلاء إلى البرهنة والشرح والتوضيح، أو يتصور للعاقل أن يستغني، أصلا، عن اعتناق القول الحق فيها، منذ أن يعقل ويميز، أو عن البقاء عليه حتى يموت! هي قضية تقوم الحجة الرسالية على التسليم بها أصلا، لا أنها جاءت بتأسيسها هي نفسها ابتداء! فإذا ما أردنا أن نحاجج الجاحد المكابر فيها، الذي يكذب على نفسه وعلى الناس، يدعي أنه لا يجد سببا صحيحا يدله على قبولها والتسليم بها، فلا نقدم إليه فيها برهانا اقتراحيا تأسيسيا كما يشترط! ليس هذا ما بعث الله به رسله أصلا، ولا تجده في القرآن ولا في السنة، وإن رغمت أنوف المتكلمين! وإنما تجد حجاجا وعظيا، بالتذكير والتشنيع على المخالف، بنقض موقفه وبيان شناعة لوازمه، والعتاب على الإصرار عليه خلافا لما هو مركب في الفطرة أصلا! وأعني بالحجاج الوعظي ما يكون في سياق التشنيع على من يصر على البقاء على موقف قد علمت شناعته بالبداهة والفطرة، حتى بعدما جاءه النذير!
ألا ترى قوله تعالى: ((وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ))
فالكتاب إنما ينزل في التذكير، لا في بناء المعرفة النظرية على نحو يرد عليه الاشتباه والخفاء والالتباس (مبدئيا)، بما يوجب الإعذار في الدنيا والآخرة على السواء، لمن أمضى عمره وهو يعاني من ذلك الاشتباه ولا يجد منه مخرجا، وهو صادق في ذلك، سالم من كل هوى! فالذي جاءه النذير ولم يؤمن، مستحق للعذاب في الآخرة عن مات على ذلك، دونما اعتبار لعذر بجهل أو اشتباه بعد مجيئه! ولو كان أصل أصول الدين مما لا يعرف إلا بالنظر الذي يتفاوت الناس في تحصيله، فيوفق بعضهم فيما لا يوفق فيه غيرهم، ويظهر لبعضهم ما يخفى على الآخرين، لما جاز أن يكون جزاء من مات على الشرك بعد بلوغ الرسالة أن يخلد في جهنم! وهذا هو السبب في سفسطة أولئك الفلاسفة الذين استشنعوا العقوبة بالتخليد في النار أعظم الاستشناع، ورأوها من الظلم المبين! إذ على منهجهم في تحصيل المعرفة في هذا الباب، يصبح من محض الظلم ولا شك، أن يؤتى إلى أكثر مسألة اختلف عليها الفلاسفة وتنازعوها فيما بينهم على مئات البراهين النظرية ومئات الردود والاعتراضات على كل مقدمة لكل برهان منها، حتى انتهى كثير منهم إلى القول بامتناع الترجيح فيها مطلقا، يؤتى إلى تلك المسألة العويصة للغاية (بميزانهم وعلى طريقتهم السوفسطائية الفاسدة)، ثم يقال إن المطلوب منكم أن تؤمنوا بها تصديقا لمن يزعم أنه رسول من ذلك الرب الذي لم تقتنعوا بأدلة وجوده أصلا، فإن متم على غير ذلك الإيمان والتصديق التام النهائي المطلق، استحققتم أشد العذاب على التأبيد في الآخرة!! كيف يكون ذلك من العدل أو من الحكمة، إن صح أن كانت صورة المسألة على ما هي عليه في التقليد اليوناني الجدلي السوفسطائي؟ لا يكون كذلك قطعا! وإنما هو كمال العدل والحكمة، لأن هذا الذي أصر هؤلاء على ألا يموتوا إلا عليه، هو في حقيقة الأمر أعظم الجحود والاستكبار وامتهان أعظم موجود على الإطلاق، سبحانه وتعالى! فمن مات مصرا على ذلك حتى بعدما جاءه الخبر بأنه سبحانه قد أرسل رسولا يدعو الناس لعبادته وحده سبحانه، كان مستحقا لأعظم العذاب وجوبا وضرورة، ولم يكن له من عذر يعتذر به إذن ولا يتصور أن يكون له ذلك!
فالله تعالى لم يجعل القرآن العظيم كتاب محاججة نظرية اقتراحية تأسيسية للمعرفة بكماله سبحانه واستحقاقه الإفراد بالعبادة، في نفوس تخلو من تلك المعرفة أصالة، دع عنك المعرفة بوجوده أصلا! وإنما جعله كتاب تذكير وإفاقة من الغفلة، وإلزام بشناعة الشرك ونذارة من عاقبة الإصرار على البقاء عليه، وبشارة بمثوبة من مات على التوحيد! جعله كتاب إنقاذ لمن بقي في نفسه من الخير والسلامة من الهوى ما يميل بها بإذنه سبحانه إلى الشهادة بالحق الجلي الظاهر والتأسيس عليه، والرجوع إلى داعي الفطرة والتسليم له، وجعله في ذات الوقت شهادة على من حق عليه القول من المشركين، حتى إذا جاء يوم القيامة وأوقف وأشهد على نفسه، شهد بأنه كان مكابرا جاحدا!
وقال تعالى: ((وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ))
فتأمل كيف أنه لم يقل سبحانه "ألم يأتكم رسل منكم يبرهنون لكم على وجود ربكم ويناقشونكم في أدلة ذلك حتى تقتنعوا" وإنما قال "يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا"!
فحجة القرآن تقوم على الفطرة والمعرفة الفطرية، وليست قائمة ببنائها وتأسيسها من الأصل! ولو كانت حجة القرآن على الطريقة اليونانية الاقتراحية في الحجاج في هذه الأبواب (القائمة على الزعم السوفسطائي الباطل بافتقار وجود الباري إلى الدليل النظري)، لرأيته مشحونا بالبراهين السيلوغية أشكالا وألوانا، في إثبات صاحبه وجود نفسه ابتداء، ثم إثباته وحدانيته وكماله وتنزهه عن كل نقيصة، ثم إثباته استحقاقه للإفراد بالعبادة وحده، ثم إثباته صدق نبوة النبي عليه السلام، على هذا الترتيب النظري الاقتراحي المحض الذي زعم المتكلمون، انقيادا للفلاسفة وتقليدا لهم، أن الحجة لا تقوم على المخاطبين بها إلا به! لو كان العقلاء الأسوياء يحتاجون إلى هذا حقا، لرأيت القرآن منظوما على نظم كتب الفلسفة: فصل في تقديم الحجاج والبراهين النظرية الكافية لبناء المعرفة ورد الاعتراضات في كل قضية من تلك القضايا على نفس هذا الترتيب!! لكن ليس الأمر كذلك!
يمكنك الرجوع إلى كتابي "مفهوم العقل والحجة العقلية في القرآن عند أهل السنة والجماعة" لمزيد من البسط والبيان في هذه المسألة.
والقصد أننا معاشر أهل السنة إذا حاججنا هؤلاء الجحدة المكابرين، الذين نثبت لهم ذلك بمجرد ثبوت بقائهم على الإلحاد حتى بعدما سيق إليهم القرآن وسمعوا الذكر، إذا حاججنا هؤلاء، لم نحاججهم بالبرهان النظري الاقتراحي التأسيسي بقياس التمثيل وقياس الشمول، كما اشترطوه هم في سفسطتهم، نحاول أن نقنعهم بأن لهم خالقا بالغيب كما نؤمن، فإن هذا من شأنه أن يكون إقرارا لهم على ذلك الموقف الفاسد، وإنما نحاججهم بالتشنيع عليهم بقياس الأولى، إذ إن جميع ما نفوه عن ربهم من الصفات، بداية من وجوده أصالة، فهو الحق الثابت له من باب أولى، الذي لا ينفيه ولا يصر على نفيه، ولا يصر على البقاء على نحلة تقتضي نفيه، إلا مكابر مماحك! فمن كمال العقل عندنا أن نقرع هؤلاء على رؤوسهم قرعا، بالتوبيخ والتشنيع بمقتضيات ما هم عليه ولوازمه، لا أن نجالسهم مجالسة الند المكافئ صاحب الموقف النظري المستساغ مبدئيا، الذي كان غاية ما نكرهه فيه منهم، أنهم أخطأوا الحق بأنظارهم بعدما نظروا!
يقول صاحب التعليق:
"الإشكال مع القوم هنا هو أنهم لا يسلمون اصلا بأن المخلوقات من ورائها سبب ذكي،عليم...حكيم....الخ.
قلت: صحيح! ولكن ما سبب ذلك عندهم يا أخي؟ أنهم يخفى عليهم وجه ذلك ودليله النظري، مع كونهم صحاح العقول أسوياء النفوس؟؟ أم أنهم أصحاب مرض في نفوسهم وعقولهم لا يرجى البرؤ منه إلا أن يشاء الله؟؟ أجب عن هذا بالجواب الصحيح، يتبين لك فساد قولك بعد: "إذا استخدام الحجة صحيح جدا لإثبات هذه القضية."!
تأمل إذ يقول: "لكن الحجة لا تثبت أن المخلوقات خالقها كامل العلم والمعرفة ووووو (أي الله) .... و هذا انصار التصميم الذكي و اللاهوتيون يعترفون به!!! حجة صانع الساعات ليست حجة لاثبات وجود الله بل لاثبات وجود صانع ساعات فقط ...اي سبب ذكي حكيم عليم قادر... الخ.
اي انها ضد فكرة المادية الطبعانية. مطلقية هذه الصفات تحتاج حججا اخرى تكميلية.
قلت: وهذا يا أخي المحترم ما لأجله ذم السلف، ومن بعدهم شيخ الإسلام، براهين أهل الكلام، لو عقلت عنهم ما قرروه في كتبهم! فإنه ليس يصح في العقل أصلا أن يقال: نحن نثبت مجرد مبدأ وجود الصانع، بصرف النظر عن صفاته، هذا مبحث آخر له براهين أخرى وكلام آخر .. إلخ! هذا من تلبيس المتكلمين واللاهوتيين ومن شاكلهم من المتفلسفة! أنت لست مثبتا شيئا أصلا إلا بأن تقرر بعض صفاته بالضرورة، وهو ما يكون له من اللوازم والمقتضيات ما يجب أن يكون صحيحا كذلك، لأنه إذا بطل اللازم بطل الملزوم كما هو معلوم! ليس يصح في العقل إثبات موجود مجرد، لا نثبت له إلا أنه "مصمم" أو أنه "خالق" أو "صانع" أو نحو ذلك، من غير أن يكون طريق الإثبات نفسه مفضيا إلى تقرير بعض الصفات لذلك الصانع بمجرد تصور مقدماته! وهذا ما لأجله حارب شيخ الإسلام برهان الحدوث الكلامي في عامة كتبه، فمع أن أصحابه زعموا كما تزعم أنت يا أخانا، أنه لا يزيد على أن يثبت أن للعالم صانعا ما، هكذا، على تجريد الفلاسفة المذموم، إلا أن مقدماته وطريقته نفسها تقتضي في حق ذلك الصانع ما يصيره عدما، بل يصيره أحط من العدم، يجعله ذاتا ممتنعة توصف بالمعنى ونقيضه معا، سبحان الله وتعالى علوا كبيرا!
فعندما يقول الأخ هداه الله: " الشيخ ضعيف في هذا الباب للأسف .... فهو يخلط بين الكثير من الأمور."
فلا أجد إلا أن أقول: بل أنتم يا إخوان من يصح فيهم الوصف بالضعف الشديد في هذا الباب، أنتم ومن تعلمتم طريقتهم وتشبعتم بها من حيث لا تشعرون، بل ومن حيث تحسبون أنكم على منهج أهل السنة وطريقة أهل السنة، والله المستعان! نفس طريقة الكلام التي تشبعتم بها، الطريقة اليونانية السوفسطائية نفسها، هي سبب ضعفكم وتخليطكم، مع كون الواحد منكم يرى نفسه أعقل أهل الأرض، والله المستعان وإليه المشتكى!
يقول:
"حتي انه قال ان دمبسكي في حده الفاصل بين ما هو مخلوق و غير مخلوق!!
يا رجل دمبسكي حده يفصل بين ما يمكن ان نحكم عليه انه مصمم و ما ليس مصمم فقط.
ما لا يمكننا ان نحكم عليه انه مصمم مثل الحجر او الجبل لنقص الأدلة علي ذلك لا يستلزم ان من وراء وجوده لا يوجد خالق!!. فقط ان خصائص الحجر لا تمككنا من الحكم بوجود الخالق!
نحتاج ادلة اخرى حتى يصبح الحجر دليلا علي وجود الخالق و هو أن نمدد الحجة للقوانين و ضبطها و و ووو....."
قلت: تأمل المقالة التي تقشعر لها الأبدان: "خصائص الحجر لا تمكننا من الحكم بوجود الخالق!"، هذا على أساس أن سيادتك لا تجد في فطرتك أن كل ما في السماوات والأرض هو من خلق رب العالمين، علمنا حكمته منه أم لم نعلم؟؟؟ نسأل الله السلامة!
يا أخانا، ديمبسكي انتهى به حده هذا إلى اعتماد آليتي داروين في النشوء والارتقاء، القانون الطبيعي (الانتخاب) والعشوائية الطبيعية (الطفرة)، من أجل أن يثبت وقوع الاحتمال الثالث بالمقارنة التي قررها في معياره، وهو "المصمم الذكي"! فقال صراحة في كتبه، وكما بينت ذلك في كتاب المعيار، إن ثمة صفات إذا رأيناها، ترجح لدينا بالاحتمال أن يكون الشيء مصمما، وإلا جاز أن يكون عشوائيا كما في نظرية داروين! والرجل على أي حال من تتبع كلامه وجده متقلبا مخلطا، ينتصر لنظريته أحيانا على أنها إضافة لنظرية داروين وتعديل عليها، كما سلكه مايكل بيهي، ويزعم في مواضع أخرى أنها تنسفها نسفا وتسقطها من مبدأ الطرح! يا أخي عندما تقول إننا نعرف أن العضو الحيوي "مصمم"، لأننا نعرف له أغراضا ووظائف جعل لأجلها على ما هو عليه لا على خلاف ذلك، خلافا للصخرة الصماء، فأنت بهذا تنفي الوظيفة والغرض والغاية عن الصخرة الصماء، من أجل أن تثبتها للعضو الحي، وهذا ما أوحى لداروين نفسه، تاريخيا، بفكرة الانتخاب الطبيعي من الأساس، عندما وقع على مثل هذا في برهان ويليام بيلي كما بينته في كتاب المعيار! ولهذا قلت إن الصواب ان نقول في مقام التبكيت والتشنيع على الدراونة إننا إذا كنا نثبت التصميم لما عرفنا له غرضا ووظيفة في مصنوعاتنا نحن، فمن باب أولى أن تكون أجسامنا مخلوقة لأغراض ووظائف لا يحصيها إلا باريها، وهو أمر لا يماري فيه إلا متناقض مكابر، لا أن نأتي بخلق الله نضرب بعضه ببعض، نقول إن هذا تظهر عليه علامات "التصميم" خلافا لذاك، بناء على معيار احتمالي!!!
مقدمات البرهان تقتضي، على الطريقة اليونانية في الإثبات والنفي، الحكم على بعض خلق الله بأنه "غير مصمم"، فما معنى مصمم هذه عندكم إن لم تكن هي المخلوقية لغاية وحكمة سابقة عند الخالق؟ وما معنى نفيها عن الصخرة من أجل إثباتها للعضو الحي، في إطار الطريقة اليونانية الجدلية التي تبنى المعارف فيها بناء كليا على البراهين الاقتراحية، بمعزل تام عن الفطرة والبداهة الجبلية التي ركبها الله في بني آدم؟ ولو كان البرهان غير مفض في بنائه وترتيبه إلى تجويز العشوائية فلماذا انتهى مايكل بيهي إلى القول بكل صراحة بأنه لا يزيد على أن يضيف آلية ثالثة إلى نظرية داروين، معترفا بآليتيها الأخريين (الانتخاب والطفرة العشوائية)، ولا يمانع من أن يكون الصانع الذي يثبته مجرد كائن فضائي فائق الذكاء، كما جوزه ريتشارد دوكينز نفسه؟؟؟
فحتى كلمة "مصمم" هذه أصلا فيها من الإجمال والاشتباه ما لا يجوز لأجله استعمالها في الكلام على رب العالمين، لا سيما والحال كما بينت أن النظرية تعتمد أسباب الحكم على المصنوع البشري بأنه قد "صُمم"، فتقتضي تشبيه الأفعال الإلهية من مبدأ الطرح!
فيا أخوان إني والله لمشفق عليكم مما أنتم فيه! انقطعوا عن الكتابة في هذه الأبواب وادرسوها في ضوء منهج أهل السنة واعتقاد أهل السنة وطريقتهم، حتى تفهموها حق الفهم! وإلا فاتقوا الله في أنفسكم وفي المسلمين ولا تجروهم إلى نظير ما جرهم إليه المتكلمون الأوائل من فساد الدين والاعتقاد من حيث تحسبون أنكم تنتصرون للحق والدين، والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله.
أبو الفداء

