قولهم: هل صفة اليد لله تعالى، وجودها من الواجبات العقلية أم من الممكنات ؟؟
الحمد لله وحده، أما بعد، فقد جاءني سؤال على الخاص رأيت أن في نشر جوابه نفعا في تنبيه طلبة العلم لضرورة التدقيق في مصطلحات المتكلمين وحدودهم والاستفصال فيها قبل أن يجيبوا عن أسئلة من يسألونهم عن الله تعالى وصفاته باستعمالها، فيتورطوا من حيث لا يشعرون في نفي ما حقه أن يثبت أو إثبات ما حقه أن ينفى، فقد أجمع السلف على المنع من استعمال الألفاظ المجملة غير المحررة في الإخبار عن الله تعالى، فكيف إذا كانت الألفاظ جارية على اصطلاح أناس قد جرت طريقتهم منذ أن نشأت على أيدي فلاسفة اليونان القدماء، على قصر الموجودات، من مبدأ الوجود، على ما يمكن أن تثبته عقولهم بأنواع القياس؟ الفلاسفة يؤمنون إيمانا شبه ديني بأن الشيء إن لم يكن قابلا للإثبات إما بضرورة العقل (بمعنى أنه إن قدرنا انتفاءه لزم التناقض) وإما بنوع من أنواع القياس النظري، لم يجز أن يكون موجودا أصلا!! هذا التسليط لآلة العقل على مبدأ الوجود من حيث هو Existence Qua Existence على عبارة أرسطو، هو أصل كل فساد في طريقة الفلاسفة والمتكلمين تبعا، وهو ما يقال له التنظير الميتافيزيقي، أي أن يتحصل الفيلسوف في مبدأ نظره على قسمة كلية لجميع الموجودات في نظرية لديه، بحيث لا يكون الشيء موجودا في الأعيان إلا وجب أن يدخل تحتها بوجه من الوجوه! فلما جاءني ذاك السؤال، وجدته فرصة تغتنم لبيان منشأ أمثال تلك الشبهات عند المتكلمين، وضرورة الخروج منها من مبدأ الطرح والداعي إليه عندهم، لأنهم بسبب تلبسهم بتلك الطريقة اليونانية الفاسدة، لم يعد يجوز التسليم لهم بصحة مفهومهم للوجود ولا للإمكان ولا للوجوب والامتناع، ولا لمعنى العقل نفسه، والله المستعان لا رب سواه.
قال السائل:
السلام عليكم
هناك إشكال عقلي لو أثبتنا اليد لله سبحانه، وهو أن اليد ممكنة الوجود والممكن لا يتعلق بالواجب، فما الجواب بوركتم؟
فقلت مجيبا:
عليكم السلام ورحمة الله. ليس هذا إشكالا عقليا، وإنما هو شبهة كلامية. فاليد ممكنة الوجود إنما هي اليد المخلوقة، لأن المخلوق هو ما يقال إنه ممكن الوجود، بمعنى أن العقل يتصور عدمه، أما إذا نسبت إلى الله جل وعلا، كان حكمها حكم ذاته سبحانه، لا يتصور عدمها كما لا يتصور عدم ذاته، ولا تنفك عنه كغيرها من صفات الذات. ولكن لأن المتكلمين قد أدخلوا الكيفية المخلوقة المزعومة في نظرية الجوهر والعرض (التركب من جواهر وأعراض) في أصل المعنى الكلي المشترك للفظة يد، بحيث لا يوصف موجود من الموجودات بالمعنى الكلي المشترك إلا وجب أن تكون حقيقته أنه مركب من أشياء يتصور انفكاكها عن بعضها البعض، امتنع عندهم أن يكون الرب موصوفا بأصل المعنى داخلا في الاشتراك المعنوي على النحو اللائق بذاته سبحانه، بل صار مجرد إطلاق المعنى الكلي عليه غير لائق له، وهذا تحكم باطل في الكيفيات والحقائق لا موجب له إلى المنهج الميتافيزيقي اليوناني في التنظير على شرط الوجود والإطلاق، والله المستعان.
فعاودني السائل قائلا:
لكن لو كانت اليد لله واجبة الوجود لكنّا عرفنا وجودها من دون خبر. فنحن عرفنا أن الله واجب الوجود ولكننا لم نعرف أن اليد له واجبة الوجود، ولو فرضنا عدم اليد لله لم نكن لنقع في تناقض، خلافا لو فرضنا عدم وجوده هو سبحانه.
فقلت في الجواب (وقد زدت عليه في مواضع للفائدة):
يا أخي الفاضل أنا حين أقول إن اليد ليست من الممكنات، فإنما أعني أنها لا انفكاك لوجودها عن وجود الله تعالى، لأنها من صفات ذاته التي عرفناها من طريق السمع، فبعدما ثبتت لدينا من السمع، قلنا إنها من ذات الله تعالى، قديمة لقدمه، واجبة لوجوبه، وحقيقتها من حقيقته سبحانه، مما لا صلة له بحقائق المخلوقين! فليست هي من جنس الممكنات التي يتصور عدمها في معنى الإمكان العقلي على اصطلاح الفلاسفة! وانتفاء هذا المعنى للإمكان عنها حصل لنا بعد السمع لا قبله، وإذن فليست هي من الواجبات العقلية على الاصطلاح الفلسفي أيضا، إذ الواجب عندهم هو كما تفضلت، ما يلزم التناقض من نفيه! فصحيح إن العقل لا يوجب المعرفة باتصاف ذاته بها سبحانه، فليست هي واجبة الوجود على هذا المعنى، أي ليست واجبة الإثبات قبل السمع، إلا أننا نثبتها من السمع، ونقول إنها من صفات الذات التي لا ترد عليها الحقائق المخلوقة والكيفيات الحادثة (كما توجبه نظرية الجوهر والعرض بجملة الحدود الميتافيزيقية المستمدة منها كما بينت)!
الفلاسفة (والمتكلمون على أذيالهم) لا يزال الواحد منهم يصر على توريطنا معاشر أهل السنة في حدودهم الميتافيزيقية ومقتضياتها، ومصطلحاتهم وما يترتب عليها، مع أننا لا يلزمنا ذلك أصلا، لأننا لا نقول بتلك النظريات التي نبتت منها تلك الحدود عندهم ولا تلزمنا، لا أصلا ولا فرعا! ولذا فالواجب أن نستفصل عن كل مصطلح يطلقونه ثم نحرر الموقف الصحيح من إطلاقه بالتفصيل الواجب في ذلك!
فالآن نحن نثبت لله تعالى صفة اليد من طريق الخبر، فهل نقول هي واجبة الوجود أم ممكنة الوجود؟ هذا سؤال يظن المتكلم أنه يضعنا به في ورطة! فالمنتظر مني الآن أن أندفع وأقول بل واجبة، فيأتيني المتفلسف أو المتكلم ليقول: كيف تكون واجبة والعقل لا يتناقض بنفيها؟ فإن قلت هي إذن ممكنة، على أساس أنه لا ثالث عندهم لتلك القسمة (إما أن يكون الموجود واجبا يلزم التناقض من نفيه، أو ممكنا يجوز نفيه بلا تناقض)، ألبسني المتكلم بما عليه المتكلمون في نظرياتهم الميتافيزيقية في العلاقة بين ما هو ممكن على حدهم وما هو واجب: أن الممكن لا يكون إلا مخلوقا للواجب، مركبا من جواهر وأعراض بالضرورة، لأنه لم يكتسب معنى الإمكان عندهم إلا بهذا! وإذن يلزم أن أكون قائلا بحلول الحوادث بذات الله تعالى، وهو ممتنع، لأنه لا يوصف بالمخلوقات سبحانه، وإذن يظن أنه ألزمني بالتفويض أو التأويل!
ونحن نقول إن أهل السنة لا يتورطون في ذلك أصلا بفضل الله، من بابه، لأنه ليس ثمة ما يوجب عليهم أن يكون جوابهم جاريا على تلك القسمة وعلى ذلك الاصطلاح، الملازم لطريقة اليونانيين في التنظير الميتافيزيقي في تقسيم الموجودات وأنواعها! بل يسعنا أن نقول إن من الموجودات ما لا يقتضي نفيه التناقض، ومع هذا يكون غير مسبوق بعدم نفسه، فلا هو واجب بمعنى أننا لو نفيناه قبل السمع تناقضنا، ولا هو ممكن بمعنى أنه يجوز أن ينعدم، أو يتصور جواز عدمه قبل وجود!
فالفلاسفة يتحكمون في أقسام الموجودات بالعقل وحده، (ولهم فيه طريقان: قاعدة دفع التناقض من جهة، وأنواع القياس العقلي، لا سيما قياس الشمول من الجهة الأخرى، على الطريقة الميتافيزيقية في التنظير)، خلافا لأهل السنة الذين سلمهم الله من تلك الطريقة جملة واحدة! الممكن عند الفلاسفة هو ما لا يمنعنا مانع عقلي (معرفي) البتة من تجويز انعدامه، والواجب هو ما يجب إثباته بالعقل (على أساس أن نفيه يوقع في التناقض)، فصفات الله الذاتية كالوجه واليد والعين وغير ذلك مما عرفناه من طريق السمع، ليست من الحوادث التي كانت بعد أن لم تكن، وهي كذلك ليست مما يجب إثباته بالعقل على أساس أن نفيه يقتضي التناقض، فما الموقف إذن؟ الموقف أننا نخالفهم في طريقة الإثبات والنفي عندهم من أصلها المنهجي! فالعقل عند الفلاسفة والمتكلمين مقدم على السمع مطلقا، وهو مصدر المعرفة الأساسي في الإثبات والنفي الوجوديين، وهو كل ما نشأ عندهم عن مبدأ التنظير الميتافيزيقي (النظر على شرط الوجود والإطلاق) كما بينت، وهذا لا نقبله ولا نسلم به! فقسمة الموجودات إلى ممكن وواجب راجعة عندهم إلى ذلك المبدأ الفاسد، الذي لا يتسع لإثبات موجود غيبي أو صفة غيبية لموجود غيبي إلا من طريق النظر الميتافيزيقي!
وإلا، فهل نثبت ممكنا غير مخلوق أو غير حادث، مثلا؟ الجواب نعم ولا شك! كل فعل أو كلام أو مشيئة معينة تكون من الله تعالى بعد أن لم تكن، فهي ممكنة وليست واجبة، إذ يتصور في العقل (العقل السلفي وليس العقل الميتافيزيقي اليوناني) أن تقع من الله تعالى بعد أن لم تكن، كما يتصور ألا تقع ولا فرق، خلافا للأشاعرة الذين عطلوا الصفات الفعلية لأن الفعل حدوث، والحدوث على نظريات المتكلمين لا يكون إلا أعراضا تتركب في الجواهر!
فهل اليد ممكنة على هذا المعنى؟ أبدا! بل هي من صفات ذاته سبحانه، الملازمة لها وجوديا، وليست مما يكون بعد أن لم يكن! ولهذا قلت إن حكمها حكم ذاته أي في الحقيقة والكيفية، وكذلك في معنى القدم والأزلية، لأنه لم يكن يوما غير موصوف باليد ثم اتصف بها، سبحانه! فإن لم تكن ممكنة على هذا المعنى، فهل هي إذن واجبة، بمعنى أن نفيها قبل السمع يقتضي التناقض؟ الجواب لا، ليست كذلك أيضا! فما الجواب إذن؟ الجواب أن يقال بالتفصيل الذي بينا، فلا نقول هي واجبة ولا نقول هي ممكنة بهذا الإجمال، بل نفصل وجوبا، والله أعلم.
وكتب
أبو الفداء ابن مسعود
غفر الله له ولوالديه
