جواب سؤال حول قسمة الموجودات عند المتكلمين والفلاسفة!


الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد، فقد جاءني في التعليقات على محاضرة من محاضرات القناة سؤال مهم، فأجبت عنه مشترطا على نفسي الإيجاز مراعاة للمقام، ثم رأيت أن أنشره هاهنا بزيادات يسيرة لتعم الفائدة، والله الموفق للرشاد.

قال السائل وفقه الله: شيخنا ذكرت مرارا فساد قسمة الموجودات عند المتكلمين ولم أفهم وجه الفساد، هلا شرحت لنا أو أحلتني الى شرح لذي المسألة مأجورا؟

فقلت في الجواب (بتصرف):

الحمد لله وحده، أما بعد، فالمقصود بالقسمة الفاسدة، أن الفلاسفة يتكلفون وضع نظريات يُشترط فيها أن تستوعب كل موجود بإطلاق، أي لا يصح في شيء أنه موجود في الأعيان إلا وجب أن تتناوله النظرية بتكييف ما أو بتقسيم ما، جريا على قياس يتخيرونه تحكما. فاليونانيون قالوا فيما قالوا: لا يكون الشيء موجودا في الأعيان، بحيث تقوم به صفات في الأعيان (حقائق وجودية خارج الذهن قائمة به)، إلا بأن تكون حقيقة ذلك القيام وكيفيته وسببه هو أن في الشيء عنصرا وجوديا مركبا فيه يقال له "العرض"، هو مادة جميع الصفات والأحوال وسببها، فما لم يكن في الأعيان مركبا من العرض والجوهر المزعومين، تركيب العنصر المادي الوجودي بنظيره، مما يقبل الفك والإهلاك مبدئيا، فلا وجود له أصلا خارج الذهن، ولا يجوز أن يوجد، لأنه لا يتصور في الأعيان شيء إلا وله صفة ما، يختلف فيها عن غيره من الموجودات، ولا يتصور انفكاك الجوهر عن العرض في أي موجود في الخارج على الحقيقة، بالنظر إلى تعريفهم الميتافيزيقي لكل منهما (أنه أصل كل صفة في كل موصوف). 

فلما اختار أهل الكلام أن يناظروا الفلاسفة لإثبات وجود من خلقهم، اختاروا الخضوع لطريقة اليونانيين في الإثبات والنفي الوجوديين، وهي أن يكون كله جاريا على نظريتهم في الوجود والموجود. فقد سلموا لهم، للأسف، بأن اسم العقل واسم العلم لا يُستحقان إلا بهذا! والسلامة من التقليد في أصل المعرفة لا تكون إلا بهذا! 

فلما كان الفلاسفة يقسمون كل موجود إلى جوهر وعرض، بحيث إن قدرنا عدم أحدهما لم يوجد الموجود ولم يقم به شيء من الصفات البتة، اضطر المتكلمون لإثبات صانع لا حقيقة له إلا الامتناع والعدمية المحضة! 

لماذا؟ 

لأنه من أجل أن يقوم به شيء من الصفات (على تحكمات ساقطة اختلفوا فيها في تعريف كل من العرض والصفة)، فلا يكون ذلك إلا بما شرطته النظرية على كل موجود من كيفية وحقيقة قياسية يحصل بها قيام الصفة بالموصوف! فإذا قلنا إن الرب الذي نعبده سميع بصير، مثلا، قالوا سميع بلا سمع وبصير بلا بصر، لأنهم لو قالوا له حقيقة وجودية في الأعيان هي ما به استحق الوصف بالمعنيين، ألزمتهم النظرية بأن يجعلوه جوهرا تقوم به الأعراض، وطريق الإثبات عندهم إنما هو حدوث الأعراض، أنها لا تحدث إلا لابد لها من محدث هو نفسه غير حادث! فوجب أن يكون ذلك المحدث نفسه مجردا من كل صفة، لأن العرض هذا هو ما به تقوم الصفات بالأشياء في زعمهم! وإذا قلنا إن ربنا عال فوق عرشه على الحقيقة، بذاته، قالوا إن هذا لا يكون إلا تحيزا في جهة، والتحيز هو من جملة الصفات التي تتفاوت فيها الموجودات في الأعيان، فتقوم بكل واحد منهم نسبة مكانية إلى غيره، بما لا يكون إلا عرضا، والعرض حادث، فامتنع! وإذا قلنا الرب الذي نعبده ينزل إلى السماء الدنيا كل ليلة، كما أخبر به نبيه صلى الله عليه وسلم، قالوا لا يوصف بأنه ينزل إلا ما كان يقوم به العرض، والعرض حادث، ولا يقوم الحادث إلا بحادث، فامتنع، وهكذا!

من هنا فسدت قسمتهم للموجودات إلى حادث وقديم، لأن الحادث على النظرية، إنما هو ما تقوم به الصفات! أي أن حقيقة الصفة، أي صفة، من حيث الأصل على النظرية، أنها شيء مخلوق اسمه العرض! ولا يكون شيء بعد أن لم يكن، بإطلاق، إلا بأن يكون عرضا في جسم! ولا يتحول شيء من حال إلى حال إلا كان سبب ذلك التحول، تبدل العرض! وإذن فما كان قديما فمحال أن ينسب إليه أي معنى بحيث يكون موصوفا به بعد أن لم يكن (وجميع صفات الأفعال تتحقق آحادها في الموصوف بها بأن يكون على حال الفعل بعد أن لم يكن عليها)! 

وكذلك لما قسم ابن سينا الموجودات إلى واجب وممكن، محاولا التماس طريقة لا يشترط فيها على نفسه أن يثبت صفة ينسبها إلى العالم بكليته (أي: يؤسس نظره على الطبيعيات)، جعل الممكن هو ما يتصور عدمه بلا تناقض أو تسلسل! فكيف يبرهن على أن الواجب الذي يثبته ليس موجودا من موجودات العالم، كما زعمته بعض الفلاسفة؟ الطريقة اليونانية توجب عليه أن يستوعب جميع الموجودات في نظريته، ومن ثم فإن أراد أن يثبت أن في الوجود موجودا واجبا هو خالق هذا العالم الذي نؤمن به، لزمه أن يبرهن على أن العالم كله ممكن لا واجب، وأن إمكانه راجع إلى موجود ليس بممكن! ومن ثم سلك نفس طريق المتكلمين في مسألة التركب، فعرّف الممكن على أنه ما كانت له أجزاء، على أساس أنه قد كان من الممكن عقلا ألا يكون له نفس تلك الأجزاء، فيتصور أن يكون على غيرها بلا تسلسل ولا تناقض! فترتب على ذلك نفي جميع صفات الذات عن رب العالمين، وصفات الأفعال كذلك، لأن نفس الفعل: حال تكون في الأعيان يتصور عدمها! 

ونفس هذه الآفة يقع فيها من يجعل قسمة الموجودات إلى خالق ومخلوق، طريقا نظريا لإثبات وجود الباري سبحانه! فعلى الطريقة اليونانية يصبح مطالبا بأن يثبت أن العالم كله مخلوق، وإذن يضطر لأن يأتي بتفسير تكييفي لكون المخلوق، من حيث هو مخلوق، على ما هو عليه، فيمتاز بذلك عما ليس بمخلوق! فإن نظر فوجد المخلوقات تقوم بها أبعاض مثلا، ووجد جميع المخلوقات من حوله كذلك، أطلق وقال: من شرط المخلوق أن يكون "مركبا من أبعاض"، على أساس أن الخلق إنما هو جمع البعض إلى البعض لإنشاء الكل! وهو تحكم بالقياس فاسد جدا، لأن مبدأ تجزؤ الكل إلى أجزاء، ليس من شرطه أن يكون الجزء قابلا للفك من جزئه، ولا أن يكون قد أنشئ أو أحدث بتركيب تلك الأجزاء في بعضها البعض بعد أن كانت منفكة! ولا يتصور في موجود في الأعيان أصلا إلا أن يكون ممتدا في الجهات على نحو يتصور معه أن يكون منه جانب وجانب بينهما تباين، فيقال في كل منهما إنه "بعضه" أو "جزؤه" لغة! فما الذي يترتب على ذلك التكييف الذي تفرضه النظرية؟ يترتب نفي الصفات الذاتية عن الخالق، لأن مبدأ الاتصاف بالصفات الذاتية إذن يكون تبعضا، والتبعض مجراه في النظرية على جنس المخلوق، ليس هذا وحسب، بل إنه ما به يتوجه الحكم النظري على ما هو مخلوق وما ليس بمخلوق! كيف نعرف المخلوق؟ يقال: نعرفه بأن له أبعاضا!! 

لذا نقول إن نفس القسمة الميتافيزيقية القائمة على تكييف مطلق على شرط الوجود، أي يراد منه أن يكون تفسيرا لمبدأ وجود الموجود في الأعيان كما مر، هذه القسمة هي منبع ومنشأ الفساد عند جميع طوائف الفلاسفة والمتكلمين: التنظير الميتافيزيقي على هذا المعنى، وهي منشأ كل تعطيل، والله المستعان. 

أبو الفداء


إرسال تعليق