سؤال عن جدة الضبط الدقيق في الكون

 


إن الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبد الله ورسوله، أما بعد:

 فقد راسلني أحد الأفاضل على تعليقات اليوتويب، تعقيبا على المحاضرة الأخيرة المتعلقة بمفهوم الاحتمالات، فقال:

===========

شاهدت المقطع و سوف أعيده وعلمت ان الدكتور حسام دكتور في كلية الهندسة ويا ليت اعرف تخصص الدكتور . 

ولدي أسئلة سوف اطرحه بعد ما اتابع المقطع لمرة ثانية او حتى ثالثة و جزاكم الله خير كلام جميل . لكن هل الفكرة العامة التي يريد الدكتور ان يخرج بها :

1- ان الاحتمالات ليس دليل على وجوب وقوع الشيء مثال لو احتمال شيء ما هو ١٠ اس ٣٥ لا يعني انك لو كررت التجربة ١٠ اس ٣٥ مرة انه سوف يقع لك الاحتمال لانه ليس إلزامي او حتمي ( سماه الدكتور يمكن و ليس واجب )

2- ان الكون في قيمه الحالية لا يعني وجوب نشوء حياة لانه ممكن و ليس واجب

بس سؤالي ليه يرفض فكرة ان الثوابت الفيزيائية مضبوطة في هذا الكون بشكل يسمح لوجود الحياة. انا لا اتحدث انه يحتم وجود الحياة ( القول بانه يحتم وجود الحياة ارى انه كفر بالله ) هذا ما فهمته و سأرجع للمقطع أعيده مرة اخرى لأفهم بشكل افضل . 

هل الدكتور ينفي ان الثوابت الفيزيائية والكونية تسمح بوجود حياة ام انه يرفض ان القوانين هذه تحتم ظهور الحياة لان مثلا كما في بعض الكتب العلمية لو اختلفت بعض القيم لما وجدت نجوم او لما وجد حمض نووي او غيرها من امور ليش الدكتور يرفض ذلك . انا لا اقول ان هذه الثوابت تحتم وجود الحياة ولا ان هذه الثوابت فقط قيمتها الحالية يؤدي لوجود حياة و اَي قيمة اخرى تؤدي لعدم وجود حياة لا لان الله لو اراد خلق كوّن بطبيعة مختلفة تماما عن كوننا مع وجود حياة فيه لفعل جل وعلا ذلك انما الذي افهمه انا من هذه النقطة ان لو لم تكن معدة هذه الثوابت بهذه الطريقة لما وجدنا ولابد انه هناك إعداد لهذه الثوابت و ضبط و هذا دليل من ادلة وجود الله .

=========

فنقول بحول الله وقوته:

مرحبا أخي الكريم،

أما بعد، فقد كان هدف المحاضرة بالأساس بيان أن المنطق الاحتمالي لابد له من حدود في التطبيق، تنبع من مفهوم الاحتمالات الرياضية نفسه، ومن حقيقة أنما موضوعها ما يقع تحت الحس والعادة. وهي حدود قد تجاوزها الطبيعيون من أثر عقائدهم الدهرية المحضة التي أغرقوا بها في أنواع القياس في المغيبات المطلقة. فمجرد إعمال المنطق الاحتمالي في مسألة اًصل الكون ونشأته، في إطار ما يقال له علم الكوزمولوجيا، هذا غلط عقلي محض، وهو كذلك مصادم لاعتقاد المسلمين. فإذا كنا ما رأينا عالمنا وهو يخلق، ولا رأينا الكيفية التي صار بها على ما هو عليه، ولا رأينا كونا مثله وهو يخلق، ولا عندنا في ذلك الباب شيء من حس ولا عادة ولا تجيز عقولنا نشأته بلا منشئ أو خلقه بلا خالق، أو وقوعه على ما هو عليه اتفاقا بلا غاية ولا علة ولا تدبير، فبأي عقل يقال إن احتمالية أن يكون العالم قد نشأ على ما هو عليه بالصدفة هي احتمالية تبلغ الواحد الصحيح إن فرضنا وجود عوالم أخرى لا نهاية لعددها، في كل واحد منها اختلاف ضئيل عما عليه عالمنا؟؟ وكذلك بأي عقل يقال – في المقابل – إن احتمالية أن يكون مخلوقا مربوبا تبلغ كذا وكذا، بالنظر إلى أن خصائص الكون الذي له صانع أو  خالق تتحقق فيه، خلافا لخصائص الكون العشوائي الذي ليس له صانع؟؟ ومتى رأى أحدنا كونا ليس له صانع، بل وأين سبق أن رأينا كونا آخر غير علمنا له صانع، حتى يحصل لنا من التكرار ما به تثبت العادة في أنواع الأكوان المخلوقة، ومن ثم نقول بتطبيق المنطق الاحتمالي، إن عالمنا هذا تترجح احتمالية أن يكون مخلوقا على ألا يكون كذلك؟؟ 

ليس في الحس ولا في العادة ما يجيز لنا أن نستنبط الطريقة التي خلق بها هذا العالم أصلا، لا بالمنطق الاحتمالي ولا بغيره من أدوات البحث التجريبي، وهذا هو أصل الخلاف الذي بيننا – معاشر أهل السنة – وبين الطبيعيين، ومن تشبع بطريقتهم ونظريتهم المعرفية في الإثبات والنفي والاستدلال على الغيبيات المطلقة! هم يجيزون إعمال المنطق الاحتمالي على الغيبيات كلها، بما فيها مسألة النشأة، على تقدير حصولها في نظرياتهم، لأنهم يؤمنون إيمانا دينيا راسخا بأنه ليس في الماضي إلا نوع الحوادث الطبيعية، ولا في المستقبل إلا نوع الحوادث الطبيعية، وليس في الواقع في أي مكان منه إلا الحوادث الطبيعية، لأنه لا موجود بحق عندهم إلا الطبيعة. من هنا جاء إطلاقهم معادلاتهم وأدواتهم وقوانينهم على جميع ما في الوجود، وهو ما منه خرجت نظرياتهم في أصل العالم، التي نرفضها رفضا قاطعا ولا نقبلها، ولا نبالي بما وافقوا الحق فيه منها لأنها لا تقوم عندهم إلا على أصول الدهرية الطبيعية! 

فعندما يتكلم القوم عن نشأة الحياة، يبحثون في أسبابها كوزمولوجيا، فهذا بحث مرفوض عندنا جملة وتفصيلا، لقيامه على منهج معرفي فاسد من الابتداء، ينبغي لمن يقبله أن يسلم تسليما بكليات الدين الطبيعي والطبيعية المنهجية Methodological Naturalism التي يجب على المسلمين أن يبرؤوا منها! ليست القضية قضية وجوب أو إمكان وحسب، وإنما القضية قضية منطق فاسد في الاستدلال يقوم قياما كاملا على كليات فلسفية لا نقبلها. فأنت حتى تقول إن الحياة "نشأت" في هذا العالم بسبب كون الأرض تتصف حال النشأة بالصفات (أ) و(ب) و(جـ)، فمن أين لك القول بهذا التفصيل؟ من أين جئت بهذه الصفات؟؟ لن تجد لديك إلا تمديد النظام الطبيعي الحالي على ما هو عليه، لما قبل نشأة الأنواع الحية كلها على الأرض، ثم تتأمل فيما عليه النظام الحالي من ظروف تلائم الحياة وظروف تمنعها، لتنقل ذلك بالقياس إلى ما كانت عليه الأرض حال النشأة الأولى للأنواع الحية! فهل هذا المنطق في القياس نقبله؟ أبدا! لماذا؟ لأننا نجزم بأن الله حين خلق الأنواع الحية كلها على الأرض وبثها ونشرها، كان ذلك منه في أيام الخلق الستة، وهي أيام لم يكن حال العالم فيها على ما نعهده، ولا ندري ولا يمكن أن ندري بقياس ولا بغيره، كيف كان العالم حالئذ، وهل كانت لله فيه سنن ثابتة أم لم تكن، لا سيما وقد قال جل شأنه: ((فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظاً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ)) [فصلت : 12] فدل على افتراق خلق السماوات عن قضاء الأمر فيها، وأن أحد الفعلين ليس مقتضيا للآخر ولا ملازما له، بل هما منفكان، خلق السماوات، وقضاء النظام والأمر فيها! وكيفما كان من أمر، فالعقل يقطع بأن الكون لم يخلق بنفس السنن والطبائع التي ركبها الله فيها حال خلقه أو بعد ذلك! فلا نجد في العقل ولا في النقل ما يجيز لنا الاجتراء على ذلك الغيب المحض بالقياس بأي صورة من صوره، وإنما نقف فيه على ما جاء به السمع ولا نزيد! هذا هو منهج أهل السنة الذي يجب بيانه بكل وضوح والقول به بحزم لا يلين، وأن نبينه لإخواننا الذين انجرفوا في طرائق الطبيعيين في الاستدلال والإثبات والنفي، غير منتبهين إلى لوازمه ومقتضياته، هدانا الله وإياهم للصواب! 

فإذا كنا لا نعلم، ولا نجد طريقا لأن نعلم (وهو ما يسمى عند الفلاسفة المعاصرين بالامتناع المعرفي Epistemic Inaccessibility) كيف كان العالم حال خلق الحياة على الأرض بعد أن لم تكن، فبأي حق يستجاز القول بأن الثوابت الفلانية كان ينبغي أن تكون على ما هي عليه الآن حتى تنشأ الحياة؟؟ الطبيعيون يقولون بتلك المقالة لأنهم طبيعيون دهرية، وضعوا بالقياس مزاعم واهية في الكيفية التي نشأت بها الحياة، ثم رجعوا من ذلك بقياس عكسي مفاده أن الحياة ما كانت لتنشأ (بطريقتهم الطبيعية الصرفة) إن قدر أن كان العالم على خلاف ما زعموه في نظرياتهم، ولو بقدر ضئيل! نعم على نظريتهم لابد أن يكون الأمر كذلك! لابد أن يقولوا إنه لو قدر أن كانت سرعة الضوء – مثلا - تختلف اختلافا ضئيلا لخربت الدنيا ولما نشأت الحياة، لماذا؟ لأنهم إنما بنوا أسطورتهم التطورية الكوزمولوجية كلها من أولها لآخرها على الزعم بأن الجسيمات كلها كانت تتحرك بتلك السرعة التي ما عرفوا غيرها، من لحظة الانفجار المزعوم وإلى يومنا هذا! فلو فرضوا سرعة مخالفة في أي مرحلة من مراحل الأسطورة، لاختلفت مخرجاتها بطبيعة الحال عما هي عليه الآن، ولما وقعت أسطورة التطور الدارويني كما يزعمونها! ولابد أن يقولوا بأن الجاذبية كانت عاملة على كل شيء، وخاضعة لمعادلات النسبية العامة من لحظة الانفجار المزعوم وإلى يومنا هذا، لأن النظرية الكوزمولوجية كلها (أو النموذج الكوزمولوجي كما يسمى) إنما بنيت عندهم وشيدت تشييدا، من أولها إلى آخرها، بجميع تفاصيلها، على ذلك الافتراض من الأساس! فلو قدروا اختلافها قيد أنملة في الماضي عما هي عليه الآن، لانهار لهم الموديل الكوزمولوجي الحالي كله! ولا شك أنهم إن انتهوا بفرضياتهم الابتدائية Initial Conditions إلى غير ما زعموا أن المشاهدات تدلهم عليه من حال الكون بكليته في زماننا الحاضر، فإن هذا يعني فساد تلك الفرضيات الابتدائية، وإذن فلابد أن تكون الفرضيات الصحيحة هي التي أوصلت في النهاية إلى ما يوافق النظرية الأستروفيزيائية الحالية لا إلى غيره! فإن قدرنا أنهم غيروا النظرية الأستروفيزيائية نفسها، فسيلزمهم تغيير النموذج الكوزمولوجي بما يوافق ذلك، وحينئذ تصبح تلك الشروط الأولية الجديدة هي الشروط التي ما كانت الحياة لتنشأ على الأرض لو كانت على غير ما زعموا!! 

فإذا كانت فرضيات النموذج الكوزمولوجي (التي هي كلها افتيات على الغيب عظيم كما ذكرنا) مستمدة من طرد تلك الثوابت والقوانين المحسوسة حاليا في جهة الماضي بلا حد ولا قيد، وعلى النظرية الفلكية الحالية كيفما اتفق لها أن تكون، فكيف وبأي عقل يكون في تلك الفرضيات نفسها ما يستدل به على أنها كان لابد وأن تكون على ما هي عليه حتى تنشأ الحياة على الأرض؟؟ هذا وجوب إبستمولوجي أداتي محض Instrumental necessity وليس وجوبا وجوديا Ontological Necessity، ولا يستفاد منه حتى الإمكان العقلي الوجودي Ontological Consistency! وإنما هو منطق دائري محض، تفترض فيه الدعوى الوجودية (أ) وتستمد منها الدعوى (ب)، ثم يرجع الناظر بالدوران ليقول إن (ب) ما كانت لتوجد وقاعا لولا أن وجدت قبلها (أ)! فلماذا كان ذلك كذلك؟؟ لأن النظرية مبنية كلها على هذا الأساس!     

والقصد أن هذا الذي يسمونه بالضبط الدقيق Fine Tuning، ليس حقيقته إلا ذلك الدوران المعرفي الأجوف Epistemic Circularity في أمر غيبي محض! 

ولهذا، وكما سأبين في محاضرة مستقلة بإذن الله تعالى، لم يزد مؤسسو ذلك المبدأ على القول بأن الإنسان ما كان ليمكن أن يوجد لولا أن كانت مجريات ميثولوجيا النشأة الكوزمولوجية على ما كانت عليه بالضبط لا على خلاف ذلك، ولهذا فأيما تركيبة أو توليفة أخرى يمكن تصورها أو افتراضها لمجريات تلك القصة الخرافية الطويلة فلن توصل في النهاية إلى نشأة الإنسان! ونقول لا عجب! أنت بدعتم القصة بإعمال تلك القوانين والنظريات، فلو فرضتم اختلافها فيقينا لن تخرجوا منها بنفس النهاية! فوجب ألا تكون إلا كذلك! فالمسألة ليست إلا تحصيلا لحاصل (معرفيا) عند التأمل، ألا وهو النموذج الكوزمولوجي نفسه لقصة النشأة التطورية المزعومة! ولا يزعم أن فيها دلالة على وجود الباري إلا من لم يفهمها حق الفهم، والله المستعان!

فنحن لا نجيز أن يقال إن الله تعالى قد خالق ثوابت الكون بما يوجب نشأة الأنواع الحية على ما ينتهي بها إلى نشأتنا نحن، ولا أن يقال إن الله قد خلق ثوابت الكون بما يجيز أن تنشأ الأنواع الحية على ما هي عليه! فكل هذا إنما يقوم على التسليم بصحة الأسطورة الكوزمولوجية والطريقة التي توصل بها أصحابها إليها، وهذا لا نقول به! وإنما نقول إن القوانين والثوابت كلها جارية الآن على ما يلائم وجود الأنواع الحية وقيامها كلها بما خلقت من أجله، وهو أمر بدهي فطري لا علاقة لها بهذيان الكوزمولوجيين ولا بأصول الطبيعيين! ثم نقول الله أعلم بما كانت عليه الثوابت في الماضي السحيق، وما كان عليه نظام العالم، وإنما نجزم بأنه كان كذلك ملائما بالضرورة لما كان في الأرض حينها من الأنواع الحية! ولا نقول بأن الكائنات الحية إنما خلقت تبعا لما كان عليه نظام الطبيعة حينها، فالله أعلم متى بدأ الله نظام الأرض على ما بدأها عليه، وهو وحده يعلم كيف كانت الأزواج الأولى من الأنواع الحية حين خلقها الله وبثها في الأرض على نحو غيبي لا نعلم له في عادتنا نظيرا! فالأمر كله خارج عن إطار النظر الطبيعي مبدئيا! 

فقولك " بس سؤالي ليه يرفض فكرة ان الثوابت الفيزيائية مضبوطة في هذا الكون بشكل يسمح لوجود الحياة" نقول: هم لا يقولون "يسمح بوجود الحياة"، وإنما يقولون "يسمح بنشأة الحياة"، هذا هو الضبط الدقيق عندهم، وتأويله لديهم هو المبدأ الأنثروبي، وهو على مستويين، المستوى الضعيف، ويقولون فيه إن الكون الآن على حال تسمح بوجود مخلوقات عاقلة ذكية، وهذا أمر بدهي، وتقريره على هذا النحو لا يفيد بشيء! وإن كنا لا نقبله لأن الحياة عندنا ليس وجودها خاضعا لسماحية النظام الطبيعي من عدمه، وإنما هي كذلك عند الطبيعيين الدراونة الذين جعلوا الانتخاب الطبيعي هو شرط بقاء النوع الحي أو فنائه! فلا نجيز أن يقال: إن الحياة موجودة في هذا الكون لأن قوانينه تسمح بوجودها! وإنما نقول إنها موجودة في العالم لأن الرب الباري جل شأنه أراد أن يخلقها فيه، فجعلها وجعله على ما يحصل به المقصود والحكمة من خلقهما جميعا! وأما الصيغة القوية Strong Anthropic Principle فهي قولهم: إن الكون يوصف بهذه الصفات فيزيائيا، لأنه كان يجب أن يوصف بها حتى توجد فيه حياة! فبما أنه توجد فيه حياة، فلابد أن تكون القصة الكوزمولوجية كلها قد جرت بما يفضي في النهاية إلى نشأتها! فهو أيضا كسابقه، إلا أنه يزيد عليه بمسألة الوجوب! فبينما لا تمنع الصيغة الأولى من نشأة الحياة داروينيا تحت شروط أولية مخالفة لما بدأت به الأسطورة الانفجارية الحالية، فإن الصيغة الثانية تمنع من ذلك! وكلاهما وغيرهما من صيغ ذلك المبدأ التي لا يتسع لها هذا المقام، هي عندنا مردودة لا نرفع بها رأسا ولا نجيز استعمالها للانتصار لوجود الباري جل شأنه.

فقولك: "انما الذي افهمه انا من هذه النقطة ان لو لم تكن معدة هذه الثوابت بهذه الطريقة لما وجدنا ولابد انه هناك إعداد لهذه الثوابت و ضبط و هذا دليل من ادلة وجود الله" قلت: هذا هو المبدأ الأنثروبي القوي عند الطبيعيين كما بينا، وقد تمسك به كثير من اللاهوتيين النصارى ومن شاكلهم ومن تأثر بهم من بني جلدتنا، لأنهم ظنوا أن فيه دليلا على وجود الله تعالى. والواقع أنه إنما يصلح – بالمنطق الدوراني الذي أشرنا إليه آنفا – دليلا على أن الحياة نشأت على الأرض داروينيا في ظل النظرية الكوزمولوجية الحالية، وما كانت لتنشأ إلا كذلك، ولا عجب لأن كلاهما تأسسا على نفس الفلسفة الطبيعية الفاسدة، التي بها ركبت مفردات النظريات الغيبية في بعضها البعض تركيبا تناسقيا من الابتداء! أما أن تكون دليلا على وجود الباري فليست كذلك!

وإنما يكون دليلا على وجود الرب سبحانه، ما نجده في فطرتنا جميعا معاشر البشر من الجزم بأن هذا النظام التام المحكم الذي يلائم وجود الحياة ملاءمة تامة، وقد سخرت لنا جملة كبيرة من أسبابه تسخيرا، إنما هو كذلك لأن الذي خلقه رب حكيم عليم لا يخلق ما يخلق عبثا سبحانه! وصحيح إن تغير بعض الشروط اللازمة لحياة بعض المخلوقات الحية يقتلها في عادتنا، إلا أن ذلك لا يكون إلا تغيرا في إطار النظام الواحد الخاضع لقوانين وثوابت واحدة، هي تلك التي جعلها الله في هذا العالم! فما نملك إلا أن نقول إن الله تعالى لو قضى أن بلغت درجة حرارة الجو غدا عشرة أضعاف ما هي عليه، من غير أن يغير في طبائع أجسامنا شيئا لهلك جميع من في الأرض، ولو قدر أن هبطت إلى مئة درجة مئوية تحت الصفر أو يزيد، من غير أن يغير فينا شيئا، لهلك جميع من في الأرض! أما أن نقول إنه لو قدر لعالم من العوالم أن يخلق من الابتداء على هذه الدرجة من الحرارة أو تلك الدرجة من البرودة لما جاز لهذه الأنواع الحية التي نعرفها أن توجد فيها، فهذا تألي على رب العالمين، وإخضاع لقدرته وحكمته وعلمه لحدود تلك الطبائع التي كان هو من خلقها وقضاها بأمره وحده لا شريك له! فلو أنه سبحانه أراد أن يخلق عالما يكون فيه هذه الأنواع كلها على ما نعرفه من صفاتها وخصائصها، ويكون فيه بشر أمثالنا لا يظهر لنا أن في خلقتهم ما يخالف خلقتنا البتة، ومع ذلك يكون عالمهم على خمسين أو مئة ضعف ما عليه عالمنا هذا من شدة الحرارة أو البرودة، وهم لا يشعرون به إلا كما نشعر نحن بحرارة وبرودة عالمنا في إطار احتمال قدرة أجسامنا على الاحتمال، لما أعجزه ذلك سبحانه وما أعياه! ولكن الكوزمولوجيون لا يثبتون ربا بالغيب له إرادة وعلم وحكمة، يقضي أمره في خلقه كما يشاء ويختار ((وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ)) [القصص : 68]! هؤلاء المستكبرون المتجبرون ينظر أحدهم بالقياس، إن هو أراد أن يخلق عالما كعالمنا هذا في يوم من الأيام فبأي الأسباب يأخذ، وعلى أي المقادير يضبط صنعته؟ فيقيس ربه على نفسه في العلم والقدرة والملك والسلطان، وفي الخضوع لسنن الأسباب التي كان هو من سنها بأمره وإرادته جل شأنه، ثم يأتيك ليقول: لو كان العالم على غير هذا القانون أو ذاك أو لو تغير مقدار هذا الثابت أو ذاك، لما وجدت الحياة على الأرض ولما أمكن أن توجد، فما نقول إلا كما قال ربنا تبارك وتعالى: ((مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ)) [الحج : 74] وقوله عز وجل: ((وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ)) [الزمر : 67]، سبحانه وتعالى عما يصفون علوا كبيرا! 

والقصد يا أخي الكريم أن الذي يستدل بمسألة الضبط الدقيق هذه على وجود الباري، فإنما يستدل بها – من حيث لا يشعر - على وجود صانع بشري أو مماثل للبشر، غايته إن أراد أن يخلقنا أو أن يخلق خلقا مثلنا، أن يضبط العالم فيما سماه الكوزمولوجيون بالشروط الطبيعية الأولى للنشأة الطبيعية المزعومة Initial Conditions، على نفس تلك الوصفة الطبيعية التي اتفق لها اتفاقا أن أجازت نشوء الأنواع الحية وتطورها في عالمنا هذا! فمن هنا ترى الواحد منهم يقول إن احتمالية أن ينشأ عالم تكون جميع تلك المقادير مضبوطة فيه بهذا الضبط الدقيق للغاية، الذي يسمح بالنشوء الدارويني للحياة فيه، ضئيلة إلى حد يفوق التصور، بناء على تقدير احتمالي فاسد لا أساس له إلا الوهم، لجميع المقادير التي يمكن لكل ثابت من تلك الثوابت أن يتخذها استقلالا، فأي شيء هذا إن لم يكن إغراقا في قياس خلق الباري على خلق البشر، وتشبيه أفعاله بأفعالهم؟؟ ذلك أن أساس ذلك المنطق الاحتمالي – الذي استعمله ويليام بيلي في برهان التصميم لديه، وتابعه عليه دمبسكي وبيهي وغيرهما – إنما هو نظرك في شيء يبدو وكأنه من صنع إنسان، لتقدر احتمالية أن يكون كذلك حقا، في مقابل احتمالية أن يكون قد تكون بغير تدخل بشري! فتقول مثلا: ما احتمالية أن يكون هذا التركيب الصخري الذي يشبه درجات السلم (في عشر درجات كاملة) قد نشأ بلا تدخل بشري؟ فيقال لو كانت درجة واحدة أو تبدو وكأنها درجة واحدة مستوية منبسطة لكانت الاحتمالية بمقدار أعلى بكثير مما تكون عليه في عشر درجات كاملة كلها مستوية منبسطة ومقسمة تقسيما دقيقا! فإن العادة البشرية ليس فيها إلا أن يكون ذلك النحت والتسوية الدقيقة لشكل كهذا من صنع إنسان بغرض النقل من منسوب منخفض إلى منسوب أعلى. فهذا كله مداره على العادة البشرية في مصنوعات الإنسان في مقابل ما يوجد في العالم من غير أن يكون للإنسان فعل فيه أو تأثير! فبأي عقل ودين يقال إن ما يسمى "بحجة التصميم" وكذا حجة "الضبط الدقيق" تدلان على وجود رب العالمين؟؟ بل ما تدلان إلا على وجود مصمم ذكي من جنس المخلوقين، والله المستعان لا رب سواه! 

هذا ما تيسرت كتابته في مقال كهذا، وبإذن الله يأتي بسط وبيان في محاضرة لاحقة، وفقنا الله وإياك لما فيه الرشاد.

إرسال تعليق