الرد على كلام الشيخ "مولود السريري" في مسألة التجسيم وتفويض الكيف - الجزء الخامس


الحمد لله وحده، أما بعد، قال الشيخ هداه الله للسنة: 

"لأن التكييف إذا علم، إنما يعلم به تعيين الصورة، وقد تكون الصورة هنا الجسمية فقط، كما سبق أن ذكرنا في اليد، وما شابه ذلك، وأنا لا يهمني أن تكون معتقدا لهذا، ولكن المشكلة أنك لا تريد أن تقبل الجسمية، لو عبر الإنسان وقال أنا مجسم، وأؤمن بالتجسيم، لانتهى الأمر، فأمره بينه وبين خالقه، ونحن لا نحاسب أحدا، ولكن في المسائل المعرفية العلمية الدقيقة التي تستبطن بعض المعارف المنكرة، فهذا هو محل الإشكال، وهذا محل الخلاف، فهل تثبت الآن أن هذه العبارة تدل على الجسمية؟ من قال إنها لا تثبت الجسمية وأننا نقول: نثبت المعنى، ثم نتخلص من هذا المعنى بقولنا نفوض الكيف، فليبين لنا وجه ذلك مشكورا، فهذا أساس القول، ونحن مستعدون للحوار، ولكن بشرط أن يكون هذا الحوار مبنيا على البراهين العلمية الدقيقة." 

قلت: تقدم بفضل الله وقوته بيان ما أشبع به الشيخ كلامه من مجملات الفلاسفة والمتكلمين، وبيان أن هذه الآفة، آفة الإجمال في المقال، واشتباه المصطلحات، عند أهل الكلام كافة، راجعة عندهم أصالة إلى المنبت اليوناني لنظرية الجوهر والعرض، ولطريقة أصحابها الفاسدة في إطلاق الأحكام القياسية التكييفية بتقسيم الموجودات وتجنسيها وتصوير حقائق جميع المعاني الموصوفة بها تلك الموجودات، سواء كان اتصافها بها بمقتضى نفس وجودها وقيامها في الأعيان خارج الأذهان، أو غير ذلك، وتفسيرها بناء على ذلك التكييف المطلق بقيام موجود معين بموجود آخر معين، قيام الجزء القابل للانفكاك، بالكل الذي يتركب منهما معا! وبينا أن هذا هو منشأ عدوانهم جميعا على كليات اللغة بتكييفات ليس من شرط الوضع اللغوي ولا استعمال أهل اللسان، أي لسان كان، أن تلازم تلك الكليات الذهنية ملازمة مطلقة كما زعموا عند كل استعمال، بحيث لا يوجد فرد في الأعيان، بحيث يصح دخوله في تلك الكليات بوجه ما، إلا وجب أن تصح عليه تلك الكيفية أو الحقيقة أو الصورة أو الهيئة القياسية المعينة المأخوذة من بعض أنواع الموجودات الداخلة تحت المعنى الكلي في مجرى الحس والعادة! فإذا كان هذا هو أساس حكمهم المطلق بأنه لا تقوم تلك المعاني بشيء ما في الأعيان، أي شيء، إلا وجب أن يكون "جسما" مركبا مما قالوا له "الجوهر" وما قالوا له "العرض"، تبين أنه لا يلزم إلا من كان موافقا لهم في هذا الأصل المعرفي الكلي، مقرا لهم عليه إجمالا، ولمن قلدوهم عليه من الفلاسفة الأولين! فهو أساس ما يزعمونه من التنزيه والتقديس لرب العالمين، وما يرونه في المقابل من قياسه على المخلوقات، وبه يلزم المعتزلي الأشعري بالجسمية، ويلزم الأشعري الكرامي بها، وغيرهم من طوائف القوم وفرقهم، كل هؤلاء يلزم بعضهم بعضا "بالجسمية" على هذا المعنى، لأنهم جميعا منطلقون من تلك النظرية ومن طريقة أصحابها الأوائل في بناء الأحكام العقلية تأسيسا على نظرية ميتافيزيقية، متفقون على أصولها الأولى جملة!  

هذه قواعد كلية كلهم (أعني جميع مذاهب أهل الكلام القديمة التي توارثها المسلمون من القرون السالفة) متفقون جملة على اعتبارها وعلى التحاكم إليها، وعليها تجري مناظراتهم في أيما قضية تكلموا فيها، فالإلزام بها فيما بينهم، وراد من هذه الجهة! أما ونحن فنقول إننا لا نقول بها ولا نقبلها مبدئيا ولا نقركم عليها، بل نبرأ إلى الله منها جملة واحدة، أصولا وفروعا، فلا يحق للمتكلم من أيما فرقة كان، أن يلزمنا بلوازمها أو يحاكمنا إليها ونحن لا نقول بها ولا نسلم! بل الواجب عليه – على نفس الطريقة اليونانية التي هم متشبعون بها - أن يرجع معنا إلى المقدمات العقلية الأولى التي تقوم عليها تلك الأصول المنهجية اليونانية نفسها عند أصحابها، ليجادلنا فيها! فنحن نقول إن إطلاقاتكم في معاني هذه المصطلحات التي تحاكموننا إليها، غير مسلمة عندنا! بل نحن منفكون منها أصلا، ونرى أن التزامكم إياها فاسد عقلا من مبدأ الأمر، وله من اللوازم الفاسدة ما له! وهذا التقرير والمدخل للحجاج هو ما سلكه معهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وقطع فيه شوطا لم يسبقه إليه أحد من المسلمين، بفضل من الله ومنة، أسأل الله أن يطيب ثراه وأن يقدس مرقده! وهو الحق الذي يجب أن يدفع بين أيديهم على أحسن ما يحصل به البيان، حتى يتبين لهم فساد ما زعموه قطعا للعقل، وأنه ليس بذاك! ولكن لأن القوم كانت عقولهم قد طبعت على تلك الطريقة اليونانية طبعا، وأسست عليها تأسيسا، لم يجدوا إلا أن يحكموا عليه، رحمه الله، بالسفسطة على المعقولات، وجحد الضروريات جملة، وما شاكل ذلك مما يحسنون رمي الخصوم به في كل مناظرة! ولا عجب! فهذه القواعد والأصول العقلية الكلية التي أسسوا عليها مذاهبهم، يجب أن تكون هي قطع العقل التام عندهم، وأن يكون المخالف فيها سوفسطائيا مكابرا جاحدا للعقل وضرورته البتة، لا لأنها هي الحق الجلي الذي لا يماري فيه عاقل، فهم وخصومهم ممن هم معظمون عندهم (من حيث أنهم فلاسفة ونظار وكذا)، لا ينكفون عن المراء فيها ولا يملون ليل نهار! ولكن لأنهم لو جوزوا انخرامها بوجه ما، لانهار عليهم البنيان ولزال أساس الإيمان، وإذن لاضطروا لإهمال تراث ضخم من كتب الكلام والفلسفة ومطولات أصول  الدين، لم يزل الناس يتوارثونه على أنه هو تراث أهل السنة والجماعة واعتقادهم وتحقيق العقليات عندهم، وهذا ما لا يتصورونه لأنفسهم، والله المستعان! فالتعصب والتحزب الأعمى هو المانع من قبول الحق في هذه القضية كما في غيرها مما خالفنا فيه أهل الملل والنحل، ولنفس أنواع الأهواء عند التحقيق! 

فقول الشيخ هداه الله وأصلحه: "لأن التكييف إذا علم، إنما يعلم به تعيين الصورة، وقد تكون الصورة هنا الجسمية فقط" هذا لا نسلم له فيه بما يقصده بالتكييف ولا بما يقصده بالصورة ولا بما يقصده بالجسمية! ولا مستند له في كتب وتصانيف معلوم أنها كلها قام أصحابها فيها على نفس الخلل، وانطلقوا من نفس المنطلق اليوناني الذي عليه اعتراضنا! وليس عدم تسليمنا هنا مما يورد علينا التهمة بالسفسطة، كما أكاد أقطع بأنه مورده علينا لا محالة إن قدر له أن طالع هذا الكلام، فإن المسفسط هو الذي يجحد ما علم وجوبه بأول العقل، دون تطلب نظر أو استدلال، وليس من يعترض على المعنى الذي اصطلح عليه أهل صنعة ما بلفظ ما، ثم استندوا إلى نفس المصطلح لإلزام الناس بموافقتهم، بدعوى أن اللغة توجبه وأن أصل الوضع اللغوي قائم عليه! نحن ننازعكم في هذا، ولنا أن ننازعكم فيه كما قبلتم نزاع الفلاسفة فيما هو أعظم منه! بل أكثر من هذا أقول إن لنا عليكم أن تنزلونا بهذا النزاع منزلة النظار أصحاب الرأي الوجيه المعتبر عقلا، كما تقولونه للفلاسفة عند كل مخاصمة تجري بينكم وبينهم، وإذن تحجموا عن تبديعنا وتفسيقنا ولمزنا في كل مناسبة "بالحشوية" و"التجسيم" وهذه الأشياء! فإننا لا نسلم لكم أصلا بالمبدأ العقلي الذي عليه توجهتم إلينا بتلك التهمة! ألست قد قلت يا شيخ مولود، فيما قدمت به لكلامك هذا: "على كل فهذا باب مفتوح للمناقشة، وذو الدربة في المعقولات الذي يغوص في أعماق المسائل بنفسه غير مقلد، يستطيع أن يناقش حتى في المواضع التي يكون فيها قول المخالف صحيحا"؟؟ فما قصدك باستطاعة المناقشة في ذلك الموضع؟ لا يفهم منها إلا أنه إذن يكون قادرا على إيراد المعارض النظري المعتبر على ما تزعمه أنت في هذا المقام أصلا عقليا منصرما لا ينخرم، ولا يرد عليه الخارم أو الناقض بحال! وها نحن أولاء نناقش ونجادل، ونزعم أننا أولو دربة في المعقولات وغوص في أعماق المسائل بلا تقليد! لا لابن تيمية رحمه الله ولا لغيره! فعلى الطريقة اليونانية التي تشربتم بها وأسستم عليها أقوالكم، لا يكون مخالفكم الذي تحقق فيه الشرط المذكور، إلا صاحب رأي وجيه معتبر، وإذن فلا يجوز تبديعه ولا تفسيقه، كما هو دأبكم في جميع من تسمونهم بالوهابية والتيمية والسلفية العصرية وما شاكل ذلك! أنتم أصحاب رأي توافقون عليه الأشعري في طور من أطواره، ولن أقول تقلدونه، لكن أقول توافقونه، ونحن أصحاب قول نوافق عليه ابن تيمية، رحم الله الرجلين جميعا، فلا تتهمونا بتقليده إلا اتهمناكم بتقليد الأشعري، والعبرة في كل قول بدليله! وإذا كان الأمر موردا للنظر عند من تأهل له، على شرطك، فلا يجوز أصلا أن يكون الأمر مما يحتمل الخفاء والالتباس والاشتباه، كما هو الشأن في جميع ما تناظرتم عليه أنتم ومخالفوكم منذ أن ظهرت طريقة الكلام البائسة تلك وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ومع هذا يتهم المخالف فيه بمجرد المخالفة، فيقال "مبتدع" "ضال" "فاسد الاعتقاد"، إلى غير ذلك مما جارى السلف على اتهام المخالفين به في أصول الاعتقاد! فهم إنما اتهموا المخالفين في الاعتقاد بتلك التهم، لأن ضرورتها مستمدة عندهم من جلاء النصوص القطعية في الدلالة على صحة معتقدهم، ومن قيام ذلك كله على المعارف الفطرية الأولى التي بها عرفوا صحة رسالة محمد صلى الله عليه وسلم من الأساس، ومن ثم صحة نسبة النص المؤسِّس للاعتقاد عندهم، إلى الوحي من رب العالمين! فمن هنا، ولقوة الجلاء العقلي لتلك الأصول، يصبح المخالف فيها من أهل القبلة ممن تعرض لتلك النصوص، آثما فاسقا مستحقا للذم والعقوبة! أما أنتم، فتشربتم بطريقة يونانية في السفسطة على البدهيات الأولى بداية من وجود من خلقكم وخلق كل شيء من الأساس! طريقة اضطرتكم اضطرارا لأن تتكلفوا تأسيس المعرفة بمخلوقيتكم ومربوبيتكم على مقدمة ميتافيزيقية يفيد إثباتها المعرفة بحدوث العالم بكليته، من حيث هو جنس من الموجودات يوصف بالمعاني والصفات التي يوصف بها لكونه مركبا من كذا وكذا، على طريقة القوم السوفسطائية في إطلاق النظر بلا حد ولا قيد! فإذا كان وجود من خلقنا وخلقكم أمرا نظريا موردا للجدال والتنقير عن أسباب معرفية أولى يقطع العقل بها ومن ثم يؤسس الحكم بإثباته عليها إذا استحضرها أو سيقت إليه، مع أنه عندنا وعند الرسل من قبلنا وأتباعهم، وعند جميع العقلاء أمر بديهي فطري غير ملجئ للنظر، فبأي مانع تمنعون المخالفين من إيراد النظر على جميع ما زعمتم أن العقل يوجبه ويضطر الناس إليه اضطرارا، مما قدمتم به وبلوازمه لإثبات الباري؟ تقولون هذه مقدمات ضرورية، من جحدها جحد الضرورات، فيقال لكم أثبتوها لنا أولا كما طالبناكم بإثبات مخلوقيتكم وأنتم ترونها أمرا ضروريا فأجبتمونا! اطردوا المنهج ولا تتناقضوا! وإذن فعند أي حد يوقف ليقال: حسبكم هذه هي الضرورة التي لا يماري فيها إلا مكابر، إذا كان المراء في وجود الباري من الأساس، وادعاء خفاء الدليل عليه، ليس جحودا ومكابرة؟؟ 

وإذا كان النزاع على وجود الباري جل شأنه ملجئا لنظر عقلي قد يخفى وجهه على بعض الناس أو يتخلف عندهم لسبب ما أو لآخر، فلماذا لا يرد عندكم إعذار الملحد الدهري بالجهل والخفاء والاشتباه، وإن بقي العمر كله يناظر ويجادل ويصر على أنه لا يظهر له ما يظهر لكم، ولا يرى وجه دلالة شيء من أدلتكم على ما تزعمون دلالتها عليه، مع أنكم تعرفون كما نعرف أن مسألة إثبات الصانع قد صارت هي أصعب وأعوص مسائل الفلسفة على الإطلاق، وأن الرجل لو أمضى عمره كله يتتبع جدال الفلاسفة والمتكلمين واللاهوتيين عليها فلن يكفيه لاستيعاب ذلك والإلمام به؟ 

هذه الأسئلة لا أوردها هاهنا مراء ومماحكة، معاذ الله، ولكن لأبين أن منهجكم قائم على أصل كلي يمنعكم من اتهام مخالفكم في العقيدة بأيما تهمة أصلا، بداية من المخالفة في وجود من خلقه وخلق كل شيء، لأنه يظل من الوارد والمتحمل، أن يكون صادقا في زعمه خفاء جميع ما سقتموه إليه من البراهين الكلامية، وقصورها عن إقامة المطلوب في نفسه، دون أن يكون لديكم ما يندفع به ذلك الاحتمال من طريقكم، وقد سلمتم له بصدقه في دعوى خفاء وجود الباري عليه! أي أن ما تقررونه في أصول الجدل من أن الخصم إذا تبين أنه يكابر في أمر بديهي يترتب على نفيه من اللوازم ما هو بين البطلان، فإنه إذن يجب قطعه وبيان فساد مشربه، وهو المطلوب، هذا وارد على أصل النزاع بينكم وبين الفلاسفة الدهرية، لأنه لا يخفى على عاقل سوي النفس سالم من الهوى، شناعة اللوازم المترتبة على نفيه وجود من خلقه، ومع هذا سلمتم له بخفائها عليه جملة، ورضيتم بمخاصمته ملتزمين بشرطه في الإثبات والنفي المعرفيين، فإذا كان هذا التسليم هو أصل تجويز المناظرة، فلا تُقطع معه بعدُ بدعوى أنه يجحد البديهيات ويكابر في الواضحات الجليات، إلا كان ذلك تحكما وتناقضا منهجيا أساسيا لا يليق بمن زعموا أنهم يتكلمون باسم العقل ويؤسسون على قطع العقل!! بل المتعين عليكم، طردا للقاعدة اليونانية، ألا تقطعوا مناظرة أو مخاصمة مع أحد أبدا! مهما زعم خفاء أدلتكم ومقدماتكم عليه! ومهما أورد عليكم المخالف خفاء أساس عقلي ترونه أنتم قطعيا لما تقررون، تعين عليكم أن تسوقوا إليه برهانا نظريا يرتضيه لإثباته، وهكذا مهما طالت السلسة لا إلى نهاية! هذه الآفة المنهجية اليونانية الأصيلة، كما بينت في مواضع شتى، هي التي من أجلها تناقض أهل الكلام على اختلاف فرقهم في مسألة إيمان المقلد، ومسألة وجوب النظر، وتنكبوا من الأقوال والمذاهب أعجبها وأفسدها فرارا من لزوم لا انفكاك لهم منه، وهو الحط على إيمان الصحابة، وتصييره تقليدا واهيا لا يقوم على معارف معتبرة من جنس ما توسع فيه الخلف فيما بعد! 

فإنه إما أن يكون أبو بكر رضي الله عنه، مثلا، صاحب إيمان هو الأقوى والأمتن والأصح معرفيا على الإطلاق بعد إيمان الأنبياء والمرسلين، مع كونه معقودا في نفسه على معارف لا يرد عليها احتمال المعارض البتة، فلا يرد عقلا أن يجد نفسه، من حيث هو عاقل سوي النفس، مضطرا إلى تكلف نظر أو تأسيس عقلي لشيء منها، على برهان تكون مقدماته معتبرة عقلا على طريقة الفلاسفة في النظر في الوجود والموجود، حتى يطمئن لصحة وسلامة معرفته بما عليه تأسس قبوله لرسالة النبي صلى الله عليه وسلم (أ)، إما هذا، وإما أن يكون إيمانه رضي الله عنه، وهو صديق الأمة، قائما على وهم توهمه (بأن العالم حادث غير قديم وممكن غير واجب)، فاتفق له اتفاقا أن وافق ما جهد المتكلمون فيما بعد من أجل أن يبينوا أسباب صحته وسلامته المعرفية في نفس الأمر، تأسيسا على مقدمات ميتافيزيقية حول العرض والحادث والجسم والممكن وتلك الأشياء، مقدمات ما كان لمثله رضي الله عنه أن يعرفها أو أن يصل إلى تصورها يوما من الدهر ما امتد به عمره! وإذن وجب أن تكون معرفتهم هم أكمل من معرفته، وتصديقهم أحسن من تصديقه، وإيمانهم أفضل من إيمانه، بل وجب ألا يكون عارفا بما به يسلم إيمانه من كل احتجاج عقلي معتبر، ألجأ المتكلمين إلى سلوكهم ما سلكوا من أجل أن يثبتوا بين أيدي الفلاسفة أن لديهم أساسا معرفيا معتبرا لإيمانهم (ب)! فإنه لولا أن اشترط الفلاسفة على الناس أن يثبتوا وجود من خلقهم من طريق قسمتهم الميتافيزقية الكلية الفاسدة للموجودات بإطلاق، كيفما اتفق لتلك القسمة أن تكون، ومن ثم تقرير ما يكون به الموجود موجودا وما به يتحقق بهذه الصفة أو تلك بناء عليها، لأنه لا يثبت أي موجود في الأعيان في تصورهم للعالم وللوجود، ولا يعرف قيام صفاته به، إلا من ذلك الطريق، لولا هذا ما ألجئ المتكلمون لاختراع تلك البراهين أصلا وما تكلفوها! فهي طريق من يزعم أنه لا طريق سواه، أو يقر من يدعي ذلك على دعواه! ومن كان حقا يرى أنه لا طريق سواه، فإنه يرد عليه ما أوردنا فيما يتعلق بمنزلة النزاع وطريقة التعامل مع المخالف فيه، بداية من مسألة وجود الباري التي عليها نزاعنا مع الملاحدة، نحن وغيرنا من أهل الملل! وإلا فلماذا لم يكتفوا ببيان شناعة لوازم نفي وجود الباري سبحانه والنقض على الفلاسفة به، دون خوض معهم في نظريتهم في الوجود وفيما به تتقوم به صفاته؟ لماذا لم يكتفوا بإثبات وجود الباري من حدوث الواحد منهم، كما ذكره ابن تيمية رحمه الله في النقض عليهم؟ لماذا شرطوا على أنفسهم أن يثبتوا حدوث كل ما سوى الباري، كما شرطه عليهم الفلاسفة، ولم يردوا عليهم ذلك الشرط، ويقوموا بواجب بيان سفسطته وأن العاقل لا يحتاج إليه أصلا؟؟

فإن قلتم القول عندنا هو (أ) وليس (ب)، لزمكم الحكم بسوافطسائية المطلب الكلامي في تأسيس المعرفة بوجود الباري وما يجب له وما يجوز وما يمتنع، على نظرية ميتافيزيقية يستدل بها على حدوث العالم أو على إمكانه، وأن تسقطوا علم الكلام من مبدأ الطرح، لأنه لا يوصل منه إلى تحقيق الإيمان أصلا، بل إلى توهينه وإدخال المعارضات والخوارم والشبهات عليه من كل جانب، تنخر تحته نخر السوس، تفتح أبواب التسلسل على كل سبب يتعلق به مؤمن للتصديق به والتسليم والجزم المنتهي! وأن تتخلوا عن برهان الحدوث بجميع صوره التي توارثتموها في كتبكم، وتبرأوا منه، وتنخلعوا من نظرية الجوهر والعرض الواهية البالية التي تأسس عليها، ونظرية تقسيم الموجودات إلى واجب وممكن كذلك، وهو ما لا يصل بكم في النهاية، إن أقدمتم عليه كما نرجوه لكم، إلا إلى مذهبنا، إذ المعرفة بالله تعالى لا تحصل بتأسيس الفلاسفة على تلك الطريقة اليونانية السوفسطائية، دع عنك اليقين، دع عنك الإيمان المنتهي الجازم الذي هو ركن الدين عند المسلمين، وإنما يحصل به الشك والريبة والاضطراب وإيراد المعارض النظري مبدئيا، وانقلاب المعارف الفطرية نظريات جدلية لا تزال عرضة للتقلب بين عشية وضحاها! وإن قلتم القول عندنا هو (ب)، لزمكم ما لا يخفى من الزندقة! فلا نرى لكم إلا التوبة والرجوع إلى ما كان عليه المسلمون قبل دخول تلك البلية اليونانية عليهم، والله الهادي إلى سواء السبيل.           

فقول الشيخ، وفقه الله وأصلحه: "ونحن مستعدون للحوار، ولكن بشرط أن يكون هذا الحوار مبنيا على البراهين العلمية الدقيقة." هذا نقبله فقط إن كان يقصد بقوله "البراهين العلمية الدقيقة" ما يؤسس به القول والحكم والقبول والرد على مسلمات البداهة والفطرة السوية، لا على حدود وإطلاقات الفلاسفة المبنية على طريقتهم اليونانية ونظرياتهم الميتافيزيقية التي تشرب القوم بها وجعلوها هي أساس العقل والعلم والنظر والدين جميعا! أما أن يشترطوا علينا ما شرطه الفلاسفة عليهم من قبل، في نظرية المعرفة وما به يثبت الموجود المراد إثباته في الأعيان وتثبت له صفاته، وما به تنتفي، فخروا لهم مجيبين مذعنين، فلا والله لا نقبل ولا نحاور!

يقول الشيخ: "فإن قيل على سبيل التفريع: ليس هذا المعنى الذي نقصده، وإنما هو معنى آخر، فهنا يحق لنا أن نسأل: ما هو هذا المعنى الذي تثبتونه غير هذا الذي ذكر؟ فإن قيل: هو ما يليق به سبحانه وتعالى، قلنا: لا بأس، ولكن هذا المعنى الذي يليق به سبحانه وتعالى، إن لم يكن هو هذا الذي دلت عليه اللغة، وقلتم بأنه لا علاقة لهذا المعنى بهذا الذي أثبتته اللغة، إذن فهو معنى آخر، قد يكون مجازيا، ونحن نقر لكم حينئذ بأن عقولكم قد تحركت، وحينئذ تكون القضية فيها رائحة العقل والنظر، فهذا فيه إقرار بأن المعنى اللغوي غير مراد، لأنه إما أن يُقبل المعنى اللغوي، وإما أن يُقبل أن هذا ليس هو المقصود، وبذلك يكون الأمر قد خرج إلى المجاز، فإن قيل: إنكم تشبهون الخالق بالمخلوق ولذلك التبستم، قلنا نحن فقط ندرس اللفظ اللغوي، فأين التشبيه وأين التعطيل؟ فنحن ندرس معكم لفظة وعبارة قلتم بأنها لا تثبت التجسيم، فأثبتنا أنها تثبت التجسيم، وليكن هذا الأمر محل مناقشة ونظر، فإن استطعتم أن تنفصلوا عن هذا الذي ذكر، فالمسألة تكون قد مضت على سننها، وإن بقي هذا الأمر على هذا الثبوت، وعلى هذا النوع من الرسوخ، فلا يمكن إلا أن يتقرر الحكم على وفقه، ومقتضى القول بأنكم لا تعنون المعنى اللغوي، وأنه معنى يليق بالله، فهذا هو التفويض، وعليه فأنتم لا تثبتون له معنى لغويا، بل تفوضون فيه."

قلت: قولك ما قلت إنما هو تفريع على أصل قد رددناه، وإذا سقط الأصل سقطت معه فروعه! لسنا نقول إننا نثبت معنى آخر، لأن أصل الوضع اللغوي عندنا ليس مقصورا على ما زعمت اقتصاره عليه، فهو عندنا ثابت في حق الله تعالى ولا إشكال! ولكن على كيفية تليق به سبحانه! وإذا تقرر أن المانع عندكم من إثبات الكيفية وجوديا ساقط عندنا لا اعتبار به (وهو أنه يوجب "العرضية" على النظرية اليونانية)، تبين ما ذكرناه آنفا من أن الأصل الذي يتفرع عليه جميع هذا الكلام، منقوض لا يتقوم! ولا نلتفت للتحقير والتسفيه الذي درج عليه المتكلمون لأهل السنة، في مثل قول الشيخ هداه الله: "ونحن نقر لكم حينئذ بأن عقولكم قد تحركت، وحينئذ تكون القضية فيها رائحة العقل والنظر"! فلإن كان العقل عندكم لا يكون إلا عقل الفيلسوف اليوناني، الذي أبى صاحبه إلا أن يخضع لسانه ودينه وجميع معارفه لإطلاقات ميتافيزيقية جوفاء لا أساس لها إلا التحكم بالنظر، فلا حاجة بنا إلى ذاك العقل ولا نسبة بيننا وبينه، والحمد لله الذي عافانا مما ابتلاكم به.  

يتبع إن شاء الله تعالى.

أبو الفداء حسام بن مسعود

غفر الله له ولوالديه ولأهله وللمسلمين.

إرسال تعليق