إن الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله. أما بعد، فقد وقفت على مقطع فيديو لباحث من الإعجازيين يزعم أنه قد توصل إلى دليل رصدي على أن ليلة القدر ثابتة لا تتنقل، وأنها تكون في ليلة التاسع والعشرين من رمضان في كل عام. فرأيت أن أنقل كلامه هاهنا وأتعقبه بالتعليق، حتى يتبين للناس فساد المنهج والمشرب الذي يتبعه هؤلاء الباحثون في التعامل مع نصوص الشريعة ومع قضايا الغيب وما يتعلق بها.
قال الباحث في المقطع المذكور:
"فقررت من سنة 1994 إني بكاميرا ألتقط صور الشمس وهي دايما في الشروق، في الأيام الفردية من العشر الأواخر، اللي هم 21، 23، 25، 27، 29.. كنت مرة بابقى في الإمارات، مرة في مصر، مرة في ألمانيا، كنت .. وده كويس يعني، أتنوع في المكان. لكن لو جيه (جاء) يوم واحد بس فيه ضباب أو غيوم، خلاص تبقى التجربة في العشرة أيام، في السنة بالكامل فشلت. لأن ممكن يبقى هو ده ليلة القدر والشمس أنا شايفها من غير أشعة، لكن اللي حاجب الأشعة هي السحب والغيوم. وبالتالي جئت في سنة 2004، استخدمت أجهزة حديثة متطورة، دي كانت كاميرا فلترية، يعني بتشوف الشمس من ورا الغيوم. تبقى الدنيا بتمطر، ممكن عن طريق الفلاتر نشوف الشمس من وراها ونشوف الأشعة بتاعتها، عشان نتجاوز حتة لو فيه غيوم، ودي كانت كاميرا ديجيتال رقمية، بتطلع لي 32 بيان تحليلي، علشان خاطر أعرف إيه اللي قدامي، وبتحدد لي من البيانات دي الشمس والأشعة بتاعتها، وبناء عليه اشتريتها، وكان معانا عدادات حرارة ورطوبة. وروحنا في منطقة اسمها الفجيرة في جنوب الإمارات، لأن بعديها البحر، فالشمس بتطلع من ورا البحر، ما فيش أي عوائق، لا جبال ولا شجر ولا بنايات، وبدأنا نصور. عسكرنا في الحقيقة آخر 10 أيام في رمضان، ويوم قبليها ويوم بعديها، لأن السنة دي كان فيه اختلاف كبير، كان فيه اختلاف 3 أيام على بدء رمضان ما بين الدول الإسلامية، وقعدنا كل يوم بعد ما نصلي الفجر، نروح نقعد على شاطئ ونبدأ نصور الشمس وهي طالعة ومعانا كل هذه الأجهزة. فضلت كل الأيام، نفس الوتيرة بالضبط، الشمس طالعة بأشعة حارقة ما نقدرش نبص لها بعنينا أكتر من 3 ثواني، الأجهزة بتقول لي إن الشمس ليها أشعة، الحرارة عالية والرطوبة عالية، لحد ما جيه يوم، لقينا إن كل حاجة، سبحان الله، اتغيرت، الشمس بقت طالعة من غير أشعة، شايفينا بعنينا وشايفينها في الأجهزة، بتأكد لنا هذا الكلام، الحرارة نزلت سبع درجات والرطوبة نزلت 25 درجة، إذن ده، كان ليلة القدر... "
ثم استعرض رسما بيانا أنتجته أجهزته يظهر فيه فارق بين الأشعة المرصودة في ذلك اليوم وبين الأشعة المرصودة في غيرها، ثم قال:
"الكاميرا شايفة الشمس قدامها، ومش شايفة لها أي أشعة حواليها، إذن ده ثبت بالأجهزة العينية اللي غير المسلمين هم مخترعينها، إن فيه ليلة بتخرج الشمس من غير أشعة. مين من 1433 سنة يقدر يقول كده؟ معقولة آلاف الأقمار الصناعية والمراصد ما شافتش كده؟ والا هم رصدوا كده لكن ساكتين عليه لأن ده بيتكرر في رمضان طبقا لما ورد في القرآن الكريم؟
اللي الواحد بيتمناه إن زي ما بيعلنوا عن خسوف أو كسوف، تلاقي العلماء يسافروا لأقاصي الدنيا نيوزيلاندا وألاسكا وغيرهم بالأجهزة عشان يرصدوا الخسوف والكسوف، أتمنى إن هذا الموضوع ينتشر، وإن الناس بردو ترصد هذه الظاهرة، من سنة 2004 لحد 2011 وأنا باتابع هذه الظاهرة، ودايما بتتكرر يوم 29 رمضان، بمعنى إن هذه الليلة، حصل اختلاف هل هي متنقلة أم لا؟ الليلة ثابتة، لأن نظريا، هي ذكرى نزول القرآن، والذكرى لا يتغير موعدها، أنا عيد ميلادي 3 يناير، هايفضل كل سنة 3 يناير، مش هاييجي مرة 5 إبريل مثلا!! بخلاف إن احنا تابعناها بالفعل، ووجدنا إن هي دايما يوم 29 رمضان، فإن شاء الله انتظروها يوم 29 رمضان، ما تضيعوش ولا ثانية من صلاة المغرب يوم 28 رمضان حتى صلاة الفجر يوم 29 رمضان، الركعة فيها بتلاتين ألف ركعة، أقول قولي هذا والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته."
انتهى.
قلت: آفة هذا الكلام بمجمله، وعلى عادة أصحاب تلك الأبحاث، أن صاحبه يهمل عامة ما جاء به الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم في تعيينها، ولا يبالي بما يترتب على تعيينها في اليوم الذي ذكر، ومنع أن يكون في غيره، استنادا إلى ما استند إليه، من رد لكثير مما ثبت وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، مع جزم أهل العلم بأنها ليس فيها ناسخ ولا منسوخ! والسبب في ذلك أن الواحد منهم قد تربى على اعتقاد أن ما يقال له جملة "الدليل الرصدي" هو الدليل القاطع، وجميع ما سوى ذلك من أنواع الأدلة هو دونه في المنزلة، وإن كان حديثا صحيحا بل في أعلى درجات الصحة! وهي نفس الآفة التي أورثت الأمة تراث الجهمية والمتكلمين قبل قرون خلت! ينظر أحدهم، في فتنة بالغة بما اتفق عليه الفلاسفة المقدمون في عصره في مدارسهم، من أنواع الأدلة، فيرفعه فوق كل دليل، ويجعله هو قطع العقل والعلم الذي لا يعلوه شيء، ثم يجعله طريقه لإثبات صحة الدين من أصوله الأولى، ثم يتعامل مع نصوص الشرع في الكتاب والسنة تأسيسا على ذلك وانطلاقا منه. فهذا الباحث يكتفي من النصوص بما جاء عن حال الشمس في اليوم الذي يعقب ليلة القدر، ليجعل الرصد والتتبع لتلك الآثار، هو طريقه الوحيد للفصل ورفع النزاع في مسألة شرعية قديمة تنازعها أهل العلم في أقوال تعد بالعشرات، حتى عدها السيوطي في خمسين قولا، والله المستعان!
فقد صح أنها في العشر الأواخر، وصح كذلك أنها في التسع الأواخر، وأنها في السبع الأواخر، وأنها في تاسعة تبقى، في سابعة تبقى، في خامسة تبقى، وكذلك صح أنها في تسع مضين، أو في سبع يبقين، وأنها في الوتر في العشر الأواخر، وحديث عين أنها في ثلاث وعشرين، وآخر عين أنها في أربع وعشرين، وآخر عينها في إحدى وعشرين، وحديث عينها في سبع وعشرين، وآخر جعلها في آخر ليلة من ليال رمضان! وجميع ذلك صحيح لا قادح فيه من جهة الثبوت ولا علة! فالآن، عندك حديث صحيح لا علة فيه، يعين فيه النبي عليه السلام الليلة في وقت ما، وحديث آخر صحيح أيضا لا علة فيه، يعينها في وقت آخر، وبينهما بضعة أيام، فكيف يستقيم الجمع بينهما إلا بأن يقال إنها تتنقل؟ قال العراقي "وذهَبَ جَماعةٌ من العُلماءِ إلى أنَّها تَنتقِلُ؛ فتكُونُ سَنةً في ليلةٍ، وسَنةً في ليلةٍ أُخْرى، وهكذا. ورواهُ ابنُ أبي شَيبَةَ في مُصنَّفِه عن أبي قِلابةَ، وهوَ قَولُ مَالكٍ، وسُفيانَ الثَّوريِّ، وأحمدَ بنِ حَنْبلٍ، وإسحاقَ بنِ رَاهويْهِ، وأبي ثَورٍ، وغيرِهم، وعزَاهُ ابنُ عبدِ البَرِّ للشَّافعيِّ، ولا نَعرِفُه عنه، ولكنْ قال به مِن أصحابِه المُزَنيُّ وابنُ خُزيمةَ، وهو المُختارُ عندَ النَّوويِّ وغيرِه، واسْتحسَنَهُ الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ؛ للجَمْع بين الأحاديثِ الواردةِ في ذلك؛ فإنَّها اختلَفَت اختِلافًا لا يُمكِن معه الجَمْعُ بينها إلَّا بذلك" قلت فالقول بتنقلها هو مذهب الشافعية والحنابلة وقول عند المالكية، وعليه أكثر أهل العلم من السلف والخلف. بل إنه يكفي للقول به حديث واحد صحيح عند الترمذي من حديث أبي بكرة رضي الله عنه قال: "ما أنا مُلتَمِسُها لشَيءٍ سَمِعتُه من رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلَّا في العَشْرِ الأواخِرِ، فإنِّي سَمِعتُه يقولُ: التَمِسوها في تِسعٍ يَبقَيْنَ أو سَبعٍ يَبقَيْنَ، أو في خَمسٍ يَبقَيْنَ أو في ثَلاثِ أواخِرِ لَيلَةٍ" قلت: فالنبي عليه السلام يصرح بأنها تكون في كذا أو في كذا أو في كذا، وهذا يدل على التنقل والتبدل. وهنا قد يقال: ولكنه عليه السلام قال فيما صح عنه على شرط مسلم: "أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ أُبِينَتْ لِي لَيْلَةُ الْقَدْرِ، فَخَرَجْتُ أُحَدِّثُكُمْ بِهَا فَجَاءَ رَجُلَانِ يَخْتَصِمَانِ وَمَعَهُمَا الشَّيْطَانُ، فَنُسِّيتُهَا فَالْتَمِسُوهَا، فِي السَّابِعَةِ، وَالْتَمِسُوهَا في الخامسة"، وهذا يدل على أنها ثابتة في إحدى هاتين الليلتين، وأن المعرفة بالليلة المعينة منهما هو ما نُسيه عليه السلام، ولهذا قال بالتماسها فيهما جميعا، وإلا فلو كانت تتنقل، لما كان من وجه لأن يقول إنه قد نُسّيها، إذ غاية ما يرام العلم به حالئذ يكون أنها قد تكون في ليلة كذا أو في ليلة كذا، وهذا ما أفادهم به عليه السلام. وهذا يجاب عنه بأنا لا نسلم بأن ما نسيه عليه السلام هو وقتها الثابت في كل سنة، وإنما قد يكون الذي نسيه هو وقتها في تلك السنة المعينة التي حدثهم فيها بهذا الحديث. فيكون الذي فاتهم بنسيان النبي عليه السلام ليس العلم بوقتها الثابت في كل عام، وإنما العلم بوقتها في نفس سنة التحديث، وأن ما أفادهم به من أوقات تلتمس فيها، هو عام لتلك السنة ولغيرها. ولهذا عد أهل العلم هذا الحديث في جملة الأدلة على أنها تتنقل لا على أنها ثابتة.
فالصواب الذي لا يتصور غيره في هذه المسألة، أن الليلة تتنقل. فهل يصلح ما وقع لهذا الباحث من مشاهدات لأن يكون دليلا على خلاف ذلك؟ الجواب لا. لماذا؟ لأن القاعدة أنك إذا وقعت لك مشاهدة من المشاهدات، تبدو (بتأويل ما) مخالفة لنص صريح صحيح، فالواجب تأويل المشاهدة بما يوافق النص، وليس تأويل النص بما لم يقل به أحد من المسلمين. والظن بأن هذا الرجل لو تعرض للنصوص الدالة على أنها تكون في غير الليلة التي عينها لدفعها إما بالتمريض أو بالتأويل. والحال أن تلك المشاهدات التي شاهدها تدل، من حيث الأصل، على كون ليلة القدر ثابتة كما يقول، بدلالة الاستقراء. ولكن الاستقراء تأويل للمشاهدات الصريحة، وليس هو في نفسه مشاهدة صريحة. وهو ناقص مهما كمل، كما هو معلوم. فلو قدرنا أن لم يثبت عن النبي عليه السلام تعيينها في غير تلك الليلة التي ظهرت في صبيحة يومها تلك الأمارة التي شاهدها ذلك الرجل، لجاز أن يقال إن ما وقع له قد يكون دليلا على أنها تكون في تلك الليلة ولا تتنقل، وإن بأرجحية احتمالية متواضعة نسبيا (بالنظر إلى عدد السنوات التي حصلت له فيها المشاهدة). ولكن واقع الأمر أن في البابة نصوصا صحيحة تخالف ذلك كما تقدم. وإذن فالمسلك الصحيح هو أن تسقط دلالة استقراء العادة هنا بالكلية، ويقال إن هذا الباحث إنما اتفق له اتفاقا أن شاهد تكرارها في ليلة ما على عدة سنوات، بما لا يلزم منه أن تكون كذلك في كل سنة! وهذا يقال على تقدير صحة مسلمة لا نسلم بصحتها كما سيأتي.
والقصد أنه ليس في العقل ولا في العادة ما يوجب أن يكون تنقلها إذا تنقلت بحيث تكون في كل عام في ليلة بخلاف العام الذي قبله! بل قد تكون تتنقل، كما هو الصحيح من أقوال أهل العلم كما تقدم، ومع هذا يتفق لمثل هذا الباحث أن يرى على أجهزته وكأنها قد ظهرت أماراتها في نفس الليلة من كل عام، على عدة سنوات!
والواقع أن الباحث يحتاج من أجل أن يقول "إنني رأيتها في كل سنة في ليلة التاسع والعشرين" كما قال، إلى أن يسلم أولا بأن المطلع الذي عليه حكم هو بابتداء الشهر شرعا، هو الموافق لميلاد الشهر حقيقة في الواقع (كونا)، وهذا غير لازم، لأن الليلة التي سماها هو بالتاسعة والعشرين، قد لا تكون هي التاسعة والعشرين إلا بالنظر إلى الرؤية التي وقعت لأهل بلده وصام هو عليها، مع أنها هي الثلاثين أو الثامنة والعشرين في الحقيقة، كما في رؤية بلد آخر. وإذن فلا يأمن من أن يكون الحال أنه شاهدها في سنة في الليلة الثامنة والعشرين وفي أخرى في التاسعة والعشرين أو في الثلاثين، وهو مع هذا يحسب في كل مرة أنه يراها في التاسعة والعشرين! ولهذا أجاب القائلون بالتنقل عن كلام القائلين بالثبات، بأجوبة كان من أقواها أنك إن قلت هي لا تكون إلا في الأوتار من العشر الأواخر، فعلى أي طريقة في العدّ عرفت تلك الأوتار؟ هل بالعد من أول الشهر، أم بالعد من آخره؟ فإن ما يكون وترا عند العد من أوله، يكون شفعا عنه العد من آخره! فسبع ليال بقين من الشهر، مثلا، هي ليلة الثاني والعشرين فيما مضى منه، فهل هي وتر أم شفع؟ ثم إنك إذا عددت من نهاية الشهر، كما ثبت في بعض النصوص، فإن نهايته قد تتفاوت بحسب ثبوت رؤية هلال شوال من عدمها، وإذن فلا ندري أي أيام كانت هي الأشفاع وأيها كانت هي الأوتار، حتى ينصرم الشهر ولا يبقى منه شيء!
فهذه المسألة، مسألة كيف نعد ومن أي جهة حتى نعرف الأوتار من الأشفاع، من جهة الأيام التي مضت أم من جهة الأيام التي بقيت، إذا اجتمعت إليها مسألة اختلاف المطالع واختلاف الرؤى، تحصل لنا أن تثبيتها في يوم واحد من كل سنة هو مما لا سبيل إليه أصلا على التحقيق. فهي تتنقل في معرفتنا لا محالة لمسألتي اختلاف المطالع والرؤية في إثبات ابتداء الشهر من جهة، واختلافهما في إثبات انتهائه من الجهة المقابلة، وتتنقل كذلك حقيقة (أي في واقعها الكوني)، بالنظر إلى ما تقدمت الإشارة إليه قبل ذلك من تفاوت النصوص في إثباتها تفاوتا واسعا، بين ما يجعلها في ابتداء العشر، وما يجعلها في انتهائها! لهذا روي عن ابن مسعود وغيره أن من قام الدهر كله أدرك ليلة القدر، أي من وفق للعمل في العشر كلها على نفس الوتيرة، فلابد أنه أدرك الليلة، سواء ظهرت له علامات وأمارات تشعره بأنه قد أدركها، أم لم يظهر له شيء من ذلك.
قوله: " لكن لو جيه (جاء) يوم واحد بس فيه ضباب أو غيوم، خلاص تبقى التجربة في العشرة أيام، في السنة بالكامل فشلت"
قلت هنا خلل في تصميم التجربة، إذ ما المانع عقلا أو نقلا من أن يكون نوع من أنواع الضباب أو الغيوم قد جعله الله سببا في وقوع تلك الأمارة إذا وقعت (أن تكون الشمس في أول طلوعها، وحتى ترتفع، بيضاء لا شعاع لها كالطست)؟؟ أين الدليل في الأثر على أن الصحابة كانوا لا يحكمون بظهور تلك الأمارة في اليوم الذي يكون فيه ضباب أو غيوم من أيما نوع وعلى أيما وجه كان، من أيام العشر؟؟ هذه تحتاج إلى دليل سمعي مستقل حتى نسلم له باعتبار ما اعتبر واستبعاد ما استبعد!
والعجيب أنه يقول: " عسكرنا في الحقيقة آخر 10 أيام في رمضان، ويوم قبليها ويوم بعديها، لأن السنة دي كان فيه اختلاف كبير، كان فيه اختلاف 3 أيام على بدء رمضان ما بين الدول الإسلامية، " قلت: فأنت إذن تجيز أن يكون ما عددته أنت يوم التاسع والعشرين، هو السابع والعشرين أو الثامن والعشرين أو الثلاثين حقيقة (بحسب ما عند تلك الدول المخالفة في رؤيتها لرؤيتك ومن صمت معهم)!! فإذا كانت الرؤية بالعين المجردة (التي هي الطريق الشرعي الصحيح لمعرفة دخول الشهر وخروجه) تتفاوت من بلد إلى بلد هذا التفاوت الذي ذكرته، وقد تتفاوت كذلك في البلد الواحد من سنة إلى سنة، فما معقولية التحديد والتعيين المطلقين في يوم معين استنادا إلى ما حصل لك من رؤية على نحو ما سلكت، إذا كانت جميع أيام الشهر تتنقل في معرفة الناس من بلد إلى بلد ومن عام إلى عام؟
فإن قلت لن أعتمد الرؤية البصرية وإنما سأعتمد الحساب الفلكي لأنه يفيد بمعرفة المولد الحقيقي للشهر في نفس الأمر بصرف النظر عن اختلاف البلدان في رؤيته بأعينهم، قلنا فإن أثبتت تلك الحسابات يوما من أيام الشهر على أنه من العشر، ولم يكن منها في الرؤية التي صام الناس عليها، فهل يكون الناس بذلك قد فاتهم (في واقع الأمر) يوم يجوز – نظريا – أن تقع فيه ليلة القدر، ولم يجتهدوا فيه كما اجتهد النبي عليه السلام وأصحابه؟؟ هذا ممنوع شرعا، لقوله عليه السلام صيامكم يوم تصومون وفطركم يوم تفطرون، وقوله نحن أمة أمية لا تقرأ ولا تكتب، الشهر عندنا هكذا وهكذا، أو كما قال عليه السلام. فما لم يعدوه هم – على أميتهم – من العشر، فليس هو من العشر عند الله تعالى، وإن كان كذلك فلكيا! وهذا مما يعضد القول بانتقالها عند التأمل، لأن ثبوت الرؤية العينية لا يلزم أن يصيب الميلاد الفعلي للهلال كما في حسابات الفلكيين، والمعتبر في إثبات الشهر هو الرؤية بالعين لا الحساب، بإجماع من يعتبر بقولهم من أهل العلم. فلابد أن يكون من سنة الله تعالى الكونية في مجيء ذلك اليوم من كل عام، مراعاة اختلاف الناس في الرؤية وما يكون من أحوالهم فيها، لأن الليلة نفسها إنما أعلمنا الله تعالى بها وشرع لنا التماسها من باب الفضل والمنة والنفحة الإلهية على المؤمنين.
قوله: "إذن ده ثبت بالأجهزة العينية اللي غير المسلمين هم مخترعينها، إن فيه ليلة بتخرج الشمس من غير أشعة. مين من 1433 سنة يقدر يقول كده؟"
قلت: هذا من أعجب العجب! يا أخي الكريم الظاهرة التي بحثتها أنت ورصدتها بأجهزتك، كان ولم يزل الصحابة والسلف يرصدونها بأعينهم المجردة، ولم نر منهم من عد ذلك آية من آيات صدق النبوة أو إعجازا أو غير ذلك! فأنت تعتمد من أجل أن تجعلها آية ومعجزة من المعجزات، على أن السابقين لم يعرفوا تفسيرها الذي تزعمه لها، لا أنهم لم يروها في نفسها! فأنت تصر على تفسيرها بأن جرم الشمس نفسه لا يكون له إشعاع مرصود في ذلك اليوم كما يكون في غيره، وهذا تحكم في أسباب تلك الأمارة التي لا يحصيها إلا الله تعالى، وهو تحكم يسقطك في الدور القبلي من حيث لا تشعر! إذ تفسر البيانات المرصودة بدعوى معينة، ثم تتخذ من تلك البيانات نفسها دليلا على صحة تلك الدعوى! مع أنك قد اجتمع لك في الرصد إثبات أن الحرارة والرطوبة قد انخفضتا في نفس تلك الأيام التي شاهدت فيها نقص الأشعة! ومعلوم عند خبراء المتيورولوجيا (علم الأرصاد الجوية) أن الإشعاع الشمسي Solar Irradiance ينخفض في الأيام التي تتبدل فيها الأحوال الجوية على هذا النحو، وإن لم يكن في السماء غيوم ولا ضباب. فإن قلت إنني أفسر انخفاض الحرارة والرطوبة في ذلك اليوم، ومن ثم انخفاض شدة الأشعة المرصودة، بأنه هو صبيحة ليلة القدر، قلنا لك: هو إذن تفسير تؤسسه على اعتقادك، فكيف يكون التفسير أو التأويل المبني على الاعتقاد، دليلا على صحة نفس ذلك الاعتقاد؟؟ هنا مكمن الغلط في طريقة الإعجازيين في كثير من أبحاثهم كما بسطت الكلام على ذلك في كتاب المعيار وغيره! أنت تريد أن تثبت صدق النص بتأويل تحكمي للنص من أجل أن يوافق المشاهدة (مع أن له من التأويلات ما لا علاقة له بها أصلا)، أو بتأويل ينتقى للمشاهدة بحيث يوافق النص! فلا هذا يصلح أن يكون دليلا على صدقه (على طريقة الفلاسفة والنظار الذين تخاطبهم بأمثال تلك الأبحاث)، ولا ذاك! أنت هنا تتحكم في استبعاد الغيوم الخفيفة والضباب الخفيف من أن يكون من جملة أسباب ظهور تلك القرينة فيما أثبته السلف عند رؤيتهم إياها، لمصلحة تفسير معين تزعمه دليلا على صدق القرآن، مع أنه قائم أصلا على فهمك أنت للنصوص، وهو فهم غير مسلّم كما تقدم!
فإن قال قائل: ولكن وجه الدلالة على صدق النبوة هنا، هو أنه قد ثبت بالدليل الرصدي وجود ما جاء في السنة أنه يكون في تلك الأيام خاصة، في يوم واحد منها، وثبت تكرار ذلك الرصد في يوم واحد من العشرة سنة بعد سنة، وهذا دليل حسي معتبر، قلنا: هذا ما نعتقده نحن المسلمون، ونسلم به لأننا ننتظر أن نرى ذلك المشهد في يوم من تلك العشرة يكون فيه كما لا يكون في غيره، وأما الملحد الذي يراد اتخاذ تلك المشاهدة دليلا يسكته، فلديه من التفسيرات والتأويلات الطبيعية والإحصائية ما لا يرد به على ما عندكم! وإذن يصبح مدار الأمر على مقابلة الاعتقاد الذي هو منبع تأويلنا، بالاعتقاد الذي هو منبع تأويلهم، لنفس الظاهرة المرصودة، ومن ثم تسقط المسألة برمتها من أن تكون مرجحا نظريا بين الاعتقادين! نعم مثل هذا الرصد قد يزيد المؤمن إيمانا، ولكنه لا يقوم بالغرض النظري الفلسفي الذي يرجو الإعجازيون أنه يقوم به، وهو أن يقال للملحد المكذب: فكيف عرف الرسول عليه السلام قبل أربعة عشر قرنا كاملة، أن يوما هذه صفة الشمس فيه سيأتي ولابد في أيام العشر من كل سنة؟؟
قوله: " بمعنى إن هذه الليلة، حصل اختلاف هل هي متنقلة أم لا؟ الليلة ثابتة، لأن نظريا، هي ذكرى نزول القرآن، والذكرى لا يتغير موعدها، أنا عيد ميلادي 3 يناير، هايفضل كل سنة 3 يناير، مش هاييجي مرة 5 إبريل مثلا!! "
قلت: هذه مغالطة عقلية لا علاقة لها بما في النصوص ولا بما وقع للرجل من مشاهدات! وقد تقدم أن جماهير أهل العلم من السلف والخلف على أنها تتنقل! فكيف لم يظهر لهم هذا المعنى اللوذعي الذي تحاذق به صاحبنا في هذا الموضع، ولم يعده القائلون بثباتها مستندا لهم؟؟ قوله الذكرى لا يتغير موعدها، هذا يصح لو كنا نتكلم عن عيد أو يوم سنوي يلازم حادثا معينا، فيحتفى به شرعا في كل عام من أجل تلك الملازمة التأريخية! وليلة القدر ليست عيدا بهذا المعنى، ولم تكن كذلك أبدا لا في الشرع ولا في العرف والعادة! وإنما هي ليلة تنزل فيها مقادير السنة، ويكون فيها من أحوال الملائكة في السماء ما يكون، ومن أحوال الجنان والنيران ومردة الجان! فلا يعترض على تنقلها في أيام العشر بمثل هذا الهذيان!
والقصد، بارك الله فيكم، أن أمثال هذه الأبحاث وإن راجت ودخلت على كثير من العوام، إلا أنه يكون فيها من التفريط والعدوان على النصوص الشرعية ما لا يجوز السكوت عليه! وهي نفس تلك النصوص التي يزعمون، على عادة أصحاب الكلام من كل نحلة، أنهم قائمون بها منتصرون لها، والله المستعان لا رب سواه، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
كتبه:
أبو الفداء ابن مسعود
غفر الله له ولوالديه وللمسلمين.
