الرد على كلام "مولود السريري" في مسألة التجسيم وتفويض الكيف.

 الرد على كلام "مولود السريري أبي الطيب"

في مسألة التجسيم وتفويض الكيف.

الجزء الأول

الحمد لله وحده، أما بعد، فقد راسلني غير واحد من الإخوة يطلبون الرد على شيخ مغربي أشعري اسمه "مولود السريري"، يكني نفسه بأبي الطيب، له مدرسة في المغرب، وكان بعض الناس يحسنون الظن به لأنه لم يكن يتكلم إلا في علوم الآلة والفقه المالكي، فكان مستور الحال إجمالا في العقيدة والمنهج، بيد أنه أظهر أخيرا ما كان يخفي، وطفح الإناء بما فيه، وهو ما فتن به بعض المنتسبين إلى السنة في المغرب العربي وغيره، ممن تعلقوا بالرجل، والله المستعان. وهذا والله مما يدرك المتأمل فيه عظيم منة الله تعالى على أهل السنة بتمسكهم الصارم بقواعد الجرح والتعديل وبطريقة السلف في التعامل مع الدعاة والعلماء، بلا تهاون ولا تساهل ولا تفريط! فلو أن أولئك الذين فتنوا بهذا الرجل، حرصوا، من الأصل، على ألا يتتلمذوا على رجل لا يعرفون حاله في العقيدة والمنهج، لا في الفقه ولا في الأصول ولا في غيرهما، عملا بقاعدة أهل السنة المتينة التي عبر عنها ابن سيرين رحمه الله بقوله: "إنما هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم"، لو أنهم حرصوا على لزوم هذا الدرب المبارك والحصن المنيع في التلقي والطلب، من أول يوم، ما تعرضوا لأن يسبق إلى قلوبهم التشرب بمحبة رجل ضال من أهل الأهواء، يخفي بدعته وضلاله، متحينا الفرصة لإظهارها والدعوة إليها، حتى إذا ما أظهرها وروج لها، وقعت شبهاته من قلوبهم موقع الكلام العلمي الوجيه المعتبر، وسبق إلى نفوسهم ما به يُرى الباطل حقا والحق باطلا، نسأل الله السلامة! فالذي يرضى أن يمضي من عمره سنوات لا يشرب إذا شرب إلا من صنبور في الحديقة لا يدري هل يصلح ماؤها للشرب أم لا تصلح، هذا إن أصبح في يوم مبطونا بسبب ذلك الماء، فلا يلومن إلا نفسه!  

سأشرع بحول الله وقوته في الرد عليه مبتدئا بمقطع قد أرسله إلي أحد الإخوة، جزاه الله خيرا، ثم أتبع ذلك بما أرجو أن يتم به المقصود من الرد، والله الهادي إلى سواء السبيل. 

يبدأ الرجل في المقطع المذكور، وهو بعنوان "بيان قاعدة أن التفويض في الكيف لا يرفع المعنى"، ببيان أنه لا يقلد أحدا، وأنه لا يلزمه تقليد أحد، إلى غير ذلك مما لا تأثير له على حقيقة القول الذي ينتهي إليه، وعلى حكم ذلك القول وحكم قائله كما هو معلوم. ولابد أنك راء ما يدل على صدقه فيه أو على كذبه عند تمحيص الكلام وإخضاعه لآلة النقد العلمي الدقيق. ثم يشرع السريري في تقرير "حد معنى اللفظ" أو تعريفه على الطريقة التي درج عليها متكلمة الأصوليين، فيقول: "أولا: معنى اللفظ هو ما وضع له". 

ونعلق على هذا تعليقا منهجيا مهما بأن نقول: لا يحتاج أحد أصلا إلى اكتساب تعريف نظري صناعي بمطلق ما يقال له "معنى اللفظ" حتى يعرف ما المسؤول عنه عندما يسأله أحد، من أهل نفس اللسان، "ما معنى اللفظة كذا؟"! المعنى هو ما جرى عليه الاستعمال اللغوي في لسان الخطاب الذي منه اللفظ، والاستعمال جار بالضرورة على القدر المشترك فيما يأخذه الذهن، بين جميع الأعيان التي يصح إطلاق ذلك اللفظ عليها عند كل استعمال، مهما تنوعت أنواع تلك الأعيان وأوجه تحقق ذلك المعنى المشترك فيها! فما الذي استفدناه من إيراد التعريف على تلك الطريقة التي درج أهل الكلام على تكلفها والإغراق فيها؟ 

هل يحتاج العاقل من أجل أن يتكلم، أن يعرف ما حد الكلام؟ وهل يحتاج البشر من أجل أن يفهم أحدهم معاني الألفاظ ويصنف أقسامها تحت كل صناعة علمية بما يلائمها من الوضع والاصطلاح، إلى أن يتكلف حدا لما يقال له "معنى اللفظ"؟ وهل هو مضطر للقول بنظرية الوضع اللغوي، من أجل أن يكون هذا الحد جامعا مانعا، أو أن يتفلسف ليقول إن الوضع هنا هو كل إحداث للفظ في لغة من اللغات بحيث يواطئ معنى معينا، بصرف النظر هل هو من وضع البشر أم من تعليم رب العالمين لآدم عليه السلام؟ الذي وضع حد "معنى اللفظ" هذا، كيف عرف هو نفسه معنى كلمة "معنى" وكلمة "لفظ"، ومعاني الكلمات التي استعملها في بناء الحد، إن قدرنا أن كان الناس يحتاجون لمعرفة الحد أولا، حتى يعرفوا ما هو "معنى اللفظ" بهذا الإطلاق؟ وإذا كان الحد هو معنى قولنا "معنى اللفظ"، فما المانع، على هذه الطريقة اليونانية، من دخول التسلسل، فيحتاج الحد نفسه إلى حد يعرّف به (معنى معنى معنى اللفظ) وهو ما يحتاج بدوره إلى حدود متقدمة عليه (معنى معنى معنى معنى اللفظ) وهكذا بلا غاية؟؟ ثم إنك ما زدت على أن حصلت حاصلا بقولك: في تعريف "معنى اللفظ" هو "ما وضع اللفظ له أو لأجله"! فإنه معلوم بداهة وبالاضطرار أن اللفظ مخصص في اللغة (بصرف النظر عن مسألة الوضع) لإرادة المعنى الذي هو "معنى اللفظ" لا لإرادة غيره! وهل يماري في ذلك عاقل، فضلا عن أن يحتاج الناس إلى تأصيله في علم من العلوم؟     

يقول: "وبناء على ذلك، فإنه إذا قيل يُثبت للفظ معناه على وجه الحقيقة، فإن ذلك يقصد به إثباته لما وضعته العرب له."

ونقول سلمنا، فما هو هذا الذي وضعته العرب له؟ هذا هو محل النزاع. كل لفظ من ألفاظ اللغة، يرد عليه اختلاف المعنى على أكثر من وجه، بالنظر إلى ما يحاط به اللفظ من قرائن لفظية وعقلية وحسية عند كل استعمال، كما هو معلوم! فإذا عُلم أن العرب الذين خوطبوا بلسان التنزيل، ما عرفوا نظريات المتكلمين وفلسفاتهم أبدا، ولا خطرت لهم ببال، علم بالاضطرار خلو نفوسهم من جنس القرائن التي من أجلها يتأول المتكلمون نصوص الصفات الإلهية على نحو ما يصنعون، يزعمون أنها هي قطع العقل وضرورته! فإذا كان للفظ ما وجهان في المعنى، (أ) و(ب)، أحدهما (أ) يصار إليه في عرف صاحب اللسان إن عدمت القرينة (س)، والثاني (ب) يصار إليه عند قيامها أو قيام ما في معناها أو ما تقتضيه، وثبت أن العرب الأوائل المخاطبين بالنص محل النزاع، ما عرفوا جنس القرينة (س) أصلا ولا تصوروه (وهي أصول المتكلمين وقواعدهم اليونانية التي احتكموا إليها في الأحكام العقلية المتعلقة بالإلهيات، كقاعدة ما تسلسل لم يتحصل، وقاعدة ما تحل به الحوادث فهو حادث، وما شاكلهما)، ثبت امتناع أن يكون المراد باللفظ عندهم هو الوجه (ب) وليس (أ)! ولهذا لم نزل نطالبهم بأن يأتونا بأحد من الصحابة (الذين هم المعيار في معرفة الفهم اللغوي الصحيح لخطاب رب العالمين وخطاب رسوله) تأول شيئا من نصوص الوحيين جريا على هذا النوع من القرائن التي زعموها قطع العقل عدوانا على العقل والدين معا، أو أنهم زعموا أن من القرائن الموجبة للتأويل: الفرار من "الجسمية" و"حلول الحوادث" على ما يراد من هذين التركيبين في اصطلاح أهل الكلام! لا نطالبهم بأن يأتونا بنصوص قد تأولها السلف، فإن هذا حاصل ومعلوم لا إشكال فيه أبدا، ونحن نسلم به! وإنما نطالبهم بنصوص قد ثبت صراحة في آثار الصحابة أنهم إنما تأولوها فرارا مما يسميه القوم بالتجسيم، وما يسمونه بالتركيب، وما يسمونه بحلول الحوادث، مما يكون ملازما بزعمهم لإثبات المعنى على الوجه الذي نسميه نحن بالظاهر! فإن لم يجدوا ذلك في كلام الصحابة، ولا ما يتضمنه ولا يقتضيه، ولن يجدوه، فليس لهم أن يطالبونا باتباع مذهبهم وطريقتهم على أنها هي سبيل المؤمنين وهي ما يجب من أمر الدين! فإنما سبيل المؤمنين ما كان عليه الصحب الميامين، ولا يجب من أمر الدين إلا ما كانوا يرونه واجبا، فما لم يكن يومئذ دينا فلا يكون اليوم من الدين!  

يقول السريري، مواصلا شرح الحد الذي جاء به لقولهم "معنى اللفظ": "سواء كان ذلك المعنى، ذاتا محسوسة، أو كان دالا على حدث (الحدث على معنييه، المعنى المصدري والمعنى الحاصل بالمصدر)، أو كان دالا على أمر اعتباري. هذا هو الأساس الأول، فإذا سلمنا هذا واتفقنا عليه، فإننا حينئذ نكون قد وضعنا الأصل الأول في هذا الموضوع." قلت: لعله يقصد: سواء كان ذلك المعنى دالا على ذات محسوسة، وليس أن نفس المعنى هو الذات المحسوسة، إذ المعنى إنما هو حقيقة كلية تقوم بالذهن لا بالعين، وقد تتعلق بشيء يكون خارج الذهن، أو بأمر ذهني له تعلق بما في الخارج، أو بأمر ذهني تجريدي له تعلق بقضية كلية ذهنية مثله (كتجريدات الرياضيين مثلا وقواعدهم الكلية). ومما يكون في الخارج الذوات المحسوسة وصفاتها، ومن معاني صفة الذات المحسوسة ما يكون حالا لها، أو فعلا له متعلقاته القائمة بتلك الذات، والقائمة بغيرها (أي بعين أخرى منفكة وقع عليها الفعل)، وكل ذلك لولا سفسطة أهل الكلام من الأصوليين وغيرهم ما اضطررنا إلى تقريره أصلا، ولا إلى تناوله بعبارة تفصله على هذا النحو أو غيره! فإن من أنواع الموضوعات والمسائل ما يكون مجرد تكلف التقرير والتعريف والتقعيد النظري، فيه ضربا من التنطع والتكلف المذموم، الذي تنفتح به أبواب الأخذ والرد والجدال في أمور كان العقلاء منها في غنية وعافية! ولهذا قال عليه السلام "هلك المتنطعون"، لأن التنطع يفتح أبوابا للنظر لا يحتاج العاقل السوي إلى تكلفها أصلا، ومن المعاني ما يكد العقل فيه ويتعب تعبا عظيما في محاولة العبارة عنه بلفظ يناسبه ويفي بوجوهه كما ينبغي، مع أنه لا يحتاج إلى ذلك أصلا، فإذا قابله مخالفه بنقض عبارته هو عنها، بدا للناس وكأن أصل المعنى الذي أراد تقريراه بتلك العبارة، فاسد أو منتف في نفوس الأسوياء وصريح العقول، مع أن الأمر ليس كذلك! وعامة السفسطة إنما دخلت على الفلاسفة من هذا الباب! ولهذا أشار شيخ الإسلام ابن تيمية إلى هذا الداء وتلك الآفة بقوله إن أكثر خلاف الناس راجع إلى الإجمال، ومنه بل أكثره عند الفلاسفة من سوء العبارة عن معان هي صحيحة في نفسها أصلا لا تحتاج إلى بيان! ولكن لأن تلك الصنعة اليونانية البائسة أوجبت على المنخرطين فيها أن يكون بين يدي كل واحد منهم من التأصيل والتقعيد للمعاني البديهية الفطرية ما يتحصل العلم بصحته برهانيا عند الطلب Propositionally، كثرت أمثال تلك الحدود والتعاريف عندهم، وصارت مادة بناء نظرياتهم في الموجود (هكذا، بهذا الإطلاق) وأحكامه العقلية! 

ثم يقول السريري إن من خالف في هذا الأصل أو الحد الفلسفي المتكلف، المجمل في كل لفظة من ألفاظه كما مر، في حقيقة ما يقال له "معنى اللفظ"، فإنه يخالف بذلك جميع أهل اللغة وأهل العلم بالدين! وهذا الإطلاق من آفات الكلام وطريقة المتكلمين! يضرب أحدهم الحد أو القاعدة الكلية أو الرأي النظري برأسه، ثم يقطع الطريق على المخالف قطعا صارما بدعوى الإجماع التي يحسنها القوم، وأن من خالف أو تمارى فيها فكأنما يجحد ضرورة العقل، ونحو ذلك مما يكثر في كلامهم! وهل يبعد عنا زعم القوم إجماع العقلاء على أن ما تسلسل لم يتحصل، مثلا، أو إجماع "أهل السنة" على أن ما تحل به الحوادث فهو حادث؟؟ فمن هم أهل السنة في أمثال تلك المزاعم العريضة؟ إنهم تلك الفئة من المتكلمين التي ترى رأيهم الفلسفي وتقول بمذهبهم الميتافيزيقي الذي تأسست عليه هاتان القاعدتان! فإن سألتهم ما مستند الإجماع المزعوم؟ قالوا ضرورة العقل! اتفقنا نحن على أن هذه هي ضرورة العقل، فصار إجماعا شرعيا يرمى من يخالفه بالبدعة والضلالة بل وبالزندقة وكأنما خالف نصا قطعي الدلالة لم يعرف في دين المسلمين من خالف فيه! ولو كانت تلك الأصول حقائق عقلية قطعية يترتب على المراء فيها إسقاط لأصول الدين كما يزعمون، لما اعترضنا بما اعترضنا به ولما رددنا بما نرد به عليهم، ولكن هم لا ينطلقون في الحقيقة من بداهة العقل وفطرته التي جبل الله عليها نفوس البشر الأسوياء، وإنما ينطلقون من نظريات ميتافيزيقية يونانية ما أنزل الله بها ولا بطريقة أصحابها من سلطان! فإذا ما تقعدت لديهم القواعد وتأصلت الأصول الكلية بناء على مسلمات وأقيسة تلك النظرية، وإطلاقاتها في ما هو موجود (إيجابا وتجويزا ومنعا)، والتأمت بتلك القواعد لديهم مقدمات براهينهم الكلامية التي يتصدرون بها في مجالس الفلاسفة، وجب أن يقال فيها إنها من ضروريات العقل وقطعياته التامة، لأنها إن لم تقدم للناس على أنها كذلك، لم يقم بين أيديهم أساس لدينهم ولا أصل يبنى عليه!  

فالحد المذكور كما ترى وكما بينا حد متكلف للغاية، وفيه، كما صاغه، ألفاظ مجملة لا ضبط لها إلا بمزيد تكلف، كمسألة الدلالة الاعتبارية هذه، ولفظة حدث، بل حتى الذات المحسوسة! وكل هذه الألفاظ والتراكيب لا نسلم للمتكلم فيها بما يقصده عند استعماله إياها في جداله معنا! وجدالنا معه في تلك المعاني إنما هو محل النزاع أصلا بين مذهبنا ومذهبه! ذلك أنه إنما يقصد بالذوات المحسوسة، هذه الذوات التي تتعلق بها حواسنا في الدنيا، التي تتنزل عليها عامة المعاني الكلية المشتركة في أذهاننا، التي منها السمع والبصر والعلم والقدرة وغير ذلك مما يزعمون إثباته لربهم سبحانه! فإن قالوا في لفظة ما إن المعنى المراد منها ليس هو نسبة حقيقة معينة قائمة في الأعيان إلى ذات الرب سبحانه الموجودة في الأعيان، فقد خالفونا فيما يشار إليه بالذات المحسوسة عند اقتران الاستعمال اللغوي بها، وهو محل النزاع! وكذلك في الحدث، وفيما يقولون إنه أمر اعتباري. الصفات المعنوية أو الحقائق الاعتبارية عندهم ليس فيها شيء يقوم بذات الله أصلا، فبأي عقل تكون صفة له على الحقيقة، وهي لا تكون إلا في أذهاننا نحن عندهم؟؟ فالاشتراك المعنوي عندهم، الذي به ثبتت المعاني كلها في نفوس البشر، لجميع ألفاظ اللغة، يطرد عندهم ولا إشكال، في كل شيء على مقتضى التصرف اللغوي السليم، إلا عند الكلام عن رب العالمين سبحانه، فيتعطل الاشتراك بالكلية، ومن ثم لا يصبح للغة عمل أصلا ولا فائدة من الخطاب بها، والله المستعان! وهذا تناقض قطعا، إذ إما أنك تثبت أن بين الموجودات في الأعيان قدرا مشتركا معنويا بمقتضى وجودها في الأعيان على الحقيقة، وأن هذا القدر قد تتفاوت الموجودات الموصوفة به في كيفية تحققه فيها وقيامه بها، تفاوتا نوعيا لا تأثير له على أصل الاشتراك، بداية من معنى الوجود نفسه، وإما أنك تنفي مبدأ الاشتراك المعنوي من الأصل، أو تشترط له شروطا عند الاستعمال اللغوي، يقتضي العمل بها نفيه بالكلية، في بعض أنواع الموجودات المتعينة في الخارج عندك دون غيرها، وإذن تتناقض بذلك تناقضا بينا! وهذا مما يأبى المتكلمون أن يعترفوا به ولا ننتظر منهم ذلك!      

فاشتراطه على كل معترض على هذا الأصل الذي أصله، أن يبين لنا ماذا يقصد بالمعنى وماذا يريد به، ضرب من السفسطة لا نسلم بأنه يلزمنا أصلا، من مجرد الاعتراض على ما قرره! وهذا من شروط الفلاسفة في جدالهم فيما بينهم، يقول أحدهم: هذه النظرية التي وضعها فلان في تفسير كذا أو في بيان حقيقة كذا أو كذا، مردودة غير مقبولة، فيقابله صاحب النظرية أو القائل بها بقوله: فلتأتنا أنت إذن بما يقوم لديك في محلها، لأنها عندنا أصل يجب تقريره من أجل البناء عليه! فإذا كنا نعترض على مبدأ البناء المعرفي المزعوم عند المخالف، من أصل الأمر، وعلى طريقته فيه، فليس له أن يلزمنا بمثل هذا! معنى اللفظ هو ما يشار إليه في اللغة على أنه هو معنى اللفظ، كما تعارف عليه العرب، وانتهت القضية! فلا تطالبنا بقبول مجملاتك ونظرياتك (كنظرية الوضع اللغوي وغيرها) ثم إن اعترضنا، ألزمتنا بالإتيان بنظريات أخرى تقوم مقامها! لا يلزمنا ولا نتكلفه أصلا!    

تأمل إذ يقول، بعدما لوح بدعوى الإجماع كما ترى: "على كل فهذا باب مفتوح للمناقشة، وذو الدربة في المعقولات الذي يغوص في أعماق المسائل بنفسه غير مقلد، يستطيع أن يناقش حتى في المواضع التي يكون فيها قول المخالف صحيحا، ذلك لحسن تعامله مع أدوات الجدل." قلت: الله أكبر! إذن كلما كان الإنسان أكثر دربة في العقليات ودراية بأدوات الجدل والتنطع الفلسفي اليوناني، كان أقدر على هدم إجماعاتكم كلها، من أولها إلى آخرها، وكان يلزمكم، مع هذا، أن تنزلوا على قوله المخالف (الذي تقطعون الآن ببطلانه وبمناقضته أصول ملتكم) إن استطاع أن يظهر عليكم في الجدل والخصومة، وإن كان ينتصر لمحض الدهرية والإلحاد! وهذا ما صرح بمعناه غير واحد منهم، وهي آفة الآفات في طريقة الفلاسفة (ومن تحتها طريقة الكلام)، كما بينته في غير موضع وأطلت النفس فيه في سلاسل هذه القناة المباركة! آفتها الكبرى أنه ليس في مسائل المعارف ما هو ضروري ضرورة موضوعية منتهية منصرمة عند أصحابها، بمعنى أن من تمارى فيه أو زعم أن لديه برهانا نظريا يرده أو ينقضه فإنه يتهم في عقله ونفسه ضرورة، ويرمى بكل نقيصة، كائنا من كان! بل إن عظم شأنه من تشبعه بالفلسفة ونظريات أصحابه، وعلت منزلته بذلك في أكاديميات القوم ومدارسهم، فإنه يجب أن يُنزل منزلة الند المكافئ، بل وربما منزلة الأستاذ الكبير ذي الفضل والدرجة، الذي إذا جولس، جولس مجالسة التلميذ لأستاذه، والصغير لكبيره الذي تعلم منه السحر! فإذا نوظر وخوصم، خوصم على مقدمة خفية مفادها جواز أن يكون جميع ما يخالفه فيه المخاصم والمناظر، باطلا البتة، فلا يقوم عنده إلا على مقدمات جدلية فاسدة، بحيث إن تبين له في المخاصمة وهاء ذلك كله، وعدم قيامه بالمطلوب نظريا، لزمه الزوال عنها والانتقال إلى ما عليه الخصم! هذا ما لأجله ارتضى الأولون من أهل الكلام بأن يناظروا الفلاسفة على وجود من خلقهم أصلا، ولأجله وعلى أثره صارت تلك القضية البدهية الفطرية أعوص المسائل الفلسفية على الإطلاق، بعد أن كانت أجلى الحقائق على الإطلاق، وأظهرها في عقل العاقل سوي النفس، السالم من مبدأ تجويز السفسطة والمعارض السوفسطائي الذي تقوم عليه تلك الطريقة اليونانية الفاسدة! فبعد أن قرر الرجل الإجماع على أنه لا يخالف أحد من أهل العلم باللغة ولا بالأصول ولا بالشريعة في قبول هذا الحد الذي قرره، رجع على ذلك الإجماع بالنقض وفتح مداخل الأخذ والرد فيه على طريقة القوم، ولكن بشرط أن يكون الراد والمعترض مؤصلا في آلة القوم وصنعتهم!! فبالله هل هذه طريقة يقوم بها يقين تام منته، كما هو شرط صحة الإيمان في دين المسلمين، كما يزعم هؤلاء ويعلمون طلبتهم أنها تفيدهم به؟؟ سلم يا رب سلم!     

يقول: "الأمر الثاني، أن التفويض في الكيف، هو تفويض في الهيئة، تفويض في العرض، الذي يكون قائما بذلك المعنى الذي أثبتناه، فقط! فبناء على هذا، فإنك إذا فوضت في هيئة المحسوس، فقد فوضت في صورة العرض القائم بذلك المحسوس فقط. فإذا أثبت أن هذا المحسوس جسم، فأنت قد أثبت الجسم، ثم بعد ذلك .. أثبت الجسم بماذا؟ بقولك: أثبت له المعنى الذي له في لسان العرب! أثبت له الجسمية بهذه العبارة! فإذا أنت فوضت في كيفيته، فأنت لم تفوض إلا فيما يتعلق بالعرض الذي يقوم به. فقط. أما المعنى، فقد سلمته، وآمنت به، وقلت بأنه ( كلام غير واضح) (1)."

قلت: وهنا بيت الداء وأصل الوباء عند المتكلمين يا إخوان فانتبهوا. الرجل يقرر هذا الكلام والإلزام الذي تراه بكل حزم وبكل ثقة، وكأنما هو تأصيل عقلي بديهي فطري لا يماري فيه إلا مسفسط! مع أن مخالفه لا يسلم له أصلا بوجود ما يقال له "العرض القائم بالمحسوس"، على تصور المتكلمين لحقيقة ما يقال له عرض، حتى يسلم بناء على ذلك بأن التفويض في كيفية المعنى الحقيقي المنسوب لذات ما، إنما يكون تفويضا في هيئة أو صفة "العرض القائم" بتلك الذات!! هذه نظرية يونانية أنتم قد تشبعتم بها حتى صيرتموها هي أساس كل عقل ونظر عندكم، وأما نحن فلا نقول بها! فهل نكفر من أجل ذلك؟؟ هل نكون ذلك أهل بدعة وضلالة؟ أثبتوا إذن أن الصحابة قد عرفوها وقالوا بها إن كنتم صادقين! 

القضية يا إخوان أن القوم قد تشبعوا بنظرية الجواهر والأعراض هذه حتى ما عادوا يستطيعون أن يتصوروا فسادها ولا أن يتصوروا رجلا يتكلم عن موجودات في الأعيان بحيث تكون لها صفات وأحوال وأفعال يثبت لها المعنى الحقيقي ويثبت لها شيء يقوم بها قياما حقيقيا في الأعيان، دون أن تكون حقيقة ذلك أنها أعراض تقوم بأجسام مركبة من جواهر وأعراض!! النظرية انطبعت على عقولهم انطباعا تاما حتى ما عادوا يتصورون لأنفسهم تقريرا للعقائد بدونها! وهذا يا إخوان هو بيت الداء وأصل الفساد عند جميع أهل الكلام، الذي لا يريدون أن يعقلوه ولا أن يقبلوا الاعتراف به! لماذا؟ لأنهم لو فعلوا، للزمهم الانصراف عن قرون من تراث السادة المتكلمين وتصانيفهم الطويلة البديعة التي عليها العمدة في مذهبهم وفيما يدرسونه للناس ويتصدرون به بين أيديهم، وهذا ما لا يتصورونه أبدا! حتى لما ظهرت في هذا العصر نظريات ميتافيزيقية أخرى عند الفلاسفة الأكاديميين الغربيين، كميتافيزيقا الزمكان النسباني مثلا وما شكالها، لم يجد القوم بدا من تكلف التلفيق بينها وبين ميتافيزيقا الجوهر والعرض اليونانية بأيما وجه أمكنهم ذلك، لأن نظرية الجوهر والعرض قد باتت لديهم من الأصول عميقة الغور التي لا يتصور لمذهبهم تماسك ولا بقاء إن قدروا الزوال عنها! وعندما ظهرت صورة جديدة للميتافيزيقا الذرية في هذا العصر، قالوا إن هذا إن دل فإنما يدل على ضرورة الوصول إلى الجوهر الفرد الذي ندعيه وأنما هو دليل تجريبي إمبريقي معتبر عن أن نهاية ذلك التفتيت الذي يتكلفونه في مصادماتهم الهادرونية (ولا يمكن أن يتجاوزوا به حدا معينا مهما بلغت أدواتهم من الدقة والقدرة الفائقة ما بلغت) إنما هي الجوهر الفرد! مع أنهم ما أثبتوا تلك الخرافة بينة الفساد من نظر صحيح ولا من قياس سالم من التحكم المحض والإطلاق الفاسد على شرط الوجود، إلا أنهم اليوم إن حدثتهم عن الكواركات والبوزونات وهذه الأشياء، قالوا إن اللبنة الأولى التي منها تكونت تلك الأشياء كلها، إنما هي الجوهر الفرد الذي نثبته! 

لست أرمي من هذا الكلام إلى نصرة الميتافيزيقا العصرية على ميتافيزيقا الأشاعرة، وإنما إلى بيان أن الميتافيزيقا تظل تنظيرا افتراضيا توهميا يطلقه صاحبه على شرط الوجود بغير وجه حق، مهما تقلب الناس فيه ومهما تبدلوا، ولكن لأن القوم قد تمسكوا بنظريات الأولين التي تشبعوا بها وأسسوا عليها براهينهم وعقائدهم، أصبحوا اليوم مطالبين بتكلف ما لا يرتضيه لنفسه فيلسوف من الفلاسفة أصحاب تلك النظريات ولا يشترطه على نفسه أصلا، وهو التوفيق والترقيع بين الميتافيزيقا اليونانية القديمة، وميتافيزيقا النظرية الذرية العصرية والزمكان النسباني، الذان باتا يشكلان تصور الفلاسفة المعاصرين لحقيقة كل موجود، ولسبب اتصافه بأن له صفات وله وجود في الزمان وجهة في المكان وامتداد فيه وغير ذلك! هي عندهم اليوم ليست شيئا عينيا اسمه العرض يتركب بشيء عيني اسمه الجوهر، وإنما هي مادة مركبة من جسيمات دقيقة لها طبائع معينة تجعلها تتأثر بنسيج مادة أخرى تملأ خلاء الكون يقال لها الزمكان، وهي (أي تلك المادة العدمية المزعومة) التي تكسب كل موجود معاني الزمان والمكان والتغير والانجذاب وانحراف مسارات الحركة وغير ذلك من الصفات التي تناولوها بالنظرية، وليس "الأعراض" كما عند الفلاسفة الأقدمين! فماذا قال المتكلمون المعاصرون؟ قالوا إن الزمكان هذا وجميع ما ينشأ عنه من تأثيرات على الموجودات في الأعيان، إنما هو من تركب الأعراض على الجواهر وقيامها بالأجسام! فما الدليل على ذلك؟ لا دليل على الإطلاق، ولا يقوم بمثل هذا دليل أصلا! وإنما هو الحرص على طبع التقاسيم والحدود والقواعد الميتافيزيقية القديمة بطابع الضرورة العقلية القطعية، ومن ثم تكلف التوفيق بينه وبين ما جاء به المعاصرون ما أمكن، صيانة للبناء الفلسفي الذي منه تستمد سائر العقائد عندهم من الزوال والانهيار!! ولا أظن حقيقة ولا أنتظر من أحدهم أن يجترئ على نقد ميتافيزيقا الزمكان هذه أصلا في يوم من الأيام، كما هو حقها أن تنتقد، لأنه إذن يخاف مما خاف منه أسلافه من الجهمية وأهل الكلام، من أن يتهموا بمخالفة العلم الثابت القطعي وبالسفاهة وخفة العقل .. إلخ، ومن ثم ابتلعوا نظرية الجواهر والأعراض هذه وأفضوا فيها إلى ما انتهوا إليه، كما ابتلع خلفهم اليوم ميتافيزيقا الزمكان سواء بسواء! نعم ولا شك قد يكون لهم تعديلات على النظرية بوجه ما، كما احتاج إليه الأولون، في إطار ما وجدوا أن الجدل الأكاديمي بين معاصريهم من الفلاسفة قد اتسع له، ولكن أن ينتقض مبدأ التنظير وطريقته وأصل الفرض الميتافيزيقي المضروب فيه، فهذا لا ننتظره منهم أبدا.     

فالرجل هنا يعتقد اعتقادا جازما لا يتزحزح عنه ولا يتصور لنفسه زوالا عنه أبدا، هو وأمثاله من أصحاب "العقليات" المزعومة، مفاده أن المعنى الكلي لأيما صفة أيا ما كانت، لا يكون متوجها إلى حقيقة متعينة في الخارج، تقوم بذات محسوسة (مبدئيا) موصوفة بها، إلا وجب أن يكون تحقق ذلك القيام أو "تفسيره العلمي" (إن شئت) هو وجود ما يقال له "العرض" قائما بذلك الشيء (وكذا ما يقال له الجواهر)! وعليه، فلا يكون لذلك القيام "حقيقة" ولا "كيفية" في الأعيان، إلا على معنى ما عبر عنه هنا بقوله "الهيئة"، ويقصد به الصورة الناشئة عن تركب الأعراض على الجواهر في كل ما يوصف، تحت النظرية، بأن له صورة ما! هذا هو ما توجبه عليهم عقولهم ولا متسع فيها لتصور بخلافه البتة! أنت تقول إنك تثبت لذات الله تعالى صفة النزول على معناها الحقيقي وتفوض فقط في الكيف؟ إذن أنت تثبت بالضرورة تركب ذاته من جواهر وأعراض، وتفوض المعرفة بحقيقة تلك الأعراض التي يتركب منها، ولأجلها قامت بذاته صفة النزول، على المعنى الذي يعرفه العرب! فبالله هل هذه ضرورة العقل يا عقلاء، ويا أدعياء العقل، أم هي في حقيقة الأمر ضرورة النظرية والأصل الميتافيزيقي المطلق القائل بأن الموجود، أي موجود، أيا ما كان، لا يوصف بأنه يتغير وتتبدل أحواله من حال إلى حال، إلا وجب أن يكون تفسير ذلك وحقيقته فيه أنه أعراض مركبة في جواهر فيما يقال له على اصطلاحهم "الجسم"! أي موجود أيا ما كان بإطلاق، يجب في عقولهم البائسة، وعلى إطلاق النظرية، أن تكون حقيقته التركب من جواهر وأعراض، من أجل أن يجوز قيام أمر حقيقي بذاته، يكون به داخلا في المعنى الكلي للنزول دخولا حقيقيا! أي بإيجاز، لا يكون الموجود، أي موجود، موصوفا بمعنى التحول من حال إلى حال، إلا بأن يكون مركبا بالضرورة من أعراض تقوم به، ومن ثم يكون حادثا (مخلوقا) لأنه على هذه الصفة لا يكون إلا مخلوقا تحل به مخلوقات، أي تخلق فيه أشياء يتركب منها! ولكن نحن نسألهم هاهنا بالله الذي خلقهم وسواهم وصورهم، في أي صورة ما شاء ركبهم: من الذي أوجب عليهم أن يسلموا لإطلاق فاحش كهذا، وأين في عقول العقلاء ما يوجب قبوله، من مبدأ الطرح؟؟ النظرية تختزل معنى الاتصاف بالصفة، بهذا الإطلاق، في شيء متعين خارج الذهن يقال له العرض، بحيث إن تركب منه الموجود، أو حل بالموجود، صح أن يوصف بهذا المعنى الكلي، وإلا لم يصح! فمن الذي قاس على الحقيقة أولا، ثم ألزم الناس بألا يثبتوا موجودا من الموجودات في الأعيان بحيث يتحقق بالمعنى الكلي للصفة الذاتية لأي ذات ولا الصفة الفعلية لأي فاعل، إلا بهذه الحقيقة القياسية التي زعمها وأطلقها تحكما؟ لهذا لا نزال نقول، ولا يزالون يأبون أن يفهموا: أنتم من بدأتم أولا بالقياس والتمثيل المطلق بالمخلوقات، واختزلتم الكيفية والحقيقة العقلية لقيام تلك المعاني بأي ذات موجودة في الأعيان بإطلاق، في هذه الكيفية الواهية التي قررتها النظرية، ثم جئتم لتقولوا لمخالفكم من أهل السنة الخلص، السالمين من ذلك السخف اليوناني: إنك مهما زعمت اتصاف موجود ما بهذا الصنف من المعاني (معاني قيام الموجودات المتعددة بذاته على وجه البعض من الكل، أو معاني تحول ذاته من حال إلى حال في الزمان، أو معاني النسبة المكانية للموجودات الأخرى في الأعيان) اتصافا حقيقيا، فأنت بهذا تثبت دخوله تحت ذلك القياس الذي قسناه والتمثيل الذي مثلناه في النظرية، دخولا ضروريا لا فكاك لك منه! ومهما قلنا لهم إننا نضع تلك النظرية تحت الأقدام ولا نبالي بها ولا نرفع بها رأسا، اتهمونا بأنا لا نفهم ضرورتها العقلية، على أساس أن العرض والجوهر ليسا في حقيقتهما إلا الصفة والموصوف!! فإذا كان الموصوف لا يوجد بلا صفة، فكذلك الجوهر لا يوجد بلا عرض، ولنفس الضرورة! مع أن هذا يلزمهم معه أن يقرروا اتصاف الرب بالأعراض، لأنها إن سلمنا لهم أن كانت حقيقتها هي مجرد اتصاف الموصوف بالصفة بإطلاق، فأن لفظة "عرض" إذن، وعلى هذا، تصبح المرادف المعنوي للفظة "صفة"، وإذن فالوجود يكون عرضا في حق الله تعالى، والقدرة كذلك، والسمع والبصر والحياة والعلم والإرادة، كل هذه تكون أعراضا في حقه سبحانه ولا إشكال! ما دام أن ضرورة قيام العرض بالجسم هي ضرورة اتصاف الموصوف بالصفة كما تزعمون! ولكن لا قائل منكم بهذا ولا ترونه أصلا، فلا تلبسوا على الخلق بادعاء أن العلاقة بين العرض المزعوم والجوهر والمزعوم، هي بعينها العلاقة بين مطلق ما يقال له صفة وما يقال له موصوف! 

آفة النظرية يا إخوان، أن واضعيها، أرادوا منها في أصلها الأول، أن تكون تفسيرا قياسيا لمبدأ العلاقة بين الصفة والموصوف، هكذا، بهذا الإطلاق! ولكن هذا كما لا يخفى مطلب سوفسطائي محض! لماذا يوصف أي شيء من الأشياء بهذه الصفات التي نرى الأشياء تتفاوت فيها وتتمايز فيها فيما بينها؟ هذا السؤال الذي أرادوا أصالة أن يجعلوا من النظرية جوابا عنه! فلما نظروا فيما حولهم من الأشياء ووجدوا أن مبدأ الفك والتركيب والتجزئة والتفكيك يؤثر تأثيرا عظيما في صفات الأشياء المعتادة من حولهم وفي خبرتهم وعادتهم البشرية، حتى إن الكرسي والمنضدة والباب والإناء وغير ذلك من الأشياء المصنعة في عادتهم، إنما اكتسبت صفاتها التي جعلوها عليها بالتصنيع والتركيب، وعلى أثر أصل أول له صفات معينة يكون تحقق الصفات الجديدة بالشيء المصنوع ناشئا عنها إجمالا، قالوا إذن فلابد بالقياس أن يكون سبب اتصاف أي موجود في الأعيان بأي معنى من معاني الصفات والهيئات والأحوال وكذا، راجعا كذلك إلى نفس هذا الأصل. ثم زادوا وقالوا: بل لابد أن تكون الصفة، أي صفة، إنما حقيقتها أنها عنصر وجودي تتركب منه جميع المواد، بحيث لا يوصف الشيء، أي شيء، بأي صفة من تلك الصفات التي يمتاز بها عن غيره من الأشياء، إلا لأحوال يكون عليها ذلك العنصر الذي هو مركب منه! ومن هنا قالوا إن الجوهر لا يوجد منفكا عن العرض، لأن العرض هذا هو الشيء الوجودي الذي توصف الموجودات في الأعيان بالصفات، أي موجودات وأي صفات، بسبب أنه قائم بها وهي مركبة منه ومن ذلك الشيء العدمي الذي يقال له الجوهر (الذي هو الموجود مجردا عن كل صفة، وهو المعنى الذي لأجله سموه "بالجوهر")! 

ومن هنا جرى النزاع بينهم طويلا في حقيقة ذلك الذي يقال له العرض وذلك الذي يقال له الجوهر، انطلاقا من سؤال سفسطائي محض كما ترى، ومن جواب سفسطائي مثله! ولهذا لم يجد المتكلمون، بعدما تشبعوا بتلك السفسطة اليونانية حتى جرت منهم مجرى الدم، إلا أن يلزمونا بتركب الذات الإلهية من هذين العنصرين الوجوديين المزعومين، من مجرد إثباتنا اتصاف تلك الذات بهذا النوع من المعاني اتصافا حقيقيا، أي في الأعيان خارج الأذهان! يقول لك أنت عندما تفوض في الكيف مع إثبات المعنى على الحقيقة، فإنما تفوض المعرفة بالحقيقة التي عليها "العرض" القائم بالذات عندك! لماذا؟ لأن النظرية تمنع، في إطلاقها الميتافيزيقي الفاسد، من أن يوجد موجود في الأعيان بحيث يصح فيه هذا المعنى أو ذاك، من غير أن تكون حقيقة ذلك فيه وتفسير اتصاف ذاته به ودخوله في اشتراكه المعنوي، هو تركب تلك الذات من "الأعراض" المزعومة! ولهذا نقول إن النظرية الميتافيزيقية (نظرية الجوهر والعرض، وما كان على مثل طريقتها) تقرصن على عقولنا وألسنتنا قرصنة تامة، من مبدأ طرحها، على نحو يجب علينا أن نرفضه رفضا مبدئيا! وهو ما لأجله يصعب على أكثر من تربوا عليها في علومهم وأصولهم وقواعد العقل عندهم، أن يخرجوا منها وأن يحرروا عقولهم وألسنتهم من سطوتها، ينخلعون منها بالكلية! هذا أمر شديد ثقيل نعم، ونحن نشهد بهذا ونعترف، ولكن يجب عليهم أن يتحلوا بالشجاعة الفكرية الكافية للإقدام عليه، إن أرادوا أن يموتوا على ما مات عليه الصحابة رضي الله عنهم في الاعتقاد والمنهج! 

وإلا فليس في عقول الأسوياء ما يرضيهم بأن يسأل سائل فيقول: ما تفسير اتصاف الموجود في الأعيان (بهذا الإطلاق) بالصفة، أي صفة (بهذا الإطلاق)!! هذا سؤال فاسد من مبدأ الطرح! الصفة والموجود المتعين حقيقتان كليتان تجريديتان متلازمتان في عقول العقلاء، فلا تُنزّل إحداهما تنزيلا صحيحا على شيء خارج الذهن، إلا وجب إنزال الأخرى كذلك على شيء ملازم له خارج الذهن وجوبا وضرورة! فليس في مطلق قيام الصفة بالموصوف ما يوجب تفسير ذلك "القيام" بكيفية معينة أو بصفة معينة، في ذلك الدور السفسطائي البارد الذي سلكه الفلاسفة! وإنما الصواب الذي عليه العقلاء، خلافا لفلاسفة اليونان، أن يقيد الإطلاق من مبدأ السؤال، فيقال: ما تفسير وما سبب اتصاف النوع المعين (أ) من الموجودات المعتادة، بصفة كذا وصفة كذا، بعد أن كان عادما لها؟ ومن ثم يُلتمس الجواب في تتبع الطبائع والسنن السببية الطبيعية المعينة التي ركبها الله تعالى في تلك الأنواع، بما يحصل به المقصود من تسخير تلك الأنواع لبني آدم، خدمة للغاية التي من أجلها خلقهم رب العالمين في هذه الدار الدنيا، حتى يقال إن (أ) يوصف الفرد منها بهذه الصفة، بسبب أنه مركب من النوعين (س) و(ص)، ومن صفات (س) و(ص) هذه عندما تتركب على نحو مخصوص، ما يترتب عليه اتصاف (أ) بالصفة المعينة محل البحث! هذه هي حدود آلة النظر العقلي وحدود إعمال القياس التي نسفتها الطريقة اليونانية نسفا وتجاوزتها غاية التجاوز، في مفهوم النظرية ومفهوم التفسير عند القوم من الابتداء! وهو أمر لم نزل نرى فساده في ميتافيزيقا المعاصرين كما أطلنا النفس في بيانه في غير موضع.

لهذا قال إنك تثبت للرب معنى "الجسم" والجسمية (الذي هو على اصطلاح النظرية: ما يتركب من جواهر وأعراض تقبل الفك من بعضها البعض، ويرد عليها التبديل والتحويل وكذا) بمجرد أن تقول إنني أثبت المعنى لذاته سبحانه، مهما قلت إنك تفوض في الكيفية! لأن مطلق الكيفية من حيث هي حقيقة قيام المعنى بالموصوف به، قد استحوذت عليها النظرية في قياسها الميتافيزيقي الفاسد من مبدأ الطرح كما بينا! فقوله: "فإنك إذا فوضت في هيئة المحسوس، فقد فوضت في صورة العرض القائم بذلك المحسوس فقط." هذا مؤسس عنده في اعتقاده وفي عقله على أن العرض هو الحقيقة الملازمة لمطلق نزول هذا المعنى على أيما موجود يوصف به في الأعيان! وهذا ما جنته النظرية اليونانية على عقول هؤلاء، وهم يحاولون محاولة المستميت أن يستدرجونا للغرق فيها كما غرقوا، حتى يصبح ما توجه نظريتهم واجبا في عقولنا، وما تمنعه نظريتهم ممنوعا في عقولنا، والله المستعان لا رب سواه!      

----------------- 

(1) والرجل كثير من ألفاظه غير واضحة لغلبة لسان المغاربة ومخارجهم اللفظية عليه!  

-------------------------

يتبع إن شاء الله تعالى.

أبو الفداء حسام بن مسعود

غفر الله له ولوالديه ولأهله وللمسلمين.

إرسال تعليق