حوار افتراضي بين سني وصاحب كلام
قال المتكلم: إذا جاءكم الملحد يطالبكم بالدليل على وجود الباري، فلا تخاطبوه بالكتاب والسنة لأنه لا يسلم بصحتهما، وإنما جادلوه وحاوروه بالعقل المجرد أولا، بأن تثبتوا له حدوث العالم بالدليل العقلي، ثم تؤسسوا عليه وجود الصانع، ثم إرسال الرسل، ثم صدق النبوة، بهذا الترتيب!
قال السني: مهلا يا أخي هداك الله! لا حقيقة "للعقل المجرد" هذا على النحو الذي يشترطه الملحد، وتدعونا أنت لأن "نحاوره" به، إلا أن يكون هو هوى الملحد، وغاية السفسطة!
قال المتكلم: وكيف هذا؟؟
قال السني: ألا تراه يشترط عليك أن تأتيه بدليل عقلي على وجود من صنعه؟
قال المتكلم: بلى!
قال السني: فهذا هو عقل الملحد لا عقل الإنسان السوي! وقولهم "عقل مجرد" هو تجريد للعقل مما به يحصل اسم العقل بالأساس! أنت إذا طلب منك إنسان أن تأتيه بدليل نظري تثبت له به، بعد مقدمات قياسية، أنه موجود، فحقيقة ذلك أنه يقول: أنا لا أعلم أن العالم موجود، فإن لم تأتني بدليل يدلني على وجود العالم من حولي ويثبته لي معرفيا، فسأظل على جهلي بوجوده! فهل تجيبه إلى طلبه نصب الدليل "العقلي" كما يشترط عليك؟
قال المتكلم: أبدا! لا يزعم الجهل بوجود العالم من حوله إلا مجنون، ونحن لا نحاور المجانين!
قال السني: فلماذا حكمت عليه بأنه مجنون؟
قال المتكلم: لأنه يكابر في البديهيات الأولى! وجحد الضروريات والبديهيات مانع من المناظرة قبل ابتدائها، وهو كذلك قاطع لها إذا وقع في أثنائها!
قال السني: الله أكبر! طيب كيف عرفت أن علم الإنسان بوجود العالم من حوله بديهي من البديهيات الأولى التي من جحدها، نادى على نفسه بذهاب العقل نفسه؟
قال المتكلم: يا أخي هذه مسألة يعرفها كل أحد، حتى الصبي الصغير لا يماري فيها من بديهيتها! إن لم يعلم الإنسان من نفسه أن العالم موجود، فبأي شيء يعلم إذن؟
قال السني: طيب! أرأيت لو أني جئته الآن بدعوى يقتضي علمه بوجود العالم أن يقبلها مني اقتضاء ضروريا، فأجابني بأنه لا يعلم أصلا هل العالم موجود في الحقيقة أم لا حتى يقبل مني ما أسسته على ذلك، وأنه لن ينظر في دعواي تلك حتى أثبت له أنه موجود، هذا عندك يكون خارجا من مسمى العقل، متهما بالهوى والسفسطة والمكابرة، صحيح؟
قال المتكلم: نعم صحيح.
قال السني: فكذلك يقال فيمن يزعم الجهل بوجود السبب في وجود العالم وفي وجود كل ما فيه! الذي يزعم أنه لا يدري أمخلوق هو أم لا، وهل لخالقه عليه حق أم لا، هذا أيضا جاحد للبديهيات الكبرى، مكابر مصاب بالهوى المحض، ولا فرق! وإذن فحق هذا إن جاءنا يطالبنا بنصب الدليل النظري أو البرهان العقلي الذي يكسبه العلم بوجود من صنعه بعد جهله أو خلو نفسه منه، أن نعامله كما عاملنا الأول سواء بسواء! فالذي يزعم أن العقل المجرد يوجب على الإنسان النظر في إثبات وجود من صنعه، وأن ذلك لا يتم لطالبه إلا بإثبات حدوث العالم أولا ثم إثبات افتقراه إلى صانع ذي علم وإرادة وقدرة، هذا إنما يجرد العقل من معنى العقل نفسه! ولهذا نزل القرآن لا بتأسيس المعرفة بوجود الباري نفسه عند المخاطبين به ابتداء (وجميع الثقلين إلى يوم الساعة مخاطبون به محجوجون به!) ولا بتأسيس العلم بربوبيته سبحانه على براهين نظرية تكسب المخاطب بها ذلك العلم بعد خلو النفس منه، وإنما نزل بإلزام المشركين بالتناقض لما هم عليه من إشراك في العبادة والتأليه، يقتضي نزع الربوبية عنه سبحانه ونسبتها كلها أو بعضها إلى غيره جل شأنه!
فعندما تأتي أحدهم تسمعه قول الله تعالى: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً)) [النساء : 1]، فيقابلك بقوله: "أنا لا أقبل هذا الكلام لأني لا أعلم أصلا أن لي ربا خلقني، أثبت لي أولا بالدليل العلمي أو العقلي أني مخلوق مربوب"، فهذا لا يقال للمسلمين تعالوا لندربكم كيف تقدمون له الدليل الذي يشترطه عليكم، وكيف تثبتوا له وجود الباري كما يريد، إلا كمن يقول لمن يزعم أنه لا يدري هل العالم موجود أم لا، تعالوا نعلمكم كيف تبرهنون لنافي وجوده أنه موجود على الحقيقة! هذا جاحد مكابر من مبدأ الطرح نفسه كصاحبه، سواء بسواء، وإلا فإن فرقت بينهما في قوة الثبوت المعرفي للدعوى التي نزعم نحن بديهيتها وفطريتها في كلتا الحالتين، فعلى أي أساس تفرق؟؟
قال المتكلم: ولكن يا أخي القرآن نفسه جاء فيه إثبات وبرهان عقلي على وجود الباري، كما في قوله تعالى: ((أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ)) [الطور : 35]، فهذا تأسيس للمعرفة بالربوبية وليس تأسيسا عليها كما تدعي!
قال السني: لا والله ليس كذلك! ولو كان كذلك لوجدت القرآن محشوا بسفسطة الفلاسفة وجوابها على شروطهم فيما يحصل به الجواب! فخلو القرآن من ذلك إنما هو آية من آيات صدق النبوة لو كانوا يعقلون! وإنما خرج الكلام مخرج التبكيت والتسخيف والتشنيع على من قال بذلك، كما تقول أنت عن المسفسط الذي يقول: "وجود العالم كعدمه، كلاهما وهم لا حقيقة له"، أو نحوا من ذلك: "أم تراه يزعم، ذلك الكذاب المكابر، أننا لو ضربناه الآن على رأسه فلن يألم، ولو قذفنا به من فوق جبل فلن يهلك؟؟ تعال إلينا يا هذا لنضربك على أم رأسك ثم انظر أحق هذا العالم الذي تراه أم هو وهم في وهم"! ووجه كون ذلك تشنيعا لا إثباتا نظريا، هو أن المعنى الذي ينفيه أو يزعم الجهل به هذا المكابر، يقتضي نفيه نفي غيره معه مما هو بدهي ظاهر مثله، ولا يزعم هو – مع ذلك – أنه ينفيه! فإذا نفيت أنك تدري أمخلوق أنت أم لا، فهل تنفي إذن العلم بأنك لم تخلق نفسك بنفسك؟ وهل تنفي كذلك العلم بأنك لم تخلق من غير خالق؟ إن فعلت تعاظمت وتوافرت أسباب الحكم عليك بسخافة العقل وفساد النفس، وهو المطلوب! أما أن يقال إن المراد بالآية ونحوها، نصب الدليل النظري الذي إذا سمعه المخاطب، حصل في نفسه العلم بأن الرب هو خالقه بعد جهله بهذا المعنى، وإن لم يفهمه أو لم يقتنع به، وجب علينا إعذاره بالجهل بأنه مخلوق، فهذا محض السفسطة والمكابرة عند الفلاسفة، وهو مقصودهم بدلالة العقل التي يشترطونها علينا، فافهم هذا!
نحن نقول إن "العقل" عندنا معاشر العقلاء من أهل السنة، لا يتجرد من مسلمات الفطرة إلا تجرد مما به استحق اسم العقل من الأساس! والعقل السوي يقضي بتسخيف هذا القول (أعني قول القائل بأنه لا يدري أمخلوق هو أم لا) غاية ما يكون التسخيف، واتهام صاحبه على العقل نفسه أبلغ ما يكون الاتهام، ورميه بالمكابرة والجحود، وتغليظ النكير عليه، لا أن يقال له: لا بأس، تعال إذن نبين لك بالبرهان العقلي وبقياس من جنس الأقيسة التي بدعها الفلاسفة في الغيبيات والإلهيات، أن العالم حادث وليس أزليا، وأن الحادث لا يحدث نفسه بنفسه، ولا يحدث من غير محدث، وإذن يجب أن يوجد رب بالغيب يكون هو من أحدثه!
هؤلاء قوم مستكبرون إنما شرطوا على أتباع الأنبياء ذلك الشرط الفاسد (أعني إثبات حدوث العالم ابتداء) حتى يهدموا الأساس الفطري الذي تقوم عليه دعوى الأنبياء نفسها، ويلجئوا الناس لأن يستعملوا نفس الطرق والأقيسة السوفسطائية التي استعملوها هم في بحث مسألة أصل العالم وحدوثه من عدمه، جحودا للبداهة وقرصنة على العقل نفسه، ومن ثم يصبحوا تبعا لهم هم لا للأنبياء والمرسلين، ولا يتبع منهم أحد من يتبعه من الأنبياء والمرسلين إلا تأسيسا على تبعية الفيلسوف في نظرياته الميتافزيقية والكونية أولا (أي التي يشترط هو أن يكون حدوث العالم ثابتا من طريقها)، لأنها إذن تصبح هي أساس المعرفة التي بها يحصل العلم بوجود صانع للعالم من الأساس! وهذا كله جهل ومكابرة وسفسطة وهوى لا يعلوه هوى، واستكبار لا يعلوه استكبار، عند من يزعم أنه يفتقر إلى الدليل النظري الذي يقنعه بوجود من خلقه ثم باستحقاق ذلك الخالق لأن يعبد وحده لا شريك له، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وكتب
أبو الفداء ابن مسعود
غفر الله له ولوالديه
.jpg)