هل في نص القرآن والسنة ما يفيد بامتناع العيش فوق القمر والكواكب؟


 الحمد لله وحده، أما بعد، فقد جاءني سؤال من أحد إخواننا الأفاضل قال فيه:

"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته شيخنا أبا الفداء. جاءني هذا السؤال من أحد الأخوة، وهو هل يستطيع أحد العيش على القمر أو المريخ أو ما شابه فكان جوابي أنه صعب جدا ويحتاج معدات خاصة وحتى معها فلن يكون سهلا وسيكون مؤقتا. فأجابني الأخ وقال: وإن ماتوا هناك، سيؤدي هذا لتكذيب كلام الله تعالى القطعي في غير ما آية "ألم نجعل الأرض كفاتا أحياءً وأمواتا" وقوله "قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون" و"منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى" قوله "وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ "قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ" والنصوص الصريحة كثيرة. فما هو جوابكم عن هذه المسألة؟" اهـ.

فقلت في الجواب (مع تصرف وإضافة يسيرة لعموم الفائدة): 

عليكم السلام ورحمة الله وبركاته. حياك الله أخانا الحبيب. المفهوم من النصوص التي تفضلت بذكرها، هو أن استقرار البشر إنما يكون على الأرض، حيث فيها حياتهم ومماتهم ومنها يبعثون، ولكن ليس في النصوص ما يمنع من أن يهلك رجل أو جماعة من الناس في الفضاء، أو على القمر أو على كوكب آخر، وإنما الممنوع منه أن يكون مستقر البشر في غير الأرض، أي أن تقوم لهم فيها مدن مستقرة وحواضر وقرى وكذا، كما يحلم به هؤلاء ويطمعون فيه، وتطفح به روايات الخيال الدهري المسمى بالعلمي عندهم. فالخطاب عام لبني آدم، أن مستقرهم في الأرض ومتاعهم فيها ومحياهم فيها ومماتهم فيها، ولا يمنع ذلك من أن يصعد أناس إلى الفضاء ليعيشوا فيه مدة، وربما ماتوا فيه، كما وقع فعلا لآحاد من الناس. ولا يخفى أن عيش الفرد أو الجماعة القليلة في الفضاء الخارجي بموارد يحملونها معهم شيء، وقيام حواضر ومدن مستقرة في غير الأرض، مستمدة أسباب بقائها كلها من غير الأرض، قضيتان منفكتان، فلا يلزم من منع وقوع الثانية (كما هو ظاهر النصوص) منع وقوع الأولى! وبنحو هذا يرد على من زعم أن بعض تلك الآيات تمنع من الوصول إلى القمر، فإذا كان قد ثبت الوصول إلى القمر، فإنه يثبت بطلان القرآن، زعموا! فجوابه أنه ليس في القرآن ما يمنع من ذلك أصلا، بل ولا من بقاء بعض الناس هنالك لسنوات وإن طالت، ولا ما يمنع من أن يموتوا هنالك، وإنما الممنوع منه كما بينا. ولا يقال إن قوله تعالى: ((يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ)) [الرحمن : 33] هذا يمنع من ذلك، فالآية ليست في ذلك أصلا، وإنما المقصود الفرار من حكم الله وسلطانه، فلا يفر المخلوق من سلطان خالقه إلا إلى سلطان خالقه. وإلا فقد سافر الناس في السماء القريبة فعلا وركبوا الطيارات ومكوك الفضاء وما شاكل ذلك، فليس في الآية ما يمنعه، كما ليس فيها ما يمنع من الوصول إلى القمر وإلى الكواكب القريبة، والله أعلى وأعلم.

أبو الفداء ابن مسعود

غفر الله له


إرسال تعليق