الرد على كلام "مولود السريري" في مسألة التجسيم وتفويض الكيف - الجزء الثاني



الحمد لله وحده، أما بعد، فقد علق غير واحد على الجزء الأول من هذا الرد، بقوله إن فيه كلاما كثيرا لا فائدة منه ولا طائل تحته، وأن الواجب علي إن أردت أن أرد على كلام الشيخ مولود أن أبدأ ببيان مذهبي بيانا واضحا أولا! وأنا لا أدري من أين جاء ذلك الواجب ومن الذي أوجبه! العبرة في الردود العلمية بقيامها بالمطلوب من تأليفها ونشرها، والمطلوب هو بيان الباطل في كلام المردود عليه! ولا شك أن مجرد تقرير بطلان مذهب ما، هو بالضرورة تقرير لصحة المذهب المخالف له! فمن الواضح بداهة أني من جملة من نهض الشيخ مولود بالرد عليهم في مسألة تفويض الكيف وإلا ما تجشمت عناء الرد أصلا! وأما التطويل فمطلوب عند كل منصف صادق في طلب الهداية، يريد تمييز مذهب أهل السنة من مذاهب أهل الكلام على اختلافها وتباينها، فمن كان مخالفا لما نزعمه مذهب أهل السنة في الباب، فلا عجب ألا يرضيه شيء مما نقول! فلو أنا طولنا فهو لا محالة معترض بأن هذا حشو لا طائل منه وكلام فارغ، ولو أننا أوجزنا فهو كذلك معترض بأن هذا تسطيح للقضية وقصور عن التحقيق فيها كما هو حقها! فطالب الحق كما قال شيخنا العلامة الألباني رحمه الله يكفيه دليل، وصاحب الهوى لا يرضى ولو جئته بألف دليل! التطويل يا كرام ما ألجأني إليه إلا أني أردت أن أتخذ من هذا الجواب فرصة لأبين لكل عاقل منصف قد تعرض لكلام الشيخ السريري، مبنت الخلل وبيت الداء في طريقة أهل الكلام قاطبة، وليس في هذا الكلام بخصوصه وحسب، ولا في مذهب الأشاعرة وحسب! فإن فساد كلام المردود عليه فرع عن ذلك، وطالب العلم ينتفع بإرجاع الفروع إلى أصولها، فوق ما ينتفع بتحرير القول في الفرع دون ربطه بأصله! ولكن لا غرو أن المخالف يكره منا أن نتناول أصوله الأولى بالنقد الشامل كما سلكه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، فوق ما يكره منا أن نقرر فساد الآحاد من أقواله دون بيان منبت ذلك الفساد عندهم، لأن نقض الأصول يمكن الطالب من أن يفرع على ما قررناه في هذه المسائل التي تكلم فيها المردود عليه وغيرها، لا فيها بخصوصها وحسب! ولهذا قامت قائمة الأشاعرة والماتريدية على شيخ الإسلام رحمه الله منذ عصره ولم تقعد إلى اليوم! لأنهم ما عرفوا في تاريخهم الطويل من جلدهم وأشبعهم جلدا كما فعل رحمه الله، ولا من أتى على بنيانهم العقلي المزعوم بالنقض التام كما فعل! وهم ما استطالوا على أهل الحديث والأثر إلا بدعوى أنهم أصحاب العقل والمعقول أصلا، وما افتتن عوام المسلمين بهم إلا لدخول تلك الشبهة عليهم! فحاجة المسلمين المتعرضين لبضاعتهم، إلى من يفضح عوار مستندهم العقلي المزعوم بنفس طويل على ما سلكه شيخ الإسلام من قبل رحمه الله تعالى، أعظم ولا شك من حاجتهم إلى من يقصر عن ذلك! 

وقد عجبت والله كثيرا عندما وقفت من قريب على مقطع للشيخ السريري، يقول فيه إن أهل السنة (أو الوهابية كما يسميهم) لا صبر لهم على العقليات والمباحث العقلية فلا يقابلون أصحابها إلا بالصراخ والعويل والسباب والكلام الخطابي.. إلخ، ويقرر أن هذا لا ينفع ولا يفيد! ولا شك أنه مبطل في ذلك من وجهين: فأما الوجه الأول فهو أن أهل السنة بفضل الله لديهم من الردود على معقولاتكم المزعومة ما يبين بما فيه الكفاية براءة العقل منها، براءة الذئب من دم ابن يعقوب، وأنها إنما تؤول في منتهاها، في حقيقة الأمر، إلى سفسطة الأقدمين من فلاسفة اليونان، في نظريات ميتافيزيقية يضحك منها الصبي إذا فهمها، كقولكم: الموجود "مركب" من جواهر مفردة (وهي أشياء لا امتداد لها أصلا ولا يمتاز منها جانب عن جانب)، و"أعراض" (وهي معان كلية لا حقيقة لها إلا في الأذهان)! فكونكم لم تقفوا إلا على من يصرخ ويشتم وينفر الناس منكم (وهو بعينه صنيع بعضكم فيما تقابلوننا به، فلا يخفى سباب د. علي جمعة للسلفيين، وتطاوله المتكرر عليهم، وتسفيه عبد القادر الحسين وسعيد فودة وغيرهم للوهابية كما يسمونهم)، فهذا مما يقال فيه: عدم الوجدان لا يعني العدم! والعيب على من سمع القوم يصرخون ويحذرون ويشنعون، ولم يتكلف مع ذلك عناء الوقوف على ما يستندون إليه عندما يحررون الردود العلمية الوافية، وإنما زعم أنهم ليس لديهم إلا هذا! ولكنكم قطعا وقفتم على ما لا صراخ فيه ولا تهويل، وحسبكم بردود شيخ الإسلام نفسه من قبل رحمه الله تعالى! ولكنكم لا ترون ردودنا العلمية الدقيقة التي تبين فساد أصولكم خير بيان، من جنس الرد العقلي المعتبر أصلا، وهذا لا عجب منه، ولا يدل في مجرده على شيء! نحن عندكم في هذا الباب لا عقل لنا، كما أنكم عندنا لا عقل لكم، ولا عجب! والمنصف من تجرد للدليل دون تهويل، والمفلح من أذعن للحق إذا تبين له! 

وأما الوجه الثاني فهو أن الصياح والنكير والتشنيع على منابر العامة كما يصنعه بعض دعاتنا مطلوب شرعا لتنفير العوام عن مطالعة منابركم التي كثرت وفشت في وسائل الإعلام والشبكات الاجتماعية وهذه الأشياء، وانتشرت انتشارا لم يسبق له نظير! فالعامي وإن كان لا صبر له على تلك المباحث، إلا أنه يسهل جدا أن تعلق بنفسه شبهة جهمي أو متجهم يقذف عليه في برنامج على قناة فضائية أو في مقطع على اليوتيوب، الزعم بأن إثبات العلو على العرش بالذات (مثلا) تجسيم ووثنية وكفر مبين، أو أن إثبات كلام الله تعالى باللفظ والحرف والصوت يقتضي تصييره مخلوقا يتكلم كالمخلوقين! فمثل هذا يكفيه أن يبين له بالسند المتصل أن هذا هو اعتقاد السلف رضي الله عنهم، ثم يوعظ بما ينفره منكم ومن طريقتكم كما هو حقها أن ينفر الناس منها، وتنتهي القضية! أما أن يقال له كما تقولون: هذه مسألة الكلام فيها إنما يكون للخاصة وكبار العلماء، فهذا من جهميتكم وخلفيتكم التي لأجلها شنعنا عليكم وذممناكم! فالصحابة رضي الله عنهم حدثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه المعاني والصفات دون أن يتكلف تحذيرهم في كل واحدة منها من أن يحملوها على الظاهر المتبادر إلى ذهن العربي سوي اللسان، مخافة أن يجسموا فيشركوا من حيث أرادوا التوحيد! ومعلوم أنهم ما كانوا فلاسفة ولا نظارا كبار، ولا عرفوا الكلام ومقدماته ولا افتقروا إليه! وهذه المعاني والألفاظ توافرت الهمم على نقلها بالإسناد المتصل، ولم نر معها تحذيرا مأثورا كذلك من حملها على ظاهرا دون تأويل، ولا رأينا في الأثر من يؤصل لدينا أصلا كليا مفاده تفويض العلم بمعانيها، إذا كانت من نوع مخصوص يوهم بالتجسيم أو التركب أو حلول الحوادث أو هذه الأشياء! فإما أنهم جهلوا جميعا، بما فيهم الصحابة رضي الله عنهم، والحاكم بذلك مناد على نفسه بالجهل والضلال، إذ لازم ذلك أنهم رضي الله عنهم ما عرفوا الاعتقاد الصحيح، وأنهم إذ خوطبوا بهذه المعاني دون من يرشدهم للتفويض فيها أو التأويل الذي تقولون به، فقد مالت نفوسهم إلى "التجسيم" ولابد، وإذن ماتوا مشركين وثنيين، وإما أنهم عرفوا جميعا، ولكنهم اتفقوا على ألا يصرحوا بذلك ولا يعلموه أتباعهم وتلامذتهم، بل كتموه فيما بينهم على أنه من علم الخاصة الذي لا تعرض له العوام مخافة أن تفتن فتكذب النبي عليه السلام (كما زعمته بعض الفلاسفة)، وإذن فليسوا من المؤمنين الواجب اتباع سبيلهم بنص القرآن، ولا هم أهل لأن يثنى عليهم ويزكى إيمانهم كما في القرآن، لأنهم إذن يكونوا قد تواطأوا على غش الأمة والتغرير بها (على مثل ما تزعمه الرافضة)! فعلى كلا التقديرين يثبت بطلان زعمكم أن هذه المسألة (مسألة إثبات الصفات الخبرية الذاتية والفعلية كما نصنع) ليس لأحد أن يتكلم فيها إلا كبار المتخصصين من أهل الكلام ولا يعرض لها العوام! الرسول عليه الصلاة والسلام خاطب الناس بها فآمنوا بها على الوجه اللائق بربهم، ولم يزالوا يعلمونها تلامذتهم كابرا عن كابر إلى اليوم، وأنتم تقولون لا تخاطبوا بها الناس مخافة أن "يجسموا" و"يشركوا"، لا تحدثوا بها البتة حتى تمروها بنظرياتنا الكلامية أولا، فهل أنتم أعلم أم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من بعده؟ الجواب بين إلا لمكابر! 

فالرد أو الجواب واجب بشرطه وضابطه ولا شك، وكذلك التشنيع وتخويف العوام وجماهير المسلمين من التعرض لكم والتأثر بتهاويلكم، كمثل صياح وتباكي د. علي جمعة في مقطع مشهور بقوله: "إنهم يشبهون رب العالمين بالمخلوقات!!" ... واغوثاه وا-إسلاماه!  

يقول السريري: "العرض قائم بذلك المعنى الذي أثبته، بقولك أثبت له المعنى!" فأنا أستحلفكم بالله الذي ركب فيكم عقولكم، هل هذا تقرير لحقيقة عقلية قطعية لا يماري فيها إلا متناقض جاحد للضروريات (على عبارتكم)؟ الجواب لا ليست كذلك أبدا! وإنما هي قاعدة فلسفية مستمدة من نظرية الجواهر والأعراض اليونانية، التي بها صيرتم بعض أنواع المعاني "أعراضا" بالضرورة، فلا تثبت لموجود ما، إلا وجب أن يكون ذلك الموجود جسما مركبا من جواهر وأعراض!! مع أن نفس هذه النظرية التي تعلقتم بأهدابها وأسستم عليها وفرعتم وقدمتم بها في براهينكم حتى صارت أصل أصول الملة عندكم، لا فرق فيها بين معنى لا يكون إلا عرضا قائما في الموصوف به في الأعيان، ومعنى لا يكون كذلك، إلا بمحض التحكم بالحد والتعريف الميتافيزيقي لا غير! وإلا فما هو "العرض" هذا الذي من أجله حكمت علينا بتصيير ربنا تبارك وتعالى مخلوقا يتركب من المخلوقات بمجرد إثبات المعاني التي نثبتها له، وحكمت بسلامتك أنت من نظير ذلك بما تثبته له من المعاني؟؟ النظرية إنما وضعها أصحابها من أجل أن يكون مبدأ التركب من الجواهر والأعراض المزعومة فيها تفسيرا فلسفيا ميتافيزيقيا مطلقا لمبدأ اتصاف الموجود، أي موجود، بالصفة، أي صفة! أي أن جواب السؤال: لماذا توصف الأشياء بما يميزها عن بعضها البعض من الصفات والمعاني؟ جواب هذا السؤال السوفسطائي السخيف عند مبدع تلك النظرية هو قولهم: "لأنها تتركب من أشياء وجودية في الأعيان اسمها الجواهر، وأشياء أخرى وجودية كذلك اسمها الأعراض! فكل صفة تثبت لموجود ما، بحيث يكون بها مختلفا عن غيره من الموجودات، فإنما تكون حقيقتها أن الأعراض تتركب على الجواهر على نحو يجعل الأمر كذلك! فإذا سئلوا هل العرض هذا هو الصفة؟ قال بعضهم نعم هو الصفة، وقال بعضهم لا! بل العرض هو علة الصفة أو تفسير اتصاف الموجود بها، فليس هو هي! فما هو في الحقيقة؟ وهم وخرافة صير بها أحدهم حقيقة ذهنية لا وجود لها إلا في عقله، صيرها عينا وجودية خارج الذهن، بحيث لا يوصف شيء ما بمعنى ما إلا بأن يكون مركبا منها، قياسا على اتصاف بعض أنواع الموجودات ببعض الصفات والهيئات المميزة لها عن غيرها بسبب تركبها من موجودات أخرى أدق! ولهذا اضطربوا في تعريفه اضطرابا تضحك منه الثكالى، وقالوا فيه كلاما لا حقيقة له تقرب لذي الأفهام! 

فقالوا فيما قالوا: العرض هو الحالّ بالمتحيز! فما هو المتحيز هذا؟ قالوا الجوهر! ولكن أليس التحيز مما تمتاز به الأجسام عن بعضها البعض، فيكون على أصل النظرية عرضا؟ فالعرض إذن هو الحال بما قام به العرض! أو بعبارة أخرى: العرض هو ما يحل بما يحل به العرض! فما الذي استفدناه من ذلك؟؟ لا شيء! فسر العرض بعد الجهد بالعرض! وقال بعضهم: الجوهر هو المتحيز لذاته، والعرض هو المتحيز تبعا لغيره! وهذا كسابقه، لغو وكلام فارغ! ما معنى متحيز لذاته ومتحيز لغيره؟ أليس التحيز هو الوجود في الحيز، أي الامتداد في الأبعاد الثلاثة كما تقولون؟ فما معنى أن يكون الشيء ممتدا في الأبعاد الثلاثة لذاته، أو ممتدا فيها لغيره؟؟ كل هذا لعب لفظي فارغ على حقيقة أن الصفة (التي هي معنى كلي ذهني) لا توجد دون الموصوف (الذي هو كذلك معنى كلي ذهني)، من أجل أن يزعموا أنهم بهذا قد جاؤوا لا بتقرير معنى الصفة والموصوف، ولكن بتعريف حقيقتين عينيتين مستقلتين تتحقق العلاقة بين الصفة والموصوف بإطلاق، بسبب تركبهما ببعضهما البعض، كما يتحقق وجود تل الرمال، مثلا، واتصافه بما يمتاز به عن غيره من الموجودات، من تركب حبيبات الرمال بعضها ببعض!! وهذا من هذيان الفلاسفة الذي لا علم تحته ولا حقيقة، وهو أمر برع فيه اليونانيون غاية البراعة، عاملهم الله بعدله! ونظيره أن يقال ما تفسير وجود الموجودات في الأعيان؟ فيجيب أحدهم بقوله: تفسيره أنها تتركب كلها من عنصرين وجوديين (أ) و(ب)! ولكن أليس (أ) و(ب) هذين يصح فيهما معنى الوجود في الأعيان كذلك؟ فهل تفسير وجود (أ) أنها تتركب هي نفسها من (أ) و(ب) كذلك؟ ليس في العقل أصلا متسع لطرح سؤال كهذا! السؤال نفسه سؤال سوفسطائي مغالط! يمكننا أن نفسر اتصاف نوع معين من الموجودات بنوع معين من الصفات، بإرجاع ذلك إلى بعض الطبائع المعينة التي دلتنا العادة على ملازمتها لقيام تلك الصفات بمادة معينة تكون في ذلك النوع المعين! فإنما يصح الجواب عن سبب الاتصاف بمعنى معين في بعض المحسوسات بقولنا: السبب أنها تتركب من كذا وكذا، عندما يكون السؤال والجواب جميعا على شرط العادة، لا على شرط الوجود والإطلاق! نعمل عقولنا بالقياس من أجل أن نفسر اتصاف موجودات معينة بصفات معينة، لا مطلق اتصاف الموجود، أي موجود، بالصفة، أي صفة!! هذه السفسطة في مبدأ السؤال هي التي أفرزت الطريقة الميتافيزيقية اليونانية التي أنبتت بدورها أمثال تلك النظريات، التي لم يزل المتكلمون يدورون فيها حول أذيالهم وهم يحسبون أنهم قد كملت عندهم آلة العقل وبلغوا الغاية فيها، والله المستعان لا رب سواه! وهي كما بينت وبسطت الكلام عليه في غير موضع، منشأ الفساد الذي لم يزل يقع ويتكرر في تنظير فلاسفة الطبيعيات عبر العصور! فأنت عندما تقول إن الشيء الوجودي، أي شيء، من أجل أن يجوز له الاتصاف بمعاني النسبة الزمانية والمكانية إلى غيره من الموجودات، فلابد أن تكون حقيقته وكيفيته على نحو كذا (مما فرضته بقياس النظرية)، فأنت بهذا تجعل تلك الحقيقة العينية هي حقيقة ما يقال له زمان ومكان، تصيرهما من جملة الموجودات المتعينة خارج الأذهان! وهو تناقض ودور قبلي من مبدأ الأمر، لأن الشيء لا يكون موجودا في الأعيان إلا وجب بمقتضى معنى الوجود أن يكون وجوده في زمان ما (فيقال هو موجود الآن أو كان موجودا فيما مضى أو سيكون موجودا في المستقبل)، وأن يكون كذلك في مكان ما (فيقال هو خارج الموجود الفلاني أو داخله أو محايث له)، فإذا جعل مبدأ النسبة الزمانية والمكانية الذي هو مفهوم ذهني كلي، حقيقة متعينة في الخارج بمقتضى تلك الطريقة اليونانية الفاسدة في النظر والتصور، فإن هذا يجعلها موجودا معدوما معا! لأن وجود "الزمان" إن قدرناه حاليا (الآن) أو ماضيا أو مستقبلا، لزم أن يكون تفسير ذلك هو نفي هذا الشيء الذي سميناه بالزمان، لأنه على النظرية يكون هو الشيء الوجودي الذي إذا قام بشيء ما (فكان مركبا فيه أو بعضا منه بصورة ما أو بأخرى على أقيستهم في ذلك)، استحق معنى النسبة الزمانية! وإذن وجب أن يستوي البعض بالكل وهو تناقض! أو أن يعلل المعلول بنفسه وهو دور وتناقض أيضا! ونظير ذلك يقال في المكان! فقولهم "إن الذي أين الأين لا يقال له أين"، يقتضي ألا يوجد أصلا ذلك الأين الذي نسبوا إليه أنه خلقه، بل يكون من الممتنعات، وكذلك خالقه الذي يثبتونه، لأنه لا يجوز في العقل موجود في الأعيان لا نسبة له (مكانية) إلى غيره من الموجودات!       

وقال بعضهم: الجوهر هو الذي يوجد قائما بذاته، بينما العرض لا يوجد إلا قائما بغيره! فما معنى القيام بالذات والقيام بالغير؟؟ أليس هذا يصح كذلك في الصفة من حيث هي أمر "يقوم" بموجود ما (وهو، على هذا، يكون غيره)؟ فما الفرق بين العرض والصفة إذن؟ ثم أليس معنى القيام بالذات أو بالغير، هو نفسه صفة لتلك الذات ولذاك الغير، وإذن فلا يفترق الجوهر عن العرض إلا بشيء يلزم أن يقال له، على النظرية، أنه عرض (لعدم الفارق المميز عقلا بين الجوهر والشيء الموصوف من جانب، وبين العرض والصفة من الجانب الآخر)؟ دور قبلي ظاهر! وقال آخرون: الجوهر هو الموجود لا في موضوع، والعرض هو الموجود في موضوع! فما "الموضوع" هذا الذي لا يوجد فيه الجوهر بينما يوجد العرض فيه؟؟ أليس الوجود في شيء ما (أيا ما كانت حقيقة ذلك الشيء عندهم)، صفة كعدم الوجود فيه سواء بسواء؟ فغاية ذلك أن يكون كقول القائل: الجوهر والعرض مختلفان في الحقيقة، فالأول لا يوجد في (س) بينما الثاني يوجد فيها! فإذا سألتهم ما هي (س) هذه؟ لن يجدوا إلا أن يقولوا: هي ما يوجد فيه العرض ولا يوجد فيه الجوهر! أو ما يقوم به الأول دون الثاني! أي كمن يقول: تعريف (أ) أنه الذي يوجد في (ب)، أو يقوم ب(ب)، فإذا سئل فما تعريف (ب)، قال الذي يوجد فيه (أ) أو يقوم به (أ)!! فما هو (أ) وما هو (ب) هذا؟؟ لا شيء!! سفسطة ورب الكعبة، ولعب صبيان، وكلام فارغ لا يسمن ولا يغني من جوع!  

كثيرا ما يحلو للقوم أن يقولوا إن العرض هو الموجود القائم بغيره، كالألوان القائمة بالأجسام، وهم يحسبون بهذا المثل أنهم قد جاؤوا بالتفريق الجلي الذي يمنع من الاشتباه ويرفع الالتباس! يقول قائلهم أليس اللون يمتنع أن يوجد مستقلا عن الشيء الموصوف بأنه ملون؟ فهذا قولنا إنه يوجد في "موضوع" وقولنا "إنه قائم بغيره" وما شاكل ذلك! ونقول هذا هو بعينه التفريق بين الصفة والموصوف، إذ نفس المعنى الذي مثلتم له هنا باللون والملون، يصح كذلك في كل ما يكون صفة في موصوف، كالسمع والبصر والقدرة والقوة، بل ومطلق معنى الوجود (خلافا للعدم)! والصفة لا يقال إنها والموصوف عنصران وجوديان يتركب أحدهما في الآخر، كما قد يتركب الجسم المخلوق من أشياء يتصور فكها عن بعضها البعض! التركب نفسه صفة قد تثبت في شيء ما وقد لا تثبت! وإن ثبتت، فقد تكون بمعنى الأعيان القابلة للانفكاك عن بعضها البعض مع كونها لم يكن خلق الشيء المركب منها قد وقع بالتركيب بعد انفكاك، وقد يراد أنها قد "رُكبت" أو جمعت بعد أن كانت مفترقة (وهو ما يقتضي جواز فكها من بعضها البعض ولا شك)، وقد يطلق بمعنى الأشياء العينية التي يمكن تمييزها عن بعضها البعض ذهنيا، كل واحد منها باسم يخصه، دون أن يكون من المتصور لنا إمكان أن نفكها عن بعضها البعض، ودون أن تكون قد ركبت في أصل خلقتها من هذه الأشياء! فمثلا، نحن نقدر على أن نقول إن للإنسان يدا، فهي في معنى "بعضه" قطعا، ولنا أن نقول إنه "مركب" منها وغيرها، ولكنا نعلم أن آدم عليه السلام لم يخلق حين أحدثه ربه، بأن خلقت يده منفكة عنه ثم ركبت فيه، ولم يخلق بأن جمعت أعضاؤه بعضها في بعض بعد أن كانت منفكة منتشرة! وكذلك بنو آدم لا يخلقون في أرحام أمهاتهم بأن تخلق أجزاؤهم منفكة عن بعضها البعض ثم تركب فتكون جسما واحدا! ولو أننا أحببنا أن نتصور لحبة الرمال أجزاء لامتدادها في الجهات الستة، بالتقدير الذهني المحض، لم يعجزنا ذلك! ولكن هذا لا يوجب أن تكون حبة الرمال نفسها قد ركبت حين خلقها ربنا بتجميع تلك الأجزاء أو الأبعاض التقديرية في كل واحد! ولا يقتضي كذلك جواز أن نفكها نحن إلى تلك الأجزاء، نفرق بعضها عن بعض إن أردنا! والقصد أن التركب معنى كلي يأتي على عدة معان، وقد يكون تصورا ذهنيا صرفا وقد يكون وصفا لما في الأعيان، على وجوه شتى! فعندما يقال إن الصفة والموصوف حقيقتهما أو تفسيرهما أنهما شيئان يتركب أحدهما في الآخر (الجوهر والعرض أو الهيولا والصورة أو الجسم والصورة أو ما شئت)، فهذا دور قبلي ظاهر لأن نفس التركب صفة يوصف بها موصوف ما!  

فقول السريري "العرض قائم بذات الله بمجرد إثبات المعنى لها"، لا يعدو أن يكون ضربا من السفسطة اليونانية الفارغة، التي لأجلها لا يجد – ولو وقف على رأسه – ما به يعصم الصفات السبع التي يزعم أنه يثبتها لله تعالى من أن يرد عليها نفس هذا الاعتراض! ألزمهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى بهذه التسوية النوعية وبأن تفريقهم واه لا حقيقة له، فما استطاعوا أن يجيبوا بشيء وما كانوا ليفعلوا! وما زادوا على أن يتكلفوا تقرير جملة من الفوارق الظاهرة بين نوع صفة الذات أو صفة الفعل من جانب، وما سموه بصفة المعنى من الجانب الآخر، مما لا تأثير له على المطلوب أصلا! وإذا حدثوك أوهموك بأن النوع الذي يوافقون المعتزلة على تعطيلهم إياه، لا يثبت لله تعالى إلا وجب في الأذهان التسوية بين الخالق والمخلوق فيما هو من خصائص المخلوق! لماذا؟ قالوا لأن المعنى لا يحضر للذهن منفكا عن الهيئة الحسية ولا يمكن التخلص من ذلك! فأجبناهم بأن هذا كلام فارغ، لأن نظيره يمكن أن يقال فيما أثبتوا ولا فرق، وبنفس التكلف! ثم إنهم يعلمون أن هذا ليس هو ما حملهم على التفويض والتأويل وادعاء إيهام التشبيه على الحقيقة، وإنما الذي دعاهم لذلك أن شرط الإثبات عندهم إنما هو الوجوب العقلي المزعوم، أي يثبتون ما يرون أن ثبوته واجب عقلا بمقتضى مقدمات برهان الحدوث! فعلى مقتضى البرهان ومقدماته الميتافيزيقية، وجب أن يكون الأصل فيه ألا يكون موصوفا بشيء أصلا كما بينا، لأن مبدأ الاتصاف بأيما صفة على الإطلاق، يقتضي قيام "العرض" بذاته على النظرية! لذا لم يستطيعوا أن يثبتوا له أي صفة إلا بأن يكون ثبتوها من طريق بحيث لو قيل لهم إن هذا يقتضي "العَرَضية" كما قالته المعتزلة، أجابوا بأن هذه المعاني التي أثبتوها له العقل يوجبها له بموجب خالقيته التي تتفقون معنا في وصفه بها! وإلا فأصل التعطيل واحد عند الجميع! 

لذا نقول للناس لا تغتروا بزعمهم أن هذه الصفات التي أثبتوها إنما هي صفات "معان" خلافا للصفات التي نفوها، أو أن الصفات المنفية موجبة لحضور صورة الجسم وهيئته في أذهان الناس عند إثباتها، إلى غير ذلك مما يقررونه، مما لا يزيد على أن يكون ذرا للرماد في العيون! فعلة النفي المانعة من الإثبات هي كما قررها الرجل هاهنا بكل صراحة، أن مجرد إثبات تلك المعاني يقتضي قيام "العرض" بالذات الموصوفة بها، ولولا أن استندنا إلى ضرورة تقتضيها الخالقية الإلهية في المعاني التي أثبتناها للباري، ما وجدنا ما نتعلق به لإثباتها!! والواقع أنهم كاذبون في ادعاء تلك الضرورة، إذ الضرورة الحقيقية التي من أجلها أثبتوا تلك المعاني إنما هي الضرورة الاجتماعية، بمعنى أنهم لو لم يفعلوا لانقلب عليهم المسلمون ولكفرهم أهل الحديث كما كفروا المعتزلة! فهي ضرورة الفرار من التكفير، وليست ضرورة العقل كما يزعمون! وإلا فلو قدرنا أن كانت صفة الضحك، مثلا، بحيث أجمع أئمة أهل الحديث على عصر أبي الحسن، على تكفير من ينفيها، لجعلوا صفات المعاني ثمانية، ولأضافوا الضحك إلى الكلام ولسووا بينهما ولا إشكال! وإلا فجميع المعاني التي نفوها يمكن تخريجها على نفس العلة التي من أجلها أثبتوا تلك السبعة، وهي أنه لا يتصور في العقل السوي أن يكون خالق السماوات والأرض الذي تجب له جميع الكمالات، غير موصوف بأنه يضحك إذا شاء، ويحب من حقه أن يحب، ويبغض من حقه أن يبغض، ويمكر بالمجرمين بما يستحقون، ويغضب ممن يستحقون غضبه، إلى آخر ذلك، كما بينه شيخ الإسلام رحمه الله. فالقوم لولا أنهم وجدوا من أهل الحديث شدة وتكفيرا صارما للجهمية لتعطيلهم صفة الكلام الإلهي، ما زعموا أنهم يثبتونها على أنها من ضرورة الخالقية! الضرورة عندهم قضية تحكمية أصلا، جارية على ما يحصل به العلو على الخصوم في الخصومات والمناظرات! ولولا أن وجدوا ذريعة في ادعاء أنهم مثبتون للعلو الإلهي (الذي أجمع السلف على تكفير من ينكره كذلك)، في تأويل معنى العلو والاكتفاء بإثبات اللفظ على ذلك التأويل، لاضطروا لأن يسلكوا في العلو كما سلكوا في الكلام، وليجعلوه واحدا من ثمان صفات يقال لها صفات المعاني، الثباتة من ضرورة الخالقية! ثم إذا حققت في تلك المعاني ما هي عندهم، لوجدتها إثباتا كالتعطيل على التحقيق! لماذا؟ لنفس السبب اليوناني! لأن النظرية قد استغرقت جميع المعاني المتصورة لموجود في الأعيان، أي موجود، بتكييف مطلق (على شرط الوجود) يوجب تعطيل الصانع عنها بالكلية!         

يتبع إن شاء الله تعالى.

أبو الفداء حسام بن مسعود

غفر الله له ولوالديه ولأهله وللمسلمين.

إرسال تعليق