الرد على سفسطة بعض الملاحدة في القياس، وطريق المعرفة بوجود الباري سبحانه

 


جواب سؤال حول سفسطة بعض الملاحدة في مسألة القياس،

وطريق المعرفة بوجود الباري سبحانه.

الحمد لله وحده، أما بعد، فقد راسلني أحد الإخوة وفقه الله بسؤال رأيت أن أنشره هنا لعموم الفائدة. قال السائل:

السلام عليكم و جزاكم الله من كل خير، أود ان أشكركم على المجهود الجبار الذي تبذلونه في الرد على الشبهات المعاصرة والتأصيل المحكم على منهج أهل السنة لا على منهج المتكلمين. وقد افتتنت بمنهج المتكلمين في الماضي القريب حتى وفقني الله و اهتديت الى قناتكم و ها انا اقرأ مجلد معيار العلم للدكتور حسام.

أبرز نقطة يثيرها الدكتور حسام لرد على نظريات (خرافات) الطبيعين هي أن نظريتكم تلك قد اقتحمت ما هو خارجٌ عن عادتنا (الغيب) و لا يجوز استخدام القياس و اعمال آلة البحث التجريبي و بذلك تصبح نظريتكم تلكك، الانفجار الكبير على سبيل المثال، نظرية أو عقيدة ميتافيزيقية. 

كلام جميل ولكن قد رأيت بعد الملاحدة يستخدمون نفس هذه المنطق للرد على أهل الملل من المسلمين و المسيحين. فيقولون مسألة وجود الله خارجة عن عادتنا و ما نراه و نألفه في هذه العالم فأذاً لا يصح وضع أي نظريات ميتافيزيقية حتى أن بعضهم يرفضون نظرية الانفجار الكبير و يغلقون ذالك الباب بالكلية، اعني السبيل الى الوصول الى اليقين في مسألة وجود الباري أو الجواب عل من أين اتينا. طبعاً وجود الباري ليست مسألةً نظرية عندنا.

ويقولون أيضاً حين يتحدث البعض عن الانضباط في هذه العالم و التصميم و انتفاء العشوائية، لا يحق لك ان تتكلم عن العشوائية لأننا لا ندري ما العشوائية فكل شئ حولنا يجري على نظام، حتى انفجار قنبلة يكون تبعاً لقوانين. فنحن اذاً لا نعرف العشوائية ولم نرى عالماً اخر غير عالمنا لنحكم و نقارن، يقولن انه لا يمكنك الحكم عندم تكون امامك مشاهدة واحدة، يقصدون كون واحد و لم نرى أكواناً أخرى.

كيف نرد على هذا الكلام الذي يبدو لي سفسطائياً؟ شكرا.

فأجبته قائلا:

عليكم السلام ورحمة الله وبركاته. مرحبا أخي، وشكر الله لك ما تفضلت به من الثناء، نسأل الله العون والسداد والتوفيق، أما فيما يتعلق بمسألة وجود الله وأنه خارج عن عادتنا، فقطعا ولا شك، ولكننا لا نستند أصلا إلى شيء من أنواع القياس من أجل أن نعرف بأنه موجود فيما هو خارج عن عادتنا! وإنما نستند إلى الفطرة والبداهة ابتداء! ثم من جادل وتمارى وزعم أن لديه دليلا على بطلان تلك الفطرة والمعرفة الجبلية التي نتعلق بها، قلبناه على رأسه ونقضناه عليه. فهو اعتراض سوفسطائي محض كما تفضلت. والطريق الذي يستعلمونه في تلك السفسطة ليس هو بعينه ما به ننقض عليهم تنظييرهم في الغيبيات المحضة مما هو من أمر هذا العالم، إذ هم لا يستندون إلى الفطرة في الإثبات ولا في النفي، وإنما يستندون إلى التمثيل والاستقراء الفاسد في طرد العادة بلا حد ولا غاية في الزمان والمكان! وأما نحن فلا نجيز استعمال قياس التمثيل وقياس الشمول في الكلام عن رب العالمين، وإنما نقول إن الفطرة دالة على وجوده، ودالة كذلك على كماله، ومما ننقض به عليهم في هذا الباب، قياس الأولى، وليس قياس التمثيل أو الشمول، لأن الفطرة هي أساسه عندنا، أنه سبحانه أكمل ولا بد من أكمل خلقه، فإذا كان قد خلقهم بحيث يستحسنون بالفطرة المركبة فيهم صفات معينة، فمن باب أولى أن يكون هو نفسه بالغا أكملها سبحانه، بما يليق به جل شأنه، وإلا فبأي عقل يخلقنا ويركب فينا استحسان هذا المعنى أو ذاك، ويطالبنا بعبادته مع أنه في حقيقة الأمر على خلاف تلك المعاني؟؟ هذا غير متصور. فهذه وحدها هي صورة القياس التي نستعملها في هذا الباب! ولكن لأن أهل الكلام ادخلوا التمثيل والشمول في مقدمات براهين نظرية وضعوها لإثبات من خلقهم، خضوعا لشرط الفلاسفة في الباب، استطال عليهم الملاحدة وقالوا: لا حجة لكم ولا برهان ولا يمكن الوصول إلى معرفة شيء في الغيب أصلا، لأنه لا طريق إلا تلك الأقيسة: الشمول والتمثيل، إما هذا وإلا فلا معرفة! فلما خلت العادة من نظير الرب الذي تثبتونه، دل على عدمه! فأهل الكلام لما سلموا لهم بتلك السفسطة في أسباب المعرفة ومصادر تلقيها في الغيبيات والإلهيات، تسلطوا عليهم بما ترى! 

وأما أهل السنة فلا يلزمهم شيء من ذلك! نعرف ما نجد في نفوسنا فطرة تدلنا عليه، ولا يضرنا خلاف من يخالف أو مكابرة من يكابر! كل مكابر يعلم من نفسه أنه يكابر، وإن لم يكن يعلم أو يشعر، ولم يبال بما ينبهه إليه الناس من ذلك، فسيعلم يوم لا يجدي الندم! نسأل الله العافية.

وأما مسألة العشوائية، فيجب مطالبتهم بتعريفها أولا! ما الذي تقصدونه بالعشوائية؟ إن قالوا هي أن تكون الحوادث بحيث تجري بلا حكمة ولا غاية عند من يجريها على هذا النحو، قلنا لهم هذه لا وجود لها في حوادث العالم، فيما ينسب إلى خالقه وباريه، بل كل شيء عنده بالضرورة والفطرة والبداهة، محكم منضبط تام الإتقان، عرف ذلك من عرف وجهل من جهل. وعدم العلم بآحاد الغايات والمقاصد الإلهية من خلق كل مخلوق بخصوصه ليس علما بعدمها، وإنما نثبت أصلها الإجمالي بالفطرة والضرورة ونفوض تفصيلها لله سبحانه. 

ولكن لما جاء أهل الكلام المعاصرون، أيضا، ببراهين يقال لها إجمالا اللاهوت الطبيعي، فقالوا: نحن نرى نظما عشوائية في الطبيعة، ولكننا نرى كذلك نظما نعلم بالمقارنة بينها وبين تلك العشوائية، أن لها "مصمما ما" بالضرورة، كما لو قارنا بين الساعة التي تكون في معصم أحدنا، والصخرة الصماء، فهذا إذن يدلنا على وجود من "صمم العالم" كله أو بعضه، لما تلبس هؤلاء ببرهان نظري تمثيلي هذه صورته، تسلط عليهم الفلاسفة بما ذكرت وغيره، فمنهم من قال: ومن الذي قال إن الصخرة الصماء عشوائية؟ أو إن هيئتها لا يضبطها نظام أو غاية، أو إن بناءها ليس جاريا على سنة كونية مطردة؟؟ بل كل ذرة فيها يحكمها قانون طبيعي، وإذن فكما أنها تحكمها تلك القوانين، فكذلك تلك النظم التي خصصتموها بأنها مخلوقة ومصممة ومخططة وكذا، كل ذلك تحته نفس القوانين ويخضع لنفس النظام الكوني المطرد، ومن ثم يبطل عليكم برهانكم ولا يفيد بشيء! وقد ذكرت في غير موضع أن برهان بيلي في اللاهوت الطبيعي كان هو ما ألهم داروين بفكرة الانتخاب الطبيعي من الأساس، وهذا من شؤم الكلام على أهله، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

أبو الفداء ابن مسعود

غفر الله له وأصلحه.

إرسال تعليق