إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله.
أما بعد، فلا يزال القطبيون وأدعياء السلفية يتوافرون على مسألة وجوب صلاة الجمعة في البيوت في حالة تغليق المساجد في الوباء العام، وكأنها أمر قد اتفقوا عليه أو تآمروا عليه، نكاية في ولاة أمر المسلمين، ولا حول ولا قوة إلا بالله! فإلى جانب العدوي ووجدي غنيم، فقد سمعت الفتوى نفسها كذلك من الددو الشنقيطي وياسر برهامي، والله المستعان!
سئل هذا الأخير في موقعه هذا السؤال:
1- هل يجوز لي أن أصلي بأبي وأخي، وأمي وزوجتي صلاة الجمعة في البيت أم نصليها ظهرًا؟ وهل يلزم لصحتها عدد معين من المصلين؟ وهل ثبت إجماع في عدم صحتها في غير المسجد؟
2- رجل وحيد له 4 أخوات وأمه، فهل يجوز له أداء صلاة الجمعة بهن في البيت، وهن كلهن نساء؟
فقال في الجواب:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
1- فالصحيح أن تصلوها جمعة؛ لأن المسجد ليس بشرطٍ لصلاة الجمعة، والعدد كذلك ليس بشرطٍ على الصحيح، بل تجب الجماعة وأنتم جماعة، وقد قال بأن العدد أقله ثلاثة طائفة مِن العلماء، وما نُقل مِن الإجماع على أنها لا تُصلَى في البيوت؛ فهو (إن صح) على مَن تمكَّن في صلاتها في المساجد.
2- إن لم يوجد بعض الرجال ممَن وجبت عليهم الجمعة؛ فيصليها ظهرًا.
على أنكم إذا صليتم جماعة؛ فاهتموا بالتعقيم المطلوب ولُبس الكمامات، وعدم المصافحة، وخذوا حذركم.
انتهى
قلت: لو كان هذا الرجل يتقي الله في نفسه وفيمن سأله، لبين أن السائل قد خلط بين ثلاث مسائل مستقلة في سؤاله، حق كل واحدة منها أن تفرد بجواب مستقل! فأما المسألة الأولى، فهي هل المسجد الجامع المخصص للجمعة في المدينة شرط لصحة صلاة الجمعة أم لا؟ وأما المسألة الثناية فهي: هل يشترط عدد معين في وجوبها وصحتها أم لا؟ وأما المسألة الثالثة فهي: هل يجوز أن تصلى في البيوت عند وجود المانع من إقامتها حيث تقام، بحيث لا يجتمع لها إلا أهل كل رجل في بيته، أم لا؟
فأما المسألة الأولى، فقد اختلف الفقهاء في مكان انعقاد الجمعة التي يجمع لها الناس، فاشترط الأحناف أن تكون في المصر، أي في المدينة التي فيها الإمام، فيقيمها هو بنفسه أو من ينوب عنه في المسجد الجامع المعد لذلك، ويلحق بالمصر عندهم القرى والضواحي المحيطة به. وأما المالكية والشافعية فلم يشترطوا المسجد الجامع في المصر، ولكن اشترطوا إجمالا أن تقام في خطة الأبنية أو فيما يدخل في حكمها. وأما الحنابلة فلا يشترطون محلا مخصوصا لوجوبها ولا لصحة انعقادها، وهذا هو الراجح لعدم الدليل على خلافه، أي فيما يختص بمحل الانعقاد، فحيثما اتفقت جماعة من المسلمين بإذن خاص أو بإذن عام من الإمام أو من ينوب عنه على إقامة الجمعة في محلة معينة قد اتفقوا على تخصيصها لذلك، لقربها من محل إقامتهم، وإن كانت في الصحراء، فلا حرج عليهم إن شاء الله تعالى.
وأما المسألة الثانية، ففي العدد الذي لا تنعقد الجمعة بأقل منه، وهذا فيه الخلاف المشهور، فقال بعضهم لا تنعقد بأقل من أربعين، وقيل لا تنعقد بأقل من اثني عشر رجلا، وقيل غير ذلك، وهو تحكم كله لا دليل عليه، إذ من الظاهر أن تعيين عدد معين يحكم ببطلان الجمعة لمن اجتمعوا لها وكانوا مع ذلك دون العدد، يحتاج إلى دليل سمعي، ولم يرد أن الصحابة أو التابعين كانوا يعدون الحاضرين في المسجد فإن كانوا أقل من أربعين أو من اثني عشر أمروهم بأن ينصرفوا إلى بيوتهم ويصلوها ظهرا! والصواب أنها تصح بأدنى الجمع، أي ما يحصل به تجمع للناس على إمام يخطب فيهم ويصلي بهم، وهو اثنان، إمام ومأموم، ولكن على أن يكون انعقادها بنداء عام لأهل المصر أو القرية أو المحلة أو نحوها، في المسجد الجامع أو ما يقوم مقامه، ينادى في الناس فيتعين على كل من يسمع النداء أن يجيب.
وأما المسألة الثالثة، ففيما إذا كان يجوز أن تصلى الجمعة في البيوت، كل رجل في بيته مع أهله، بلا نداء ولا إقامة ولا آذان ولا شيء، أو بآذان وإقامة لأهل البيت دون غيرهم، يقصد ألا ينادي غيرهم، وهذا ولا شك بدعة ضلالة لا قائل بها ولا سلف لمن فعله البتة! بل جميع المذاهب على أن الجمعة إنما يجتمع لها الناس وينادى فيهم نداء عاما، على الخلاف في محل النداء العام لها ومحل عقدها وفيما إذا كان يشترط فيها إذن الإمام كما تقدم! والإجماع الذي أشار إليه المفتي وضعفه هكذا دفعا بالصدر، في أنها إن صلاها الناس في بيوتهم صلوها ظهرا، ولم تجزئهم غير ذلك، إجماع صحيح ولا شك ولن تجد فيه مخالفا من الفقهاء البتة! وعلى من يزعم خلافه أن يأتي بقول صريح وبدليل صاحبه عليه، ولن يجد!
وكذلك لا وجه لقوله إنه إن صح فإنما يصح فيما إذا كان الناس قادرين على أن يصلوها في المسجد، ومع ذلك صلوها في بيوتهم! فالإجماع يشمل الصورتين، والذي يخرج إحداهما يلزمه الدليل.
قال ابن المنذر في الإجماع: وأجمعوا على أن من فاتته الجمعة من المقيمين أن يصلوا أربعا. وقال النووي في المجموع: وأجمعت الأمة على أن الجمعة لا تقضى على صورتها جمعة، ولكن من فاتته لزمته الظهر.
فالذي يمنعه المانع من شهود الجمعة في المسجد، هذا في حكم من فاتته الجمعة، والمتعين عليه أن يقضيها ظهرا، والفقهاء متفقون على أن الناس إن منعهم مانع شرعي من الاجتماع لشهودها حيث تقام، صلوها في بيوتهم ظهرا لا جمعة! ولا نبالغ إن رمينا من يوجب عليهم، والحالة تلك، أي في وجود المانع من الاجتماع لها، أن يصلي كل واحد منهم بأهله جمعة في بيته، بالبدعة والإحداث في الدين! فإلى جانب أن هذا لم يثبت أبدا عن الصحابة والتابعين، أي أنهم منعهم مانع معتبر شرعا من الاجتماع لشهودها في المسجد فصلوها جمعة كل واحد منهم بأهل بيته، فإنه ظاهر في إسقاط معنى الجمعة نفسه! إذ من مقصود الجمعة أن ينادى لها من خارج البيت وأن يسعى إليها الناس ليخطب فيهم إمامهم يذكرهم بالله تعالى، ثم تصلى حيث اجتمعوا، ثم ينصرف كل واحد منهم لشأنه بعد انقضائها! وهذا المعنى يشهد له البناء للمجهول في قوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ)) [الجمعة : 9]. وجميع آداب الجمعة وسننها، ومنها الآذان الثاني في الأسواق (ولا يشرع لغير الجمعة)، متعلقة بتلك المعاني كما هو ظاهر. أما أن يقال للناس صلوا الجمعة في بيوتكم، فلا يحصل إذن شيء من تلك المعاني البتة، ولا تكون جمعة أصلا!
فإن قيل إن هذا إن صح، لزم أن يقال مثله في الجماعة، فلا يصلي الرجل في بيته الصلاة المكتوبة، إذا منع من أدائها في المسجد، إلا منفردا، لأن معاني الجماعة لا تحصل في البيت، قلنا إن هذا قياس مع فوارق، وهو أن الجماعة فيما سوى الجمعة قد اختلف فيما إذا كانت واجبة أم مستحبة أم فرض كفاية كما هو معلوم، واختلفوا هل يشترط لحصول الفضل الثابت لها على صلاة الفذ، أن تعقد في المساجد أم يحصل في غيرها؟ وهذا خلاف لا مدخل لصلاة الجمعة فيه كما هو معلوم، بل قد تقدم أن الإجماع على أنها لا تنعقد في البيوت!
ومن الفوارق أيضا أن الجمعة يتعين أن يكون القائم بها هو أمير المحلة أو عامل الأمير أو من ينوب عنه، أو من أذن له الأمير ولمثله بإذن عام. فإن وكل هو من يخطب في الناس ويصلي بهم نيابة عنه، أو أذن للناس أن يقدموا من يخطب فيهم ويؤمهم فيها، جاز، وإلا لم يصح! وهذا قول الحنفية، وهو الصحيح، ودليل ذلك ما جاء في السنة عن أبي هريرة رضي الله عنه أنهم كتبوا إلى عمر رضي الله عنه يسألونه عن الجمعة فكتب إليهم أن جمعوا حيث كنتم" أخرجه بن أبي شيبة وصححه ابن خزيمة، فدل على وجوب استئذان الإمام أو من ينوب عنه، سواء بإذن عام أو بإذن خاص، إذ لو لم يكن الإذن واجبا ما كتبوا إلي الأمير يسألونه عن الجمعة، وهذا ظاهر.
وسواء أوجبنا إذن الإمام أم لم نوجبه، وسواء جعلناه شرطا أم لم نجعله، فإذا ترجح لدى ولي الأمر في بلد من البلدان أن اجتماع الناس للجماعة أو الجمعة أو غيرهما، يعرضهم للطعاون، ويفتح أسباب العدوى ويهدد حياة بعضهم بالخطر، وجب عليه أن يمنع من إقامة الجمع والجماعات في المساجد حتى يثبت لديه أنه قد زال، وكان قوله ملزما لجميع المسلمين الداخلين تحت ولايته، وإذن لم يجز لهم أن يصلوا الجمعة في بيوتهم إلا ظهرا، لأنها لا تصح بالرجل مع أهله كما تصح الجماعة في الصلوات المكتوبة كما بينا. فمن خالف ذلك الأمر، وقال نجتمع في بيت أحدنا مع أمن الفتنة، لنصلي الجمعة أو الجماعة، فهو آثم من وجوه، أولها أنه يعصي ولي الأمر الذي أوجب الله عليه طاعته، وهو الحاكم المسلم المنعقدة له البيعة وإن كانت بالتغلب، وثانيها أنه يعرض نفسه وغيره للعدوى، وقد علم أن الضرورة تبيح المحظور، فإن قدرنا وجوب الجماعة عليه وعلى من معه، فتعريض النفس للهلاك ضرورة معتبرة ولا شك!
فإن قال المخالف: ولكن احتمالية أن يصاب أحدنا بالعدوى لا تزال ضئيلة في مقابل احتمالية النجاة، والمعول في الضرورة على التحقق لا على الاحتمال الضعيف، قلنا ومن أين جئت أنت بالاحتمالية وتقديرها في ذلك، وقد علمت أن الوباء ينتقل بين كثير من الناس ويمكث فيهم من غير أن يظهر عليهم أي عرض ولا أثر؟! مثل هذا لا يستقيم للناس فيه أن يقدروا احتماليات أو أرجحيات، بل يستوي فيه احتمال الإصابة باحتمال النجاة في كل مرة يحصل ذلك الاختلاط! وهذا في حق الفرد الواحد، وإلا فأحكام الإمام في النوازل العامة مبنية على ما يكون في حق جماهير المسلمين وما يحصل به الصالح العام ويندفع به الضرر العام! فلو قدرنا أن أبقى الحال على ما كنت عليه من إقامة الجمع والجماعات في المساجد مع ما هو مقطوع به من تزايد انتشار العدوى في الناس، فإنه يصبح إذن متيقنا من كونه سببا من أسباب انتشارها إذ لم يأخذ بأسباب المنع كما اتفق عليه أهل الخبرة! فإذا منع الإمام منعا عاما، وكانت علته هذا الضرر المتيقن في حق الرعية عامة، لم يجز لفرد من أفراد الرعية أن يفتئت عليه ويقول إن العلة غير ثابتة في حقه هو بعينه والقلة التي معه، وأنهم يأخذون احتياطهم وكذا! فإن هذا لو انفتح له الباب، أن يقدر كل أحد الخطر في حق نفسه بمثل هذا التقدير الفردي، فسيفوت على الإمام الثمرة المرجوة من المنع العام كما هو واضح! فالعبرة في أحكام السلطان في مثل هذا بتقدير المصلحة العامة والضرر العام كما هو معلوم! ولهذا شدد الشرع في وجوب طاعة ولي الأمر فيما يحكم به من أمر العامة، لأنه إن امتنع عن طاعته بعض الناس، فسد عليه حكمه وفاتت الغايات التي من أجلها يحكم بما يحكم! وهذا ظاهر بأدنى قدر من التأمل.
ولكن آفة هذا الرجل وأتباعه أنهم لا يرون لحكامنا إمامة ولا ولاية عليهم أصلا، ولا يبالون بما ينطلق هو منه في أحكامه من تقدير للصالح العام، وهذا من أعظم الفساد! فإلى جانب كونه من طريقة الخوارج، وفيه من الإثم ما فيه، فإنه كذلك يفسد البلاد على حكامها، ويعطل كثيرا من المصالح الشرعية العامة التي لا حصول لها إلا بامتثال الكافة لما يأمر به ولي الأمر، فإلى الله المشتكى ولا حول ولا قوة إلا بالله. فيا هؤلاء اتقوا الله في أنفسكم وفي المسلمين ولا تقتلوا الناس بالتسبب من حيث لا تشعرون، فإن في الأمر دما، نسأل الله السلامة!
وكتب
أبو الفداء ابن مسعود
غفر الله له.
