تناقض محمد شمس الدين في منهج الجرح والتعديل:
النووي وابن حجر يستساغ الخلاف في تكفيرهما،
و"ذاكر نايك" يشنع على من بدعه!
الحمد لله وحده. فمن خذلان رب العالمين لرؤوس أهل الأهواء، ومما ازداد انتشاره فيهم في هذا العصر، مقارنة بالعصور السالفة، أن ترى الواحد منهم من فرط جهله، يجتمع فيه أصلان أو منهجان متناقضان، من حيث لا يشعر، فتراه يقول بمقتضى أحدهما في مسألة، وبمقتضى الآخر في غيرها! فترى الرجل مرجئا خارجيا معا، أو قدريا جبريا معا، ولعلك تراه متلبسا بذلك كله معا، وهو مع هذا يحسب أنه على اعتقاد أهل السنة، وعلى طريقة السلف الصالح رضي الله عنهم! فمن عجائب هذا العصر التي رأيناها في بعضهم، أن ترى أحدهم يفتي، مثلا، بأن ترك عمل الجوارح بالكلية بإطلاق، لا ينقض أصل الإيمان، وتراه هو نفسه يفتي بجواز الخروج على الحاكم الذي يحكم بغير ما أنزل الله! فيخرج العمل بإطلاق في موطن ما، من أن يكون شرطا في صحة الإيمان، مخالفا أهل السنة في ذلك، وفي موطن آخر يجعل عملا معينا شرطا من شروط صحة الإيمان، خلافا لأهل السنة في اشتراطه بعينه، فيجتمع فيه الإرجاء والخروج معا!! وهذا في الحركيين العصريين كثير!
وترى أحدهم يقول في موطن "نسبة الإنسان لعمله نسبة مجازية، لأن الله هو خالق كل شيء، فإنما يقع المفعول عند الفعل لا بسببه أو على أثره"، وتراه هو نفسه يقول في موطن آخر: "حقيقة القدر أن الله يعلم ما ستفعل في المستقبل علما سابقا، كما يعلم الأستاذ من حال طالبه المجتهد أنه سينجح في نهاية العام"!! فلا يشعر من جهله بأن القول الأول هو قول الجبرية الذين نفوا حقيقة تأثير قدرة المخلوق في المخلوق، ومن ثم نسبة أفعال المخلوقين إليهم على الحقيقة، والقول الثاني هو قول القدرية الذين نفوا خلق الله أفعال العباد وخياراتهم التي تقع في نفوسهم، ونفوا تقدير ذلك وإرادته ومشيئته عن الله تعالى، واقتصروا على العلم السابق بما يكون من العبد في المستقبل، بل وحتى هذا أفسدوه بجعله كعلم المخلوقين الذي إنما يحصل اكتسابا من الخبرة بأحوالهم السابقة!
ومن هذا التناقض الاعتقادي والمنهجي عند المعاصرين من رؤوس أهل الأهواء، أن تجد أحدهم يسلك طريقة غلاة الجرح الحدادية في مسألة، وطريقة المميعة وغلاة التعديل من الحزبية ومن شاكلهم في مسألة أخرى، من حيث لا يشعر! وأظهر مثال وقفت عليه في المعاصرين في هذا، هو الداعية السوري محمد شمس الدين! فالرجل كان في ابتداء أمره طالبا عند بعض مشايخ السرورية، وكان من تلامذة محمد صالح المنجد، الداعية السروري الفلسطيني المعروف، ثم تأثر مؤخرا بالداعية الحدادي الكويتي عبد الله الخليفي، فجمع من حيث لا يشعر، بين منهجين متناقضين في باب الجرح والتعديل وباب الأسماء والأحكام. ذلك أن السرورية كما هو معلوم عندهم تفريط في الجرح وإفراط في التعديل. فمن أصولهم الفاسدة ما سماه علماء العصر بمنهج الموازنات، وهو أن يُتغاضى ويتغافل عن طوام عقدية ومنهجية عند الداعية المعظم عندهم أو عند من يحرصون لمصالحهم الحزبية على التودد إليه وإلى تلامذته ومريديه، مع كونه من الدعاة لتلك الطوام المتصدرين بها بين الناس، المنافحين عنها في كل مناسبة، يدرؤون عنه التبديع ووجوب الهجر والتنفير الذي كان عليه السلف في أمثاله، بدعوى أن له من الحسنات في الجهاد والعمل الدعوي والانتصار للسنة، ما تذوب فيه تلك "الأخطاء"، كما يذوب الخبث في ماء القلتين! مع أن تلك "الأخطاء" كما بينا إنما تكون من جنس المخالفات المنهجية الكبرى التي توجب إخراج الرجل من أهل السنة، وتحذير المسلمين منه وتنفيرهم عنه حتى لا يقعوا فيها تبعا له، إذ يكون ظاهرا جدا من حاله ودعوته أن الناس لو تعلقوا به وأخذوا عنه فسيتابعوه عليها لا محالة! لكن هؤلاء يقولون إن "الإنصاف" يقتضي ألا نذكر تلك الزلات ولا ننبه عليها إلا إن تعرضنا لها في بعض كتبه أو سئلنا عنها! أما أن نحذر عامة الناس منه وننهاهم عن مجالسته وعن مطالعة كتبه، فهذا ظلم له وإهدار لجهوده! فمثلا، تراهم يدافعون دفاع المستميت عن سيد قطب، مع أن العلماء قد أخرجوا من كتبه من البدع والضلالات بل والكفريات ما لأجله قال الإمام العثيمين رحمه الله: لولا الورع لقلت بكفره، وقال العلامة عبيد الجابري رحمه الله تعالى: من كفر سيد قطب (يعني من العلماء) فلا أنكر عليه، أو كما قالا رحمهما الله. فالرجل خلط بين الخارجية الغالية وبين الثورية الماركسية اللينينية خلطا أدبيا بديعا، يخلب ألباب القارئين ويشعل قلوبهم نارا على حكامهم وعلى الأثرياء في بلادهم من حيث لا يشعرون! وكانت ولم تزل كتبه تلك هي المرجع والدستور المنهجي لسائر الجماعات الحركية التكفيرية الهدامة في البلاد منذ أن نشرت وإلى يومنا هذا! فالذي يهون من بدعة وضلال هذا الرجل ومن الآثار المدمرة لفكره وكتبه على شباب المسلمين، يقول إن الرجل كان يريد الخير ويريد الحق، ولقي في السجن من أجل ذلك كذا وكذا، وتجد في كتبه من الخير كذا وكذا، إلى آخر ذلك التمييع المبين، هذا يفرّط تفريطا بالغا فيما هو واجب على طريقة أهل السنة من تنفير العوام من تلك الكتب بل والمبالغة في ذلك، استنقاذا لهم من موارد الهلكة التي يوقعهم فيها كلامه! فإنه لا يبالغ والله من قال إنه ليس في تاريخ المسلمين من زين البدعة الخارجية وتفنن في إلهاب مشاعر الشباب تحقيقا لغايات الاشتراكية الثورية من طريق الدين، كما فعله ذاك الرجل في كتبه! صحيح إن أفكاره هي نفسها أفكار المودودي، ولكن إنما تنسب المدرسة إلى قطب لا المودودي لأن قطب كان أنشط الناس في الدعوة إليها، وكان قلمه الناري، كما سماه مخالفوه وخصومه، بالغ الأثر في شحذ همم الناس للعمل بما يدعوهم إليه، بما لم تبلغ كتابات المودودي معشاره عند المقارنة! ولهذا فالذي يثني على كتابات الرجل، كما وقع من بعضهم، بأن فيها كلاما قويا جدا في إشعار المسلمين بعزة هذا الدين واستحضار ذلك المعنى في نفوسهم، ويقول إنه لا بأس بالانتفاع بذلك مع بيان مواطن الخلل فيها، هذا لا يخلو من أن يكون أحد رجلين لا ثالث لهما: إما رجل لا يدري مبلغ ما في كتب قطب من دعوة للفلسفة الخارجية الماركسية، ومن تأثير تلبيسي عظيم على من يقرأ ذلك ويعجب به، وإما رجل يعلم ذلك، كله أو بعضه، بوجه من الوجوه، ولكنه لا يبالي! بل تزين له أهواؤه قبول ذلك التأثير على فكر المسلمين واعتقادهم ومنهجهم، لمصلحة حزبية يراها لنفسه ولمن حوله من المحببين إليه! أما أن يكون ملما بطوام الرجل وبحقيقة دعوته، وبأثرها البالغ الواسع على الشباب في هذا العصر، وهو ممن يعظمون السنة ويبغضون البدعة وأهلها، ومع هذا تسأله عن سيد قطب فلا يزيد على أن يقول: "الرجل أديب وليس بعالم، وكتبه فيها أخطاء، لكن فيها خير كثير، وفيها ردود على شبهات لم يسبق بالرد عليها ولا بأسلوبه في ذلك" أو نحوا من ذلك، فهذا متساهل مفرط في الجرح والتبديع. وقد دخل ذلك التفريط والتساهل والتمييع على هؤلاء، على أثر ما رباهم عليه إمام الحزبيين والحركيين في هذا العصر، حسن البنا، من قاعدة التعاون والمعذرة التي سماها الإخوان بالقاعدة الذهبية، وهي قوله: "نتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه". فالجماعة التي أسسها الرجل لما كانت في الأصل جماعة سياسية، نشأت على أثر سقوط الدولة العثمانية، بهدف إرجاع دولة الخلافة، كانت خطتها خطة سياسية صرفة، يراد منها إعادة جمع البلدان التي تفرقت بسقوط الدولة المذكورة، على إمامة واحدة وخلافة واحدة! لذا أرجئت الدعوة إلى التوحيد الذي جاء به الرسل، ورفع في محلها التوحيد السياسي، أي أن يرجع المسلمون دولة واحدة بإمام واحد! وأصبح كل كلام في اختلاف طوائف المسلمين في العقائد والمناهج ورواسخ الدين، مدفوعا مهملا لا حاجة للجماعة فيه البتة، بل إنه يصبح كلاما مضادا لهدفها السياسي الأول الذي ما نشأت إلا من أجله! فعلى هذه الخلفية قرر البنا تلك القاعدة، فما أراد منها إلا هذا الباطل المخالف بل المناقض لطريقة المرسلين في دعوة الناس: نتجاوز بالكلية عن الخلافات العقدية والمنهجية والمذهبية ونهملها ونخفيها ما استطعنا، لمصلحة أن نتمكن من التعاون جميعا على الغاية السياسية العليا التي من أجلها أنشئت الجماعة! هذه هي القاعدة على الحقيقة، وكما يجب أن يفهمها الناس! تريد أن تجمع الناس كافة حول مطلب أن يكون لهم إمام واحد يحكمهم جميعا، على اختلاف فرقهم وطوائفهم ونحلهم، فكيف يتحصل لك ذلك إن جئت تدعوهم إلى التوحيد كما حقه أن يدعى إليه، فاعترض عليك بعضهم بأنك مبتدع وهابي، أو بأنك طرقي قبوري، أو بأنك خارجي تكفيري، أو بأنك مرجئ عقلاني، أو بأنك حشوي مجسم، أو بأنك جهمي معطل، إلى آخر ذلك مما تنازعته طوائف المسلمين في حقيقة التوحيد وما يجب أن يكون عليه؟؟ كيف يتصور للمسلمين ذلك الاجتماع الحركي السياسي المطلوب لتحقيق مصالح الجماعة ومطالبها السياسية، إن جاءت تدعوهم لأن يجتمعوا على التوحيد الحق الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم؟؟ لا يحصل لها ذلك أبدا، لأن افتراق واختلاف طوائف المسلمين في التوحيد وأصول الدين، حقيقة واقعة وماضية إلى قيام الساعة! ولن ترضى كل فرقة من تلك الفرق أن يكون لفرقة أخرى هي تبدعها، بل وربما تخرجها من دائرة الإسلام بالكلية، أن يكون لها السيادة والسلطان السياسي على جميع المسلمين! ولا يخفى أن بيان الحق فيما تنازعت عليه تلك الفرق، وكما هي دعوة المرسلين وأتباعهم عبر القرون، لابد وأنه سيثير نقمة أهل الأهواء من كل نحلة، في تعصبهم لمعظميهم وكبرائهم، وسيمنع من اجتماع الجماهير تحت لوائهم السياسي الواحد للمصلحة المنشودة عندهم، بل يجعله ضربا من تطلب الوهم والسعي وراء الممتنعات والمحالات! لذا كان لزاما أن يدفن النزاع الديني دفنا، وقال للناس: لا تتكلموا في هذه المسائل الآن والعدو على الأبواب! أتريدون منه أن يستأصلكم استئصالا؟
ولهذا كان دعاة التوحيد الخالص الساعون في جمع المسلمين عليه، هم ألد أعداء الدعوة الإخوانية منذ أن نشأت! بل إنهم ليوالون ويمالئون المشركين من رؤوس الدول الكفرية وحكامها وحكوماتها، ويبرؤون من دعاة التوحيد والسنة ويناصبونهم العداء الصريح، لأن الحكومات التي يوالونها إنما تواليهم فيما يرون أن مصالحهم تحصل به، وهم يعلمون أن تمكن تلك الجماعة إن حصل كما يطمحون إليه، لن يكون تمكنا للإسلام الذي نزل به محمد صلى الله عليه وسلم، وإنما لنحلة مرقعة ملفقة بين الفرق الإسلامية، ترفع المصالح الدنيوية فوق الخلاف العقدي من بابه، وتقدم الوحدة السياسية فوق كل اعتبار! فلإن كانت الخلافة الإسلامية المنشودة تلك في نهاية المطاف، دولة ديموقراطية علمانية على التحقيق، بحيث إذا قامت، ترسخ لدى جماهير المسلمين أن هذه هي دولة الإسلام، فحيهلا ومرحبا بالحزب السياسي الناشط في سبيل تحقيق تلك الغاية! ولهذا دعمت أمريكا وبعض دول أوروبا جماعة الإخوان في مصر بقوة قبل قيام الثورات المشؤومة في 2011! فالدعوة عند هؤلاء ليس غايتها جمع المسلمين على التوحيد النقي الخالص الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، وإنما غايتها العليا هي جمع الناس على إمارتها ودولتها، تحت شعار دولة الخلافة!
فلما دخلت طائفة من الإخوان إلى الديار النجدية، حرسها الله، في أواخر القرن الهجري الماضي، متشبعة بفكر البنا وسيد قطب، وسمعوا من مشايخها وعلمائها ما سمعوا، ظهر ذلك المسخ المشوه الذي سمي بالسرورية نسبة إلى محمد بن سرور زين العابدين، وهو إخواني سوري سافر إلى السعودية وجالس بعض مشايخها، فأظهر التسنن وتصدر بالتدريس في منطقة القصيم، واجتذب لنفسه الكثير من الأتباع، الذين صاروا فيما بعد روادا لما يقال له حركة الصحوة في المملكة، كسلمان العودة وغيره، وهي حركة قطبية تظهر السلفية وموافقة سلف الأمة في الاعتقاد، وتعظيم ابن تيمية وابن عبد الوهاب، مع أنهم يخالفون أهل السنة في المنهج، تلك المخالفة التي يكون صاحبها من جملة الخوارج القطبية على التحقيق! وقولنا الخوارج القطبية أخص من قولنا الخوارج بإطلاق، إذ قد أحدث الفكر المودودي القطبي دمجا شيطانيا بين الفكر السياسي والاقتصادي والفلسفة الماركسية من جانب، وبين مقالة الخوارج في الحكم بما أنزل الله من الجانب الآخر، في إطار ما بات يقال له الحاكمية. فهم شر من الخوارج الحرورية القدماء، ومن الذين قاتلوا عليا رضي الله عنه، لأنهم لا يرون السيف على من يرونه حاكما بغير ما أنزل الله وحسب، بل يرون إنشاء مجتمع جديد في بطن المجتمع القائم بحيث ينقلب عليه ويستحوذ على الدولة على طريقة الجماعة الطليعية اللينينية، كما أطلنا النفس في بيانه في سلسلة "بيان تلبيس الجهمية العصرية في العلوم الإنسانية" على هذه القناة المباركة. فالقوم اتخذوا لأنفسهم غرضا وقضية ومطلبا أن يلبسوا الفكر القطبي بلبوس السلفية، رجاء أن يبتلع المجتمع السعودي الفكر القطبي ويروج بين طلبة العلم فيه! فلما قيض الله تعالى لتلك الفئة ثلة من علماء المدينة حرسها الله، تبين عوار منهجهم وتكشف خططهم وتبين ضلالات ومصائب إمامهم سيد قطب، وتحذر الناس من عدوانهم الصارخ على ولاة الأمر في المملكة فيما بعد حرب الخليج، لمزوهم باسم أطلقوه عليهم حتى يظهروا للناس على أنهم هم المبتدعة الغلاة الذين يجاوزون الحد في التبديع والجرح والإسقاط، فسموهم بالمدخلية نسبة إلى الشيخ العلامة ربيع بن هادي حفظه الله، وبالجامية نسبة إلى الشيخ العلامة محمد أمان الجامي رحمه الله!
فأصحاب الفكر السروري، من تلامذة سرور هذا وتلامذتهم من بعدهم، ومن تشبعوا بطريقتهم من الحركيين المصريين الذين سافروا إلى المملكة لتلقي شيء من العلم فيها ثم رجعوا بذلك الفكر إلى مصر مؤسسين به جماعات حركية دعوية في مصر كالدعوة السلفية في الإسكندرية وغيرها، هؤلاء كلهم تشبعوا في أصولهم بقاعدة البنا بصورة ما أو بأخرى، لأن مقصد الحركة الإسلامية أو الصحوة الإسلامية أو غير ذلك مما يسمونها به على اختلاف مشاربهم، مقصدها الأعلى والأول إنما هو السعي في إعادة دولة الخلافة، كما تتابع القوم عليها! فكل من "تحرك" من أجل ذلك المطلب بصورة نظامية، فهم يتعاونون معه ويدعمونه، وكل من أبدى تعاطفا مع قضيتهم من الكبار المعظمين في الناس، الذين لهم تابع عريض، فهم يوادونه ليكسبوه هو وأتباعه في صالحهم، يخططون ويتحركون في السر إن لم يأمنوا بطش الحكام بهم، أو في العلن إن أمنوه، وبالسلم إن وسع عليهم الحكام، أو بالعنف إن ضيقوا! فإذا وجدوا من يعينهم على غاياتهم، مع أنه متهم عند أهل السنة والأثر بما يلحقه بفرقة من الفرق النارية، وهو ناشط في الدعوة لها ونشر بدعها، أعملوا معه قاعدة التعاون والمعذرة، شعروا بذلك أم لم يشعروا، فأثنوا على جهاده وعمله للدعوة ومصلحة الدعوة وغير ذلك مما يقولونه في الموالين لأحزابهم وجماعاتهم لا من باب النصيحة للمسلمين كما يزعمون، ولكن من باب تكثير سواد الموالين والمحبين له ولهم، تحقيقا للمصالح الحزبية! فإذا سألتهم عن طوامه ودعوته البدعية، قالوا لا وقت الآن ولا مصلحة ترجى من إظهار الخلاف الإسلامي-إسلامي بيننا وبينه (كما يسمونه)، لأن العدو المشترك يدهمنا جميعا ويوشك أن يفتك بنا جميعا! فإذا بحثت من هو العدو المشترك هذا، لم تجده في نهاية المطاف إلا حكومة البلد المسلم الذي هم مقيمون فيه، أو الآلة الإعلامية للأحزاب السياسية المخالفة لأحزابهم! فإذا تعاونوا على مجابهة بعض العلمانيين والعقلانيين والحداثيين وما شاكلهم، لا لأن دين الناس يفسد إن تعرضوا لدعاوى أولئك ولكلامهم، لا، هذا مقصد تابع وليس هو الأصل، ولكن لأنه ليس من مصلحة "الحزب الإسلامي" أو الطائفة أو الجماعة أو التنظيم أو ما شئت، أن يظهر هؤلاء الخصوم السياسيون أمام الناس على أنهم على حق وأنهم يريدون الخير للبلاد والعباد! نريد للناس أن تقبل علينا بقلوبها، لا أن تنفر منا! فإن أقبلوا، جعلناهم طريقنا للتمكن من السيادة في البلاد، وإذن يحصل ما نرجوه من قيام دولة الحاكمية، التي لا سبيل لإصلاح دين الخلق تحقيقا في غيابها، كما علمتهم الماركسية أنه طالما كان البرجوازيون مسيطرين على مقاليد الأمر في البلاد، فلن يكون دين الناس إلا على ما يشبع أهواءهم! لهذا فسدت أصول الولاء والبراء عندهم، وفسدت، تبعا لها، قواعد الجرح والتعديل! الرجل لا يجرح ولا يصرح بجرحه إلا لأنه صار خصما وعقبة في طريق الحزب والجماعة، يصد الناس عن رفعها إلى حيث تريد أن تصل! أما أن يكون الداعي الشرعي للجرح هو أنه يضل الناس ويجنح بهم عن السنة، فهذا نادرا ما يقع لهم خارج إطار موازين المصلحة الحزبية! فالأصل أنه لا يتكلفه السروري إلا فيمن دلته موازين "المصلحة الدعوية" (التي هي في حقيقة الأمر المصلحة الحزبية) على أن الطعن عليه لا يفضي إلى تنفير الموالين والأحباب والداعمين! ولهذا فكثير من السروريين إذا دفعت إليهم بطوام الرجل كما أخرجها العلماء من كتبه، وجدته يحاول التماس "الوسط الغلط" فيما يتعلق بالموقف من سيد قطب، لأن الرجل محنة كبرى عند كل حزبي حركي تربى على كتبه وتشبع بكلامه! فهو يريد أن يظهر لك أنه يستشنع كلامه، ولكن مع ذلك، يحرص أشد الحرص على ألا ينفض أتباعه ومعظموه من الحركيين من حوله إن طعن فيه كما هو حقه! فإذا ناقشته، قال لك: الجرح والتعديل مدارهما على المصلحة الشرعية، وهذا صحيح قطعا ولا شك! ولكن ما هي المصلحة الشرعية عندهم في هذا الباب؟ هذا هو محل التأصيل الفاسد والتقعيد المبتدع المخالف لما عليه أهل السنة عند جميع الحزبيين! يقولون: لو شددنا في الطعن والنكير، فسينفر منا الكثيرون، وسنخسر قاعدة كبيرة من الأتباع والموالين قد أمضينا سنوات طويلة في استمالتها وجمعها من حولنا، فيما يسميه بعضهم "بالرصيد الدعوي"! فهل هذه مصلحة معتبرة شرعا؟ أبدا! نعم قد أمرنا الشارع بأن نخاطب الناس بما يعقلون، وألا نحدث الناس بما قد يفتنهم، ولكن إذا كنا نعلم أنهم إن لم ننفرهم عن هذا الرجل وكتبه، فسيدخل على دينهم من الفساد ما لا يحصيه إلا الله، فالواجب أن نصدع بالحق في ذلك غير مبالين بانصراف الناقمين والكارهين من حولنا! لأنه معلوم بالبداهة أن المتعصبة لن يقبلوا بيان الحق في حال من تعصبوا لهم من أهل الأهواء ودعاة الضلال! ومعلوم أنك أن طعنت على معظمهم، طعنوا عليك وتركوك لا محالة! فكان ماذا؟ أما علمتم أن النبي من أنبياء الله تعالى قد يأتي يوم القيامة ومعه من قومه الرجل والرجلان، ويأتي غيره من الأنبياء وليس معه أحد أصلا؟؟ فمن الذي أوهمكم أن الدليل على قيام الداعية بواجبه على وجه التمام، إنما هو كثرة الأتباع والموالين والمحبين؟ أبدا! بل قد قال عليه السلام: بدأ الإسلام غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ! فانصراف كثير ممن سبق منهم أن أحبوك ومالوا إليك إن أنت أظهرت الحق في الموقف من هذا أو ذاك من رؤوس الباطل المعظمين عندهم، أيها الداعية السروري، لا يضرك في شيء أبدا، بل والله إنما يضرك أعظم الضرر أن تأتي يوم القيامة وقد تعلق برقبتك من لا تحصيهم من المسلمين الذين غررت بهم لما زكيت رجلا كان يدعوهم إلى البدعة والضلال المبين، أو فرطت في بيان حاله كما كان حقه أن يبين! لا يبالي الحزبيون والسروريون بتصفية أتباعهم ومحبيهم من طلبة العلم، ببيان مفاصلة أهل البدع ورؤوسها الداعين إليها، حتى يعرف أتباعهم الموقف الشرعي منهم كما حقه أن يعرف، ولا يعنيهم لمن يسمع هؤلاء وعمن يأخذون الدين، ما داموا سيقبلون عليهم ويعظموهم ويرفعوهم رفعا! وهذه والله ليست سلعة من كانت تجارته مع الله حقا، وكانت دعوته لله صدقا! هذه سلعة من طلب العلم ليصرف وجوه الناس إليه!
والقصد أنه لما فسد ميزان المصلحة والمفسدة الشرعية عند هؤلاء، واعتبر بمصالح أهملها الشرع، وأهملت مصالح اعتبرها الشرع، فسدت أصول الجرح والتعديل، وأصبح الجرح في كثير من الدعاة المعظمين المتبوعين بين المسلمين ظلما ومخالفة لمقتضى الإنصاف، وإهدارا لجهودهم وغير ذلك مما نسمع! وهو ما أوجب عند تلك الطائفة تفريطا في الجرح وإفراطا في التعديل.
وفي الجهة المقابلة، فقد ظهر فيمن ينتسبون إلى السلفية، رجل مصري يدعى محمود الحداد، قدم إلى المدينة ليتتلمذ على يدي الشيخ ربيع بن هادي المدخلي حفظه الله، فكان في أول أمره يظهر بغض أهل البدع والنفور منهم وكذا، ثم ظهرت منه شدة وإفراط في هذا الباب، لهوى كان في نفسه، فخرج على جادة أهل السنة في التعامل مع كتب السلف رضي الله عنهم، وزعم أنها تقتضي الطعن على النووي وابن حجر والشوكاني رحمهم الله وغيرهم، ليس هذا وحسب بل وإحراق كتبهم، وتبديع من يترحم عليهم، وبدأ يظهر ذلك ويفتي به الناس، ثم تدرج حتى حكم بتبديع كثير من أئمة وعلماء المسلمين المشهود لهم بخدمة السنة وبالسلامة من الأصول المخالفة لأهل السنة، الذين أجمع المسلمون على إمامتهم لطريقة أهل السنة وعقيدتهم، كابن تيمية وابن القيم وغيرهما، ولم يسلم منه أعلام السنة المعاصرين كابن باز وابن عثيمين والألباني وغيرهم، وكان الشيخ ربيع حفظه الله ينكر عليه ويشدد في النكير، حتى ظهر له أنه من أهل الأهواء المصرين على نشرها والتصدر بها بين الناس، فحمل عليه بالتنفير منه ونهي الناس عن مجالسته! ثم لما ظهر له أتباع، سماهم باسمه "الحدادية"، وكتب في بيان أصولهم الباطلة في الجرح والتعديل والتكفير التي قلدوه عليها! فكانت تلك النابتة من أصحاب النفس الحروري الخارجين على جادة أهل العلم الموروثة في فهم كلام السلف وتنزيله على الناس، طائفة غالية في الجرح والتبديع متساهلة في التكفير، مفرّطة في التعديل، خلافا للسرورية الذين كانوا على عكس ذلك كما بينا!
فمحمد شمس الدين بعد أن بدأ في أول أمره بالتتلمذ على السرورية، انقلب مؤخرا لمتابعة بعض دعاة الحدادية، فحصل له من ذلك تناقض منهجي لا ينتبه إليه! فبينما تراه يرى أن في صنيع من يدفعون التهمة بالتكفير عن النووي وابن حجرا نظرا وخلافا مستساغا، ويقول بكل وقاحة إن الأمة لن تخسر شيئا إن استغنت عن كتبهما (1)، وهذا من غلو الحدادية في التكفير والتبديع، تراه في المقابل يصب جام غضبه ويوجه نيران سخريته على بعض المشايخ إذ أنكروا على الداعية الهندي الأعجمي الزائغ "ذاكر نايك" كلمة كفرية تلبس بها مؤخرا، تضاف إلى جملة رصيده من الكفريات والضلالات! فلما دفع عن ذاكر نايك التهمة، جعل حجته في الدفع عنه والذب عنه، أنه قد كتب الله له الشهرة والانتشار ودخول الكثيرين في الإسلام على يديه، فمن الظلم أن يسقط ذلك كله لأخطاء وقع فيها الرجل قد يقع فيها غيره! فاعتبر، من حيث لا يشعر، في درء الجرح والتبديع (وليس التكفير) عن الداعية المذكور، بقرائن وموانع حالية لم يلتفت إلى مثلها بل وأعظم منها بكثير في دفع التكفير عن رجل قد تتابعت قرون المسلمين على تعظيمه والترحم عليه والانتفاع بكتبه بلا نكير! فإن قال ولكن أنا لم أقل بتكفيرهما ولا أقول، وإنما قررت الخلاف في المسألة، قلنا إن مجرد ادعاء الخلاف بين العلماء في القرون الخمس الماضية في إسلام هذين الرجلين، إلى جانب كونه كذبا أقرع، فهو جناية وجريمة لا يغسلها الماء! وهو طعن (بالنظر إلى مكانة الإمامين عند المسلمين، ودواعي الترحم عليهما) أعظم وأثقل في موازين الجرح والتعديل بكثير، وانتبه، من الطعن الذي وقع من المشايخ في ذاكر نايك (بالنظر إلى منزلته)! فالبدعة الواحدة قد يتلبس بها رجل فيذم بها ويتهم وينفر الناس منه، وقد يتلبس بها هي نفسها رجل آخر، ومع هذا يترحم عليه إن كان ميتا، ويتجاوز عنها، ولا يعلق عليها إلا في سياقات مخصوصة في حدود الحاجة الشرعية لبيانها والرد عليها، فيقال: أخطأ هنا رحمه الله ووافق هذه الفرقة البدعية أو تلك، فلا يتابع على كلامه هذا، ولا يهدر، مع هذا، باقي كلامه!
والقصد أن ابن شمس الدين هذا، غارق في التناقض المنهجي في باب الجرح والتعديل والأسماء والأحكام، يسلك منهجا مع رجل (فيه غلو في الجرح من تبديع وتكفير)، ويسلك نقيضه مع غيره (التساهل والتفريط في التبديع)، من حيث لا يشعر ولا يدري! وهو مع هذا يعلن الحرب على أهل السنة الضابطين لهذا الباب، المتوسطين بالحق بين هاذين المنهجين الغاليين، يزعم أنهم أصحاب منهج بدعي في الجرح والتعديل، فإلى الله المشتكى ولا حول ولا قوة إلا بالله.
أبو الفداء ابن مسعود
غفر الله له.
-----------------
(1) وقد جاءني من الحمقى من يعلق على المحاضرة التي رددت فيها على ابن شمس في هذا الكلام، بأن ابن تيمية قال فيما قال ما معناه لو قدرنا أن لم يخلق البخاري ومسلم فلن تخسر الأمة شيئا، فلماذا لم تحط عليه كما حططت على محمد شمس الدين؟؟ وكأن صاحبهم في منزلة ابن تيمية، وكأن الأحكام على الرجال إنما تؤخذ بقياس التمثيل وقياس الأولى! هذا زيد قال (أ) وأنت بدعته أو كفرته، فإذا كان عمرو قال (ب) وهي أشنع من (أ)، فمن باب أولى أن تبدعه أو تكفره! وهذه ليست طريقة أهل العلم في الجرح والتعديل ولا في الأسماء والأحكام، لأن العبرة ليست فقط بشناعة المقالة الفاسدة، ولكن بأحوال قائليها كذلك، كل منهم بحسبه، فردا كان أو طائفة، كما بينت ذلك ويأتي مزيد بيان إن شاء الله تعالى في محاضرات سلسلة الرد على الحدادية! ابن تيمية إنما جاء بكلامه في سياق بيان أن الدين الخاتم ليس متوقفا حفظه على أحد من الناس بعينه، بحيث إن قدرنا أن لم يخلق لفسد! فالله يسبب من الأسباب ما يشاء ويختار! وأما أهل الكلام فلو لم يخلق الأشعري (ومن قبله شيوخه من المعتزلة، السادة المتكلمين)، لما عرفوا أصول الدين ولا ما يجوز وما يجب وما يمتنع في حق الله تعالى! أما إسقاط شمس الدين للنووي وابن حجر، فإنما مداره على البغي عليهما، وإهدار علومهما بعدما انتفعت بها قرون المسلمين، وصار شراح الحديث عيالا على تلك العلوم عبر القرون، يقول لهم أهملوا تلك الكتب وعاملوها وكأنها لم تكن، فإن فعلتم، فستجدوا أنكم لم تخسروا شيئا!
