في دفع بعض شبهات الناس على مسألة الفرح بهلاك القرضاوي! لا سيما قولهم: "أين أنتم من أخلاق ابن تيمية مع مخالفيه"؟؟
الحمد لله وحده، أما بعد، فقد كثر المعترضون على ما نشرناه بالأمس من كلام في أن الفرح بهلاك رؤوس البدعة الداعين إليها العاملين على نشرها في الناس من السنن السلفية المهجورة، وأثاروا فيما أثاروا بعض الشبهات التي رأيت الداعي قائما لتخصيصها برد ينقضها نقضا، بحول الله وقوته.
جاءني في التعليقات على المنشور المذكور، أحدهم يقول:
"رحم الله الامام ابن تيمية الدمشقي ، عندما اتاه احد تلاميذه يبشره بموت اكثر من اذاه فنهره وخرج وعزا اهل بيته وطلب منهم ان يساعدهم في كل شي ، فرق بين السماء والأرض بين السلف الصالح وكلاب الحكام المداخلة!"
قلت: أولا: يا جهول، ابن تيمية رحمه الله مات في القرن الثامن الهجري، فليس هو من السلف أصلا! السلف الصالح هم الصحابة والتابعون وأتباعهم، وقد يلحق بهم أئمة السنة في القرون الثلاثة الفاضلة. أما أئمة القرن السابع والثامن الهجريين فليسوا هم المراد بالسلف أصالة. ثانيا: لا يجوز تقديم أفعال العلماء المتأخرين، على ما جاء النص به صريحا في الأثر من أقوال أئمة القرون الأولى، عند توهم التعارض، وأكرر "توهمه"! بل لا يجوز الاحتجاج بأفعال ابن تيمية نفسه المنقولة عنه، لإثبات منهجه العام المطرد في أي مسألة من المسائل الشرعية، لأن العالم قد يترخص في مواطن على خلاف الأصل المتقرر عنده، لأسباب تخص الواقعة المروية بخصوصها، فيكون في ذلك جاريا على خلاف القياس على مذهبه! وقد يخطئ في تنزيل قاعدته المتقررة لديه في هذه الواقعة أو تلك، والخطأ وارد على كل إنسان ولا يسلم منه أحد! فمن نظر إلى أفعاله في بعض الوقائع بخصوصها، يريد أن يستخرج منها منهجه الكلي في الباب (كباب التعامل مع المخالف مثلا)، فهو نازعها من سياقها ومن بساط الحال فيها لا محالة، ومن جميع تلك الواردات التي لم يأت ذكرها في رواية الواقعة نفسها على ما يلزم من التفصيل لبناء التصور الصحيح! ومثل ذلك أن تأتي إلى عالم كبير أو إمام من الأئمة فتصلي إلى جواره، فتراه لا يحرك أصبعه في التشهد، فتقول إن مذهبه عدم التحريك، مع أنك لا تدري أنه لا يحرك أصبعه لأنه مصاب بمرض فيه! أو لعله لم يتفق له أن حرك أصبعه في تلك المرة المعينة التي رأيته أنت فيها حين رأيته، لعارض عرض عليه أنت لا تعرفه! فلا يدل فعله على مذهبه! ولهذا كان العلماء يقولون خذوا عنا أقوالنا ولا تتابعوا أفعالنا، لأن الأمر غير متلازم بالضرورة!
والقصد أن هذا من حمل المحكم على المتشابه! لأن المحكم في هذا الباب، هو ما قرره السلف في أقوالهم الصريحة المتواترة معنويا، فيما هو ثابت عنهم بالأسانيد المتصلة في أمهات كتب السنة، التي كان ابن تيمية رحمه الله تلميذا عليها، وكان يدرسها لتلامذته ويحيل عليها في كتبه، ومنه هذا الذي استدللنا به في مسألة الفرح بموت المبتدع الداعي إلى بدعته، ونشر ذلك والاستبشار به! وأما المتشابه فهو ما وقف عليه الواحد من هؤلاء من أفعال إمام من أئمة القرن الثامن الهجري، رحمه الله تعالى، وليس الأقوال التأصيلية المنهجية المعتمدة عنده في الباب! ووجه كونها من المتشابه هو ما ذكرنا من أنك لا تدري ما المصلحة الشرعية التي دعته لأن يسلك هذا المسلك مع هذا الرجل أو ذاك بخصوصه في تلك الواقعة بعينها. وهذه المغالطة الاستدلالية السخيفة تكثر جدا عند الحزبيين! بل إن الإخوان يكثرون منها حتى فيما هو مأثور عن النبي عليه السلام! تجدهم غاية حظهم من السنة: السير والمغازي والفتوحات! لماذا؟ لأن فيها ما إن فصلته وقطعته عن أصول السنة الراسخة المعتمدة المجمع عليها (كمسألة تحريم الخروج على أئمة الجور)، التي تؤخذ من الأقوال والتقريرات النبوية الصريحة في دواوين السنة، أمكنك أن تجعله دليلا على مشروعية ما هم عليه مما يسمونه جهادا في سبيل الله وما هو بجهاد، وإنما هو محض الخروج على ولاة المسلمين! فتراهم يحتجون مثلا بحلف الفضول، لإثبات مشروعية "تعاون" الجماعة الحركية مع الدولة (التي هي طاغوت عندهم) أو مع "الأحزاب السياسية" فيما فيه الخير والعدل وكذا! مع أن الصورتين لا قياس بينهما! فلا الدولة دار جاهلية ككفار قريش، بحيث لا يكون في عنق الناس فيها بيعة لإمام هو المنوط برفع المظالم ودفع المفاسد شرعا، وليس لأحد أن يتألى عليه أو ينازعه أمره، ولا الجماعة الحركية تلك مشروعة من الأساس، حتى يكون لأميرها حق الحل والعقد والربط وإبرام الاتفاقات والمعاهدات، وكأنما هو إمام دولة له بيعته في الناس! فإذا أقنعت الناس بأن أصول السنة في هذا الباب لا تنطبق على هذا العصر جملة واحدة، كما يصنعه هؤلاء تلبيسا وكذبا، فإنك بذلك تكون قد أسقطت المحكم لصالح المتشابه، تحمله على ما يحلو لك أن تحمله عليه!
وكذلك هنا! نقول لهم الأصل عند أهل السنة أن المبتدع الداعي لبدعته يجب هجره وتنفير الناس منه، صيانة لدينهم، بإجماع السلف، ونسوق إليهم النصوص الوافرة المتكاثرة في ذلك، فيقال لنا: أنتم متطرفون متشددون، انظروا إلى ابن تيمية وسماحة ابن تيمية وحسن خلق ابن تيمية ورحمة ابن تيمية، وكيف أنه فعل كذا وفعل كذا مع أناس سبق منهم أن آذوه وتسببوا في سجنه والتنكيل به .. إلخ!! يراد تعميم ذلك في كل مناسبة وعلى كل أحد ممن حملنا عليهم (نحن المداخلة كما يسموننا) بالتبديع والتشنيع وتشديد العبارة، وأن يجعل منهجا مطردا للإمام رحمه الله مع جميع أهل البدع الداعين إليها! فأي شيء يكون هذا إلا حملا للمحكم على المتشابه وليس العكس كما هو الواجب على طالب العلم؟ هذا مثله كمن تقول له: حلق اللحية حرام بالإجماع، فيقول لك، يريد أن يحجك: ولكن الشيخ فلان كان يحلقها! فهل أنت أعلم بالسنة من الشيخ فلان؟ مع أن ابن تيمية لا يصح الحكم عليه بأنه خالف المقرر عند السلف بهذه الأفعال في باب معاملة المخالفين، كما أن حالق اللحية مخالف للإجماع قطعا، ولكن القصد أن نشعرك بفساد هذا المسلك المعوج، ورجوعه إلى نفس المغالطة السخيفة: وهي ترك أقوال الأئمة المحكمة المتواترة في باب ما، والاكتفاء بالنظر إلى أفعال بعض العلماء في نفس الباب! والفعل في مثل هذا متشابه قطعا لأنك لا تدري ما احتف به من القرائن ومن بساط الحال، وما لأجله استجيز على ما يبدو وكأنه خلاف الأصل! مع أنه ليس بالضرورة مخالفا للأصل عند التأمل، إذ لم يرد أن الإمام صنع مع أولئك المخالفين الذين ترحم عليهم بين أيدي أهليهم، وأحسن إلى أزواجهم وأولادهم بعد موتهم، ما تصنعونه أنتم من مجالستهم العلنية وتقديمهم للناس وتزكيتهم على الملأ، بما يعرض الجهال للتشبع ببدعهم وضلالاتهم المنتشرة في الأرض! فليس فيما فعله حجة لكم من أي وجه أصلا!
فإن قالوا ولكن هذا يلزمكم منه تجويز ما يصنعه مشايخنا من مجالسة بعض أهل البدع (عندكم)، ومن ثم الإمساك عن تبديعهم بمجرد المجالسة، لأنكم لا تعلمون هذه الأفعال إذ وقعت منهم ما هي المصلحة المترتبة عليها في تقديرهم، وإن قدرناهم أخطأوا فغايتهم أن يكونوا مخطئين في الاجتهاد لا مبتدعة ضلال، قلنا لا يلزمنا، لأن الصورة ليست واحدة! فأولا أفعال ابن تيمية التي تستندون إليها لم تكن على ملأ عام، بحيث يظهر في وسيلة من وسائل الإعلام – مثلا - وهو يعظم ذلك المبتدع المحارب للسنة، ويثني عليه وعلى دينه وجهاده وعمله الدعوي .. إلخ، كما تصنعون، ومن ثم يفتح الباب للجهال لأن يغتروا به، فيدخل عليهم باطله من حيث يدخل الحق الذي عنده، وتروج بدعته بسبب منابر يظن الجهال من متابعيها أنها لا تنشر إلا السنة ولا تزكي إلا من كانوا على السنة! هذا ليس ما صنعة ابن تيمية في شيء من تلك الوقائع ولا قريبا منه! وإنما سارع إلى دفع شبهة الانتصار لنفسه والفرح لخلاصها ممن آذوها، ولتأليف قلوب المسلمين من أهل بيته وخاصته بعد موته! وهو ما لا يتعارض – أصلا – مع كونه، ولابد، قد فرح بزوال رأس من رؤوس البدعة الداعين إليها المحاربين عليها، كما فرحنا نحن لهلاك القرضاوي سواء بسواء! ثم إن أهل البدع الذين يرد أن يكونوا قد تعرضوا له بالأذى، فعفا عنهم ولم يطلب الانتصار عليهم، ليسوا كلهم على درجة واحدة من حيث الدعوة إلى البدعة وإظهارها في المسلمين! فلو كان ابن تيمية حزبيا على منهج هؤلاء، لطالب بسجنهم جميعا، صيانة لمصلحة الحزب والجماعة، أو "لمصلحة الدعوة" كما يسميها، لماذا؟ لأن الدين كله قائم على شرط التمكين على تلك الطريقة النكدة، فإن لم يتمكنوا من البلاد فلا دين ولا توحيد ولا شيء! ولا يتمكنوا حتى يتخلصوا من الخصم المنافس أو يقهروه قهرا! ولكن الشيخ رحمه الله ما كان ينظر إلى نفسه ولا إلى حظها ولا إلى حزب أو طائفة يريد سيادتها وتمكنها، وإنما كان ينظر إلى أحوال المسلمين الذين كانوا يعظمون هؤلاء ويرجعون إليهم في الفتوى والقضاء وأمور الدين!
وأما ثانيا، فيقال إن المصلحة التي تزعمون أن مشايخكم يراعونها عند إظهار مجالسة رؤوس البدعة الداعين إليها وموادتهم وكذا، لو كانت هي مصلحة دين المسلمين المتعرضين لتلك المجالس ولذلك الثناء والإطراء على رؤوس البدعة، بدعوى أن لهم حسنات وأن هذا من إنصافهم وكذا، فحسبك به إفسادا لدينهم وتغريرا بهم أن يقال لهم خذوا عن هؤلاء، وأنت تعلم أنهم إذا أخذوا عنهم وسمعوا منهم تعرضوا لبدعتهم، فهلك منهم من هلك، نسأل الله السلامة!! لكن واقع الأمر أن المصلحة الشرعية أو "مصلحة الدعوة" التي يدندن حولها الحزبيون إنما هي مصلحة الطائفة أو الجماعة أو الحزب الحركي، التي اضطر بعضهم وهو أحمد فريد أن يسميها بطاغوت الدعوة! لماذا؟ لأن الدين كله قوامه عندهم على التمكن من السيادة والحكم وبناء دولة الخلافة! ليمت من يمت على الكفر أو البدعة أو النفاق في سبيل إقامة تلك الدولة، لا يهم! هذا كله مهمل في جناب تلك المصلحة عندهم، والله المستعان! وهذا على عكس ما بعث الله به محمدا صلى الله عليه وسلم، إذ لم تقم الدولة إلا بعدما قام الإيمان في قلوب الخلق، فمضت سنة الله في ذلك تبعا! أما أن تقوم طائفة تريد أن تحارب بلاد المسلمين كافة، لأجل أن يمكنوهم منهم عنوة وقهرا، بدعوى أن دينهم لا ينصلح إلا بهذا، فهذا مذهب ليس من دين الله في شيء أصلا! فمجالسة المبتدعة بدعوى "مصلحة الدعوة" (التي هي مصلحة الجماعة الحركية كما تقدم) غش وتغرير قطعا كما قرره السلف، ولا يكون من المصلحة المعتبرة شرعا في شيء أبدا!
ولتفهم عمق الخلل المنهجي عند هؤلاء في هذا الاستدلال، دعنا نفترض أننا مقلدون ليس لدينا في الباب، أعني باب الفرح لهلاك المبتدع، إلا هذين النصين فقط: نص عن أحمد رحمه الله، بسند صحيح، أنه قيل له نفرح لهلاك أصحاب ابن أبي دؤاد، فأقر ذلك وقال: "ومن لا يفرح لهذا؟"، ونص آخر أن ابن تيمية نهر من جاءه يبشره بهلاك رجل من خصومه المخالفين للسنة، الذين آذوه ووشوا به وكانوا سببا في سجنه وكذا، هب أنه ليس لدينا في الباب إلا هذين النصين، فعلى قواعد العلماء، هل نجمع أم نرجح أم ماذا؟ الجمع مقدم قطعا! وكلام الإمام أحمد نص كلي فيه تقرير للقاعدة، أن رؤوس أهل البدعة وأصحابهم من دعاة البدعة إذا هلكوا، كان من المستنكر على المسلم ألا يفرح بذلك! وأما ما عندك عن ابن تيمية فتقرير لفعل مخصوص في واقعة مخصوصة لا تدري ما احتف بها وبمجلسها من أحوال! وإذن فلا يمتنع الجمع على تقدير أن ابن تيمية يوافق أحمد على هذا الأصل، وهو من أئمة المذهب الحنبلي كما هو معلوم، فيقال إن الواقعة كان فيها ما جعله يظهر ذلك الموقف بين أيدي من حضروه بخصوصهم، لمصلحة رآها، رحمه الله، دون أن يلزم انتقاض الأصل الكلي لديه! أما أنتم، فتريدون قلب الاستدلال، ليصبح هذا الفعل المنقطع عن سياقه، دليلا على بطلان الأصل الذي نص عليه أحمد! فهل هذا نظر معتبر على طريقة أهل العلم، على ما قدمنا بتقديره من خلو الباب عندنا مما سوى هذين النصين؟
الجواب واضح!
فإن قيل ولكن أنت تعامل نصوص العلماء على أنها نصوص معصومة، تروم الجمع والترجيح بينها وكأنها من نصوص الوحيين، قلنا: ليس كذلك، وإنما أردت في هذا الموطن أن أبين وهاء مستند هؤلاء الإخوة هداهم الله، في استنادهم إلى آحاد الوقائع والأفعال المذكورة عن ابن تيمية رحمه الله لتجويز ما يفعلون! وإلا فما بين أيدينا في الحقيقة ليس هذا النص وحده، وإنما تواتر النقل معنويا عن السلف رضي الله عنهم بتقرير قاعدة هجر المبتدع الداعي إلى بدعته وتحريم مجالسته البتة، وكذلك الفرح بهلاكه وشكر الله تعالى على ذلك، هذه أصول مجمع عليها مستفيضة آثارها وأدلتها في أمهات كتب السنة عند أئمة أهل الحديث، وليس دليلها عندنا قولا واحدا أو فعلا واحدا لإمام من الأئمة! وإنما أنتم من تريدون الاستناد إلى وقائع أعيان من أفعال بعض الأئمة المتأخرين، لتنقضوا بها أصلا كليا جرى عليه أئمة أهل السنة عبر القرون بلا نكير ولا خلاف! وهذا عين الفساد! فنحن لسنا نحتج عليكم "بأفعال الرجال" حتى تحتجوا علينا بأفعال رجال!
وإنما نحتج عليكم بأقوال متواترة معنويا عن أئمة السلف، لها أصولها في السنة، كقوله عليه السلام: " مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالْجَلِيسِ السَّوْءِ، كَحَامِلِ الْمِسْكِ وَنَافِخِ الْكِيرِ، فَحَامِلُ الْمِسْكِ، إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الْكِيرِ، إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً"! وكقوله: "المرؤ على دين خليله"!
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: "لا تجالس أهل الأهواء فإن مجالستهم ممرضة للقلب".
قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (إنما يماشي الرجل ويصاحب من يحبه ومن هو مثله). وقال رضي الله عنه "المرؤ بخدنه"، ولهذا نقول محال أن يجالس الرجل مبتدعا مجاهرا ببدعته داعيا إليها، ويثني عليه ويوقره، وهو ولا شك يعلم منه ذلك، لأنه يجاهر به وينشره في الناس ولا يخفيه، إلا أن يكون في قلبه تهوين من أمر تلك البدعة، شعر بذلك أم لم يشعر! لأنها لو عظم أمرها لديه وعظم بغضه لها، لم يقبل أن يجالس من ينشرها في الناس، ولا مجلسا واحدا في السر حيث لا يراهما أحد! فكيف بالمجاهرة بذلك وإعلانه ونشره وإظهار الثناء فيه على المبتدع؟؟ وهذا لا نأتي به من أكيسنا، وإنما نص عليه الصادق الذي لا ينطق عن الهوى، قال عليه السلام: "المرؤ على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل"! فالخلة والمخالطة والمجالسة دالة على الدين، دلالة لا انفكاك منها! ولهذا قال الأوزاعي: من خفيت علينا بدعته، لم تخف علينا إلفته! قلت: فمن إلفته ومن خلطته ومجالسته يتبين حاله ويظهر لك ما كان يخفيه! وهي قرينة عظيمة اعتبرها أهل السنة وأجمعوا على اعتبارها. لما قدم سفيان الثوري البصرة ، جعل ينظر إلى أمر الربيع – يعني ابن صبيح – وقدره عن الناس، سأل أي شيء مذهبه ؟ قالوا: ما مذهبه إلا السنة . قال: من بطانته ؟ قالوا: أهل القدر. قال: هو قدري ا.هـ.
قلت: تأمل! سفيان الثوري هذا مات قبل مولد ربيع المدخلي ومحمد أمان الجامي بقرون متطاولة! فبأي شيء حكم على رجل يظهر في الناس السنة ويدعو إليها، بأنه قدري؟؟ حكم عليه بالقدرية لأن بطانته من القدرية، المجاهرين بذلك الداعين إليه! قال ابن بطة العكبري في الإبانة تعليقا على هذا الأثر: " لقد نطق بالحكمة فصدق وقال بعلم، فوافق الكتاب والسنة، وما توجبه الحكمة ويدركه العيان ويعرفه أهل البصيرة والبيان، قال الله عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذًينَ آمَنُوا لا تَتَّخًذُوا بًطَانَةً مًنْ دُونًكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنًتُّمْ)".
وقال الإمام أحمد: "أهل البدع لا ينبغي لأحد أن يجالسهم ولا يخالطهم ولا يأنس بهم)"
وقيل للأوزاعي: (إن رجلا يقول أنا أجالس أهل السنة وأجالس أهل البدعة. فقال الأوزاعي: هذا يريد أن يساوي بين الحق والباطل).
فهل الأوزاعي هذا "مدخلي"، يبدع الناس "بالتسلسل" كما سماه محمد شمس الدين هداه الله، إذ يحكم عليهم بالهوى وفساد المنهج من مجرد ثبوت المجالسة؟ الله المستعان!
وقال سفيان الثوري: (من جالس صاحب بدعة لم يسلم من إحدى ثلاث: إما أن يكون فتنة لغيره وإما أن يقع في قلبه شيء فيزل به فيدخله الله النار وإما أن يقول: والله ما أبالي ما تكلموا وإني واثق بنفسي فمن أمن الله على دينه طرفة عين سلبه إياه.)
قلت والنصوص والآثار في ذلك كثيرة متوافرة هم يعلمونها كما نعلمها، ولكنهم يصرون على تأويلها جميعا بأن الأمر فيها ليس على إطلاقه وإنما مداره على المصلحة والمفسدة! ونقول هذا حق يراد به باطل! فالمفسدة كما ترى ملازمة للمجالسة، فإن المجالس لا يسلم، كما قال عليه السلام، من أن يصيبه ما يصيب من يجالس نافخ الكير! فإن لم يقع في قلبه هو نفسه شيء من ذلك، وهذا يحدث من التكرار غالبا لا من مجلس واحد، فإن المجلس الواحد العلني الذي يظهر في الناس، كاف لفتنتهم كما قال الثوري رحمه الله! فإن قال لا أتأثر ولا أبالي، وأنا واثق بنفسي، وكله الله لنفسه فسلبه الدين، نسأل الله السلامة! فالأصل الكلي يا إخوان ليس قائما عندنا على نص من نصوص إمام معين أو من كلام بعض الرجال، نحمله ما لا يحتمل، أو نؤسس عليه تأسيسنا على النص المعصوم! أبدا، وإنما العصمة هنا لإجماع السلف، القائم كما ترى على نصوص ثابتة محكمة عن النبي صلى الله عليه وسلم، بل وقد استدل لها ابن بطة كما مر من القرآن!
ومن أعجب ما وقع لي من تعليق على كلامي الأخير حول الفرح بهلاك القرضاوي، رجل جاء يقول "متى صارت أقوال الرجال سننا ماتت فيراد إحياؤها؟"! فهل حقا نحتاج إلى دليل نثبت به أن من ثبتت عليه البدعة والدعوة إليها والنشاط في نصرتها ونشرها بين المسلمين، فإن هذا إذا انقطع نشاطه، سواء بتوبته أو بهلاكه، كان ذلك سببا لفرح المسلمين ولشكرهم لله تعالى أن أراحهم من شره ومن إفساده دين الناس؟؟ هل هذه قضية يقال فيها إنه ليس لنا فيها مستند إلا أفعال الرجال وأقوالهم؟؟ سبحان الله العظيم! أنا أتصور أن يأتي من يريد دفع التهمة عن القرضاوي ومن ثم إخراجه من أن يكون من أولئك الذين نفرح بهلاكهم، هذا متصور وهو كثير، وكل من شم رائحة العلم يوما من الدهر من الحزبية يسلك ذلك المسلك ولا يجد غيره! أما أن يأتينا من يقول ما الدليل الشرعي على صحة هذا المستند الذي تستندون إليه من أفعال الأئمة وأقوالهم، فإن لم تأتونا به فأنتم محتجون علينا بأفعال الرجال، وإذن فهم رجال ونحن رجال، فهذا والله من أعجب العجب!
ومما يكثرون علينا به كذلك، قول بعضهم: تفرحون فرحا عظيما لموت رجل من علماء المسلمين، ولا يظهر منكم معشار ذلك في هلاك إليزابيث ملكة بريطانيا، فهل كانت سلفية على الجادة حتى لا تظهروا الفرح على موتها؟؟ فنقول لهؤلاء الحمقى: كفاكم سخفا ومزايدة على الحق الذي نطالبكم به! فلا نحن حزنا، أو لم نفرح لهلاك المذكورة، ولا كان المتعين علينا أن نحزن لهلاك من تدافعون عنه! فالأولى لا دليل لكم عليها كما هو واضح، والثانية قد استفاض كلام العلماء في بيانها، إذ الرجل لسنا نحن من حكمنا عليه بالبدعة والزيغ والجمع بين أخلاط العقائد، يأخذ من الخوارج تارة والأشاعرة تارة والمعتزلة تارة والفلاسفة تارات وتارات! ولسنا نحن من صيرناه رأسا لخوارج العصر من الإخوان وغيرهم، بل هو الذي أجلس نفسه مجلس المفتي المرجع للحركيين كافة في هذا الزمان، وهم ارتضوا منه ذلك! فبأي شيء أفتاهم؟ انظروا فيما انتقده به علماء أهل السنة حتى تعرفوا، بل فيما كفروه به! فجراحاتهم في الرجل مفصلة بفضل الله، مشفوعة بالأدلة من صريح كلامه، وهي منشورة مبثوثة ليست بالتي تخفى على من يطلبها! وأما الملكة الإنكليزية فمن ذا الذي قال إننا ما فرحنا لهلاكها؟ كوننا لم ننشر منشورات على الصفحات الدعوية نقول فيها للناس افرحوا بموتها، ليس دليلا على أننا لم نفرح! وإنما قد تقرر عند أهل السنة أن المبتدع شر وأخطر على المسلمين من الداعية إلى النصرانية أو اليهودية أو ما شاكل ذلك! فكيف وهي ليست داعية أصلا وإنما كانت ملكة على مملكة من ممالك الكفار؟ فميزان الأمر عندنا ليس كما عند هؤلاء أصلا، والله المستعان! نحن قوم نزن الأمر فيما يعلن وما يخفى وما يقدم وما يؤخر بميزان المصلحة الشرعية، لا بميزان مصلحة جماعة الإخوان!! فلو كان هذا ميزاننا، لأظهرنا الفرح الغامر لهلاكها لأنها فعلت في الجماعة كذا وكذا، ولحزنا لهلاك القرضاوي لأنه كان مرجعنا وحجتنا فيما نأتي وما نذر، وما تدور عليه مصلحة الجماعة! ولكن ليس هذا ميزاننا ولله الحمد والمنة، وإنما نزن الأمر بما وزن به السلف والأئمة، وهو دين الناس وما هو أنفع لهم وما هو أخطر عليهم! ولهذا كان السلف يقولون إن الذي يجالس أهل الأهواء، أشد علينا من أهل الأهواء، لأن أهل الأهواء حالهم ظاهرة، يعرفون بالمذهب الذي يدعون إليه، خلافا لمن يجالسهم وهو يدعي السلفية، فإن هذا قد يغتر الناس بدعوته، ومنه تروج بدعة المبتدع الذي يجالسه بين الجهال ممن يريدون السنة ويريدون طريقة السلف، والله المستعان!
وأنا لا أدري، من أين لهؤلاء الذين يطالبوننا بمثل أخلاق ابن تيمية، الحكم بأن مشايخنا ما سبق من أحدهم أبدا الإحسان إلى أهل رجل من المبتدعة المشهورين بالبدعة، رحمة بهم وتأليفا لقلوبهم كما تحتجون به علينا؟؟ هل أطلعكم رب العالمين على الغيب فحكمتم في ذلك بعلم وحلم؟ أبدا! وإنما هم لا يريدون ما فعله ابن تيمية حقا، وإنما يريدون ما هم غارقون فيه من تذويب الفوارق الصارمة بين أهل السنة وأهل البدعة بالنظر إلى مصالحهم الحزبية، والله المستعان لا رب سواه!
وفي الختام أنقل إليكم بتصرف، جوابي عن سؤال ذي صلة، سألني إياه أحد الأفاضل جزاه الله خيرا، هنا على الخاص فأجبته بما أرجو أنه فيه الفائدة والكفاية بإذن الله تعالى، قال:
هنالك سؤال أريد الإجابة عنه وهو متعلق بموت القرضاوي ... كيف نجمع بترحم ائمتنا على بعض خصومهم من أهل البدع مثل فعل ابن تيمية وفي نفس الوقت على فرح بعض ائمتنا بموت بعض أهل البدع؟ ما هو الميزان لذلك يعني هل ننزل على خوارج القرون الوسطى ما ننزله على من وقع ببعض بدع الخوارج في هذا الزمن مع الفارق الزمني الكبير بين هذا الزمان وذلك الزمان، يعني في هذا الزمان الشبهات والفتن أكثر بكثير من ذلك الزمان. بيت الداء عندي بضبط الميزان بسبب فارق الزمن ... مثلا اليوم تجد شخص يحمل شهادة الدكتوراة ويؤلف الكتب ويلقي المحاضرات والدروس ولا يصرح بالخروج ولكن يتم تأويل بعض كلامه على أنه خروج ثم يزج به بالسجن بسبب بعض كلامه. هل هذا الشخص نعامله كمعاملة الخوارج الذين خرجوا على الصحابة وقتلوا منهم وأيضا كمعاملة الخوارج الذين خرجوا في وقت قوة الخلافة وعزتها؟
عليكم السلام ورحمة الله وبركاته. حياك الله أخي الحبيب. أما سؤالك، بارك الله فيك، فهو سؤال مهم، وهو من مداخل الحزبيين للتوهين من أصل أهل السنة في مسألة هجر المبتدع الداعي لبدعته والتحذير منه. ونقول بحول الله وقوته، لا تعارض بارك الله فيك، لأن الذين ترحم عليهم ابن تيمية رحمه الله تعالى إنما فعل ذلك لمصلحة كانت لديه أرجح من إظهار الفرح بموتهم، وهي تأليف قلوب بعض من كانوا مغترين بهم، ولا يعلمون حقيقة ما هم عليه، ولكن هذا لا ينافي أنه هو نفسه رحمه الله فرح بهلاكهم، لأنه كان إيذانا بارتفاع شرهم وفسادهم عن المسلمين، وهذا لا يتصور في مسلم صادق إلا أنه يفرح به قطعا! وإنما النكتة هنا في إظهار ذلك أو إخفائه، وما يقدره العالم من المصالح والمفاسد الشرعية المعتبرة من ذلك. فإنه ليس كل من كره شيئا في قلبه، تعين عليه أن يظهر ذلك للناس، وليس كل من تعين عليه ذلك، تعين في كل وقت وفي كل مكان. وقد أثر عن أنس رضي الله عنه أنه قال: إنا لنكشر في وجوه أناس وقلوبنا تلعنهم! فالمداراة والتعريض والمساكنة والمهادنة تشرع أحيانا إذا غلبت المصلحة الشرعية من ذلك، وكانت المفسدة غالبة من المصادمة والمفاصلة وإعلان النكير والتشنيع على أهل الأهواء. ولهذا لا يجوز الاستدلال بصنيع الإمام رحمه الله مع من ذكرت، على أنه لم يكن يبغض رؤوس أهل البدع ولم يفرح بهلاكهم، وقد نكلوا به وبغيره من أهل الدعوة والصلاح في البلاد، وآذوا الناس وضروهم في دينهم بالغ الضرر! ولا يقال إن أصل هجر أهل الأهواء الداعين إليها، ومفاصلتهم وتحذير الناس منهم قد خولف في هؤلاء بما صنعه الشيخ معهم ومع أهليهم، فقد كانوا هم أهل الفتيا وأهل القضاء وبهم تقضى المصالح الشرعية في البلاد، كما ذكر ذلك الشيخ نفسه رحمه الله. فمن الحكمة ومن فقه الدعوة وفقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أن يراعى ذلك عند العمل على إصلاح ما أفسدوه في الناس وما نشروه فيهم من الضلال! فإن استطاع الداعية إلى الله أن يستميل من يسمعونهم ويعظمونهم لدعوته، دون أن يثير حميتهم وعصبية الجهلاء منهم، فيفوت عليهم الخير الذي عنده بذلك، كان هو المتعين قطعا، لأنه لا ينظر إلى إظهار نفسه عليهم والانتصار لها، وإنما ينظر إلى قبول الناس منه لما عنده وهدايتهم إليه، وهو المقصود بالدعوة أصلا!
ولهذا ترى بعض العلماء يستندون إلى كلام المعظمين من الأشاعرة الأزهريين أحيانا في مخاطبة من يعظمونهم، وصولا لتقرير الحق وإزالة الباطل في نفوس الناس، فإذا حصل ذلك، أمكن التأسيس عليه بما يوصل منه في النهاية لبيان وجوه انحراف رؤوس البدعة على الوجه الذي يرام، أما أن أبادئ العامة بصدمهم بسب وشتم من يعظمون جملة، فمن أنا وما وزني في الناس وما مستندي العلمي حتى أناطح هؤلاء؟؟ القوم يتكلمون وهم يحسبون أن الحجة تقوم على الناس بمجرد إيراد الدليل عليهم، ودفعه بين أيديهم، بقطع النظر إلى حال من يورده ومنزلته العلمية في نظرهم وتقديرهم، وهم المقلدون الغارقون في التقليد إلى آذانهم! وهذا من الجهل بمكان عريق!
لكن الحزبيون لا يريدون – في حقيقة الأمر – هداية المسلمين، بقدر ما ينظرون إلى العلو والتمكين لجماعتهم وحزبهم، فإنه هو المقصد الأسمى والغاية العليا من عملهم الدعوي! يقولون نؤسس دولة الخلافة أولا، ثم إذا قامت، اهتدى الناس وانصلحت أحوالهم، لا قبل ذلك!! لذا لا يبالي القوم ما يقع للناس من فتنة أو اشتباه أو ميل لقبول البدعة والضلالة، بسبب تقريبهم للمبتدع وإظهارهم مجالسته ومودته وتعظيمه علنا، كما سلكه الحويني، مثلا، مع عبد الرحمن عبد الخالق ومحمد عبد المقصود وغيرهما، وإنما ينظرون إلى مصلحة الطائفة التي هم طامعون في تمكينها وتسويدها على البلاد، فيما يسمونه بمصلحة الدعوة زورا وكذبا! ولهذا تجد خطابهم الدعوي موجها بالأساس لأمثالهم ممن سبق منهم الميل إليهم وإلى مشايخهم! للموالين للحزب أو الطائفة أو الجماعة! ترى كثيرا من ردود هؤلاء على المخالفين، كأن الواحد منهم فيها لا يبالي بما يظنه أتباع أولئك المشايخ المردود عليهم، وإنما يخاطب أتباعه هو! فلا ريب أنك عندما تتوجه إلى مثل شيخ الأزهر بالتكفير الصريح، تقول شيخ الأزهر "العلماني"، هكذا (وهذا لا يجوز بحال ولا نقبله، إذ حتى وإن سلمنا بموافقته العلمانيين في بعض كلامه، فلا يحكم عليه بالردة لمجرد ذلك، ومعلوم أن إطلاق اسم العلماني عندك تكفير!)، فأنت قطعا لا تبالي ما يظنه بك – وأنت مجهول العين والحال عند جماهير المسلمين – من هو معظم عندهم، وهم أكثر المسلمين، وهل يقبلون منك أم لا، بصرف النظر أصبت في نفس الأمر أم أخطأت، وإلا لراعيت ذلك، ولنظرت فيما يعلن وما يخفى وما يقدم وما يؤخر في الخطاب! وهذا فقه لا يعقله هؤلاء ولا يضبطونه! أعني النظر في تبعة النشر العلني لخطابٍ هذا أسلوبه ومضمونه، في موقع علني يزوره الناس من كل طائفة وفرقة ومن كل مشرب ونحلة! فلكل مقام مقال ولكل حادث حديث كما يقال، وليس كل ما يعلم يقال، وليس كل ما يعلن يقال لكل أحد!
ولهذا فكما تلمس لينا في كلام شيخ الإسلام أحيانا في رده على بعضهم كالغزالي والرازي وغيرهما في مواضع، فإنك تجد منه شدة وإغلاظا على نفس هؤلاء في مواضع أخرى، لاختلاف المقام وبساط الحال، واختلاف الفئة المخاطبة بالرسالة أو الفتوى المعينة التي جاء فيها ذكرهم، ما بين أن يكونوا ممن يرجى قبولهم تشديده ونكيره على هؤلاء بما يستحقون، وأن يكونوا ممن لا يرجى لهم ذلك، بل يخشى أن يكون ذلك سببا في نفورهم وصدودهم عما عنده من نصب الحجة والبرهان في الرد عليهم! وهذا معلوم من أحوال الناس، يعرفه كل من جرب الدعوة ومخاطبة الجماهير! تأتي بالحجة التي إن قبلها الناس، تبين لهم استحقاق المردود عليه لكل ذم تذمه به، ومع هذا تراهم يصدون عنها ولا يقبلونها لسبق ذلك الشتم إلى نفوسهم في أناس هم يعظمونهم. ولهذا نهى رب العالمين سبحانه عن سب آلهة المشركين، لا لأنها معظمة محترمة في نفس الأمر، ولكن مراعاة للمفسدة التي قد تترتب على ذلك عند السفهاء من عباد تلك الآلهة!
والقصد أن أصل الفرح لهلاك رؤوس أهل الأهواء والبدع أصل مطرد لا ينخرم ولا يتخلف البتة، وإنما يراعى في إظهار ذلك من المصالح والمفاسد ما يجب اعتباره في ذلك وغيره من أبواب الدعوة، ولا يمنع من الترحم على أحدهم – بناء على أصل إسلامه – في أحوال مخصوصة (لا على الملأ وعلى الفضائيات وصفحات المنتيدات .. إلخ!!)، طلبا لمصالح شرعية معتبرة لا تتحقق إلا بذلك! والمصلحة الشرعية هنا إنما هي هداية الناس وسلامة دينهم، وامتياز البدعة عن السنة وعدم اشتباههما أو انفتاح الأبواب لميل الناس لقبول البدعة من طريق السنة، وليس مصلحة هذه الطائفة أو تلك الجماعة أو ذاك الحزب!
والمسألة لا يرجع الميزان فيها إلى فارق الزمان كما ذكرت، بارك الله فيك، وإنما كما تقدم يراعى أحوال الفئة المخاطبة من الناس بحسبها، ويراعى ذلك فيما يكون عليه أسلوب الخطاب وطريقة إيصال الحق، وما يصح إعلانه من الكلام وما يحسن كتمانه، إلى غير ذلك مما يسلكه أهل العلم في ذلك، وليس أن الحكم على المبتدع باسم البدعة من حيث هو مستحق له قد يتخلف أو يتبدل! خوارج اليوم يحكم عليهم بالخارجية بنفس ما حكم به أئمتنا على خوارج الأمس ولا فرق! وإنما العبرة بما يعلن من ذلك وما يخفى، وما الثمرة المترتبة على ذلك في المخاطبين بالدعوة، في ترجيح العالم. فنحن لسنا نفاصل ونعادي أهل البدع تشفيا فيهم أو انتقاما منهم أو انتصارا لأنفسنا أو لجماعة أو حزب ننتمي إليه، لا والله، وإنما نفعل ذلك طلبا في هداية المسلمين لدين رب العالمين، وفي خروجهم من تلك البدع وكراهيتهم لها ولأهلها! فلأن يرجع هؤلاء ويتوبوا ويتركوا ما هم عليه، وهذا يقع، وإن قلّ، وقد وقع لابن عباس رضي الله عنه لما تاب على يديه بعض الخوارج، فلأن يتوب هؤلاء هذا أحب إلينا من أن يتمادوا في غيهم وأن يزدادوا عنادا فوق عنادهم، وصدودا فوق صدودهم! دين الكافة من الناس هو المصلحة الأولى عند الداعية الصادق إلى الله تعالى. ولهذا أيضا نقول إنه لم يثبت أنه رحمه الله (أي شيخ الإسلام) أظهر بين الناس مجالسة هؤلاء الذين أحسن إلى أهليهم وترحم عليهم عندهم كما ذكر ذلك في كتبه وذكره تلامذته! لم يصنع كما يصنعه الحزبيون اليوم مع مشايخ البدعة ورؤوس أهل الأهواء في الفضائيات وما شاكلها!! هذا لم يثبت ولا يمكن أن يثبت، لأن الشيخ إمام سلفي منضبط، حافظ لكتب الأئمة وشارح لها، وهي نفس تلك الكتب التي تقرر إجماع السلف على هذا الأصل الذي يكرهونه ويفرون منه في مسألة هجران أهل البدع الداعين إليها والتشديد عليهم! فمن أذم الخصال أن يضرب كلام الإمام وغيره من أئمة المسلمين بعضه ببعض على هذا النحو!
أما قولك وفقك الله: "مثلا اليوم تجد شخص يحمل شهادة الدكتوراة ويؤلف الكتب ويلقي المحاضرات والدروس ولا يصرح بالخروج ولكن يتم تأويل بعض كلامه على أنه خروج ثم يزج به بالسجن بسبب بعض كلامه. هل هذا الشخص نعامله كمعاملة الخوارج الذين خرجوا على الصحابة وقتلوا منهم وأيضا كمعاملة الخوارج الذين خرجوا في وقت قوة الخلافة وعزتها؟" قلت: الذي تأول كلامه على أنه خروج فسجنه ليس العلماء وإنما هم أولو الأمر، وهم المسؤولون عن ذلك بين يدي ربهم لا نحن! وإنما الشأن فيما إذا كان ما قاله يستحق به اسم الخارجي أم لا يستحقه! وهذا كما ذكرت لك ميزان العلماء فيه واحد لم يتبدل ولم يتغير! وهو نفس الميزان الذي نفرق به بين رجل هو في الأصل معروف بانضباط المنهج والطريقة على أصول أهل السنة ولكنه مع هذا أخطأ فوافق الخوارج في مسألة ما، أو الأشاعرة أو المعتزلة أو غيرهم من أهل الأهواء، وبين رجل صرح بأصولهم التي بها يثبت على الرجل الخروج من دائرة أهل السنة بالكلية، فيكون خارجيا أو أشعريا أو جهميا أو ما شاكل ذلك! فليس كل من وقع في البدعة وقعت البدعة عليه، وليس كل من وقع في الكفر وقع الكفر عليه، كما نص عليه أهل العلم! ولهذا نقول في الإمامين ابن حجر والنووي، مثلا، إنهما كانا من أئمة أهل السنة إجمالا ولكن فيهما أشعرية، تأثرا بمشايخهما، رحمهما الله، خلافا للرازي والغزالي والجويني ومن شاكلهم، فهؤلاء أشاعرة أقحاح، وهم إلى الفلاسفة أميل، وعلى أصولهم أجرى وبها ألصق! والداعي إلى بدعته ليس كالذي لم يدع ولم ينشر، والمغرق فيها المصر عليها ليس كالذي لا يعرف عنه إصرار ولا مناظرة ومخاصمة عليها، وكل ذلك تفاوت فيه الناس قديما وهم متفاوتون فيه اليوم ولا فرق.
انتهى المقصود من الرد، والله الهادي إلى سواء السبيل
أبو الفداء ابن مسعود
غفر الله له.
.jpg)