سؤال فيما نذمه مما يقال له: "الإطلاق على شرط الوجود"


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد، فقد أرسل إلي أحد الإخوة وفقه الله بسؤال رأيت أن أنشر جوابه هنا على العام للفائدة. قال وفقه الله:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أرجو أن تكونوا على خير حال شيخنا الفاضل. عندي شبهة بشأن الفرق بين طريقة أهل السنة وطريقة أهل علم الكلام أرجو أن تتفضلوا بالإجابة عليها لنطمئن. نحن نقول أن المتكلمين يطلقون نظرياتهم على شرط الوجود، فيقولون مثلا لا نعلم ما يتصف بكذا وكذا إلا وهو جسم مخلوق. لكن نحن في حجتنا على المتكلمين نقول: لا نعلم موجودا في الخارج إلا وهو في مكان، أو إلا وله أبعاد الخ. ما الفرق بين الإطلاقين؟

إن كان الإطلاق على شرط الوجود مذموما ألا يجعل هذا الإطلاق الثاني مذموما؟؟

فقلت في الجواب: 

عليكم السلام ورحمة الله وبركاته. هذا سؤال مهم، بارك الله فيك. المقصود بالإطلاق الميتافيزيقي على شرط الوجود، الذي ننكره على أهل الكلام، وهم به أتباع لفلاسفة اليونان، أنهم يتجاوزون حدود العقل والعادة في تصور الحقائق والكيفيات، وفي تفسير كون الشيء على ما هو عليه، فيتلبسون بتصيير الحقائق الذهنية الكلية، أعيانا في الخارج، لا يثبت المعنى المشتمل عليه فيها إلا بأن تكون حقيقة أو كيفية الموجود الموصوف بها على ما زعموه في قياسهم أو في نظريتهم. فعندما يقولون كما مثلت أنت به: لا نعلم شيئا يتصف بكذا وكذا إلا وهو جسم مخلوق، فلا يقصدون أنه ليس في عادتنا من الموصوفات بهذه المعاني إلا ما حقيقته أنه مخلوق، ومن ثم ينتهي حكمهم إلى حدود تلك العادة! لا، وإنما يقصدون أن هذا يدلهم على أنه لا يمكن أن يوجد في الأعيان شيء يوصف بهذا المعنى أو ذاك إلا وجب أن تكون حقيقته كما زعموا! لماذا؟ لأن النظرية بزعمهم تفسر حقيقة قيام ذلك المعنى بكل موصوف به، بما يكون من ضرورة وجوده في الأعيان! هذه هي وظيفة النظرية عند الفلاسفة! أن تقدم تفسيرا أو تكييفا للحقيقة التي بسببها يكون الموجود في الأعيان موصوفا بالمعنى كذا والمعنى كذا. فتراهم يقولون: الجسم المخلوق يقوم به معنى الزمان، مثلا، لأنه تغير، والتغير حقيقته أنه قيام الصور بالأجسام أو الأعراض بالجواهر أو نحو ذلك! فلولا أن كانت حقيقة الموجود في الأعيان أنه كما وصفوا، لما جاز أن يوصف بمعنى الزمان! وعلى نفس الوتيرة تراهم اليوم يقولون: مر الزمان حقيقته تحول الأجسام إلى الانفكاك والتحلل والتساوي في انتشار الطاقة، كما في قانون الديناميكا الحرارية الثاني. لا يجوز عندهم أن يوصف موجود في الأعيان بتتابع الزمان عليه، أو ما يسمونه "بسهم الزمان"، إلا بأن يكون خاضعا لذلك القانون! مع أنه في الحقيقة لا يوجد في خبرتنا جريان لذلك القانون إلا فيما يقال له النظم الحرارية المغلقة، كمحركات الاحتراق وما شاكلها! لكنهم لا يضعون القوانين لتفسير الموجودات المعتادة وحسب، ولكن لتفسير كل موجود بإطلاق! وهذا ما يوقعهم في تلك المغالطات.

فلو أنهم قالوا: لا نعلم موجودا يوصف بمعنى الهرم، مثلا، أو الفقر، أو التفكك والتحلل والتفسخ، أو نحو ذلك، إلا وهو حادث مخلوق، يريدون بذلك التعميم والإطلاق على كل موجود، فلن نسلم لهم لأننا نقبل منهم قياس الغائب على الشاهد قياس تكييف وتفسير، ولكن لأن العقل يوجب انحصار معاني النقص في الحوادث المخلوقة، دون الباري سبحانه. أما لو قالوا: لا نعلم موجودا يوصف بمعنى المكان، مثلا، إلا أن يكون جسما حادثا، وإذن فليس في الوجود شيء في مكان إلا أن يكون جسما حادثا، فهذا قياس ميتافيزيقي نرده ونبطله عليهم لضرورة التلازم العقلي بين معنى الوجود في الأعيان ومعاني المكان. 

فنحن عندما نقول لا نعلم موجودا في الأعيان إلا وله مكان، فهذا إنما هو تقرير راجع إلى حقيقة معنى المكان ومعنى الموجود فيما عليه العقلاء من استعمال هاتين اللفظتين، وكل ما يرادفهما في المعنى في جميع ألسنة البشر! المكان إنما هو نسبة ذهنية بين الموجودات في الأعيان، بحيث لو قدرنا شيئا لا يوجد خارج شيء آخر في الأعيان ولا داخله ولا محايثا له، لامتنع وجود ذلك الشيء أصلا! فمرجع ذلك الحكم عندنا ليس نظرية تكييفية تفسيرية على النحو الذي ذكرت لك، وإنما هو بداهة وضرورية التلازم الفطري بين معنى الوجود في الأعيان، ومعاني النسبة المكانية إلى الموجودات الأخرى في الأعيان. ولهذا فنحن لا نقول: ما رأينا في الأعيان شيئا إلا وله مكان بالنسبة إلى غيره بالضرورة، وإذن فجميع الموجودات في الأعيان لابد أن توصف بالنسبة المكانية إلى بعضها البعض! ليس هذا ما سلكناه أصلا في تقرير كهذا، نقيس غائبا على شاهد قياسا تمثيل، وإنما نقول: لا يعقل أصلا إثبات موجود في الأعيان على الحقيقة، ومع هذا لا يوصف بأي نسبة مكانية إلى موجود آخر في الأعيان! هذا تناقض بين، كأنما تقول: يوجد في الأعيان ولا يوجد في الأعيان في نفس الوقت! ألا ترى أن نفس معنى قولنا: يوجد في الأعيان، هو نسبة مكانية؟؟ أين هي الأعيان هذه؟؟ أليست خارج ذهني وذهنك؟؟ بلى! التعين إنما هو الوجود "خارج الذهن"! فلا يعقل أن يوجد شيء خارج الذهن مع كونه تنتفي عنه النسبة المكانية!! لم نقل في هذا التقرير كما تقوله الفلاسفة: لا حقيقة أو كيفية لاتصاف الموجود في الأعيان بالنسبة المكانية إلا كذا وكذا، بما حقيقته القياس والتشبيه على ما في العادة من الكيفيات والحقائق! أبدا! نحن ما تكلمنا عن كيفيات أو حقائق أو تفاسير أصلا! وإنما تكلمنا عن ضرورة التلازم العقلي بين معنيين كليين، فيما لا صحة لأحدهما في عقل الإنسان السوي إلا به! لا ينطبق أحدهما على شيء إلا انطبق الآخر معه لزاما بالضرورة! كقولك كل حادث لابد له من سبب! هذا تلازم معنوي ضروري يأخذه العقل من معنى كل من اللفظتين "حادث" و"سبب"! ليس هو بنظرية ميتافيزيقية ادعى بعضهم اطرادها على كل موجود بقياس تمثيل أو طرد استقراء لما في العادة فيما لا يصح التسليم به، كما هو الشأن في نظرياتهم! وإنما هي تلازمات عقلية فطرية ضرورية لا ينفيها إلا مكابر مسفسط! وكما أن المتكلمين يقولون في العلاقة بين الحدوث والسبية إنها علاقة ضرورية وليست نظرية، فكذلك نقول في العلاقة بين المكان والوجود في الأعيان! التفريق بين العلاقتين تفريق بين متماثلات. ولكن هم من آفة طريقتهم، أنهم يطلقون أقيستهم الميتافيزيقية ثم يزعمون أن العقل يضطرهم لقبولها! والواقع أنهم لا يضطرهم لقبولها إلا ما أسسوه عليها من العقائد والأحكام! وإلا فهي نظريات واهية موضوعة تحت الأقدام، والله المستعان.

أبو الفداء.


إرسال تعليق