إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، أما بعد، فقد انتشرت في الأيام الأخيرة دعاوى جديدة للخروج والتظاهر والمليونيات وهذه الأشياء، رجاء إسقاط الدولة المصرية، كما لم يزل هو غاية دين الإخوان المفلسين ومنتهى همهم ومجمع دأبهم وسعيهم، والله المستعان لا رب سواه! وأنا لا أعجب من بدعة القوم وضلالهم، فتحريم الخروج على الإمام المسلم من الأصول الكبرى عند أهل السنة والجماعة، التي هي فرقان بينهم وبين الخوارج المارقين، ومن تشرب ببدعتهم من طوائف التكفيريين. ومعلوم ما عندهم من شبهة وفساد في تأويل النصوص المتواترة المتوافرة في الباب. وهو علم أزعم أنه قد صار اليوم، في مصر على الأقل، من الشهرة والانتشار بمكان غير مسبوق، من كثرة ما تعرض الناس لكلام العلماء والدعاة في الرد على الإخوان وبدعهم وشبهاتهم في السنوات الماضية، ولله الحمد والمنة. أكثر العوام اليوم يعلمون قوله عليه السلام:
"يكونُ بعدي أئمةٌ لا يَهتَدونَ بهُدايَ ولا يَستَنُّونَ بسُنَّتي وسيَقومُ فيهم رِجالٌ قلوبُهم قلوبُ الشياطينِ في جُثمانِ إنسٍ قال قلتُ كيف أَصنَعُ يا رسولَ اللهِ إن أدرَكتُ ذلك قال تَسمَعُ وتُطيعُ للأميرِ وإن ضرَب ظهرَك وأخَذ مالَك فاسمَعْ وأطِعْ"
وقوله "من مات وليس في عُنقِهِ بيعةٌ فإنَّ مِيتتَهُ جاهليةٌ"
وقوله: "مَن مات بغَيرِ إمامٍ، مات مِيتةً جاهليَّةً، ومَن نزَعَ يدًا مِن طاعةٍ، جاء يومَ القيامةِ لا حُجَّةَ له."
وقوله عليه السلام: "خِيارُ أئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ ويُحِبُّونَكُمْ، ويُصَلُّونَ علَيْكُم وتُصَلُّونَ عليهم، وشِرارُ أئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ ويُبْغِضُونَكُمْ، وتَلْعَنُونَهُمْ ويَلْعَنُونَكُمْ، قيلَ: يا رَسولَ اللهِ، أفَلا نُنابِذُهُمْ بالسَّيْفِ؟ فقالَ: لا، ما أقامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ، وإذا رَأَيْتُمْ مِن وُلاتِكُمْ شيئًا تَكْرَهُونَهُ، فاكْرَهُوا عَمَلَهُ، ولا تَنْزِعُوا يَدًا مِن طاعَةٍ".
وقوله: "دَعَانَا رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ فَبَايَعْنَاهُ، فَكانَ فِيما أَخَذَ عَلَيْنَا: أَنْ بَايَعَنَا علَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ في مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَأَنْ لا نُنَازِعَ الأمْرَ أَهْلَهُ، قالَ: إلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ اللهِ فيه بُرْهَانٌ."
وغير ذلك.
كثير من باتوا بفضل الله يعلمون هذه النصوص ويعلمون المنهج النبوي والسلفي القويم المبني عليها عند أهل السنة والجماعة. ولكن آفة الخوارج أنهم لا يستميلون الناس بشبهاتهم على تلك النصوص ابتداء، يخاطبونهم بها خطاب التعليم والتأسيس في حلقاتهم ودروسهم، وإنما يحشدون الناس بإلهاب مشاعر الغضب والنقمة لديهم أولا، بحيث إذا تأججت تلك المشاعر لدى الكثيرين، طمست على عقولهم وعلومهم، وصارت قلوبهم ما بين أن تميل بهم عن الاحتكام إلى هذه النصوص وبناء الموقف عليها، وأن تميل بهم إلى قبول تأويلات الخوارج العصرية لها، في زعمهم أنها ما عادت لتسري على حكومات الناس اليوم، ولا يدخل حكام المسلمين في هذا العصر في حكم الإمام الشرعي المسلم أصلا، ومسألة شغور الزمان وغيبة الإمام وما شاكل ذلك. فالشبهة الخارجية لا تدخل أصالة إلى نفس قد سلمها الله من النقمة والحنق والحقد على أولي الأمر في البلاد لأسباب دنيوية صرفة، وإنما تدخل على من ابتلي بذلك ابتداء، نسأل الله السلامة للمسلمين. والعاقل إذا ترك نفسه لتحركه عواطفه ونزعات نفسه بعيدا عن العلم والبرهان، فإنه يفقد عقله، ويصبح كالصبية والغلمان! وهم يراهنون بالأساس على جهل الكافة وحماقة الأكثرين، وما يعتريهم من فورة الغضب إذا نفذت إلى صدورهم! ولهذا سماهم النبي عليه السلام بسفهاء الأحلام، ولهذا كان أكثرهم من حدثاء الأسنان! قال عليه السلام: "يَأْتي في آخِرِ الزَّمانِ قَوْمٌ حُدَثاءُ الأسْنانِ، سُفَهاءُ الأحْلامِ، يقولونَ مِن خَيْرِ قَوْلِ البَرِيَّةِ، يَمْرُقُونَ مِنَ الإسْلامِ كما يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، لا يُجاوِزُ إيمانُهُمْ حَناجِرَهُمْ، فأيْنَما لَقِيتُمُوهُمْ فاقْتُلُوهُمْ، فإنَّ قَتْلَهُمْ أجْرٌ لِمَن قَتَلَهُمْ يَومَ القِيامَةِ."
وسيأتي ذكر الأمارات الواضحات على سفاهة أحلامهم، ولكن القصد هنا أنهم لا يريدون شريعة ولا دينا كما يدعون، وإن أقسموا بأغلظ الأيمان! وإنما يريدون السلطان والسيادة لجماعتهم وحزبهم، بدعوى أن الدين لا يقوم في الأرض إلا بذلك! واليوم بعدما سقط قناعهم وزيفهم في أعين جماهير المسلمين في مصر، وضاع رجاؤهم في أن يحكموا هذا البلد، على الأقل لجيلين أو ثلاثة تأتي بعد، أصبح همهم ليس في أن يشحنوا الجماهير ليرفعوهم إلى مقعد الحكم فيحكموا بالشرع كما زعموا، ولكن في أن يشحنوهم ليسقطوا الجيش المصري وقادته الذين أزالوهم وخلصوا البلاد منهم ومن إفسادهم وجهلهم، بفضل من الله ومنة. فما كان من قبل "جهادا" بزعمهم "لتطبيق الشريعة"، صار اليوم جهادا لتصفية الحسابات والثأر من حاكم بعينه، لما صنعه بهم وبمعظميهم! هم يعلمون أنه حتى لو قدرنا أن ثار الناس وسقطت الحكومة كما يطمعون، فلن يؤول الأمر إليهم ولو وقفوا على رؤوسهم! ولكنها شهوة الثأر والانتقام! شهوة أن يروا كبراء البلاد وقد انكسروا ونكست رؤوسهم كما كانوا سببا في انكسار كبرائهم هم والمعظمين عندهم! أما جماهير المسلمين، فلا عبرة بهم ولا قيمة لهم، وليهلكوا جميعا من أولهم إلى آخرهم! أحوال الناس لا تعنيهم ولا تشغلهم، وإنما يعنيهم حال الجماعة ووضع الجماعة، وطريق تمكينها على الخلق كافة! أنصار الجماعة وأعداء الجماعة، وما تعلو به الجماعة ويرتفع شأنها في جميع الأرض، هذا ما يعنيهم! أما جماعة المسلمين في البلاد، التي هي جماعة المسلمين حقا، التي جاء الشرع بإثبات أحكامها وما به تحفظ وتصان من التفرق وانشقاق العصا، فهم أعداء تلك الجماعة، وهم أشد الطوائف دأبا على قهرها وإذلالها وتفريق شملها، ما لم تخضع لهم ولمطامعهم الحزبية الفاسدة! وهم وإن كان كثير منهم لا يصرح بتكفير من لم يكن عضوا في جماعتهم ولم يكن مواليا لها، إلا أن لسان حالهم يقتضي التكفير ويدل عليه. وإلا فما معنى أن يكون لواء الولاء والبراء معقودا على الجماعة الحركية، بما يكون معه المعادي للجماعة معاديا للمسلمين مواليا للكافرين؟ الأرض كلها عندهم فسطاطان عمليا: الجماعة وموالوها في أحدهما، وأعداؤها ومبغضوها في الآخر! هذه هي الثمرة الحتمية لفكر المؤسس حسن البنا، حتى ولو لم يخلق سيد قطب!
فالذي نراه الآن من أحوال هؤلاء، آية على انطباق قوله عليه السلام "سفهاء الأحلام" عليهم على سبيل الأولوية. فالقوم على جهلهم بالسنن الشرعية، فإنهم كذلك لم يتعلموا ولا يريدون أن يتعلموا من سنن الله الكونية! لم يزالوا محاربين مضطهدين منذ أن نشأت جماعتهم منذ ما يقرب من قرن كامل من الزمان، فلا يظهر لهم قرن إلا كسر، ولا تعلو لهم دولة أو تقارب إلا سقطت فورا، وهم مع هذا على عقيدة راسخة بأن الله قد أخر عنهم النصر لأنهم لم يحققوا الإخلاص! مع أن أحوالهم، من بعد الأدلة الشرعية التي تهوكوا فيها، تدل كل عاقل على أن الأمر ليس كذلك! جماعة لها أجيال متعاقبة من العمل والبذل والإنفاق والكفاح، والجلد والصبر على "القضية" في السجون والمعتقلات وما شاكل ذلك، ومع هذا فحين تتمكن أخيرا من حكم دولة بحجم بلدنا مصر، حفظها الله، لا تلبث عاما واحدا حتى تزول وتصبح هي والجماعة وكأنها لم تكن! ولا نرى في ذلك العام إلا نظير ما كانوا من قبل يزعمون أنه موجب لتكفير الحاكم والخروج عليه وهو الحكم بغير ما أنزل الله! كل هذا كيف لا يدل العاقل الصادق على فساد القصد والمنهج جميعا عند هؤلاء؟ يدل قطعا على فساد التأسيس الذي قاموا عليه ومصادمته لسنة الله في كونه! فليس من سنة الله في كونه أن ينصر عصابة من شذاذ الآفاق المحاربين لديارهم وأهلهم وجيش بلادهم وشوكة إمام تلك البلاد، حتى تنقلب الموازين وتتبدل ولايات الناس من بطشهم وبأسهم، وتصبح الأمة كلها خضوعا لهم! النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالهجرة لما ضيق عليه أهل مكة، ولم يؤمر بقتالهم إلا بعدما أذن هو سبحانه من عنده، بتبدل قلوب أهل المدينة حتى صاروا أنصارا له ولدعوته وللمهاجرين معه، وأقاموه إماما للبلاد، فحينئذ وحينئذ فقط، صار للمسلمين دولة وشوكة تعينهم على فتح مكة وإزالة سلطان المشركين عنها! أما هؤلاء، فقياس ما هم عليه (أي على التسليم بأن الديار اليوم ديار كفر كما زعموا)، أن يؤمر المسلمون المضطهدون في مكة، بأن يظلوا في مكة يتآمرون في الخفاء ويفتكون برؤوس الدولة بالاغتيالات ونصب الفخاخ وما شاكل ذلك من طرائق الخونة والجبناء، رجاء أن يتمكنوا من حكم البلاد! ولكن هذا لم يكن ولم يشرع! تدري لماذا؟ لأنه مصادم لسنة الله في كونه! لأن الأمم لا تتبدل أحوالها ولا تقوم دولة الحق فيها بحيل وبألاعيب الحواة وبثلة من المطاريد الملثمين المتسترين في الكهوف والمغارات! وإنما تقوم بأن يأذن رب العالمين بإقبال الكافة بقلوبها على الحق كما كان من الأنصار في المدينة! وهو أمر إنما يكون بخلق الله وتكوينه، وقد أذن فيه رب العالمين لمحمد صلى الله عليه وسلم، وقضى له به، ولم يجعله لموسى عليه السلام، مع أنه كان كذلك مأمورا بالجهاد، وبأن يحمل بني إسرائيل على فتح أرض كنعان! ولكن هذه أمور قدرية، لا يكلف بها الأنبياء أصلا! لا يكلف أحدهم بأن يخرج في بلاد كلها على الشرك، ثم يأخذ بأسباب يصبح بها ملكا حاكما عليهم، يدين له الجميع بالطاعة، من أعلاهم إلى أدناهم! ليس هذا ما يبعث الله به رسله أصلا، وإنما يبعثهم باستصلاح قلوب أقوامهم وتطهيرها من الشرك وتنويرها بنور التوحيد! ولولا أن كان في تقدير رب العالمين أن يكون لأتباع النبي الخاتم دولة كبرى تغزو الأرض من أقصاها إلى أدناها، لما خلق لهم من أسباب ذلك الكونية ما لا يد لهم فيه أصلا ولم يكلفهم به! فهم من الأصل أمة مصطفاة من خيرة قلوب الأرض، وأطهرهم سريرة وأحسنهم حفظا وأصدقهم ألسنة، ثم لما اكتمل إعداد رب العالمين لنفوس الناس في قرية منهم، أمر نبيه عليه السلام وأصحابه بالهجرة إليها، لا قبل ذلك، لأن الحكمة الإلهية كانت قد اقتضت أن يستقبلوه كما استقبلوه، وأن ينصروه كما نصروه، وأن تقوم على أكتافهم أمة مسلمة تبقى إلي قيام الساعة، يصان فيها التوحيد ويأرز إليها الإيمان كما تأرز الحية إلى جحرها! فأهل المدينة لم يتكلفوا تطهير قلوبهم وتعليقها بالخير الذي جاء به الرسول عليه السلام، لغرض أن تقوم على أيديهم الخلافة الراشدة، يجعلون تأسيس الدولة هو غايتهم ومطلبهم ومنتهى سعيهم! أبدا! وإنما شرح الله صدورهم للإيمان وأعدها بحيث إذا اقتضت حكمته ومشيئته أن يقيم بهم الدولة، أقامها سبحانه، بما كلف به النبي وأصحابه من الهجرة إليهم وإنشاء المسجد وتكليف المسلمين بالبيعة! وإلا فليس في منهج النبي عليه السلام وأصحابه ودعوتهم ما يصبح به عمل المكلف متوجها إلى بناء دولة الخلافة! والمتأمل كذلك في نشأة دولة السعودية على يد محمد بن سعود رحمه الله، يجد نظير ذلك. فالإمام ابن عبد الوهاب لم يكن في مستهل دعوته حريصا على بناء دولة! ولكن لأن الله تعالى قد اقتضت حكمته ومشيئته أن يرفع دعوة الإمام في البلاد، فقد يسر له قبول بعض الأمراء لها ودخولهم فيها، ومن ثم عملهم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمقتضاها! أما أن يكون الإمام من الأصل ساعيا في إزالة الحكام المعاصرين له، لأجل أن يدفع بفريق من أتباعه لتولي مقاليد الحكم في أماكنهم، فليست هذه طريقة الأنبياء وأتباعهم!
ولهذا نقول إن ما أنبأ به عليه السلام مما يجري في آخر الزمان من رجوع الخلافة على منهاج النبوة، هذا إنباء بأمور قدرية كونية يقضيها ربنا تبارك وتعالى متى شاء كما يقضي بنزول المطر وعصف الريح! وهل كان المسلمون يملكون دفعا لما قدره ربنا من قبل من تبدل الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، إلى ملك عاض؟ أبدا! وإنما أنبأهم عليه السلام بأن هذا واقع بتقدير رب العالمين! وكذلك في رجوع الخلافة الراشدة ولا فرق! قال "تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا عاضًا فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكًا جبرية فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكت"، فالأمر ليس مناطا لتكليف المسلمين أصلا! دولة الحق يقيمها رب العالمين إذا شاء لها أن تقوم، وهو ما يجده الناس وقد تمهدت أسبابه في النفوس والقلوب وفي الأرض كذلك! ولكن هؤلاء لا يريدون الحق ودولة الحق، وإنما يريدون قهر كل من عاداهم والعلو فوق رقاب الخلق بحق كان أو بباطل! والشريعة التي يزعمون تطبيقها، هي عندهم تبع لهم، عمليا، لا أنهم هم تبع لها! أيا كان ما تحكم به الجماعة إذا حكمت، فهو الشريعة عندهم، ويجب أن يكون كذلك، وإن كان أفسد مما كان عليه من كانوا من قبل يكفرونهم!
ففي أي دين هذا وبأي عقل يقبل؟
والقصد أنهم فئة لا تفهم سنن الله الشرعية ولا سننه الكونية، ويصرون، في حماقة محضة، على معاندة سنن الله في أرضه، كرجل لا يزال يرمي بالكرة إلى أعلى مرة بعد مرة، ينتظر أن تظل ترقى في السماء ولا تسقط أبدا!
وأنا أتساءل، وحق لكل عاقل أن يتساءل: ما الذي ينتظره هؤلاء الحمقى إن قدرنا أن قام الناس واستجابوا لدعواتهم التخريبية تلك، ونزلوا إلى الميادين وهاجوا وماجوا وكذا؟ أن يقولوا أين الإخوان، نريدهم أن يحكمونا؟؟ أحقا يتوقعون من أحد من أهل البلد أن يصدقهم إذا قالوا إن المظاهرات ستحسن أحوالكم وتجبر الحكومة على إصلاح الأمر؟؟ هل يوهمونهم، مثلا، بأن مثل هذا سيفضي إلى خفض الأسعار وتحسين الدخل ورفع معاناة المضطرين والمهمشين .. إلخ؟؟ الذي يزعم ذلك والذي يصدقه، كلاهما من أذهب الناس عقلا ولا شك! فإنه ليس من سنن الله تعالى في كونه أن يفضي التخريب والثوران وهيجان الناس في الطرق والشوارع كالثيران، إلى تحسن الأحوال في الأسواق والأموال والبيع والشراء والاستثمار وما شاكل ذلك مما يقع في أيدي الناس من أسباب في غلاء الأسعار أو انخفاضها! غلاء الأسعار إنما يأتي من قلة المعروض في مقابل الطلب، وهذا يكون على أصعدة شتى متشابكة بعضها في بعض، لا على صعيد واحد أو في سوق واحد! فإذا هاج الناس وخافوا على أموالهم وممتلكاتهم، كيف يتوقع أن يفضي ذلك إلى زيادة العرض في الأسواق؟؟ هذا والله من أسخف ما يتصوره العقل!
ثم إن العهد بالثورات العربية قريب ليس ببعيد! فهل يجرؤ أحدكم، يا جبناء الإخوان في اللجان الإلكترونية وشبكات التواصل الاجتماعي، على أن يسم للناس ثورة واحدة فقط من تلك الثورات، أدت بالناس في بلد من البلدان إلى أحسن مما كانوا عليه قبلها، في أمري الدين والدنيا جميعا أو حتى في أمر واحد من أمور الدنيا؟ أبدا والله هذا لم يكن! ومن يزعمه كذاب أشر! البلاد التي وقعت فيها الثورات، كلها تعاني من آثار ذلك بما لا يخفى إلا على من عمي بصره وبصيرته! كلها يقول الناس فيها: ليتنا نرجع لما كنا عليه قبل الثورة! فعلى أي أساس في العقل يرجى الإصلاح من المزيد من ذلك؟؟
لا يريدون إصلاحا ولا يعنيهم ما يعاني منه الناس في الحقيقة! وإنما هو الحقد والنقمة على فلان بن فلان، الذي فعل فيهم وفعل! فإن قدرنا أن لم يمكن التوصل إلى التنكيل به والانتقام منه، إلا بإحراق بلد كامل من مئة مليون إنسان، وهدمه على من فيه، فليكن! هم أعداء للجماعة، وإذن فهم بمجموعهم أعداء للدين، زنادقة لا خلاق لهم! فليموتوا أو يهلكوا في ثورة جديدة، لا يهم! المهم أن يقعد المجرم من هؤلاء في غرفة مكيفة في تركيا أو في قطر أو في أيما بلد هو هارب فيها، ثم يضحك ملء شدقيه وهو يرى أهل بلادنا يقتل بعضهم بعضا وتحترق أموالهم وأملاكهم، نقمة على من ينقم عليهم، وشماتة فيمن يكره!
فالله نسأل أن يرينا في تلك الطائفة المخربة السفيهة الحمقاء آيات ملكه وقهره، وأن يصرف عنا شرورهم وفسادهم وأمراض قلوبهم، وأن يهدي المسلمين إلى ما فيه رشدهم وسلامة ديارهم وأمن بلادهم، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أبو الفداء ابن مسعود
عفا الله عنه.
