الحمد لله وحده أما بعد،
فقد جاءني سؤال طيب في التعليقات على إحدى محاضرات القناة، رأيت أن أنشر جوابه هاهنا لتعم الفائدة. قال السائل وفقه الله:
السلام عليكم يا شيخ أبا الفداء، جزاكم الله خيرًا ونفع بكم.. لدي سؤال إلى فضيلتكم وأردت تبيين الإشكال فيه لو تكرمتم: في محاضرة شرح جوهرة التوحيد ذكرتم فيما معناه أن التعمق والتوسع في النظر يعتبران تنطعًا إذا تجاوزا الحد المطلوب، وأن هذه الظاهرة متأصلة في الأكاديميات الغربية وتأثرت بها مؤسسات أكاديمية ومناهج تعليمية في بلادنا أيضًا. أنا الآن طبيب، وعندما أقرأ شيئًا من مرجع طبي يعتبر عمدة في مجالي لا يكتفي فضولي بمجرد حفظ المعلومة كما هي بل أريد أن أفهم لماذا ذكرت تلك المعلومة هكذا ولماذا خلاف هذه المعلومة خطأ وما هو أصل الفهم لهذه النقطة ...الخ. هل هذا يعتبر تنطعًا وتجاوزًا ويعد شيئًا مذمومًا؟ وأنا لا أريد أبدًا أن أقع في مخالفة منهج السلف الصالح في فهمي للعلوم الشرعية والدنيوية، ولكن أشكل علي الأمر وخاصة أن فضيلتكم ذكرتم أن الأكاديمية الغربية في مناهجها البحثية ترتكن إلى أساس "الإجابة عن الأسئلة في موضوع البحث".. وجزاكم الله خيرًا وأحسن الله إليكم.. والسلام عليكم.
عفوا، قصدت أن أقول أن الأكاديمية الغربية مرتكزة على طرح الأسئلة وإثارة الجدل، (بدلًا عن الإجابة عن الأسئلة)... فما الضابط الصحيح الموافق للإسلام الذي به أستطيع فهم مجالي الطبي بتمعن وفي نفس الوقت لا أتنطع وأخالف الشرع وأقع في ما وقغ فيه الفلاسفة والمناطقة ومن شاكلهم؟
فقلت في الجواب: عليكم السلام ورحمة الله وبركاته. ما تفضلت بذكره من تتبع أصل الدعوى النظرية أو التجريبية التي تفيد بها بعض المراجع، لا يدخل في التنطع المذموم، بارك الله فيك، بل إن المسلم قد يذم لترك ذلك لا لفعله! فالمتخصص في علم ما، كتخصصك في الطب، لا يتم المقصود منه على الوجه الصحيح، إلا بأن يكون على دراية وعلم بأصل كل قول وكل مذهب يتعرض له في مجال اختصاصه، وكيف توصل إليه القائلون به وعلى أي شيء استندوا، ما لم يكن مضطرا لتقليد أستاذه. والضرورة للتقليد تتقلص وتتضاءل كلما ترقى الباحث والطالب في أدوات العلم ومسائله، وهذا في جميع العلوم، وليس في العلوم الشرعية وحسب. فليس تكلف البحث عن أصل كل مسألة وأدلتها عند أصحابها، في إطار دراية الباحث بمصادر ذلك المطلب وأدوات الوصول إليه، تنطعا ولا قريبا من ذلك، بارك الله فيك. ثم إنه لا يكون فضولا كذلك، لأن الفضول ما أمكن الاستغناء عنه، أو كان غيره أولى منه، أو كان لا نفع فيه ولا فائدة، وما ذكرتَ من السؤال والبحث والتمحيص، لا ينبغي أن يكون داعيك إليه هو ما يسمى في العامية بالفضول (أي مجرد شهوة السؤال والبحث)، وإنما ينبغي أن يكون داعيك هو النية التي بينت لك، وهي أن تتقن الفن الذي تتعلمه وتحسن الدربة على أدواته ومهاراته وتحسن الترجيح بين طرقه ومذاهب أصحابه على بينة وبصيرة بحقيقة ما تقبض عليه بيديك! وللأسف فإن كثيرا من طلبة الطب وباحثيه في بلادنا، يعانون من ضيق ذات اليد في هذا الباب! فتجدهم يكتفون بتقليد الأساتذة والأخذ بما شاع وانتشر بين الأقران في ممارسة المهنة، دون تدقيق نظر ومراجعة للمصادر العلمية والأبحاث العصرية وما شاكل ذلك. وهذا لمسناه عيانا في السنة الأولى خاصة، من سنوات جائحة الكورونا، حيث كثر في بلادنا من الأطباء من يتخوفون من اللقاحات دون أساس أو مستند علمي معتبر، وينصح بعضهم بالتريث والانتظار لبضعة أشهر ريثما يتبين تأثير تلك اللقاحات على من تعاطوها، مع أن الأبحاث التي كانت قد نشرت في ذلك، وعلى أساسها أجازت منظمة الصحة العالمية تلك اللقاحات إجازة عاجلة تحت تأثير الضرورة، لم تفد بأرجحية للضرر العام أو الخاص المترتب على تعاطيها، أثقل في ميزان الاحتمالات من الخطر الذي يخشى على كثير من الناس المتعرضين للعدوى من أثرها عليهم، ومن أثر الانتشار الواسع للأعراض الخطيرة الملجئة لدخول المستشفيات، على أداء المنظومة الصحية في البلاد بوجه عام! وقد كنت أسمع من كلام بعض الأطباء على اليوتيوب وغيره في الفيروس وفي أسباب انتشاره والوقاية منه وكذا، ما لا علاقة له على الإطلاق بالأبحاث المنشورة في الباب، أو حتى بما تنشره منظمة الصحة العالمية بشكل دوري على صفحتها الرسمية على الإنترنت! فلو كان هؤلاء الأطباء على دربة ودراية بكيفية مطالعة الأبحاث الجديدة في المسألة، لما غردوا خارج السرب، ولما هولوا على الناس في أمر اللقاحات كما هولوا! وللأسف، ولتخلف كثير من الأطباء الممارسين عن ملاحقة ومواكبة البحث العلمي والنشر الدولي في هذه الأبواب، أصبح الأطباء يخطئون في تشخيص بعض الفيروسات، وصار بعضهم يكتب نفس العلاج لجميع المرضى المصابين بأعراض معينة، مع أنه لو أجرى على بعضهم مسحة الكورونا، لتبين أنهم مصابون بها، وإذن لأفاده علمه بكتابة علاجات حديثة مخصصة لذلك الفيروس بعينه، إن أمكن التحصل عليها، فالله المستعان.
والقصد أن هذا كله ليس تنطعا أبدا، وإنما هو من واجبات الأعيان على الأطباء الممارسين، لأنهم إن انقطعوا عن القراءة والبحث وتتبع مستجدات الأمراض والعلاجات الحديثة، فسيصبح وقد آذى الكثيرين وضرهم من حيث يرجى منه أن ينفعهم وأن يكون سببا في شفائهم! والشيء نفسه يقال في كل مجال علمي وعملي نافع للمسلمين! ما دمت تعلم أن قراءتك وبحثك وتتبعك لمصادر الأقوال ولما استجد من كلام الباحثين الأكاديميين فيها يتصور منه النفع والفائدة في ممارستك مهنتك، فهو إذن متعين عليك، لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. والمسلم واجبه إتقان العمل والإحسان فيه ما استطاع. فهذا هو ضابطك في المسألة: ما النفع المتصور حصوله من بحث هذه المسألة، وما الضرر الذي قد يترتب على ترك ذلك، وهل أسلم، إن قلدت فيها ولم أحقق أصولها، من خطر التلبس بالتفريط فيما هو واجب علي وجوبا عينيا، من جهة أني ممارس متخصص في هذا المجال، والناس ترجع إلي وتستعين بخبرتي فيه وتأتمنني عليه؟ فالنظر العلمي إنما يتكلف لغيره لا لذاته! ليس شيء من مطالب البحث العلمي يطلب لذاته أصلا! جميع مطالب البحث العلمي لابد أن يكون تحتها غاية يتقرب بها المسلم إلى ربه، ولا يكون ذلك إلا بعمل يترتب عليها بحيث يكون نفس ذلك العمل مرغبا فيه شرعا. هذا ما به يرجى أن يكون العلم سالما مما استعاذ به الرسول عليه السلام في قوله "ومن علم لا ينفع".
ولا شك أنه ليست جميع الصناعات العلمية تعاني من مشكلة التنطع والتوسع بالسؤال أو الإفراط في النظر والتنظير والعلم الذي لا ينفع، على درجة واحدة. فوقوع ذلك وانتشاره في أدبيات الطب الأكاديمية، أقل ولا شك منه في أكاديميات العلوم النظرية قليلة الحظ من التطبيق العملي. ثم يكون الحظ الأوفر منها، ولا شك، في صنعة الفلسفة الأكاديمية على اختلاف مجالاتها وموضوعاتها، بالنظر إلى أن أصل موضوع الأكاديمية نفسه قد يكون سفسطة محضة من مبدأ الطرح! وعند الأطباء قد تجد ذلك مثلا في مطالب البحث في تأثير الأطعمة المختلفة والأشربة المختلفة (مما جرى في عرف الناس أكله وشربه بلا ضرر مباشر يترتب عليه) على احتمالية الإصابة بمرض كذا ومرض كذا على المدى البعيد! فالمطلب نفسه فيه تنطع لا يخفى، إذ ما من مطعوم أو مشروب إلا كان الإفراط فيه مورثا لضرر ما على المدى البعيد، ولكن هؤلاء لا يريدون أن يستخرجوا حد أو ضابط الإفراط في التناول، وإنما يريدون أن يثبتوا أن المطعوم الفلاني أو المشروب الفلاني، يجب الكف عن تناوله بالكلية لأنه تزداد معه احتمالية الإصابة بمرض كذا ومرض كذا على المدى البعيد! وهذا، ما لم يكن الضرر محققا ومترتبا على تناول مقدار معين يمكن الوقوف على تحديده والحذر من تجاوزه، فإنه يكون تحريما لما أحل الله، لأنه كما ذكرت لك، ما من مطعوم أو مشروب مباح إلا وكان الإفراط فيه مورثا لضرر ما، وليس مطلق التناول ولا مطلق تكرار التناول! حتى السموم يباح تناول قدر ضئيل منها لعلاج بعض الأمراض كما يكون في المواد الفعالة في بعض العقاقير! فالعبرة فيما لم يتحقق ضرره من المطعوم والمشروب، ببيان المقدار ومعدل الاستهلاك والتناول الذي يظن أن الإنسان إن تجاوزه فإنه يتضرر، فيكون المحرم هو الإفراط ومجاوزة ذلك الحد لا مطلق التناول، لقوله تعالى ((ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة)) ولقوله عليه السلام: "لا ضرر ولا ضرار". ونظير ذلك من الأبحاث الطبية التي لا يقال فيها إنها تنطع وحسب، بل تكون مخالفة شرعية واضحة من مبدأ الطرح، تكلف بعضهم إثبات علاقة سببية بين مرض ما وبين شعيرة من شعائر الإسلام أو عبادة من عباداته! فإن مجرد حقيقة أنها قد جاء النص الصريح بتشريعها، وأجمع المسلمون على العمل بها، هذه في مجردها دليل شرعي وعقلي كاف على أنها مهما كان فيها من ضرر (ولا يخلو فعل وبذل وحركة متكلفة من ضرر ما)، فالمصلحة فيها أرجح قطعا، وليقل من شاء ما يشاء! ومثاله من بحثوا من أجل التوصل إلى إثبات علاقة طردية Correlation بين هشاشة العظام وبين لبس المرأة للحجاب الشرعي، أو بين منع الاختلاط بين الرجال والنساء في الجامعات والمحافل العامة، وبين بعض الأمراض العضوية أو النفسية، أو بين ختان الإناث (بهذا الإطلاق) وبين فقدان المرأة لشهوتها بالكلية، أو بين مواطئة الرجل رجلا مثله ومثله لذلك، وبين البنية الجينية الوراثية التي تنطوي عليها خلايا جسده، رجاء إثبات أن تلك الفعلة الشنيعة هي مما يولد بعض الناس فيجدونه مركبا فيهم تركيبا جبليا لا يد لهم فيه، أو بين تعدد الزوجات وخطر الإصابة بمرض القلب أو الشيخوخة المبكرة، إلى آخر ذلك من صور الكذب على العقل والعلم معا! ولا يعييهم أن يتلاعبوا ببعض حدود المتغير البحثي وانتقاء أفراد المجتمع المبحوث وغير ذلك من مدخلات المعالجة الإحصائية التي يدخلها من المغالطة ما قد يدخلها، حتى ينتهوا لإثبات صحة الفرضية البحثية إثباتا وهميا على ما يقال له اصطلاحا False Positive، كما يكثر خاصة في بعض أبواب علم النفس وعلم الاجتماع.
والقصد، بارك الله فيك، أن التنطع لا يرد على من يريد أن يُكسب نفسه آلة العلم الذي تخصص فيه، وأن يضبط مسائله ويسلم فيها من التقليد، وإنما يدخل على من يريد من أنواع المطالب ما لا يجوز إقحامه نفس في مادة العلم من الأساس، ثم من تتبع تلك المطالب لا لشيء إلا ليشبع نهمته أو يحقق كسبا اجتماعيا كالترقي في المناصب الأكاديمية أو ما شاكل ذلك، والله أعلى وأعلم.
أبو الفداء
