النباتية Vegetarianism / Veganism فلسفة شركية وليست نظاما غذائيا


 إن الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله.

((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)) [آل عمران : 102]

((يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً)) [النساء : 1]

((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً . يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً)) [الأحزاب : 70 - 71]

أما بعد، فقد انتشر بين الشباب في هذه الأيام الدعوة لفلسفة أو "نمط حياة" Lifestyle مستورد من الغربيين يعرف "بالنباتية" Vegetarianism أو Veganism، لا سيما على أيدي بعض الفسقة والتافهين من الإعلاميين ونحوهم، نسأل الله أن يكفي المسلمين شرهم، فرأينا ضرورة التحذير من ذلك، حسبة لله تعالى، والله الهادي إلى الرشاد. 

ويقصد بالاسم الأول Vegetarian من يحرم أكل لحوم الحيوانات على نفسه، ولكنه يستجيز الانتفاع بما يخرج عنها من البيض ومنتجات الألبان، وما يصنع من ذلك من أنواع الأطعمة المصنعة، ويقصد بالاسم الثاني Vegan من يحرم أكل لحوم الحيوانات ومطلق الانتفاع بجميع ما يشتق من الحيوانات أو يصنع منها، حية كانت أو ميتة، من بيضها ولبنها وجلدها ووبرها .. إلخ. فالمنتسب إلى تلك المذاهب، يقول بواحد على الأقل من هذه المزاعم:

• إن ذبح الحيوان وقتله من أجل أكل لحمه أو الانتفاع به، ظلم للحيوان وعدوان عليه وبخس لحقه في الحياة (أ)

• إن أكل لحوم الحيوانات يزيد من المخرجات الكربونية للجسم البشري (أي في المخلفات البشرية الصلبة)، ومن ثم يساهم في زيادة درجة حرارة الأرض ومن ثم تعريض البشرية للهلاك (ب)

• إن أكل لحوم الحيوانات يعرض الإنسان للمخاطر الصحية، والامتناع منها مطلقا له فوائد صحية عظيمة على المدى البعيد. (ج) 

وهذه الأقوال الثلاثة باطلة كلها، بالسمع والعقل جميعا، ولا يجوز لمسلم أن يقبلها، لأن حاصلها تحريم ما أحل الله تعالى، بل واستحبه للمسلمين في الأضاحي والنسك، وامتن به على الناس في غير موضع في القرآن.  

فأما من جهة السمع، فقد قال تعالى: ((يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللّهُ فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُواْ اسْمَ اللّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ)) [المائدة : 4] وقال: ((فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ . وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيراً لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ)) [الأنعام : 118-119] وقال جل شأنه: ((وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ . وَمِنَ الأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ)) [الأنعام : 141-142] وقال تعالى: ((وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)) [النحل : 14] وقال: ((لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ)) [الحج : 28] وقال تعالى: ((وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)) [الحج : 36] وقال تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ)) [المائدة : 1] وقال جل شأنه: ((وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ)) [الحج : 34]

ونقول إن الله تعالى لم يدع شيئا من الخبائث والأمور المضرة للإنسان إلا حرمه ونهى عنه، سواء بالنص الصريح أو بالقياس الصحيح، ومن اعتقد أنه سبحانه قد أحل شيئا تترجح فيه كفة الضرر على النفع مطلقا، أو يترجح خبثه وفساده مطلقا، فهو طاعن على رب العالمين، يتهمه سبحانه إما بالجهل أو بالكذب، وهذا شرك في الألوهية والربوبية جميعا كما لا ينبغي أن يخفى على المسلمين. 

قال تعالى: ((الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)) [الأعراف : 157] فهنا تقرير لعقيدة يجب أن يعتقدها كل مسلم اعتقادا راسخا ينوي ألا يزول عنه ما بقي حيا، وهي أنه لا يثبت للشيء حكم التحريم في دين الله تعالى بالدليل الظاهر، إلا وجب بالضرورة اعتقاد أن ضرره أعظم من نفعه، بما يدخله في جملة الخبائث، ولا يثبت للشيء حكم الإباحة في دين الله تعالى، إلا وجب بالضرورة اعتقاد أن ضرره لا يترجح على نفعه، ولا يثبت حكم الندب والاستحباب لشيء في دين الله تعالى (كالذبح والنسك وإراقة الدماء) إلا كان نفعه أرجح من ضرره وخيره أعظم من شره، بما يجعله من جملة الطيبات الواجب استحسانها وإن كره المشركون! فكيف يعتقد المسلم أن في ذبح الأنعام ظلما لبعض مخلوقات الله يجب تحريمه، وهو يعلم أن الله لم يحرمه وإنما أباحه وندب إليه واستحب من المسلمين أن يتقربوا به إليه؟؟ نسأل الله السلامة!  

وقال جل شأنه: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ)) [المائدة : 87] 

وقال: ((قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ)) [الأعراف : 32]

وقال: ((وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيراً لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ)) [الأنعام : 119]

وقال مشنعا على المشركين الذين حرفوا دين إبراهيم عليه السلام: ((وَقَالُواْ هَـذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لاَّ يَطْعَمُهَا إِلاَّ مَن نّشَاء بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لاَّ يَذْكُرُونَ اسْمَ اللّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاء عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ)) [الأنعام : 138]

وقال: ((وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَـذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِن يَكُن مَّيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاء سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حِكِيمٌ عَلِيمٌ)) [الأنعام : 139]

وقال: ((وَمِنَ الإِبْلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنثَيَيْنِ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ وَصَّاكُمُ اللّهُ بِهَـذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)) [الأنعام : 144]

وقال: ((قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)) [الأنعام : 145] أي قل لهم يا محمد إن الله لم يحرم من المطاعم إلا هذا الذي أوحى به إلي، فاتقوا الله ولا تحرموا ما أحل الله!

وقال: ((قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللّهَ حَرَّمَ هَـذَا فَإِن شَهِدُواْ فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ)) [الأنعام : 150] فالتحريم إن لم يقم عليه دليل من السمع، فهو كذب على رب العالمين وافتراء عليه! فكيف بقوم زعموا أن مطلق إباحة أكل اللحوم فيه من المفاسد الراجحة – مطلقا – كذا وكذا، فحرموه على أنفسهم من أجل ذلك؟ نسأل الله السلامة!  

وأما من جهة العقل، فجوابنا للذريعة (أ) أن يقال: إن كنتم ترون أن قتل الحيوان من أجل الانتفاع به ظلم له، فبأي دليل أخرجتم قتل النبات للانتفاع به من معنى الظلم له؟ بأي دليل فرقتم بين هذين المتماثلين؟ أليس في النبات حياة كما في الحيوان حياة؟ الجواب بلى! فلماذا كان مطلق قتل النبات حلالا عندكم، خلافا لقتل الحيوان الذي حرمتموه مطلقا؟ يلزمكم إن عللتم بمطلق الحياة، أن تمتنعوا عن أكل الحيوان والنبات جميعا، وإذن تهلكوا وتريحونا من جهالتكم وسفسطتكم! 

فإن قالوا: لأن للحيوان وعيا Sentience ويشعر بالألم، خلافا للنبات، قلنا وما أدراكم بهذا؟ ما يدريكم أن النبات ليس واعيا ولا يشعر بالألم؟ ما تعريف الوعي عندكم أصلا ومن أين جئتم به، وبأي سلطان أخرجتم منه ما أخرجتم من مسالك النباتات على اختلاف أنواعها؟ زهرة تباع الشمس، مثلا، تتابع الشمس كل يوم وتتوجه إليها حتى تنتفع بشعاعها ما دامت سابحة في جو السماء، فلماذا لا يقال إن هذا يعد "وعيا" بصورة من الصور، على أساس أنها "تعي" الجهة التي يأتي منها شعاع الشمس وتتوجه إليها توجها ذاتيا؟ 

لا يملك أصحاب القول بأن النباتات لا تعي، وهم عامة الطبيعيين الماديين الغربيين المشتغلين بعلوم النبات، دليلا على موقفهم إلا ما يظهر لهم من كون النبات لا يملك مخا أو جهازا عصبيا كما هو الشأن في الحيوان! ونحن نقول إن غاية هذا أن يكون دليلا على أن النبات ليس فيه ما يحتاج إليه الحيوان من نظام حيوي عضوي يعينه على أنواع الحركة التي يمتاز بها الحيوان عن النبات! فلا شك أن مخلوقا يتحرك بحركات حرة كثيرة ويجلب لنفسه الطعام ويدفع عن نفسه الأخطار ويتناسل ويتكاثر ويأتي من الأفعال ما يأتي ويترك ما يترك، هذا لابد أن تجد في بنيته الفسيولوجية من الأعضاء والنظم الحيوية ما لن تجد له نظيرا في عامة أنواع النبات! ولكن هذا التفاوت ليس في مجرده دليلا على أن النبات لا يعي، بأي صورة من الصور! 

ولا شك، ولا عجب، أن الدهرية الطبيعيين لن تجد موقفهم إلا مناهضا تمام المناهضة، ومحاربا تمام المحاربة لأي دعوى تشير ولو من بعيد لمسألة وعي النبات هذه، لأنهم أصحاب اعتقاد مادي طبيعي صرف مفاده أن الوعي لا حقيقة له إلا أن يكون نشاطا عضويا كهروكيميائيا بين النيورونات في الجهاز العصبي للحيوان! فبناء على ذلك التحكم الفلسفي الدهري المحض في التعريف أو الحد الميتافزيقي للوعي، تصبح الزهرة المتابعة للشمس ونبتة الصبار ذات الفكين التي تقبض على الحشرات بمجرد أن تشعر بوقوفها عليها، ونحو ذلك من آيات الله في أنواع النبات، معدومة "الوعي"، لا تعي شيئا ولا تدرك شيئا، لا لشيء إلا لينام الفيلسوف الدهري الطبيعي قرير العين، مطمئنا بنفيه العامل الغيبي عن معنى الوعي بالكلية! 

وكذلك يقال في الشعور بالألم من عدمه، فإن قدرنا أن كان النبات واعيا، فما يدرينا هل يشعر بالألم أم لا يشعر؟ لسنا نجد في عادتنا في أحوال النباتات ما نقيسه على أحوال الحيوانات عند إظهارها الشعور بالألم، وهذا ظاهر، ولكن كيف يكون هذا دليلا على أنها لا تألم عند قطعها، مثلا، على ما يبقى فيها من حياة حتى تذبل وتموت؟ هذا أمر غيبي لا نصل إلى إثباته أو نفيه بالقياس، ولا طريق للعلم به إلا السمع، كما أننا علمنا بالسمع دون غيره أن للحيوان وللنبات بل وللحجر والجماد تسبيحا لا نفقهه ((تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً)) [الإسراء : 44] فنحن نرى من تلك المخلوقات ما نرى، ومع ذلك لا يظهر لنا أنها تسبح أو تتعبد لله تعالى، لماذا؟ لأننا لا نعقل إلا صفة معينة لأفعال التسبيح والعبادة، هي ما تعلمناه من رسلنا، وكذلك ندرك ونعقل ما بدعه واخترعه أهل الملل الباطلة مما يشبه ذلك من أنواع العمل التعبدي، فلن يظهر لنا بطريق القياس أن لغير البشر تسبيحا وعبادة إلا إن قدر أن رأينا فيهم ما يشبه ذلك، وهذا غير حاصل، فهل يدل ذلك على عدمه؟؟ أبدا! وإنما يعد دليل نفي عند الطبيعيين الدهرية الجهال، الذين جعلوا دينهم التكذيب بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله! 

فمن نطاعة القوم وسخافة عقولهم، أنهم لما خرج بعض الباحثين التجريبيين من قريب بأبحاث وتجارب على بعض النباتات، زعموا أنها تدل على أن أنواعا معينة من النبات تتعلم وتعدل سلوكها بناء على ما تعلمته، إذ وجدوا أن نبات الميموسا المشهور بأنه تنغلق أوراقه إذا تعرض لصدمة عارضة، وجدوا أنه إذا تكررت الصدمة نفسها بنفس المعدل دون أن تكون على قدر من الشدة يهدد النبتة بالخطر، فإنها تهمله بعد ذلك ولا تنكمش على أثره، فقالوا إنها تعلمت بذلك، وهذا دليل على أن لها وعيا! لما قالوا بذلك، قابلهم مخالفوهم بالنكير الشديد، وقالوا كيف يكون لها وعيا وهي لا مخ لها ولا أعصاب؟ بل لا يزيد ذلك على أن يكون سلوكا تكيفيا adaptive behavior يحصل لها بلا وعي! فأي شيء ذلك إلا أن يكون تحكما بالاصطلاح في كلا الموقفين؟ الفريق الأول قالوا إنها ما دامت قد تعلمت فهذا دليل على الوعي! ونحن نقول إن كان المراد بالوعي الشعور بما في الخارج من مؤثرات حافزة Stimuli، وإظهار السلوك المعين الملائم لها على سبيل الاستجابة Response behavior، فهذا حصل بمجرد أن لمست أصابعكم ورقة النبتة فانغلقت فورا على أثر ذلك! 

فلماذا قصرتم الدلالة على وجود الوعي في "التعلم" وأخرجتم منها مطلق ظهور الاستجابة الفورية للمؤثر الخارجي بسلوك مخصوص؟ هذا تخصيص بلا مخصص إلا التحكم بالتعريف، على الطريقة الميتافزيقية اليونانية الخبيثة في اختزال المعاني الكلية المشتركة في صفة معينة لكيفية معينة دون غيرها من الكيفيات الجائز دخولها تحت تلك المعاني! وهو ما قابله الخصوم بتحكم آخر أخرجوا به معنى التعلم ومطلق معنى التأثر وغير ذلك مما ظهر للباحثين في تجاربهم من الدلالة على وجود الوعي، لأنهم زعموا أن الوعي لا يكون إلا في وجود المخ والجهاز العصبي كما نجده في الحيوانات! وهذا تحكم مقابل في التعريف والاصطلاح، بما لا يُنتهى منه إلى ترجيح أصلا، ولا يرجى لهم ذلك!    

تأمل هذه النبتة العجيبة ذات الفكين، وتأمل كيف أنها لم تكتف بالقبض على الذبابة التي وقفت بين فكيها وإنما مكثت تنتظر دخول الذبابة الأخرى كذلك حتى يتم لها الشعور بجودهما جميعا فيما بين الفكين، ثم تقبض عليهما معا، تأمل هذا المشهد وخبرني بربك كيف يقال فيه إنه ليس وعيا، ولا يجوز تفسيره على أنه وعي! هذه نبتة تشعر وتحسب وتقدر بناء على ما تشعر به، تقدر اللحظة الأنسب لإغلاق الفكين حتى يحصل لها من ذلك أعظم كسب ممكن! وهؤلاء يقولون لا وعي إلا بمخ وأعصاب، وهذه لا مخ لها ولا أعصاب وإذن فلا تعي! فسبحان الله العظيم! 

لا يزال الطبيعيون يخترعون التفسيرات والتأويلات البيولوجية والكيميائية السخيفة التي يتمنون أن تغنيهم عن إثبات الوعي الظاهر في أمثال تلك الحالات، ولكن لا يتسع هذا المقام للخوض في ذلك!     

والقصد أننا نقول لهولاء "النباتيين" المكابرين: إن كان شرطكم في المخلوق الذي تُحلون أكله، هو ألا يكون كائنا حيا ذا وعي، فلستم على شيء إذ نفيتم صفة الوعي عن أنواع النبات، وليس عدم علمكم علما بالعدم! وبهذا يتبين تناقضكم في أحكامكم وتفريقكم بين المتماثلات، وهو المطلوب. 

وأما الذريعة (ب)، وهي قولهم إن أكلنا اللحوم الحيوانية يؤدي إلى زيادة المخرجات الكربونية في برازنا المضافة إلى البيئة المحيطة بنا، ومن ثم يؤدي إلى زيادة ثاني أكسيد الكربون وزيادة حرارة الأرض بما يهدد أجيال البشر المستقبلية بفساد الأرض عليهم، فهذا كله خرف عظيم، لا يقبله إلا من لا يرى للعالم ربا بالغيب قيوما يقوم بأمره، يملك أرزاق الخلق وأقواتهم ومقادريهم، ويعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها، وما يعرج في السماء وما يهبط منها، ولا يخفى عليه مثقال حبة خردل، سبحانه وتعالى! 

هذا كلام واعتقاد من يقيس ربه على نفسه، وكأنما يقول: لو كنت أنا قائما بأمر العالم، وتزايدت فيه انبعاثات الغازات التي تمتص أشعة الشمس الحارة فترفع من درجة حرارة الجو، فلن أدري كيف أضبط ذلك التزايد وبأي شيء أحكم أمر العالم حتى لا تهلك الحياة كلها فيه، وإنما سينهار العالم كله بين يدي كما تتعطل الماكينات بشرية الصنع من زيادة في مقدار كذا أو تناقص في مقدار كذا وكذا من المواد التي تتركب منها، وأنواع الطاقة التي تجري فيها! 

فنحن نقول: حتى يستقيم لك، أيها الناقد، أن تقول إن المحرك سيحترق إن جاوزنا في تشغيله حدا ما، فيجب أن يتحقق فيك أحد شرطين معرفيين على الأقل: إما أن تكون أنت من صممت المحرك، فتعلم حدوده وإمكانياته وسماحياته وكذا، وإما أن تكون على علم بتلك الأمور، تلقيته من المصمم مباشرة أو بوسيط صادق فيما بينكما. فإذا كان الكلام على العالم بكليته، وعلى نظام الأرض بكليته، فيقال إنه سينهار بالكلية إن نحن فعلنا فيه كذا وكذا، وبوسعنا أن نعكس ذلك الخطر ونصون النظام الأرضي من ذلك الهلاك الشامل بأن نفعل كذا وكذا، فهذا من كبر الفلاسفة ومناطحتهم صانعهم جل شأنه، ومنازعتهم إياه في ربوبيته سبحانه وتعالى علوا كبيرا! فيجب أن يكون واضحا بادي الرأي أننا إن سلمنا تنزلا بأن لنظام العالم حدا فيما يحتمله من أفعالنا نحن البشر بحيث لو جاوزناه لانهار بنا وفسد علينا فسادا شاملا ولم يعد صالحا لسكنى الأجيال القادمة من بعدنا، فليس لدينا من طريقنا مقياس نحكم به بتعيين ذلك الحد، لأننا لسنا نحن من صنع العالم، ولم نقف من قبل على عالم مثله نقيس عليه عالمنا في تأثير أفعال المخلوقين المستخلفين فيه عليه وعلى نظامه البيئي الكلي! 

صحيح إننا نشهد في حدود عادتنا تأثيرات أفعالنا على النظم البيئية المحلية Local Environments / Ecosystems التي نعيش فيها، كل إنسان أو مجموعة من البشر في إطارها المحلي الضيق، إلا أن هذه هي غاية قدرتنا على النمذجة والاستقراء والتتبع، أن نقول إننا لما لوثنا المياه في منطقة كذا، مثلا، ترتب على ذلك أن مات نوع الأسماك الفلاني في البحر أو انتقل إلى مسطح مائي آخر من المسطحات المائية المتصلة فلم نعد نرى له أثرا، ثم نقول إن ذلك كان سببا في زيادة كميات أنواع أخرى من الأسماك كان هذا النوع يقتات عليها، وهذه بدورها زيادة كان لها أثرها على كذا وكذا، إلى غير ذلك من استنتاجات تفسيرية بعضها لدينا فيه استقراء قوي نستند إليه، وبعضها لا يجاوز ما بين أيدينا فيه منزلة القياس التمثيلي التخميني! 

أما أن يقال إن الأرض بكليتها ستتعرض لأسباب الهلاك وانهيار نظامها الحيوي كله إن لم نكف نحن البشر عن ممارسة هذا السلوك أو ذاك في مدننا الصناعية، فهذا من قياس الكل على بعض أجزائه، وهي مغالطة مشهورة تعرف بمغالطة التركيب Fallacy of Composition، فنظام الأرض بكليته، محشو بالنظم السببية متناهية الدقة والتداخل فيما بينها، التي لا يظهر لنا منها إن تتبعناها إلا بعض ما يكون في تلك النظم المحلية الضيقة التي نبحث فيها الآثار والمؤثرات والطبائع والأسباب، وما خفي من جميع ذلك فهو غيب عظيم لا يحيط بعلمه إلا رب العالمين! 

ولهذا قلنا في غير هذا الموضع إن الطرد الكوزمولوجي لقوانين الديناميكا الحرارية على الكون بكليته، بوصفه نظاما حراريا مغلقا، هو من نفس تلك المغالطة، لأننا وإن كنا نتمكن من عزل بعض النظم الحرارية الواقعة تحت عادتنا على نحو يمكننا من التحكم في انتقال الحرارة بين أجزائها، ومن ثم تتبع السنن السببية التي قضاها الله تعالى في هذا الأمر والانتفاع بها على ما يظهر لنا منها، إلا أننا لا ينبغي أن ننسى أننا إنما نعزل جزءا من نظام العالم عن بقية العالم عزلا صناعيا، لخدمة مقصودنا من بحث ذلك الجزء الدقيق ودراسته، فلا تنقل أحكام ذلك الجزء على نظام العالم بكليته إلا على سبيل المغالطة سالفة الذكر! 

وهو من تشبيه الأفعال وقياس الدهرية الطبيعيين ربهم على أنفسهم، سبحانه وتعالى علوا كبيرا! كلام فارغ يأباه العقل السوي وينافي الاعتقاد الصحيح في رب العالمين سبحانه! وسيأتي بإذن الله تعالى في محاضرة مستقلة من محاضراتنا حول منطق قياس التمثيل وتطبيقاته في التنظير الطبيعي، الكلام بشيء من التفصيل في مسألة الاحتباس الحراري هذه وتأثير السلوك البشري فيها، والكيفية الواهية التي يتوصل بها أصحاب تلك النظريات والنماذج العريضة في تأثير السلوك البشري في مصير الأرض، إلى إثباتها من طريقهم! 

وأما الذريعة (ج)، فمن جملة التطبيقات الفاسدة لأدوات البحث التجريبي Scientific Method عند الطبيعيين، وفيه مغالطة ظاهرة فيما يقال له: الانحياز التوكيدي Confirmation Bias، فقد جمع النباتيون لأنفسهم من الأبحاث التي زعم أصحابها فيها أن مطلق أكل اللحوم يرفع من احتمالية الإصابة ببعض الأمراض، ما زعموا أنه يجعل من الاكتفاء بالنظام الغذائي النباتي الصرف طريقا للخلاص من تلك المخاطر، وأهملوا أو تجاهلوا الأبحاث الدالة (بنفس الطريقة ومنطق الاستدلال نفسه) على ارتفاع احتمالية أو خطر الإصابة بأمراض أخرى لا تقل خطورة، على أثر ترك أكل اللحوم بالكلية، والإفراط في أكل النباتات بأنواعها في المقابل! 

فمعلوم على سبيل المثل أن المصدر الغذائي الأساسي للحديد في دمائنا هو اللحوم، وما يدخل إلينا من الحديد من أنواع النبات التي نأكلها، لا تمتص منه أجسامنا معشار ما تمتصه مما نطعمه من اللحوم. فالذي يحجز نفسه عن أكل اللحوم ما بقي حيا، هذا قد حكم على نفسه بالحرمان من الحديد الممتص من البروتين الحيواني، بما يرفع من احتمالية إصابته بالأنيميا الحادة (فقر الدم)، التي ترفع بدورها من احتمالية الإصابة بفشل الدورة الدموية والنزيف الداخلي والموت! ولأن النباتيين يعلمون أنهم يحتاجون إلى تحري النباتات الأغنى بالبروتين والحديد رجاء أن يستكملوا ذلك النقص الغذائي الخطير، لجأ القوم إلى أنواع الحبوب Legumes كالصويا وغيرها، وأفرطوا في تناولها طمعا في تغطية العجز الغذائي، فازدادت على أثر ذلك الإفراط، احتمالية إصابتهم بحالة يقال لها نفاذية المصران Intestinal Permeability، وهي ما يحصل عندما يصبح جدار المصران منفذا للبكتيريا والسميات من داخله إلى خارجه، على نحو يعرض الإنسان للإصابة بالإسهال والجفاف وتردي الجهاز المناعي والصداع الحاد والطفح الجلدي وفقدان الذاكرة والإعياء العام وغير ذلك. بل إن بروتين الصويا على وجه الخصوص قد تتسبب الزيادة منه في اضطرابات في الهرمونات، ومنها هورمون الإستروجين والثايرويد! وفي دراسة من الدراسات ظهرت زيادة احتمالية الإصابة بالاكتئاب من أثر افتقار الجسم إلى أحماض أوميغا 3 المستمدة من الأسماك! ثم إنهم يعانون من احتمالية كبيرة للإصابة بالأمراض المترتبة على نقص فيتامين B12 الذي لا تستمده أجسامنا إلا من الغذاء الحيواني، تلك الأمراض التي قد تصل إلى تلف الجهاز العصبي للجسم وفقدان الذاكرة والإصابة بخلل في المخ والأعصاب على المدى البعيد، غير قابل للإصلاح، على الأقل في حدود معرفتنا الطبية الحالية! 

فالحاصل أن هذه المخاطر كلها Health Risks مبنية على أبحاث تجريبية طبقت فيها نفس الطرق والمناهج التي استعملها أصحاب الأبحاث المقابلة التي استند إليها النباتيون في الانتصار لنظامهم الغذائي الصارم، فإن قالوا إن ما عندنا من الأبحاث هو الحق وما يخالفها هو الباطل، تناقضوا بذلك منهجيا وظهر تعصبهم وتحيزهم! والمقصود هنا هو هذا الإلزام، وإلا فلا قيمة معرفية على الإطلاق لأي بحث تجريبي أو إحصائي مهما كان محكما في منهجه وخطواته دقيقا في مشاهداته، ومهما كانت قوة الاستقراء فيه بالغة مبلغها، إذا خرج منه أصحابه بما يخالف ما ثبت بنص صحيح النسبة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكيف إذا كان ناقضا لمعلوم من الدين بالضرورة، ألا وهو اعتقاد أن الرب لم يشرع لنا ما فيه ضرر راجح أو مرض لازم؟؟ هذا يقال له: صدق الله وكذب بحثك، ولا كرامة! ومعلوم ما في هذه النوعية من الأبحاث من اختزالية بالغة تهمل كثيرا من العوامل التي قد تكون ملازمة ظرفيا للعلاقة المشاهدة محل البحث، وقد تؤثر على الحكم بالسببية Causality فتحيله إلى غير ما انتهى إليه أصحاب تلك الأبحاث. أو بعبارة أخرى نقول إن احتمالية التلبس بآفة الثبوت الإحصائي الكاذب False Positive Statistical Results في أمثال تلك الأبحاث احتمالية قوية لا يجوز إهمالها، لا سيما وأصحابها يعلمون أنهم بها يحرمون ما أحل الله رب العالمين سبحانه!

فما نقول لهم في الختام إلا: اخسؤوا يا هؤلاء فلن يعدو أحدكم قدره، ولن تبارزوا ربكم إلا خسرتم الدنيا والآخرة جميعا، نسأل الله العفو والعافية، والحمد لله رب العالمين.

وكتب أبو الفداء ابن مسعود

غفر الله له ولوالديه وللمسلمين


إرسال تعليق