الرد على من يزعم امتناع أن يكون الأصل الأول لأي نوع حي هو زوج واحد من ذكر وأنثى (2)



 الحمد لله وحده، أما بعد، فقد نشر قبل قليل أحد الدراونة الذين يزعمون أن داروينيتهم من تنزيه الله تعالى وتحقيق كماله في الخلق، نشر تعليقا على مقال كنت قد نشرته من قريب تحت عنوان "جواب سؤال عن شبهة يطلقها الدراونة، يزعمون امتناع أن يكون الأصل الأول لأي نوع حي هو زوج واحد من ذكر وأنثى."، فكتب في ذلك التعليق ما رأيت من الفائدة أن أفرده والرد عليه بمنشور مستقل. 

قال:

"اولا لا يجوز فرض تغير قوانين الطبيعة او العادة بحجة الامكان ، ثبات قوانين الكون ضروري لاي علم طبيعي ... وعلينا ان نسأل لما الله يغير قوانين الكون بالاصل ؟

هل الله بنى كون بقوانين مختلفة فالبداية وبعدها غير تلك القوانين بما يناقض ما نراه ونجربه ؟ هل الله يلعب معنا هنا مثلا ، ييصنع قوانين ويغيرها ؟ وعلى هذا الاساس تغيير قوانين رياضية ثابته مثلا هو مناقضة لاي فعل او تصرف عقلي ولا يدل سوى على عبث .

بالنسبة لمعادلات ميكانيكا الكم ، حدد بالتفصيل اي معادلات تقصد تم تعميمها على كل شيئ؟ لاني لا اعلم ما قصدك

بالنسبة لقدم مادة العالم وشكل العالم كحادث فلا علاقة بين تغير شكل العالم وبين قدم مادته لان تغير شكله لا يعني فناء مادته ، لذلك كلامك المبني على فرض تغير قوانين العالم هو كلام فارغ غير محقق فالواقع (وهو اساس نقدك كله )"

فقلت في الجواب: بل أنت والله من لا حقيقة لكلامه إلا أنه كلام فارغ، لا أساس له في العقل ولا في الحس كما توهم نفسك ويوهم أمثالك أنفسهم!! 

قولك: "لا يجوز فرض تغير قوانين الطبيعة او العادة بحجة الامكان"

ما معنى "فرض التغير"؟؟ أنا ما فرضت شيئا، وإنما قررت الإمكان في حيز من الماضي، مع إثبات وقوع ما يقتضي ذلك التغير من طريق السمع، وقررت ضرورة أن تكون حوادث خلق النظام الطبيعي خارجة عن جنس الحوادث الخاضعة لذلك النظام نفسه، فيما هو حقيقة بديهية لا يماري فيها إلا مكابر، وهي أساس مبرهنة كورت غودل في عدم الاكتمال إن كنت قد سمعت بها. لست أنا من "يفرض" التغير، وإنما أنتم من تفرضون عدمه فرضا عاريا عن الدليل، بل تمنعونه منعا إلا أن يكون فرضا خادما لنظرياتكم بوجه ما!! تؤسسون عليه ما تزعمونه "علما" بما وقع في الماضي، مع أنه لا حقيقة له إلا التخمين والكلام "على فرض الاطراد" لا غير، بما لا ضامن له ولا مستند لوقوعه!! كل هذا يكون "علما" إن سلمنا بوقوع الاطراد، ولا نسلم، بل وعندنا ما يدل على عدم وقوعه! فقد ذكرت أن عندنا معاشر المسلمين في السنة ما يدل على أن نظام العالم المشهود حاليا لم يطرد كما تفرضون، بل لابد من اختلاف أحوال العالم ونظمه الطبيعية في الماضي السحيق فيما قبل الطوفان عما هي عليه الآن. آدم عليه السلام كان طوله ستون ذراعا، وهذا تمنعه القوانين الطبيعية والنظم الحيوية البشرية كما نعرفها الآن! إذن ماذا نصنع؟ نرد حديثا أجمعت الأمة على قبوله، أم نقرر أن القوانين في ذلك الزمان لابد وأنها كانت ملائمة لذلك، كما أن قوانين هذا العصر ملائمة لما نحن عليه؟؟

قولك "ثبات قوانين الكون ضروري لاي علم طبيعي" محض سخف لا يخفى! تقول فرض الاطراد المطلق ضروري للعلم الطبيعي، فمن الذي أوجب، من الأصل، أن يكون لدى البشر "علم طبيعي" في هذا الباب؟؟ أعني مسألة نشأة الأنواع الحية كلها بعد أن لم تكن؟؟؟ لماذا يجب أن يكون العلم فيها "طبيعيا"؟؟ قدم البرهان العقلي على هذه المسألة إن استطعت، ثم تعال لتكلمني عن الكلام الفارغ!!! نحن قدمنا البرهان العقلي على أن النظام الطبيعي لا يمكن عقلا أن تكون نشأته بأسباب خاضعة لنفس هذا النظام، لما في ذلك من دور قبلي واضح، فما الذي أجبتم به أنتم؟؟ هذا العبث الذي تقولونه، الذي لا حقيقة له إلا تباكي النسوان!! لو لم نفرض الاطراد المطلق لطبائع العالم في الماضي، فلن يكون لدينا علم طبيعي في مسألة النشأة!! يا للمأساة!! والمصيبة أنكم تتوهمون أن جوابكم هذا جواب عقلي ملزم مفحم!! مع أنه محض سخف في الحقيقة، وهو راجع إلى طريقة فلاسفة اليونان في اشتراط ألا يكون في الوجود، مكانا ولا زمانا، موجود ولا حادث، إلا وهو خاضع لنظرياتهم وأقيستهم بوجه ما!! نحن المسلمون لا يلزمنا ذلك الالتزام اليوناني الفاسد!! 

قولك: "وعلينا ان نسأل لما الله يغير قوانين الكون بالاصل ؟"

علينا هذه الضمير فيها عائد على من؟؟ على المسلمين؟؟ أثبت إذن وجوب ذلك على المسلمين على طريقة علماء الملة في الإثبات والنفي والاستنباط!! لا يلزم أن يطلعنا الله تعالى على جميع ما كان منه من تغيير لطبائع المواد في العالم في طول تاريخ الكون وعرضه، حتى نسلم بجواز أن يقع ذلك منه عقلا وشرعا!! واشتراط المعرفة بالحكمة التفصيلية وراء كل فعل من أفعال الله في هذا العالم، شرط إلحادي لا علاقة له بما عليه المسلمون من التسليم بحكمة الله السابغة وقدرته التي لا يتجاوزها شيء! 

قولك: "هل الله بنى كون بقوانين مختلفة فالبداية وبعدها غير تلك القوانين بما يناقض ما نراه ونجربه ؟ " 

قلت: لا مانع من هذا في العقل ولا في العادة! أنت أصلا تجيز فيما تعتنقه من نظريات الطبيعيين أن تكون بعض القوى الأساسية والقوانين المتعلقة بها قد نشأت في سيناريو الانفجار العظيم المزعوم نشوءا تدريجيا، ولم يكن ابتداؤها على ما هي عليه الآن، وأن يكون العالم الآن على هيئة ونظام مختلف عما كان عليه عقيب لحظة الانتفاخ المزعوم عندكم مباشرة! فهل نفهم من هذا أن التغير في القانون الطبيعي عندك جائز، إن كان راجعا إلى سبب طبيعي صرف، أما إذا جوزنا نحن أن يكون من تقدير الله تعالى في خلقه ولغايات إلهية عنده لا نعلمها، منعتم ذلك وقلتم لا يجوز ولا يقع؟؟ ما هذا العبث؟؟   

قولك: "هل الله يلعب معنا هنا مثلا ، ييصنع قوانين ويغيرها ؟"

سبحان الله وتعالى عن اللعب والعبث! على أي أساس جعلت جواز أن تكون قوانين المادة المحسوسة المعتادة لنا قبل عدة آلاف من السنوات مختلفة عما هي عليه الآن، ضربا من اللعب والعبث؟؟ لا أساس إلا أن هذا ينقض عليكم غزلكم في الطرد المطلق الذي بدونه لا يكون لديكم علم طبيعي في الباب!! يعني إما أن يكون الكون بحيث يمكننا أن نكشف تاريخه كله وحوادث نشأته بقياس تمثيل معقول من جهتنا، وبما يتفرع عليه من نماذج رياضية وكذا، وإما أن يكون خالقه عابثا يلعب معنا!!! فهل هذا منطق مسلمين عقلاء أم منطق ملاحدة في التسلط بالعقل على غيوب السماوات والأرض وعلى أفعال رب العالمين؟؟ الجواب واضح!  

قولك: "وعلى هذا الاساس تغيير قوانين رياضية ثابته مثلا هو مناقضة لاي فعل او تصرف عقلي ولا يدل سوى على عبث ."

قلت: الله أكبر! تغيير القانون الطبيعي بفعل الرب سبحانه وتدبيره يكون تناقضا، لأن القوانين الرياضية لا يجوز أن تتغير!! تأمل ما الثمرة التي تترتب عند هؤلاء المساكين على الإغراق في تقليد الطبيعيين الغربيين دون أدنى دراية بحقيقة المذاهب الفلسفية التي يقلدونهم عليها! هذه حجة العلموي الواقعي المغرق في اعتقاد وجوب مطابقة الواقع للمعادلة الرياضية المعينة التي تفتق ذهنه عن صياغتها في محاكاته!! يا رجل حتى المعادلة F = ma التي هي من أقدم معادلات الفيزيائيين، لا تجرؤ على ادعاء أنها مطردة اطرادا مطلقا بالضرورة في أي قيمة يمكن للعقل تصورها في مقدار الكتلة أو في مقدار التعجيل!! ليس كل ما يصدق عليه اسم الكتلة، يقبل التعجيل بالضرورة تحت تأثير القوة، أو يمكن، فيزيائيا أن يُعجّل أو يحرك من محله تحت تأثير قوة ما! والنسبية العامة الفيزيائيون مجمعون على أنها تمتد إلى نقطة معينة في الزمان الماضي ثم تنهار معادلاتها ولا تفيد بشيء فيما وراء تلك النقطة!! فعن أي رياضيات وعن أي قوانين تتكلم؟ وما تحرير التصور الذي قلدت عليه القوم للعلاقة بين المعادلة الرياضية وبين النظام المطرد الذي تصفه في الواقع؟ لا تدري ولا تملك جوابا عن سؤال كهذا، وتصف كلامنا نحن بأنه "فارغ"!

قولك: "بالنسبة لمعادلات ميكانيكا الكم ، حدد بالتفصيل اي معادلات تقصد تم تعميمها على كل شيئ؟ لاني لا اعلم ما قصدك"

لن أحدد، ولا أبالي أصلا بأن تعلم أنت قصدي!! 

تأملوا يا عقلاء المسلمين ويا مجانينهم في قول هذا المعترض

"بالنسبة لقدم مادة العالم وشكل العالم كحادث فلا علاقة بين تغير شكل العالم وبين قدم مادته لان تغير شكله لا يعني فناء مادته ، لذلك كلامك المبني على فرض تغير قوانين العالم هو كلام فارغ غير محقق فالواقع"

هذا التعليل في قوله "لا علاقة بين تغير شكل العالم وقدم مادته، لأن تعير شكله لا يعني فناء مادته"، هذا الكلام لا معنى له البتة، ولا ينصرف في سوق العقلاء!! ومع هذا يظن الكاتب المسكين أن كلامي أنا هو الكلام الفارغ!! الله المستعان!!  

أنا آثرت الرد على هذه البقبقة حتى ينكشف لإخواننا طلبة العلم المعتنين بهذا الباب، مبلغ الجهل والانحطاط العقلي الذي يعانيه العلمويون من أصحاب "أنا أؤمن بالعلم" هؤلاء!

والله الهادي إلى سبيل الرشاد.

إرسال تعليق