التعليق على لقاء عبد الله المديفر مع الدكتور نضال قسوم - 4

 


الحمد لله وحده، أما بعد، فعقب الموضع الذي علقنا عليه فيما مر، يسأل المضيف الدكتور نضال: العلم التجريبي وين مصدره يصير؟ فيجيب الدكتور قائلا: العلم التجريبي مصدره أول شيء المشاهدة والملاحظة. يعني نبدأ بأول شيء، ما هي الظاهرة التي ننظر إليها؟ لماذا، مثلا، جاءنا مطر اليوم؟ لماذا السماء تكون أحيانا زرقاء، وأحيانا تكون رمادية؟ لماذا كذا وكذا .. فهذه، نشاهد أشياء، هذه بداية التساؤل وبداية البحث عن محاولة تفسير ظاهرة معينة، ظاهرة قد تكون في الأرض، قد تكون في السماء، قد تكون في الكائنات، في أجسامنا، في الحيوانات، في ... إلخ، فحينها نقوم بتجارب، عندما نريد الحصول على معلومات أدق، فنأتي ونجرب كذا ونجرب كذا، نحصل على بيانات، ما نسميه البيانات Data، هذه الداتا الآن يجب أن نرتبها، بحيث أنها تصير معلومات، تصير Information، احنا انتقلنا من بيانات، يعني قياسات هكذا، أنا مش عارف ما معنى هذا؟ هذه كبيرة هذه قصيرة هذه طويلة، هذه مدة طويلة هذه مدة قصيرة، بعدين لما رتبتها أنا، صارت عندي معلومات Information. الآن آتي أنا إلى محاولة تفسير، لماذا هذه القائمة تعمل بهذه الطريقة، لماذا هذا التسلسل هنا حدث عندي، فأقترح أنا فرضية، تفسير معين، أقول أنا أعتقد أنه لأنه كذا وكذا، فإذا كان تفسيري هذا صحيحا، فسيكون له تداعيات تنبؤات نتائج من هذا التفسير، أقول: إذا أنا على حق، فإنا بعد أسبوع أو شهر، أو رحنا المكان الفلاني أو أعدنا هذه التجربة، سيحدث كذا وكذا! وهنا تأتي التجربة من جديد للتأكد من صحة هذه التنبؤات، فإذا صحت، نقول التفسير الذي وضعه فلان للظواهر التي كان ينظر إليها، تفسير صحيح، فنبني عليه! تكون أحيانا، معناه إنه آه تطبيقات نستفيد منها في حياتنا، نتفادى من أخطار معينة، نعرف إنه راح يحدث كذا يوم كذا، مثلا، إذا رأينا سحبا ملبدة واقتربت من بعضها نقول راح يكون فيه مطر قوي، فيا جماعة خذوا احتياطاتكم .. المضيف: يعني معناه إن احنا الآن نتكلم على أنه مصادر المعرفة أوسع من العلم، ومصادر المعرفة، ممكن تكون العقل، كالفلسفة، وممكن تكون الإلهام والوحي زي في الأديان، وممكن تكون الملاحظة والتجربة والحس مثلا، كما في العلوم التجريبية، هذا صح؟ الدكتور: نعم .. والحس بتعريفه الأوسع، يعني الحس معناه النظر .. المضيف: الملاحظة؟ .. الدكتور: يعني الملاحظة بشكل عام، بمعنى أنني أستخدم ممكن أجهزة، ممكن أستخدم حتى أشياء، التي تكشف لي عن ظواهر أو أشياء تحدث، أنا قد لا أراها! لا تبدو لي أنا شخصيا! أنا حبيت فقط أبين للمشاهد أن الحس لا يقتصر على الحس البشري. 

المضيف: لكن المناهج المعرفية، إيش الفرق الحين بين مثلا لما نقول المنهج العلمي والا المنهج التجريبي؟ إيش الفرق بينهم؟

الدكتور: المنهج العلمي أوسع شوية، لأنه المنهج العلمي يشمل كل ما هو نظري، كل ما هو، يعني الآن صار عندنا طريقة ثالثة وهي المحاكاة بالحواسيب، فمش كل شيء نثبته أو نصل إلى النتائج عن طريق التجربة. زمان كانوا يقولون المنهج التجريبي، يعني كل شيء عم بتعمل تجربة، لكن فيه مجالات يصعب علينا، بل يستحيل أحيانا أن نقوم فيها بتجربة. المضيف: اللي هي قايمة على الحساب مثلا؟ الدكتور: تقوم على الحسابات، على التحليل الرياضي، وأحيانا تقوم على النتائج التي نحصل عليها من خلال محاكاة هذه الظاهرة، فاحنا كأننا نعمل تجربة، ولكن نعملها داخل الحاسوب وليست تجربة في مختبر. المضيف: هذه العلوم، العلم التجريبي أو ال.. يعني هذه المناهج المعرفية والعلمية، تؤمن بالجانب الميتافيزيقي، اللي هو يعني زي علوم الغيب والشهادة وهذه الأشياء، تؤمن فيها والا ما تؤمن فيها؟ الدكتور: لا نستطيع أن نقول هي تؤمن أو لا تؤمن! هي تقول هذا ليس مجالي! ليس تخصصي! فأنتم إذا أردتم أن تدرسوا الظواهر الطبيعية، فتحدثوا معي بلغة المنهجية العلمية التجريبية .. المضيف: الأشياء اللي تصير قابلة للقياس؟ الدكتور: بالضبط! أما إذا أنت تقول طيب أنا أؤمن أن هناك إله، أن هناك ملائكة أن هناك حساب أن هناك كذا .. يقول لك هذا خارج عن مجال الطبيعيات .. " اهـ.

قلت: كل هذا يكون كلاما طيبا ونافعا، ومحققا فعلا لما قرره الدكتور من كون العلم الطبيعي لا علاقة له بالغيبيات الدينية التي يثبتها أهل الملل السماوية ويؤمنون بها، ولا يمكن أن يعارضها أو يخالفها بشيء، لو قدرنا أن كان موضوع النظر الطبيعي في الأكاديمية الغربية هو السماء الدنيا القريبة، والأرض الأولى القريبة، وما بينهما مما هو داخل في إطار العادة البشرية التراكمية من أنواع السنن السببية والطبائع المطردة. فهنا يقال نعم: ما وراء العالم وما وراء الطبائع المعتادة ليس للعلم الطبيعي سلطان عليه، وإذا فرض فيما وراء المحسوس شيئا فإنما يفرضه من باب التشبيه المعين على القياس والنمذجة التي يوصل منها إلى صور شتى من الانتفاع العملي والتطبيقي بتلك القوانين والنماذج النظرية والتصورات. لكن حقيقة الأمر يا كرام، أن موضوع النظر الطبيعي في الأكاديمية الغربية، ومنذ عصور ما قبل سقراط، هو الوجود بإطلاق، كل ما هو خارج الذهن، أو ما يقال له باصطلاح الفيزيائيين المعاصرين Reality، أو الواقع الخارجي بجملته! كل ما كان من الأزل وما هو كائن إلى الأبد، فيما يخرج عن ذهن الناظر، كل ما حول الإنسان من الموجودات، المحسوس منها وغير المحسوس، هو موضوع للتنظير الطبيعي في الأكاديمية الغربية! هكذا ورثت الأكاديمية العصرية عن أصلها اليوناني! فالنظر الميتافيزيقي جزء لا يتجزأ من صنعة الفيلسوف الأكاديمي الغربي منذ أن نشأت تلك الصنعة في مدارس اليونان القديمة وإلى اليوم، للأسف! بل إنه هو المنطلق والمبتدأ والأساس الأول الذي يضعون عليه بناياتهم النظرية الكبرى التي يقال لها البارادايم، على عبارة توماس كوون، ثم ينطلقون منه إلى هذه المطالب الدقيقة التي ذكرها الدكتور في كلامه، تفريعا وتفصيلا! لا تستطيع يا دكتور أن تدعي أن الفيزياء العصرية نشأت في القرن الماضي على يدي أينشتاين من محاولته تفسير شيء محسوس محصور في حدود العادة البشرية، بظاهرة أخرى محسوسة أيضا محصورة في حدود العادة البشرية، كما يسأل الإنسان نفسه لماذا تكون السماء زرقاء أحيانا وتكون رمادية في أحيان أخرى! لأ! وإنما نشأت من محاولته فهم حقيقة ما يقال له الزمان time، في إطلاق البشر لهذه اللفظة مهما أطلقوها، لما وقعت في نفسه في يوم من الأيام صورة لرجل يجري بجوار شعاع للضوء بنفس سرعته، وسأل نفسه: يا ترى كيف يرى ذلك الرجل الشعاع، بل كيف يرى أي شيء على الإطلاق، إن قدرنا أن وقع له ذلك؟! فهل سبق لأحد أن سابق شعاع الضوء من قبل، أو اقترب من أن يبلغ سرعته؟ أبدا! والآفة والقضية هنا ليست فقط في طبيعة السؤال نفسه، وهل هو مما يستساغ مبدئيا وضع الفروض القياسية (إذ منشأ كل فرض تفسيري إنما هو قياس تمثيل أو شمول عند الإنسان بصورة ما أو بأخرى لا محالة) لتلمس الجواب عنه أم لا، وإنما الآفة والقضية كذلك في طبيعة وحجم الفرض الذي فرضه الرجل لأجل أن يصل إلى الجواب المطلوب، ومطلبه الكلي الذي وضعه لنفسه وجعله محركه وحامله على وضع النسبيتين الخاصة والعامة من بعدها، ثم ما أمضى بقية عمره فيه من محاولة الخروج بنظرية واحدة تفسر كل شيء، العالم الكبروي والصغروي وما بينهما جميعا! الرجل قال في جواب تجربته الذهنية المذكورة: لابد أن يكون الضوء بحيث يخرج بالكلية من مبدأ نسبية السرعة الغاليلي المعروف، فلا يقع الإنسان في مشكلة أن شعاع الضوء يتجمد، بالنسبة إليه! لماذا؟ لأن قوانين ماكسويل لا يمكن أن تتعطل!! محال!! محال ماذا؟ أن يكون لقانون ماكسويل حد وجودي ينتهي عنده؟ أن يكون لشعاع الضوء سرعة نسبية تتفاوت بالنسبة إلى كل متحرك بحسب سرعته، كغيره من المنتقلات والمتحركات؟ وهل يعقل أصلا لشيء متحرك منتقل، أيا ما كان ذلك الشيء، ألا تكون سرعته التي يرصدها شيء آخر متحرك إلى جواره، هي السرعة النسبية فيما بينهما، كما في قانون غاليليو؟؟ لماذا يكون قانون السرعة النسبية الغاليلي بحيث يقبل الاستثناء عقلا، ولا يقبل الاستثناء من قوانين ماكسويل؟؟ هذه كلها مسلمات ميتافيزيقية مطلقة أسس عليها أينشتاين نسبيته الخاصة، بدعوى أنه بهذا يفرض حلولا جديدة مبتكرة لمشكلة تجربة ميكلسون ومورلي المشهورة، التي زعموا أنها أحرجت أصحاب نظرية الأثير الحامل للضوء! الرجل يقال أنه قامت تلك التجربة في ذهنه وهو في السادسة عشر من عمره، من قبل أن يدرس معادلات ماكسويل أصلا، فلما درسها، لم يجد مخرجا من القضية، إلا بأن يقول: لابد أن متغير "الزمان" نفسه في معادلات السرعة، له حقيقة وجودية فيزيقية مخصوصة في الأعيان، فهو يتغير تغيرا معينا بالنسبة لكل (راصد) متحرك، بحيث تبقى سرعة الضوء النسبية هي السرعة الثابتة C بالنسبة إليه مهما بلغت سرعته، وليس أن السرعةC  هذه هي سرعة انبعاث الضوء من مصدره الكهرومغناطيسي، وسرعته بالنسبة إلى راصده تكون هي السرعة النسبية بالضرورة، كما كان عليه عامة القائلين بالأثير في القرن التاسع عشر!! فما الذي حصل هنا؟ تفسير ظاهرة محسوسة، بظاهرة محسوسة؟ أبدا! دعك من تجربة ميكلسون مورلي الآن، وتأمل فقط في هذا التصور الجديد الذي أحدثه أينشتاين، من أين جاء، وإلى أين ذهب! ثم تأمل فيما بناه عليه من تعريف جديد للزمان، أن حقيقته الوجودية إنما هي أنه المحور الرابع في نظام إحداثي كارتيزي وجودي قائم في الأعيان، ينتشر في الوجود انتشارا مطلقا في كل جهة، شبهه الرجل في كتبه بالأخطبوط Mollusc الذي له ذراع تقيس امتداده وسائل قياس الأطوال (وهو ذراع المكان) وذراع وجودي آخر خفي، تقيس امتداده وسائل قياس الزمان (وهي الساعات التي نقيس بها الزمان)! وكل "راصد" متحرك يكون معه أخطبوطه الخاص به، بحيث يتمدد ذراع الزمان تمددا لا يلحظه إلا من هو خارج عن هذا الأخطبوط! أما الراصد من داخل الأخطبوط، فلا يشعر بتمدده تحت تأثير سرعة النظام بكليته! وإذن يصبح قانون النسبية الغاليلي القديم، جاريا ليس فقط على النظام المتحرك حركة قصورية كما وصفها غايليو، لا، ولكن يسري كذلك على النظام الإحداثي الرياضي الذهني المستعمل في توصيف تلك الحركات!! وإذن يُجعل تفسير تباطؤ حركة الساعة في معصم الإنسان المتحرك بسرعة كبيرة هو أن شيئا وجوديا في الأعيان يقال له "الزمان" قد تمدد أو تراخى واستطال، فترتب عليه أن الساعة التي تقرؤه (على نحو سحري لا نعرفه) قد تباطأت حركتها هي الأخرى!! وبناء عليه يذهب أينشتاين إلى تعريف التزامن simultaneity على أنه حقيقة نسبية مطلقا، فلا يتزامن حادثان إلا في درك الراصد المعين، لماذا؟ لأن كل راصد له زمانه الذي يخصه، وبحسب حركته تتقرر هيئة الأخطبوط الكارتيزي الخفي الذي يعرف له زمانه ومكانه جميعا!! ولهذا المذهب في التزامن من المقتضيات الفاسدة فيما يتعلق بالإلهيات، ما أطلنا النفس في بيانه في نقدنا للنسبيتين في محاضرات سلسلة "بيان منهج أهل السنة في التجريبيات" ومن قبلها في كتاب معيار النظر، فلتراجع. والقصد أن هذه هي الميتافيزيقا التي تأسست عليها النسبية الخاصة عند أينشتاين! تسوية ما في الأذهان بما في الأعيان (كما في التسوية الوجودية بين الإطار القصوري الغاليلي والإطار الإسنادي الكارتيزي، وفي تشييئه للزمان والمسافة الكارتيزية)، واخترام الحقيقة العقلية لما يقال له السرعة النسبية باستثناء غير معقول أصلا عند أدنى تدبر، وتحكم فاسد في تعريف التزامن، لصالح إدخال حيلة رياضية في معادلات الحركة والسرعة تحقق مطلب تثبيت سرعة الضوء مطلقا بالنسبة إلى كل متحرك! فعندما يكون موضوع النظر الفيزيائي هو حقيقة الزمان، بهذا الإطلاق، من حيث هو مفهوم ذهني متوجه إلى تتابع الحوادث وتراتبها، أيا ما كانت حقيقتها، فليس الأمر إذن بهذه السذاجة والسطحية والبساطة التي تصورها لمضيفك يا دكتور!! وليس يحق إذن للفيزيائي أو الباحث في الطبيعيات أن يقول كما تقول هنا إن الماورائيات والموجودات التي يثبتها المسلمون فيما وراء العالم، لا تدخل تحت نظره وتخصصه وبحثه!! العالم عندك هو كل ما تجري عليه معاني الزمان والتغير والحركة والتحول وما شاكل ذلك، وهو بالضرورة كل ما في الأعيان!! فكيف لا تكون الغيبيات التي يثبتها المسلمون، ومنها الإلهيات، داخلة بالضرورة تحت تخصصه؟؟ 

هذه يا إخوة هي قضيتنا مع الفلسفة الغربية منذ أن ظهرت وإلى اليوم! أن الفيلسوف لا يستهدف بنظره أن يعرف الناس طبائع المواد المحسوسة المحصورة في حيز العادة وحسب، وبين لهم كيفية التنبؤ بها واستعمالها فيما ينفع ويفيد من أنواع التطبيقات والتقنيات، لا، وإنما يستهدف بناء معرفة كاشفة بالوجود من حيث هو! معرفة ما يكون به الموجود موجودا في الأعيان، جارية عليه معاني الزمان والمكان والنسبة بينه وبين غيره من الموجودات، أيا ما كانت! والفيزياء الأكاديمية هذا هو موضوعها، وليقل من يشاء ما يشاء! موضوعها دراسة الواقع الخارجي Reality وما يصح أن يقال إنه واقع فعلا Real وما لا يصح فيه ذلك! الشيء الذي يفترض وجوده، ولا يخضع لقانون النسبية العامة، ولا يخضع كذلك لقوانين ميكانيكا الكم، فهو معدوم بالضرورة! لماذا؟ لأن كلا القانونين وضعا لا بغرض دراسة وفهم وتفسير القدر المحسوس المعتاد من العالم الخارجي، لا، ولكن لفهم الوجود بكليته! فالميتافيزيقا ليست عند الفلاسفة الغربيين موضوعا خارجا عن نظر الفيلسوف الغربي أو تخصصه، بل هي أساس نظره في كل ما يبحث فيه! وهي نظريته العليا التي تحكم كل تصور وكل فرض وكل تفسير لديه! والفارق في عصرنا هذا، إنما هو التقسيم الأكاديمي الإداري فقط! كان البحث في الطبيعيات والتوسع في الميتافيزيقا فيما مضى، من اختصاص الفيلسوف، ثم اليوم أصبحت الطبيعيات أكاديمية مستقلة والميتافيزيقا موضوع النظر في أكاديمية أخرى، والفيلسوف هو اللقب الذي يطلق على المشتغل في الثانية دون الأولى! فما الذي صار يقال للمشتغل بالأولى؟ العالم! وموضوع نظره هو ماذا؟ هو العلم! أيا ما كان موضوع النظرية التي يبحثها، هي "علم"، بالنظر إلى طبيعة الآلة التي يستعملها في بحثها، لا بالنظر إلى موضوعها نفسه ولا إلى مبلغ ما هو متحصل فيها من معرفة مطابقة للواقع! لأ! العالم هو من، في الاصطلاح العصري؟ هو الذي يبحث في الطبيعيات ويتخصص فيها، ولو كان باحثا صغيرا من باحثي الدراسات العليا في كلية العلوم!! وما يخالف العلم ماذا يكون؟؟ يكون جهلا لا محالة!! إذ ليس ضد العلم إلا الجهل! ففي القضية بعد آخر سوسيولوجي وتاريخي لا يجوز تغافله! المجتمع الأكاديمي الغربي لم يفصل بين الفيزيقا والميتفيزيقا على هذا النحو الساذج الذي يوهم به كلام الدكتور! أبدا! وإنما أطلق يد المتفلسف في الطبيعيات في كلا البابين، وألزم الناس جميعا، ومنهم من يقال له اليوم الفيلسوف الأكاديمي Academic Philosopher بأن يكونوا تبعا له فيما ينتهي إليه من "العلم" Science كيفما كان، لا لشيء إلا لأنه قادر على الانتصار لما عنده بالتجريب والحس وتأويلاته (ولا استدلال بالحس في الطبيعيات والتجريبيات إلا بتأويل بالضرورة، وهو ما عبر عنه هنا الدكتور بالانتقال من الداتا إلى المعلومات) وبالنمذجة الرياضية السابغة! وهذه جناية فكرية تاريخية كبرى لابد لكل ناظر مسلم متخصص في هذه العلوم أن يكون له معها وقفات ووقفات! ولابد أن يفهم حواملها السوسيولوجية وبواعثها التاريخية حق الفهم. 

لماذا قبلت الأكاديمية بهذا اللعب وبتلك الحيلة الرياضية البارعة التي أحدثها أينشتاين في نسبيته، حتى صارت هي البارادايم المعتمد أكاديميا، وهي العلم المعياري Normal science على اصطلاح توماس كوون في هذا الزمان؟ لأن نظرية الأثير قد استطاع أينشتاين فعلا أن يثبت مصادمتها للحس، وفشلها في تفسير نتيجة تجربة ميكلسون ومورلي؟ هذا ما يحلو للجميع أن يعتقدوه. لكن واقع الأمر أن أينشتاين أحدث تغييرا في لغة الحوار الفيزيائي نفسها! قلب الطاولة على رأسها كما يقال، وجاء بفكرة جديدة راقت لجماهير الفيزيائيين المعاصرين، لا سيما بعدما لقيت إعجاب ماكس بلانك، الذي كان هو كبيرهم في ذلك الوقت! كانت الفيزياء في ذلك الوقت قد وصلت إلى نقطة أصبح الفيزيائيون لا يجدون فيها مجالا لإبداع كبير، يدخل به أحدهم التاريخ، كما دخله ماكسويل وبلانك وفاراداي وبويل وشرودينغر وغيرهم من أصحاب المعادلات العبقرية التي جرى الناس على استعمالها في تطبيقات العلوم الفيزيقية المختلفة!! وصار يقال: لا جديد في الفيزياء، وانتهت الفيزياء وتمت، وقضي الأمر! فيزياء الكهرباء والمغنطة، تمت وأحكمت وقضي أمرها! فيزياء الحرارة والديناميكا الحرارية؟ تمت وقضي أمرها! فيزياء الموائع، كذلك! فيزياء البصريات والضوء؟ مثلها! ميكانيكا نيوتن وجاذبيته؟؟ تمت أيضا! ميكانيكا الكم وفيزياء الجسيمات الدقيقة والمجالات والموجات؟ عندنا فيها من المعادلات ما يفي بالمطلوب! فأين الإنجاز العظيم الذي يمكن أن يقدم للتاريخ نيوتن جديد أو فاراداي جديد أو ماكسويل جديد، فيما يطمح إليه ويطمع فيه كل دارس للفيزياء؟ هنا ومن هنا ينبع الباعث الحقيقي على الثورة العلمية Scientific Revolution في الفيزياء! هنا يجد النابغة من هؤلاء نفسه مشغولا بمطلب ميتافيزيقي أسمى، على معايير الأكاديمية اليونانية القديمة، من جميع تلك القوانين، ألا وهو مطلب توحيدها جميعا في نظرية واحدة، تصبح هي نظرية كل شيء! من هنا أصبح الأثير المزعوم الحامل للضوء نظرية بالية ينبغي الانقلاب عليها والمصير إلى غيرها جملة واحدة! كان من الممكن أن ينتشر في الوسط الأكاديمي الفيزيائي تفسير لورنتز لتجربة ميكلسون مورلي، بإضافة خاصية جديدة للأثير المزعوم، وأن يصبح الأمر راجعا إلى تأثر معين في جسميات الوسط الحامل للضوء، ويمضي ذلك على أنه هو المخرج من القضية ويتم الأمر! ولكن إذن كان سيبقى الوسط العلمي على تلك الحالة الهامدة الخاملة التي تطفئ شعلة الحماس والإبداع والابتكار والخيال الواسع الرحب عند الواحد منهم، فلتذهب نظرية الأثير إلى الجحيم إذن، كلها من أولها إلى آخرها، ولننهض بثورة جذرية كبرى في مفهوم الزمان نفسه! وهل يحب الفيلسوف الغربي وريث الأكاديمية اليونانية، أو يرضى، أن تكون الفيزياء على هيئة جزر منعزلة على هذه الصورة؟ لا! بل لابد من نظرية توحد ميكانيكا نيوتن وغاليليو مع إلكتروديناميكا ماكسويل! ثم توحد هذين مع ظاهرة التعجيل ومعها الجاذبية، ثم تتوسع فيما يرجى لها، لتبتلع ميكانيكا الكم أيضا، وهو ما قصر دونه أينشتاين ولم يتمكن من تحقيقه!! فلماذا يجب هذا ولماذا يرجى ويراد أصلا؟؟ لأن العلم، علم الفيزياء، بدون هذا الجمع، يكون عاجزا عن الوفاء بثمرته التطبيقية التي ينتفع بها الناس؟ أبدا! لأن الناس ستكتسب إذن معرفة جديدة مطابقة للواقع بشأن الوجود والموجود بإطلاق؟؟ أبدا! فلا فضل لميتافيزيقا أينشتاين على ميتافيزيقا نيوتن أو أرسطو من قبله على التحقيق! أينشتاين لم يطب لنفسه أن يكون الإنسان بحيث إن بلغ سرعة الضوء في حركته في يوم من الأيام، فإنه يرصد شعاع الضوء ساكنا في محله غير متحرك ولا منطلق! هذا لا معنى له في إلكترومغناطيسية ماكسويل! فتصرف للتخلص من تلك الصورة الموهومة تصرفات لا فرق بينها وبين تصرفات الفلاسفة الأولين في حقيقة الوجود والموجود، وجاء بتصور ميتافيزيقي للزمان وحقيقته، هو أسخف من تصور نيوتن! بل إن تصور أرسطو في الزمان أكمل عقلا بكثير على التحقيق! هذا تصور لو سمعه الفلاسفة الأقدمون لانقلبوا على أقفيتهم من الضحك! هو تأخر وانحطاط عقلي في الحقيقة وليس تطورا! فلماذا إذن؟ لماذا يلح هذا المطلب عليهم هذا الإلحاح الشديد؟؟ لأن الناظر الذي يتمكن من ابتكار هذا الجمع النظري الكبير، يا إخوان، سيصبح إماما للفيزيائيين في عصره لا محالة، كما وقع لأينشتاين!! سيصبح هو أرسطو الجديد! وهذا ما يطمح إليه كل ناظر من نظار الفيزيائيين! هذه هي الحقيقة بإيجاز، رضي من رضي وكره من كره!

فعلى تفريق الدكتور بين ما سماه بالمنهج العلمي، وما سماه بالمنهج التجريبي، يصبح المنهج العلمي Scientific Method هو بحذافيره منهج فلاسفة اليونان الأقدمين في توليد النظريات بشأن الوجود والموجود بإطلاق، تفسيرا وتكييفا لقيام المعاني الكلية كالزمان والمكان والحركة، بالموجودات في الأعيان! فكيف بربك يكون هذا بحيث لا تدخل تحت مجاله وفي إطار موضوعه تلك الموجودات الغيبية التي يؤمن بها المسلمون؟؟ بل تدخل قطعا! بل وتصبح وظيفة اللاهوتي في هذا الزمان، كما كانت وظيفته من قبل في جميع الملل الكتابية، أن يبين أن "العلم" لا يتعارض مع الاعتقاد الغيبي الديني المستفاد من كتابه، بعد أن سبق منه اعتقاد أن هذا هو "العلم" فعلا، الذي لا يناقضه إلا الجهل! ويصبح بعمله هذا، في نظر النظار الكبار، ساعيا سعي المستميت في حشر إلهه في فجوات البناء النظري الذي تحصل لهم في تلك الأكاديميات لا محالة! المعرفة بشأن الكون بكليته، لها الآن "علم" أكاديمي مستقل، يقال له علم الكونيات Cosmology! فإن كنت بحيث تعتقد في دينك اعتقادا يخالف ذلك "العلم"، فأنت المطالب بنبذ ذلك الاعتقاد! وليس أن أصول ذلك العلم وفروعه تخضع عندك للمراجعة والنقد، معاذ الله! بل دينك هو الذي يراجع كله من أوله إلى آخره ولابد! لماذا؟ لأن هذا هو العلم يا رجل! وهل بعد العلم إلا الضلال؟؟ غير مطروق أصلا ولا مطروح عند فلاسفتهم، البحث فيما إذا كان مبدأ البحث في الكون بكليته، من أصل المطلب نفسه، هو مما يستساغ عقلا أن يكون موضوعا للعلوم الطبيعية التجريبية أم لا يستساغ! لماذا؟ لأن الأمر كما بينا آنفا! الفيلسوف يريد لنظريته، من مبدأ الطرح، أن تفسر كل ما في الوجود! درجت القرون وتتابعت في تلك الأكاديمية على استحسان تلك الغاية الفاحشة المستكبرة، بل وعلى اعتقاد أن ما يقرره الفيلسوف فيها إنما هو من اضطرار العقل، لا من جنس الفروض التحكمية الواهية التي يمكن أن ترد تحكما كما تفرض تحكما! والذي عظم الفتنة بتلك الطريقة عند الأقدمين، أن أصحابها كانوا ينتصرون لها بالبراهين الاستنباطية المنطقية! هل يمكن أن يعترض إنسان على قول الفيلسوف إن كل موجود هو جسم له صورة، مثلا؟؟ ما الجسم؟ الشيء الحسي الذي يشار إليه! وما الصورة؟؟ الحالة التي يكون عليها كيفما كانت! فما وجه الاعتراض إذن؟؟ لا اعتراض! طيب هل يستوحش أحد قوله إن كل موجود هو جوهر تعرض عليه أعراض، يختلف بها عن غيره من الموجودات فيما له من الصفات؟ أبدا! الجوهر هو الجسم أو الذات إن شئت! العين الوجودية القائمة خارج الذهن، كيفما كانت! طيب ما العرض؟ ما يعرض عليه من الأحوال التي تتقلب وتتغير! ويدخلون في ذلك صورته وهيئته ووضعه ومحله وحركته وامتداده في الجهات وتحوله من حال إلى حال .. إلخ! فإذا قُدم لك الحد أو التعريف على هذه الصورة، فهل تعترض على كلامه؟ أبدا! فأين التلبيس والتمويه؟ التلبيس والتمويه في أن هذه الألفاظ الجسم والعرض والصورة والجوهر، ليست على ما عليه استعمالات الناس لها في لغاتهم، فيما يستفاد من تلك التقريرات التي مرت وتلك التعريفات التي ذكرنا! وإنما هي عند الفيلسوف أنواع من الأعيان الوجودية المستقلة التي تتركب في بعضها البعض وجوديا، فيتفسر نفس وجود الموجود وقيام الصفات به، بذلك التركب المزعوم! فالجوهر عين لا صفة لها، والعرض عين تتحقق بها صفات تلك العين، ولا صفة لها هي في نفسها!! نوعان وجوديان موهومان! وقد يصار إلى جعل الجوهر هذا جسيما دقيقا تتركب العين الوجودية من كمية كبيرة منه، كما يقال له في مصطلحنا العصري (الذرة)، وربما صيروه عدما لا امتداد له (على أساس أن الامتداد هذا عرض من الأعراض!!)، فيما يسميه بعض الفلاسفة الأقدمين والمتكلمين بالجوهر الفرد، والجزء الذي لا يتجزأ! من هنا دخل الباطل والفساد على أذكى أذكياء العالم من أهل الملل، ولم يشعروا به إلا فيما شذ وندر! وسهل، لأجل هذا، أن يصدقوا الفلاسفة في تسفيههم عقول من يخالفهم، وأن يرتاعوا من مجرد فكرة التطرق لهذه النظرية بالمخالفة! زد على هذا أن السطوة الأكاديمية لهذه النظريات والنفوذ المعرفي لأصحابها يضرب الرعب في قلب كل من يطرأ في باله أن يعترض! فيبقى بحيث ينحصر اعتراضه في بعض التعريفات دون بعض، لتلك الكيانات العدمية المزعومة، كما وقع لمتكلمي أهل القبلة واللاهوتيين من أهل الملل الكتابية من اليهود والنصارى! فإذا نظرت إلى واقع الأكاديمية نفسها اليوم، رأيت صورة مشابهة للغاية، مع اختلاف النظرية الميتافيزيقية وحدودها وتعاريفها الكلية الحاكمة، عما كانت عليه على زمان أرسطو. فعندنا اليوم تعريف كمومي للاشيء الفيزيائي أو العدم الفيزيقي Nothingness، وتعريف نسباني للفراغ أو المكان Space، وتعريف نسباني للزمان time، وتعريف آخر كمومي أيضا، فالأول تعريف تشييئي substantivalist لعين وجودية يتركب منها ما يقال له الزمكان الوجودي، ولها تأثيرها في حركات الأجرام وتأثرها بكتلها وحركاتها أيضا، والثاني تعريف علائقي relational موضوعه تتابع التحولات والتغيرات الكمومية في معادلة دالة الموجة! وهما تعريفان لا يمكن الجمع بينهما على التحقيق، لأن الشيء الموجود داخل الزمكان المزعوم هذا، إن كان وجوده بحيث لا يخضع للتعريف النسباني للزمان والتزامن وما يتعلق بهما من التعريفات الميتافيزيقية عندهم، فلا قيد إذن ولا حد ولا ضابط لما يصح أن يكون خاضعا لقانون النسبية العامة من الموجودات الفيزيقية، وما لا يصح أن يكون كذلك، والفرض من مبدئ الطرح أنه مطلق على كل موجود تجري عليه معاني الزمان والنسبة المكانية، ولولا هذا ما استجازوا إطلاقه ليشمل الكون بكليته، ويكون أساسا لما يقال له علم الكوزمولوجيا عندهم! وإن كان وجوده بحيث يخضع له، فقد عدم الفيزيائيون أي دليل تجريبي على أن الجسيمات الكمومية تخضع في سلوكها لقانون النسبية العامة ولتأثير الجاذبية بأيما وجه كان! والجاذبية هي تأثير الزمان والمكان مجتمعين على الجرم المتحرك، بالنظر إلى كتلته! فليس جريان الزمان عليه إذن (فيما يقال له الزمان الكلاسيكي) كجريانه على غيره من الأجرام الوجودية!! مع أنه واقع داخل الزمكان المزعوم نظريا!! وهذه هي خلاصة الأزمة الفلسفية التي تواجههم حاليا في الجمع بين النظريتين، النسبية العامة وميكانيكا الكم! ومن الواضح لكل عاقل متجرد للحق أن أصل الأزمة هو ميتافيزيقا الزمان عند أينشتاين بالأساس، وتصوره المغالط لحقيقته!! 

ولكن، ومع هذا، فلا تنتظر أن يزول الفيزيائيون عن النسبية العامة قريبا، إن كانوا زائلين عنها أصلا في يوم من الأيام! لماذا؟ لأسباب سوسيولوجية صرفة في الحقيقة! أولا لأن الزخم التنظيري والرياضي الواسع الذي أحدثته تلك النظرية في الأكاديمية خلال القرن الذي انصرم منذ أن وضعها صاحبها، وجهات الخيال والابتكار والإبداع الرياضي والهندسي الواسع في النماذج الكوزمولوجية والتفسيرات الأستروفيزيائية، والجدل المثير للعاب كل فيزيائي متوقد الذهن، فيما يقال له المادة المظلمة، وما يقال له الطاقة المظلمة، وما يقال له الثقب الأسود والثقب الدودي وهندسة الزمكان وهذه الأشياء، ذلك الخيال الجامح الذي فتح المجال واسعا لأحلام وطموحات بحثية تغذيها روايات ما يقال له الخيال العلمي، كفكرة السفر فيما بين النجوم والمجرات بطي الزمكان المزعوم، وفكرة السفر عبر الزمان، وما شاكل ذلك من أوهام أدباء الخيال العلمي، كل هذه الأمور ما كانت لينفتح لها المجال في الأكاديمية لولا ذلك الانقلاب الميتافيزيقي المذهل البديع الذي أحدثه أينشتاين!! هو فعلا انقلاب عبقري ألمعي بلا أدني شك!! وكثير من الفيزيائيين لا يتمالك نفسه عندما يطلب منه الكلام عن تلك النظرية، فيتغزل في جمالها الرياضي وفي بداعة العلاقة الهندسية بين الزمان والمكان فيها، وفي سعة ما "كشفته" للبشرية من كشوفات مذهلة بشأن الكون ما كانوا ليتصوروها بدونها، إلى آخر ذلك! وهذا مما يفتتن به كثير من الناس، فيعمي بصره عن فساد الأصل الفلسفي الكامن تحتها!! ثم إنك تتكلم عن تخصصات أكاديمية كاملة قامت بالفعل على تلك النظرية، كما هو الشأن في نظرية داروين في علم الأحياء! مناصب أكاديمية ودراسات ورسائل وكراسي وشهادات ومشروعات بحثية بمئات الملايين من الدولارات، تحت فرخة كانت ولم تزل تبيض ذهبا في الأكاديمية! فكيف تنتظر أن يقبلوا من باحث منهم أن يحيلهم عنها إلى غيرها في يوم من الأيام؟؟ لن يقبلوا منه إلا إن جاءهم بفكرة أكثر إثارة للعابهم، وإتاحة لهم لأن يتباروا في مسائلها كما هم جارون عليه الآن في النسبية العامة وزيادة، مع كونها جامعة لميكانيكا الكم تحتها، كما لم يقدر عليه أينشتاين!! وهذا غير ممكن على الحقيقة كما بينا! وجميع ما يقال له اليوم نظريات الجاذبية الكمومية Quantum Gravitation Theories حقيقته بإيجاز شديد، أنه يخترع أبعادا فراغية وهمية قياسا على هذه الثلاثة التي نعقلها، ثم يدعي أننا لم نشهد إلى اليوم خضوع الجسميات الكمومية لتأثير الجاذبية النسبانية، لأنه إنما يظهر في أبعاد عليا فوق ما نقدر على مشاهدته! فكيف يمكن التحقق من تلك الأبعاد المزعومة حسيا؟ لا يمكن قطعا! الفرض الميتافيزيقي في تعريف الأبعاد العليا المزعومة تلك، أنها فوق الإدراك البشري!! ولهذا فكثير من الفيزيائيين الذين يحترمون أنفسهم، لا يعدون تلك النظريات من قبيل العلم الفيزيائي أصلا، وإن كانوا لا يعترضون على مبدأ الأبعاد العليا هذا فلسفيا!! ثم إنه كما كان الناس يتهيبون من نقد ميتافيزيقا أرسطو والاعتراض عليها من جذورها الأولى، فكذلك اليوم يتهيبون من نقد ميتافيزيقا أينشتاين، ولنفس السبب السوسيولوجي عند التدبر! لماذا؟ لأن فكرة النسبيتين الخاصة والعامة صعبة الفهم على أكثر الناس! والقائمون على تدريسها يشترطون على الطلبة أن يغرقوا في رياضياتها غرقا تاما كما غرقوا هم من قبل، إن أرادوا أن ينتقدوا أصولها الفلسفية الأولى! فإذا انخرطوا فيها كانخراطهم، توجههم الهمم إلى محاولة فهمها وضبطها رياضيا، وأصبح الإنسان مائلا لاتهام نفسه إن ظل في الأمر غموض وصعوبة في التصور، حتى بعد أن يمضي سنوات طويلة من عمره منخرطا في دراستها أكاديميا. وكيف لا وقد قيل فيما قيل عنها، على سبيل المبالغة ولا شك، إنها لا يفهمها في العالم حق الفهم إلا ثلاثة أو أربعة من الفيزيائيين، أينشتاين نفسه واحد منهم؟؟ وكيف لا وقد صار اسم أينشتاين مرادفا للفظة "عبقري" في أكثر لغات الناس اليوم! فأنت إن لم تفهم أو قام في نفسك اعتراض عليها، حتى بعد أن حضرت في شرحها لمحاضرات وشروحات الفيزيائيين الكبار في العالم، فأنت قاصر العقل عن دركها قطعا لا محالة! لا يمكن إلا أن يكون الأمر كذلك! العيب فيك أنت ولا بد، لا في أينشتاين! 

قرأت قبل أيام أن ثلة من الأستروفيزيائيين الكبار من مختلف جامعات العالم يعتزمون الاجتماع لمناقشة أحدث الصور التي أفادهم بها تليسكوب جيمس ويب، وهم يشعرون بأنهم أمام مطلب ملح لإعادة النظر في جميع ما بين أيديهم من تصورات بشأن الكون! فبعضهم صار يميل للقول بأن معدل التوسع الكوني المزعوم متفاوت في جهات الكون، وليس واحدا ثابتا مطردا كما كان تصورهم جميعا من قبل! وبعضهم يميل إلى القول بأن كتلة الكون ليست واحدة متساوية في جميع الجهات كما كان هو الفرض الأول في النسبية العامة، وهو ما يورد إشكالات كبيرة على مجرد فكرة أن يكون ثمة مادة مظلمة تفسر الامتداد المطرد المزعوم! هم يعتزمون الاجتماع وهم متحمسون لإعادة استيلاد فروض جديدة ونظريات ونماذج جديدة أوسع ابتكارا وإبداعا، من نفس البارادايم النسباني الحاكم، وإن قال بعضهم فيما قال إننا قد نحتاج إلى تعديله! لن يجترئ منهم واحد على تحدي التعريفات الأينشتاينية الأولى، وميتافيزيقا الزمكان نفسها، فضلا عن أن يجترئ ويناقش مبدأ وضع نظريات كونية يكون موضوعها الكون بكليته من مبدأ الطرح! محال! لماذا؟ لأنك لن تقتل البقرة التي لم تزل تطعمك باللبن كل يوم!! نحن نتكلم عند هؤلاء عن أفكار "فلسفية" قاتلة للعلم!! وهم يقبلون من الفلسفة ما يوسع دائرة "العلم"، لا ما يضيقها عليهم! فما هي دائرة العلم هذه التي لا تقبلون تقييدا لها ولا تضييقا عليها يا دكتور قسوم؟ كن صريحا وصف واقع الأكاديمية التي تنتسب إليها على ما هو عليه، أصلحك الله، ولا تلبس على الناس.                             

فقول الدكتور، عندما سأله المضيف، هل العلم التجريبي يؤمن بالميتافيزيقا: "لا نستطيع أن نقول هي تؤمن أو لا تؤمن! هي تقول هذا ليس مجالي! ليس تخصصي! فأنتم إذا أردتم أن تدرسوا الظواهر الطبيعية، فتحدثوا معي بلغة المنهجية العلمية التجريبية .." هذا يناقض به ما قاله أولا من أن الطريقة العلمية أوسع وأشمل من الطريقة التجريبية، إذ الطريقة العلمية تشمل كل ما هو نظري وإن لم يكن له مستند تجريبي يدعمه أو ينتصر له به! فأي بحث هذا الذي هو بحث نظري لا مستند له في التجربة، أو هو أوسع من أن تكون مادته تجريبية أو يكون موضوعا للتجربة المباشرة، إن لم يكن بحثا ميتافيزيقيا؟ استعمل الرياضيات فيه ما بدا لك! لا يغير هذا من حقيقته شيئا! أنتم يا دكتور نضال للأسف ليس عندكم تعريف صريح واضح لحدود الفيزيقا التي إذا تجاوزها الباحث صار باحثا في الميتافيزيقا، ولا يمكن أن تقوم لديكم تلك الحدود، ولا تملك أنت نفسك أن تعترض على أقرانك وزملائك الذين زعموا أن نماذجهم الكونية تمنع من وجود صانع للعالم، بالنظر إلى إقرارك للطريق الذي أوصلهم إلى ذلك مبدئيا! ولهذا فمهما تناظر وتناقش اللاهوتيون الدارسون للكوزمولوجيا مع الكوزمولوجيين الملاحدة، فلن ينتهوا في النهاية إلا إلى إقرارهم على أن عند الفريقين نظريتان أو تصوران كليان للعالم Two distinct worldviews أحدهما طبيعاني صرف Naturalistic، والآخر إثباتي theistic، والكوزمولوجيا وطبيعيتها المنهجية في توليد النظريات والنماذج بشأن الكون بكليته، جزء أساسي من كل منهما، ثم المطلوب من كل جانب من الجانبين أن ينتصر لتصوره الكلي هذا، على تصور مخالفه! فإذا أقره على هذا، كما تلبس به ويليام لين كريغ في مناظرته الشهيرة مع شون كارول (التي أطلنا النفس في التعليق المفصل عليها في سلسلة من عشرين محاضرة تقريبا هنا على قناة إقناع)، لم يملك إلا أن ينزل خالقه إلى منزلة الفرضية التفسيرية التي لا تلائم، فعلا، عند النظر في آلات الفلاسفة وأدواتهم في توليد الفروض النظرية بشأن الوجود والموجود بإطلاق، ما قد سبق أن قبله وسلم به إجمالا من نظريات الكونيين ومناهجهم في توليدها! وإذن فالخصم الإثباتي theistic opponent مهزوم في كل مناظرة من هذا الصنف من قبل أن يبدأ، لا محالة! وقد اضطر ويليام لين كريغ، ولنفس السبب، في مناظرته أو مناقشته مع روجر بنروز، إلى أن يجيز للنصراني أن يقول بقدم العالم! قال حتى هذه المقالة وجد في آباء الكنيسة من يجوزها! وهل جوزها الفلاسفة الإسلاميون إلا لنظير ذلك؟؟ لا تعجب! فإنه إذا تساوت البدايات، تساوت النهايات!     

ثم يقول المضيف: لأ خلينا ننزل تحت .. يعني أنا باتكلم مثلا، فيه أشياء أحيانا، هي لا يمكن قياسها، لا يمكن اكتشافها، لكن نتائجها محسوسة، مثلا، الخوف .. الخوف أنا ما أقدر أقيسه، ما أقدر أسوي له عملية تجريبية، لكن نتائجه واضحة، يعني أقدر أقيس نتائجه .. كيف يتعامل العلم التجريبي مع الأشياء التي لا يمكن قياسها ولكن يمكن قياس نتائجها؟ الدكتور: إحنا الآن خرجنا شوية من العلوم الطبيعية، إحنا الآن نتحدث عن علم نفس، مثلا، في هذه الظاهرة، حتى نعرف نبين، يعني إنه، نحن لا نتحدث الآن عن ظواهر طبيعية لا يمكن قياسها، ولكن نتحدث عن ظواهر نفسية، إنسانية، هذه في مجال العلوم الإنسانية، مش العلوم الطبيعية. ومع ذلك، علم النفس هو من أكثر العلوم الإنسانية، من الإنسانيات، الذي يحاول هذا العلم أن يكون تجريبيا علميا منهجيا إلى أبعد الحدود. فمثلا، لو أنا عالم نفس، وجلست معك هكذا وتقول لي، الخوف هذا احنا ما نقدر نقيسه ولكن نقدر نقيس آثاره، فأقول لك وقف وقف أستاذ عبد الله! الخوف هذا نقيسه، جيب لي الناس، ناخدهم المختبر، ونوريهم صور، ونرى، أولا، نقيس، مثلا، خفقان القلب يزيد، نرى مثلا حتى التيارات الكهربائية والموجات الكهربائية التي تحدث في الدماغ، نرى مثلا حتى زيادة العرق، نرى حركات زيادة للشخص! فهي قابلة للقياس، مش معنى إن ما نقيسها، احنا ما نحس بالخوف وخلاص ما نقدر نقيسها، لأ لها إمكانيات أو مجالات نقيسها بها. (9:39)

قلت: هنا يخلط الدكتور، كما يخلط كثيرون من أقرانه، بين الحقيقة الوجودية أو المعنوية المراد قياسها، وأثرها الملازم لها، الذي يكون هو طريق ذلك القياس غالبا. وهذا الخلط له أصوله عند الفلاسفة عند التدبر، وهو راجع، لا محالة، إلى تعريف ميتافيزيقي فاسد! فأنت عندما تضرب حدا ميتافيزيقا للخوف على أنه خفقان القلب عند مشاهدة أمور معينة، فلا عجب أن يصبح قياسك لخفقان القلب هذا هو ملاحظة ومشاهدة مباشرة، في تصورك، لما يقال له القلب! تقرأ معدل ضربات القلب على الجهاز، فتقول: هذا هو الخوف! أنا أراه الآن مرسوما أمامي على الجهاز! ونظير ذلك ما يقع فيما يقال له جهاز كشف الكذب Polygraph! هذا الجهاز ليس مقبولا أكاديميا على الإطلاق، ومع هذا لم تزل تستعمله كثير من الجهات السيادية في العالم في كشف الكذب فيمن يستجوبونه! ما فكرة الجهاز؟ أنك توصل حساسات على جسم الإنسان، بحيث تستشعر أي تغير في معدل خفقان القلب، وفي معدل التنفس، وفي ضغط الدم، على أساس أن الإنسان إذا كذب، وهو تحت الاستجواب، فلابد أنه سيخاف، ومن ثم ستضطرب قراءاته المسجلة على الجهاز في هذه الأمور، وبهذا نكون قد رصدنا كذبه تجريبيا! ولكن من الذي قال إن كل اضطراب في القلب والدورة الدموية وضغط الدم، أو حتى في كهرباء المخ، يكون بالضرورة ناشئا عن كذب تلبس به؟ الذي قال ذلك هو الباحث الذي احتاج لضرب تعريف جديد للكذب، يختزله في تغير محسوس في جسم الإنسان، بحيث إذا أمكنه رصده، يقول: قد رصدت الكذب! ونظير ذلك التعريف، الحد الذي تكلفه المتكلمون الأشاعرة في تعريف الغضب، حتى يصلوا منه إلى نفي هذه الصفة عن الله تعالى، كما تمليه عليهم ميتافيزيقاهم اليونانية! قالوا الغضب هو غليان الدم في القلب، تأثرا بأمر ما! فأنت تسمع هذا التعريف، فتقول، محال أن يثبت ذلك المعنى لله تعالى، لأنه لا يليق إلا بمخلوق له دم يجري في قلبه، ويتعرض للغليان وكذا، كما هو واضح، والله منزه عن هذا! فأين الحيلة هنا؟ الحيلة في التسليم بهذا التعريف! تؤتى من قبله من حيث لا تشعر! فبعيدا عن أنه قائم على طب الأقدمين، إذ من المعلوم طبيا اليوم أنه لا يمكن أن يغلي الدم في جسم الإنسان أصلا وإلا مات فورا، فمن الواضح أنه تحكم فلسفي بارد في تقرير معنى كلمة "غضب"! تحكم يحرص به المتفلسف على أن يدخل في معنى الغضب ما ليس منه ولا يلزم أن يكون منه حتى يثبت للموصوف به! فإذا ما زعم ذلك التفصيل والتكييف داخلا في أصل الوضع اللغوي لكلمة "غضب" كما يسلكه القوم، ألزمك بنفيه عن رب العالمين تنزيها! 

فكل هذا الذي يقول الدكتور إننا نراه حال حصول الخوف للإنسان، قد يكون من آثاره على الخائف، كله أو بعضه، وقد يكثر ذلك ويغلب بحيث يكون هو الأصل في الخائفين، ولكنه يبقى أثرا لما يقال له الخوف في النفس، وليس هو نفسه! فيحتاج الناظر إلى أن يجمع قرائن أخرى تدل على أن هذا الإنسان خائف، ولا يكفيه أبدا أن ينظر في تلك الآثار وحدها! وهذه مسألة طويلة الذيل في فلسفة علم النفس، والقياس النفسي Psychometry لا يتسع لها هذا المقام، والله الموفق للرشاد.

..... يتبع إن شاء الله تعالى ......

د. أبو الفداء حسام بن مسعود

أستاذ مشارك بكلية الهندسة جامعة عين شمس

إرسال تعليق