الحمد لله وحده، أما بعد، فالخلط بين حكم القول وحكم القائل، القصد منه استمداد أحدهما من الآخر، أو نقله إليه، أو تنزيله عليه، إما مع إهمال قرائن وأدلة حال القائل وأسباب تلبسه بالمقالة، وإما مع إهمال أدلة حكم القول في نفسه وحكم النزاع عليه.
والخلط يحصل بين الحكمين في كلتا الجهتين عند التدبر، لأهواء متقابلة. فغلاة الجرح والطعن على العلماء، الخوارج على الأئمة وأهل الفضل في هذه الأمة، من حقد وحسد يملأ قلوبهم على العلماء، كما يكون من حسد عند عموم الخوارج على الأئمة والسلاطين، تراهم يتلبسون بنقل حكم القول (لفظ العموم فيه) إلى القائل المعين، مع إهمال قرائن حاله بعينه وخصوصه، تلك القرائن والأدلة الواجب مراعاتها عند النظر في حكمه. وفي المقابل، تجد المميعة والمتساهلين في جناب العقيدة، المفرطين في رواسخها، لحرص لديهم على التزلف للفلاسفة والمتفلسفة، يتلبسون بنقل حكم القائل (وهم طوائف أهل الفضل والعلم من المتلبسين بالمقالة البدعية، ممن لا يساء الظن بهم ولا يتهمون باتباع الهوى) إلى المقالة المتلبَّس بها، مع إهمال أسباب العلماء في الحكم بمخالفة تلك المقالة لطريقة أهل السنة، بل وربما في الحكم بكفريتها!
فأما المسلك الأول مسلك الحدادية، فقد تكلمنا فيه كثيرا في مواد هذه القناة المباركة ومنشورات هذه الصفحة. وأما المسلك الثاني فقد انتقدتُ بعض أصحابه في مواطن متفرقة، لكن لم أسمِّ مخالفتهم المنهجية بهذا الاسم الذي حررته الآن (نقل حكم القائل إلى مقالته).
فالأشاعرة لا يجوز تكفير علمائهم بمجرد التلبس بالمقالات التي أطلق السلف القول بتكفير الواقع فيها، وهذا هو نقل حكم القول (في ألفاظ العموم السلفية) إلى القائل في حقهم! ولكن كذلك لا يجوز تصحيح مقالاتهم البدعية، على ما فيها من مقتضيات كفرية، أو على الأقل تسويغ نزاعهم وطريقتهم فيه، وعد ذلك من أقوال أهل السنة المستساغة، كما يسلكه اليوم الشيخ الددو وحاتم العوني ومن شاكلهما من المميعة، يقولون إن الأشاعرة والماتريدية من عموم أهل السنة، وعامة المسائل التي خالفوا فيها أهل الحديث، خلافهم فيها مستساغ! فهؤلاء مدار شبهتهم على منازل العلماء القائلين بتلك المقالات عبر التاريخ! كيف تكون بدعة ضلالة، وإليها ذهب الإمام فلان بن فلان، وقال بها العلامة فلان الفلاني، وهي ما قرره شيخ الإسلام فلان بن فلان في بعض مطولاته، وهي موروثة عن ثلة من أصحاب المطولات والتصانيف وأمهات الكتب في فنون العلم الشرعي؟؟ فإذا سمينا مميعة العقيدة بمرجئة العلم، وسمينا الفريق المقابل (غلاة الطعن في المخالفين) بخوارج العلم، فهذه الشبهة التي ذكرنا الآن عند مرجئة العلم، أدق وأخفى عند التأمل من شبهة خوارج العلم. ولهذا لا نقبل ولا نرتضي الاسم الذي أطلقه بعض خوارج العلم الحدادية عليهم أنهم "مدجنة الأشاعرة"، لأن غلطهم ومخالفتهم وإن كانت مستساغة، إلا أن سبب وقوع كثير من الناس فيها، يوجب لهم من الإعذار ما لا يوجبه للحدادية سبب وقوعهم في بدعتهم!
فخوارج العلم (الحدادية) يقولون: كيف يكون إماما في الدين من يعتنق هذا القول الكفري أو يغلط تلك الأغلاط الكبيرة في صفات الله تعالى؟ فيسقطون القائلين مراعاة لحكم المقالة، وإن كانت الأمة قد أجمعت على تعظيمهم والترحم عليهم والانتفاع بتراثهم! ومرجئة العلم في المقابل يقولون: كيف يكون هذا مذهبا بدعيا أو تكون هذه مقالة كفرية، تنزل التهمة الشنيعة على قائلها، مع أنه قد قال بها الجلة من أئمة المسلمين وعلمائهم المعظمين عبر القرون؟ فيسوغون المقالة البدعية بالنظر إلى أحوال قائليها ومنازلهم في الأمة، وقد يزعمون الإجماع عليها أو على اعتبارها في أقوال أهل السنة ومذاهبهم، بالنظر إلى ذلك. فأي الرجلين أقرب لأن يكون معذورا؟؟ من أداه لزوم جادة العلماء المعظمين في الأمة والاصطبار على مجالسهم والأخذ عنهم، إلى قبول الباطل والبدعة، أم من أداه إسقاط قرون العلماء والأئمة جملة وصولا إلى القرن الثالث الهجري، استكبارا عليهم واستعلاء، وكأنهم لم يخلقوا ولم يعرفهم الناس ولم يجدوا منهم خيرا قط، أداه ذلك البغي الظاهر جدا، إلى اختراع الباطل والتأصيل الفاسد؟؟ هذه كما ترى مقارنة في أدلة وقرائن الأحوال! وليس في حكم البدعة نفسها كما يسلكه الحمقى والأغرار من خوارج العلم! لا يقال هنا كما يقولون: تعذرون من يغلط في الناس ولا تعذرون من يغلط في حق الله! فصحيح إن الجناية تعظم بعظم قدر من ترتكب في حقه، ولكن رب مرتكب لجناية لا يشعر بأنها جناية، وما يريد إلا الخير! فهل يتصور لرجل أن يغلط على الله ويعذر، بينما يغلط آخر على العلماء والأئمة، وهم بشر مخلوقون، فيشنع عليه ويزجر ويذم بالغ الذم والتقريع؟ نعم قطعا! لماذا؟ لأننا لا ننزل حكم القول على القائل دون التفات إلى قرائن حاله وأسباب تلبسه بالمقالة كما يصنع هؤلاء.
ولهذا فقد غلط بعض سفهاء الحدادية في فهم إطلاقات بعض العلماء في قولهم في المسألة من مسائل العقيدة: "هذه مسألة لا يدخلها الاجتهاد"، فظنوا أن المقصود تبديع وتفسيق كل مخالف. وهذا غلط بين! فهنا يقال: الاجتهاد ما المقصود به؟ إن كان المقصود إفراغ الوسع في استجماع أسباب العلم بالحق، فهذا يرد على القطعيات الإجماعية، كما يرد على الظنيات الخلافية التي يدخلها الخفاء، سواء بسواء. يرد على الأصول كما يرد على الفروع في الدين ولا فرق. والرجل قد يكون طالبا للحق فيخطئه، وقد يكون قاصدا للباطل فيصيبه، وكلاهما يقال إنه قد "اجتهد" في المسألة، سواء كانت في الأصول أو في الفروع. وأما إن كان المقصود منه المخالفة وإيراد المعارض النظري، فنعم قطعا أصول الدين والعقائد الراسخة لا يقبل فيها النزاع، ولا يرد عليها المعارض! لكن ما الفرق بين التعريفين؟ الأول يتعلق بالقائل، بينما الثاني يتعلق بنفس المقالة، وانتبه. الاجتهاد على التعريف الأول فعل من أفعال المكلفين، يجب عليهم في كل ما جاء به الشرع، وأوجب على المسلمين تعلمه، سواء كان من العقيدة أو مما دونها من مسائل الشريعة. وأما على التعريف الثاني، فهو فعل للمكلف أخص من الأول، فعل يتكلفه بعض الناس بإيراد أسباب المخالفة أو المعارضة لما عليه مخالفوهم، في مسألة معينة. فعليه، فإن بعض المسائل يقبل فيها ذلك الفعل ويستساغ مبدئيا، دون بعضها الآخر. يرد المعارض النظري على الفروع النظرية دون الأصول والثوابت العقدية ولا شك. ولكن هذا الفارق راجع إلى سببين في الحقيقة، لابد من اجتماعهما في المسألة حتى يصح فيها أنها من قطعيات الدين وثوابته التي لا تقبل ورود المعارض ولا تستساغ فيها المخالفة! الأول منهما متعلق بالظهور والجلاء العقلي والمعرفي لأدلة المسألة وقوتها في إفادة المطلوب، موضوعيا، والثاني راجع إلى إجماع القرون الفاضلة على حمل تلك الأدلة على ذلك الوجه الجلي الظاهر. فالحق الذي لا يفهمه هؤلاء أن ظاهر النص، أي نص، ليس صفة ذاتية للنص مطلقا، وإنما هو صفة ذاتية على اعتبار، وإضافية على اعتبار آخر. ذاتية من حيث أنها قائمة بنفس النص، ملازمة له إذا اجتمعت إليه القرائن المطلوبة لفهمه، المعتبرة في نظائره عند أهل الاصطلاح والوضع اللغوي الصادر به النص. وإضافية على اعتبار تعلق تلك القرائن بالبشر، المتفاوتين لا محالة في تحصيلها وجمعها، بالنظر إلى طبيعة الفرد منهم والجماعة! يقال ظاهر! فلا يسلم حتى نسأل: ظاهر لمن؟ فيكون الجواب المرضي: لأهل اللسان الذين صدر الخطاب بلسانهم، وعلى عرفهم، وباصطلاح علمائهم، لا لمن سواهم! لذا احتاج المعاصرون إلى أن يرثوا إجماع الأولين على ما ظهر لهم من نصوص الوحيين، واحتاجوا إلى وراثة ما كان عليه تلامذتهم من فهم لظواهر كلامهم هم رضي الله عنهم فيما أثر عنهم، وهكذا في كل قرن من أئمة العلم! لا يصح ولا يجوز ولا يقبل أن يؤتى بكلام عالم من علماء الأولين أو الآخرين أو المعاصرين، ممن عظم تابعهم وتوافرت الهمم على العناية بتراثهم، ثم يتكلف الرجل فهما لذلك النص لم يعرفه أحد من تلامذة ذلك العالم وخاصته وورثة علومه، فإذا خولف فيه قال: هذا هو "ظاهر" الكلام، الذي لا يظهر منه خلافه! الظاهر كالحقيقة، وخلافه كالمجاز، لا يمتاز أحدهما من الآخر إلا بقرائن، من فوتها أو جهل بها، لم يعرف ظاهرا من باطن!!
فعلى التعريف الأول للاجتهاد، يجوز أن يكون العبد مأجورا عند الله تعالى، لإفراغه وسعه وغاية قدرته في الأخذ بأسباب معرفة الحق في مسألة ما، ومع هذا يخطئ فيها وينتهي إلى التقليد على الباطل، ويكون مستحقا لأجر المجتهد المخطئ، مع كون المسألة مما أجمع السلف على تفسيق أو تبديع أو تكفير المخالف فيها! ولهذا استنكر أناس سفهاء كلاما لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في مجموع الفتاوى وغيره، قرر فيه ما حاصله أن الرجل قد يكون مجتهدا طالبا للحق، مستحقا للأجر والمثوبة، في تلك المسائل التي شدد السلف وأغلظوا على المخالف فيها وأطلقوا القول بتكفيره! فالتكفير إنما يتحقق في المعين وينطبق عليه موجب التشديد والإغلاظ السلفي، إذا تبين كونه عليما بالوجه الكفري الذي تقتضيه المقالة، متمسكا بها مدافعا عنها على الرغم من حصول ذلك العلم له. وهو ما عبر عنه العلماء بقولهم: كفر القول لا يقتضي كفر القائل، حتى نتبين ونتيقن من تحقق الشروط وانتفاء الموانع. ولأنه بالمثال يتضح المقال، فقد قال ابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى في فتح الباري: " وَلَوْ قَالَ مَنْ يُنْسَب إِلَى التَّجْسِيم مِنْ الْيَهُود لَا إِلَه إِلَّا الَّذِي فِي السَّمَاء لَمْ يَكُنْ مُؤْمِنًا كَذَلِكَ، إِلَّا إِنْ كَانَ عَامِّيًّا لَا يَفْقَهُ مَعْنَى التَّجْسِيم فَيُكْتَفَى مِنْهُ بِذَلِكَ"! فهذه العبارة مع أنها تنطوي على غلط عظيم، إلا أننا نرجو لصاحبها رحمه الله ليس فقط السلامة من تكفير السلف لنفاة العلو الذاتي، بل نرجو له الأجر على ما نظن أنه قد بذله من أخذ بأسباب استبيان الحق فيها، وإن رغمت أنوف الجهال والسفهاء من خوارج العلم أعداء العلماء! هذا مجتهد مخطئ، يصح فيه قوله عليه السلام: إن الحاكم إذا اجتهد فأخطأ فله أجر، الحديث؟ نعم! أنت إذن ترى العلو على العرش مسألة اجتهادية؟؟ الجواب: هنا نرجع ونستحضر ما تقدم من تعريف الاجتهاد، وأن نفي اسم "المسألة بالاجتهادية" عن مسألة ما، لا يقتضي نفي اسم المجتهد المخطئ المأجور بإذن الله تعالى، عن كل من غلط فيها! هذا الكلام يضيق عطن خوارج العلم (الحدادية) عن فهمه وتضيق صدورهم عن قبوله، لكنه الحق الذي عليه العلماء عبر القرون، من أهل تلك الطريقة السلفية المباركة، وإن رغمت أنوفهم!
وكما أن المقالة قد تكون باطلا بل كفرا في نفسها، ومع هذا يؤجر قائلها أجر المجتهد المخطئ، فكذلك قد تكون حقا صوابا في نفسها، ومع هذا يأثم قائلها! كيف هذا؟ أرأيت لو أن رجلا حصلت له آلة الاجتهاد والنظر في الفروع، واجتمعت له أدلة العلماء في مسألة معينة، فظهر له فيها قول ما، فأهمل ما ظهر له، وأخذ بقول مخالف لما ظهر له، بدعوى أنه مذهب فلان من الأئمة والعلماء، وهو لا يبلغ أن يخالفه، أيكون هذا مأجورا لأخذه بالتقليد، مع كونه قد ظهر له فعلا خلاف ما قلد عليه؟ أبدا! بل يكون آثما بذلك، وإن كان القول الذي قلد عليه هو الحق عند الله تعالى في نفس الأمر! وهذا ما به يُرد على بعض الأشاعرة في قولهم إن المقلد في الإيمان لا يضره التقليد، وإن كان قادرا على النظر، ما دام يقلد على الحق! المهم أن يكون قد مات على الحق، بقطع النظر عن السبب الذي أوصله إليه! هذا من أفسد ما يكون! فإن السبب الذي أوصل رجلا ما إلى التصريح بقول الحق، قد يكون من الفساد بحيث لا يصح معه عده من أهل الحق في المسألة، كمن يقولها تقية وكذبا ونفاقا، فهذا إذا تبين عنه وعرف من طريق القرائن القطعية المعتبر بها في ذلك، لم يغن عنه كونه يصرح بقول الحق شيئا! فالقادر على الاستقلال بالنظر، المتحقق بأسبابه في مسألة ما، لا يجوز له الاكتفاء بالتقليد فيها، لأنه كأكل الميتة! يأكلها المضطر فلا يأثم، ويأكلها غيره فيأثم! ولهذا أيضا بدع الأئمة أهل الكلام، وقالوا هم أهل بدعة لا يدخلون في أهل السنة، مهما أظهروا موافقة السلف في الإثبات، لأن طريقة الإثبات نفسها فاسدة عندهم. نعم موافقة أهل السنة في التصريح بالإثبات تدرأ عنهم التكفير فيما يكون نفيه كفرا، ولكنها لا تدخلهم في أهل السنة، حتى يكون طريق الإثبات وأصله ومصدر التلقي المفضي إليه عندهم هي طريقة السلف. والسبب الذي أوصل رجلا ما للقول الباطل يراه حقا، قد يكون مستحقا معه وبه للثناء لا للذم والتقبيح، مع أنه انتهى منه إلى قول فاسد!
فالذين قالوا إن الأشاعرة والماتريدية خلافهم في الإلهيات مستساغ، ومذهبهم فيها من جملة مذاهب أهل السنة والجماعة، مستندين في ذلك إلى منازل العلماء وأهل الفضل الذين تلبسوا بذلك المذهب، على طبقات متفاوتة، عبر القرون، هؤلاء لا يكون جوابهم عند أهل السنة بأن نسقط أولئك العلماء والأئمة ومن عظمهم ومن ترحم عليهم، كما يسلكه النوكى والسفهاء من خوارج العلم! بل يبقى حكم القائل جاريا على قرائنه وأدلته المطروقة فيه، التي منها إجماع القرون من أهل السنة بشأنه، ويجاب عن الشبهة ببيان حكم القول في نفسه، وأدلة بطلانه، وسبب قطعنا بأنهم قد تعلقوا في تصحيحه بالإجماع الغلط، وأن كثرة من اشتبه عليهم ذلك المذهب فقلدوا عليه من العلماء والأفاضل عبر القرون، لا تغير من حقيقة الأمر شيئا! فإذا تبين لهم ما لم يتبين لأولئك الأفاضل، لم يجز لهم أن يوافقوهم على ما ماتوا عليه! وإذا كانوا هم يرجى لهم أجر المجتهد المخطئ في تلك المخالفات، فلا يرجى مثله لمن بُين له الوجه البدعي والمقتضى الكفري لهذه المقالة وتلك! وهذا التبيين ليس لأحد أن يدعي قيام الحجة به على إنسان ما إلا بيقين، وبشروط وضوابط لا يتسع هذا المقام للكلام عليها، فليس لأحد أن يقول: من قرأ هذا الكتاب، أو سمع تلك المحاضرة، فقد قامت عليه الحجة في تلك المسائل التي غلط فيها كثير من الأفاضل! لا يجوز الإطلاق في أدلة حكم القائل، كما يطلق في حكم القول، وإنما الواجب التقييد والتخصيص، لأنها هي بطبيعتها أدلة خاصة، أدلة حال إنسان أو جماعة من الناس بخصوصها، فكل إطلاق فيما كان خاصا في أصل موضوعه، باطل مردود على صاحبه!
فنحن نقول نعم هذه المقالة البدعية المعينة (كقولهم إن العلو الذاتي تجسيم وتمثيل لله بخلقه) قد التبست على كثير من الناس، وكثرت الشبهات عليها، ووقع فيها كثير من أهل الفضل ممن ترجى شفاعتهم يوم القيامة، وممن حطوا برحالهم في الجنة من قبل أن يولد أحدنا بعدة قرون، ولكنها مع هذا تبقى مقالة باطلة، من قالها وهو منتبه إلى مقتضاها الكفري، عليم به، فلا يغني عنه شيئا ملء الأرض من الأئمة والعلماء الذين قالوا بتلك المقالة نفسها، بين يدي الله تعالى. يبقى حكمها حكمها بإطلاق، ويبقى حكم المتلبس بها خاصا به، كل قائل بحسبه، فلا يختلطان ولا يتداخلان، إلا عند الطائفتين اللتين سميناهما فيما مر! ويبقى أهل السنة وسطا بينهما، أهل اعتدال وعدل وإنصاف ورفق بالمسلمين، وهم مع ذلك أهل غيرة على الدين والعقيدة لا تجدها في غيرهم، والله الهادي إلى سواء الصراط!
أبو الفداء ابن مسعود
غفر الله له ولوالديه
