الحمد لله وحده، أما بعد،
فقد نقل إلي بعض الكرام اعتراض بعض من لا خلاق لهم من المخلطين، ممن يكثرون السفسطة والشقشقة في غرف "الكلوب هاوس" بدعوى الانتصار لابن تيمية، يناظرون كل من هب ودب، يعترض على قولي في ردي على المدعو أحمد إبراهيم: "بل إن مبدأ السببية نفسه يجري عليه سبحانه بالضرورة، لأنه يجري على السبب (أنه يؤثر في سببه) كما يجري على مسببه بالضرورة! فقعقع المذكور قائلا: "تأمل كم ما في هذه العبارة من السوء"! فالرجل تخلل ردي على صاحبه، محاولا محاولة المستميت أن يخرج منه ما ينقضه به، فلم يستطع إلا أن يعلق على هذا الموضع بما ترى، والله المستعان! وهذا من جهله حقيقة، لأننا عندما نقول إن مبدأ عقليا معينا، يجري على جميع الموجودات، ومنها الذات العلية، فإن هذا لا يعني أبدا عند أحد ممن لهم اطلاع على مصطلحات هذا الشأن، أنه سبحانه يكون خاضعا لموجود فوقه يفرض عليه ذلك المبدأ، كما يفرض هو سبحانه ما يركبه في المخلوقات من الطبائع والسنن السببية!! وإنما المقصود بقولنا "يجري" أي، يصح عليه! يصح عليه سبحانه وتعالى أنه "سبب"، وإذن فمبدأ العلاقة السببية بين السبب ومسببه، الذي يقال له "قانون السببية" يصح عليه سبحانه كما يصح على كل موجود بالضرورة! فإن المبدأ يشار به إلى العلاقة الوجودية بين ما يكون سببا وما يكون مسببا له، وهذه نحن نثبتها لرب العالمين! ولكن بعض الناس في قلوبها ما فيها!
يقول: "على كل حال ليست كتابتي لهذه الكلمات تفسيرا لمقصد الكاتب، بل للمصيبة العقدية التي حاول بها أبو الفداء معالجة هذا الخطأ الشنيع - وفق رؤيته - أو هذا الإجمال المجحف في ظنه..! فقد جعل أبو الفداء أن افتقار الخاضع للقوانين لسبب موجد أو موجبة لحدوثه عبارة خاطئة لماذا؟
لأن الخالق عنده خاضع لقوانين!! سبحانه و تعالى عن ذلك!!
قلت: أين قلت أنا "خاضع" في حق الله تعالى؟؟ أين استعملت هذه اللفظة في حقه؟؟ وإنما ألزمت السفيه المردود عليه، بأن يجعل ربه خاضعا للقوانين المخلوقة، لا أنني أنا أقول بهذا!! فما السبيل مع قوم جهال لا يميزون بين التقرير والإلزام؟؟ الله المستعان!
يقول: "فالخالق عنده - كما هو مبيّن في الصورة - يجري عليه قانون عقلي (قانون السببية) و قانون أخلاقي كالوفاء بالوعد إذا وعد و غير ذلك، فتجري عليه القوانين العقلية كالسببية و التناقض و القوانين الأخلاقية، و أنه لو خرج عنها - عنده - للزم النقص في حقه..!"
قلت: تقدم أن الاصطلاح "يجري عليه القانون العقلي" ليس يقتضي النقص عند استعماله في حق الباري سبحانه، لأنه ليس قانونا جعليا أو وضعيا، وضعه واضعه ليحكم به أو يخضع له غيره!! فعندما يتكلم أحد السفهاء بما يقتضي تعطيل رب العالمين عن أن يكون موجودا خالقا فاعلا له حكمة في أفعاله، وبه يتعلل كل شيء، من غير أن يشعر أن هذا يلزمه ويرد عليه، فهذه طريقة العلماء في تبيين غلطه وسخفه، وإلا فما أكثر ما شنع أهل الكلام على أئمة أهل السنة استعمالهم لفظة كذا ولفظة كذا في الإخبار عن باريهم في مقام الرد عليهم، مع أنهم لا يريدون منها إلا المعنى الصحيح!
يقول: "و بياني للأمر: أن المبادئ العقلية و القيم الأخلاقية لا يقال إن الخالق خاضع لها أو أنها تجري عليه بأي صيغة من الصيغ"
قلت: أما أنه "خاضع لها" فنعم لا يقال، وأنا لم أقله، لأن الخضوع نقص!! وأما أنها تجري عليه، فما معنى الجريان؟؟ غاية ما فيه أن يكون لفظا مجملا تطالبني بتفصيله، لا أن ترميني به بالمخالفة العقدية الشنيعة!! وهو ليس بمجمل كما مر، لأنه اصطلاح عند الفلاسفة، يقال المبدأ الفلاني يجري على كل موجود، ونظيره في الانجليزية Applies to، ولا يلزم منه خضوعه لموجود غيره سبحانه!!
قوله: "لأن هذه القوانين هي من لوازم وجوده و لوازم اتصافه بصفات الكمال،"
قلت: من لوازم وجوده وصفاته ماذا؟ أن هذه القوانين تصح عليه! وهذا ما يقال له في الاصطلاح "تجري" ولا إشكال!
يقول: "فعبارة أنه يلزمه النقص لو لم يكن خاضعا لها، عبارة تنطوي على جهل عميق؛"
قلت: ونسبتك أنت هذه اللفظة "خاضع لها" إلي، كذب صراح!!
يقول: "ثم إن مبدأ السببية هو لازم عن اتصاف الخالق بالقدرة و المشيئة و أصل الفعل، فلولا أن الخالق موجود قدير فاعل لما كان هناك سببية أصلا؛ فهي لازمة عن هذه الصفات، فكيف يقال إنها تجري عليه أو أنه خاضع لقانونها؟! كما إنها أصلا ليست أشياء موجودة في الخارج حتى يقال إنه خاضع لها أو أنها تجري عليه..! مصيبة كبيرة..!"
قلت: بل المصيبة الكبيرة في رأسك أنت وأصحابك! فقد بينت في نفس المقال الذي ترد عليه مرادي بالجريان، أنه سبحانه يكون سببا فيما يشاء وما يخلق، والمردود عليه له تخليطات وطوام في مسألة السببية ظهر بعضها في عباراته في البرهان المزعوم! وأنا لا وقت عندي لتتبع ذلك عنده فيما يكتب وما ينشر، فالأمر كما يقال: حسبك من القلادة بما أحاط بالعنق!
فعندما تدعي أنت يا مسكين أن قولنا "تجري عليه" لا يصح إلا إن كان الشيء الجاري هذا موجودا في الأعيان، فهل نفهم من هذا أنك تفهم من قول القائل "يجري عليه" أنه يتكلم عن عربة أو قطار يجري على الأرض مثلا؟؟ صدق القائل شر البلية ما يضحك!
ثم يقول في "القانون الأخلاقي" كما عبر: "بل يظهر من عباراته أنه جعلها قانونا يجري على الخالق كما تجري عليه المبادئ العقلية سبحانه و تعالى عن ذلك..! قلت: وقد تقدم بيان المسألة فلا نعيد!
ثم يختم بقوله: "ليته يكفّ عن معالجة الزلات بالكوارث..."
وأنا أقول: "بل ليتك أنت يا مسكين ترحم نفسك وتكف عن هذا العبث الذي أغرقت نفسك فيه، حتى صرت أضحوكة للأشاعرة في غرف الشات على الإنترنت، تلصق بأهل السنة من جهلك وخفة عقلك وعجلتك وعجمتك، ما هم منه براء، والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله.
أبو الفداء
