جواب في قول الخليفي وابن شمس:
لو كان العذر بالجهل في الجهمية حقا،
فلماذا لا نترك الناس بلا دعوة ولا تبيين؟
أليس تعريضهم للحجة تعريضا للهلاك بردها؟
-----------
الحمد لله وحده، أما بعد، فقد جاءني سؤال كتبه أحد الإخوة وفقه الله في التعليقات على اليوتيوب، فأحببت أن أنشر جوابه هنا لتعم الفائدة.
قال السائل:
السلام عليكم شيخنا الحبيب هذه مسألة سبق ان سألتك عنها ولم تجبني واذكر اني سمعت الخليفي يعرض بها وكذلك شمس الدين فيما اذكر في الرد على مخالفيهم وهي اذا كان القبوريين والحهمية الواقعين في البدع المكفرة معذورين بالجهل والشبهة لماذا نرد عليهم ونبين لهم فهم في الغالب سيعاندون ويتعصبون لما علية مشايخهم فلماذا لا نتركهم يموتون على جهلهم ويدخلون الجنة والخليفي يتكلم بهذه الطريقة الساخرة فيما اذكر لماذا ابن تيمية الف ما الف ولماذا محمد بن عبد الوهاب الف ما الف ولم يتركون الناس على جهلهم اللذي اذا لقو الله علية فهم معذورين هذه شبهة ربما يكون لها رواج في المستقبل واخشا ان اكون انا من المتأثرين بها
فقلت في الجواب:
عليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
هذا والله من آيات جهل وخفة عقل الخليفي وصاحبه، نسأل الله أن يكف شرهما عن المسلمين، وأن يرفع الفتنة بهما عن شباب المسلمين. وهو مما يكشف عن أثر جديد من آثار الفكر الاعتزالي عند هذا المسكين، فكر الوعيدية المعتزلة، الذي لو سلم قلبه من الكبر والاغترار بعقله، لصبر على نفسه ولعرف قدره في العلم، ولما تطاول على علماء العصر، ولما وقع فيه من حيث لا يشعر. فالوعيدية قالوا بوجوب إنفاذ الوعيد، بسبب أصلهم في مسألة وجوب فعل الأصلح للعباد على الله تعالى! قاسوا الله تعالى في الأفعال والحكم والغايات على المخلوقين، فحكموا على أفعاله سبحانه بما يحسن في علمهم هم، وبما يقبح في علمهم هم، قبحهم الله. وهذا ما سلكه هذا الأحمق في هذه الشبهة الواهية، فشابه المعتزلة والملاحدة من حيث لا يشعر، يحسب أنه يلزمنا معاشر أهل السنة بما ينقض على علمائنا إعذارهم من أعذروهم! وقع، من حيث لا يشعر ولا يدري، في شبيه بمذهب الإنسانوية الدهري الذي لم يزل يتهم جميع مخالفيه بالالتياث به، ولزمه من كلامه هذا شر مما أراد أن يلزمنا به!
بدأ الرجل أولا بافتراض ثنائية وهمية مغالطة لا وجود لها إلا في ذهنه، وهي أننا إما أن نرد على المخالفين ونبين لهم غلطهم، فيعاندون ويهلكون، وإما أن نتركهم وشأنهم، فيعذرون ويسلمون!! هما قضيتان متزاحمتان عنده، يتوجب الترجيح بينهما! وهذا تصور في غاية الفساد! فالمخالف قد يبين له غلطه فيخرج من مخالفته، فضلا من الله ومنة، وقد يبين له فيعاند ويصر، فيدخل في الوعيد، وأمره إذن إلى الله، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، وقد لا يجد من يبين له، وإذن، فإن كان سالما من الهوى الذي هو إثم في نفسه يؤاخذ عليه، فهو داخل في قوله عليه السلام: إن الله قد رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه، أو كما قال. وهذا عند أهل السنة عام في جميع مسائل الدين، أصولا كانت أو فروعا. فأول موافقة للمعتزلة وقعت لهذا الرجل وأتباعه، أنه وافقهم في التفريق في هذا الباب بين مسائل الأصول والفروع! الخطأ مرفوع عنده في الفروع دون الأصول والعقائد! لا يتصور عنده دخول الغلط فيها مع قصد الحق! فبناء على هذا الأصل الاعتزالي الصرف، حاول الرجل إلزامنا بمذهبه، على أصوله هو في إلغاء احتمال أن يكون الرجل غالطا وهو يريد الحق، في الحالة الأولى، حالة حصول التبيين، ثم أجرى أصلا اعتزاليا آخر لا يشعر به، وهو أصل وجوب فعل الأصلح على الله، فقال لو كان الأمر كذلك، واحتمال أن يهلك الرجل يكون واردا إن بينا له، ولا يرد إن لم نبين له، لأنه إذن يكون معذورا بعدم التبيين، ألا يكون الأحسن له إذن أن نتركه على جهله بلا تبيين؟ إذن فلا يتصور أن تكون شريعة الله تعالى بحيث يجب علينا أن نبين لمثل هذا، لأن تركه على ما هو عليه من الجهل والضلال، يكون إذن أصلح له وأحسن! فعلى هذا المقياس، وبنفس هذا المنطق الاعتزالي، ترد شبهة الملاحدة السخيفة في قولهم: لماذا خلقنا الله ليكلفنا، فإما ننجو وإما نهلك؟؟ مبدأ التكليف نفسه إذن شر لأكثرنا معاشر بين آدم، لأن أكثر أهل الدنيا إذا كلفوا هلكوا في الآخرة! فأين أصل الغلط والجهالة في هذه الشبهة؟ أصله قياس أفعال الرب سبحانه على أفعال المخلوقين. الواحد منا إذا اختار في صنع أو أمر، اختار ما هو أحسن له، وهذا هو الحسن عندنا عقلا، ونقيضة القبيح. فإذا كان الله مختارا لنا، فلا يحسن به أن يختار ما هو قبيح لخلقه، كلهم أو بعضهم، بل يختار ما هو حسن لهم فقط! وهو أصل فساد المعتزلة في مسألة القدر، إذ كيف يكتب عليهم فعل القبائح، فيخلقها لهم خلقا؟؟ هو منزه عندهم عن هذا! فكيف المخرج؟ نفوا خلقه أفعال العباد، وقصروا خلقه فيما يتعلق بالأفعال البشرية، على آلة الاختيار والقدرة الذاتية في الإنسان، دون ما تثمر عنه تلك الآلة. فبهذا التشبيه البارد، يستقبح الملاحدة من ربهم أن يعرضهم لما يكرهون، وهو ما يقال له مشكلة الشر! وبنفس التشبيه البارد، يستقبح هذا الرجل من الرب جل شأنه أن يعذر من لم يبيَّن له ضلال ما هو عليه، فيكون إذن أسلم في الآخرة من كثير ممن بُين لهم! الأصل الخفي الذي يستصحبه دون أن يشعر، هو أن أحسن ما يكون من حكمة الله في أفعاله، أن ينشأ عنها أحسن ما يرام من الثمرة والأثر، لأكبر عدد ممكن من المخلوقين! وهذا أصل المعتزلة الذي هم فيه تبع للملاحدة، نفس الأصل الذي نشأت عنه تلك الطوام التي ذكرنا عندهم وغيرها! وهو أصل الفلسفة الإنسانوية التي صدع هذا السفيه رؤوس مخالفيه باتهامه إياهم بها! الفيلسوف يخضع كل شيء للقياس، فينتهي إلى جعل نفسه مركزا للوجود ومحورا لكل تشريع ولكل قيمة!
فلا ينتبه صاحبنا، على حماقته وخفة عقله، إلى أن إشكاله هذا راجع على أصل مبدأ الإعذار بالجهل في الإسلام، وليس الإعذار في العقيدة والأسماء والصفات وحسب! لا يشعر أنه يلزمه رد قوله تعالى: ((وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا))، لأنه تقرير لأصل الإعذار بعدم بلوغ البينة عند العلماء، وكلامه يقتضي إسقاط هذا الأصل بالكلية، ومن ثم تكذيب الآية، لأنه لابد، على طريقته، أن يكون الخير والأحسن للجميع أن يتركوا بلا رسول ولا رسالة ولا وحي من السماء أصلا!! أليس الأصل في الناس أن أكثرهم فاسقون هالكون، حتى بعد سماع الرسالة؟؟ فأيهما أحسن إذن، على هذا الميزان الاعتزالي الفاسد؟؟ أن يرسل الله الرسل فيستحق الأكثرون العذاب، أم يتركهم جميعا بلا رسالة ولا هداية؟؟ دعك مما يكون لأهل الفترة في الآخرة، فالرجل في إلزامه هذا يُغفله بالكلية وكأنه ما مر بهذا الباب! حسبك فقط أن تتأمل في مبلغ حمأة الاعتزال التي أغرق فيها أتباعه من حيث لا يشعر ولا يشعرون، وهم يرونه إمام أهل السنة في هذا الزمان، والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله!
نقول إن الله تعالى قد اقتضت حكمته أن يبتلي الخلق بعضهم ببعض، فخلق أسبابا لضلال الناس وزيغهم، وخلق كذلك أسبابا لهدايتهم، وأنزل لهم نورا وكتابا مبينا، فابتلى به أناسا بأن جعلهم حملته ودعاة إليه، أمرهم بالتبيين والدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وابتلى آخرين بأن جعلهم هم المخاطبين بتلك الدعوة، على أسباب خلقها للقبول يبتلي بها من يشاء، وأسباب خلقها للمعاندة والرد والمكابرة والإعراض، يبتلي بها من يشاء كذلك، ثم هو يتفضل على من يشاء بما يشاء، ولا يظلم ربك أحدا! هذا هو جماع المسألة وحرفها لمن عقل:
قال تعالى: ((كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ)) [البقرة : 213]
وقال تعالى: ((وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ)) [القصص : 68]،
وقال تعالى: ((وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ)) [آل عمران : 187]
وقال تعالى: ((وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِيناً)) [الأحزاب : 36] وقال تعالى: ((لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ)) [الأنبياء : 23]
والله أعلى وأعلم.
أبو الفداء
