الحمد لله وحده أما بعد، فقد رأيت تعليقا كتبه أحد أفراخ الحدادية، على قولي في منشور نشرته قريبا:
"وإذا كان الواحد منكم لا يجد له إماما بفهمه وتقعيده وتصرفاته العلمية التي ننكرها عليه، إلا أغيلم من أغيلمة اليوتيوب والتيكتوك"
كتب معلقا عليه:
"وهذه الكذبة الكبرى. فهناك علماء كثر حتى من المعاصرين لهم عين تقريرات بن شمس والخليفي في كثير من الأمور، ومنهم المشهود لهم ايضا. مقبل بن هادي الوادعي شيخ اليمن صحح ٧٠ رواية في الطعن الحرفي بابي حنيفة وذمه والوقيعة به
والطعن بالنووي والقول باشعريته ايضا قال به علماء كثر، و ابن حجر عبد اللطيف ال الشيخ وهو من ائمة الدعوة النجدية (وهم ثُقات) كفره وقال انه من طوائف الشيطان. لكن هذا الرجل وجد عامة مشايخه لا يفعلون فظن ان اراء الخليفي وبن شمس هي الوحيدة من نوعها. هداه الله، ثبت التهمة على نفسه بهذا المنشور. "هذا ما وجدنا عليه مشايخنا"
ولا حول ولا قوة الا بالله
قلت: لن أعتني بالنظر في آحاد تلك الأقوال، هل صدق كاتبها أم كذب، وإنما يعنيني المنهج والطريقة، فإن هذه هي فتنة الخليفي وأتباعه يا إخوان فانتبهوا. أن الرجل لما أطلق العنان لرأسه ولمرض قلبه ليوجهه في العلم حيث يحلو له، بعدما غلبه كبره واستعلاؤه على علماء العصر عامة، وأخذ في اختراع الأصول لنفسه والتفريع عليها، بدعوى أن هذا هو ظاهر كلام السلف فيما وقعت عليه يداه، ولأنه صاحب اطلاع على كتب المتأخرين والمعاصرين لا يخفى، لم يعجز عن أن يستخرج أقوالا شاذة وقعت لبعض العلماء بما يوافق بعض شذوذاته! وما لم يكن صريحا فيما يدعي، ولا قريبا من أن يكون صريحا، زعمه مواطئا لكلامه بالقرمطة والتأويل المتكلف والكذب على العلماء، كما مثلت له في ردودي عليه! فهو يعلم أنه يحكم على نفسه بالإعدام علميا، عندما يعجز عن أن يجد لنفسه إماما بما يقول، ويظهر ذلك جليا لمن غرر بهم من متابعيه! ونحن نسأل كل عاقل من طلبة العلم: من هم أصحاب تلك الطريقة النكدة في تتبع زلات العلماء والمشايخ وتتبع الرخص والشذوذات في كتب الناس؟؟ أرجو أنكم تعرفونهم، ولا تحتاجون لمن يعرفكم بأحوالهم!
سلمنا يا أخي بأن العلامة الوادعي رحمه الله جهد في تصحيح روايات الطعن بأبي حنيفة رحمه الله كما تقول، فهل هذا مما يتابع عليه، بل ويُحتج به في مقابل اتفاق علماء أهل الحديث عبر القرون على إخفاء تلك الطعونات وعدم الاعتبار بها، واتفاقهم على الحكم على بعضها من جهة الرواية وبعضها الآخر من جهة الدراية، على نحو معين؟؟ نعم هناك من كفر الأشاعرة ممن يعدون من علماء أهل الحديث، فهل هذا مما يعتبر به من أقوال أهل الحديث، أم هو مما يشذ ويند عن سبيلهم ولا يلتفتون إليه؟؟ نعم قد تجد إن بحثت ونقبت، من أغلظ الكلام في النووي وابن حجر رحمهما الله، ممن هم علماء عند أهل الحديث، فهل هذا مما يحمد لهم ويقدم للناس على أنه دليل على أن أهل الحديث قد اختلفوا في المسألة؟؟ سبق أن حاولت في غير موضع أن أفهم هؤلاء الجهال المتعالمين، أنهم بدون أن يكونوا في ركب الأكابر من علماء العصر من أهل السنة، يأخذون عنهم كما يأخذ طلبة العلم صحاح المشرب في التلقي والطلب، فلن يجدوا طريقا لتمييز ما هو قول شاذ متروك، وقع فيه عالم ولم يتابع عليه، وما هو خلاف معتبر لا يستوحشه الأكابر ولا يرون بأسا بأن يقال به في المنتسبين إلى أهل الحديث في عصرهم! سألتهم من قبل، بأي معيار تحكمون بأن الإمام ابن خزيمة رحمه الله أخطأ في حديث الصورة، ولم يكن قوله هذا مذهبا معتبرا عند أهل السنة، فلم يجدوا إلا السفسطة! لماذا لم تعتبروا بخلافه، مع أن كلامه وجيه (لغة) عند التدبر؟؟ إن قلتم لأن الإمام أحمد وغيره قد بدعوا من قال بقوله في حديث الصورة ورموه بالجهمية، قلنا فلماذا إذن لم تجهموه كما جهمتم غيره؟؟ أليس كلام أحمد حجة عندكم على ما يظهر منه للأعجمي منكم؟؟ إن قلتم لأنا لا نجد أحدا ممن جاؤوا بعده من العلماء يسلك معه هذا المسلك، رحمه الله، قيل لكم: أليس هذا من جنس ما نزلتم عليه قول الإمام أحمد (أيضا): من زعم الإجماع فقد كذب، ما يدريه لعلهم اختلفوا؟؟ ما يدريه لعلهم اختلفوا هذه، على طريقتكم، تكون واردة على كل مسألة يدعى فيها الإجماع عبر القرون، أيا ما كانت! فإن تصرفتم بالتأويل تصرفا يخرج هذا الأثر من أن يكون نازلا على ابن خزيمة، فهل المطلوب أن نسلم لكم لأن آراءكم استحسنت ذلك، أم لأنه ما عليه علماء الملة! نقول لكم هذا ما عليه العلماء في أبي حنيفة وفي النووي وغيرهما، كما تقولون أنتم في ابن خزيمة: هذا ما عليه العلماء في شأنه! ما الذي عليه العلماء؟ أن أمثال هؤلاء لا يتهمون في الدين، وإن وقع فيهم من وقع! قرون أهل السنة قد تتابعت على عد تلك المخالفة من زلات ذلك الإمام رحمه الله، وعلى إهمالها وعدم متابعته عليها! فما دليلنا على ذلك؟؟ أننا بحثنا في الكتب فلم نجد من يخالف هذا الموقف في حقه رحمه الله؟؟ طيب إن قدرنا أن بحثتم أنتم فوجدتم بالفعل، بعد تنقيب وبحث طويل في الكتب، من يتهم ابن خزيمة في الدين بسبب ذلك الخطأ، ممن هم علماء من أهل الحديث لهم قدرهم ومنزلتهم، فكيف يكون التصرف إذن؟ يتحول الأمر إذن من أن يكون إجماعا لأهل السنة على التجاوز عن هذا الزلل عند الإمام رحمه الله، إلى أن يكون قولا من قولين معتبرين في الحكم عليه، اختلف عليهما أهل السنة، وللطالب أن ينتقي منهما ما يترجح عنده؟؟ هذه هي القضية يا إخوان فانتبهوا، بارك الله فيكم! القضية المنهجية الكبرى والخلل العظيم الذي لا يريدون أن يفهموه، لأمراض معضلة في نفوسهم، قبحهم الله! كيف يحكم على قول ما، ظهر في القرون التالية لقرن الصحابة والتابعين، بأنه شاذ متروك، أو بأنه خلاف معتبر؟ نصنع ذلك اليوم، بأن نقلب في صفحات الكتب، بحثا عما يوافق رأي الواحد منا، فإن وجدنا من يوافقنا، قلنا قد قال بقولي فلان وفلان من قبل، فأنا إذن صاحب مذهب معتبر عند أهل السنة (وأكرر: "عند أهل السنة"، إذ بهم الاعتبار لا بغيرهم)، ولا تثريب علي، ومن أنكر علي فهو جاهل لا يدري ما في الكتب؟؟ أم ننظر أولا فيما عليه الأكابر من علماء عصرنا، الذين علمونا تلك الطريقة ودلونا على كتب أصحابها، فإن وجدنا هذا القول معتبرا عندهم، معدودا من الأقوال المستساغة ذات الوجاهة، ولجنا حينئذ، لا قبل ذلك، إلى الكتب لنخرج منها كلام من يوافق ونظره واستدلاله، ننتصر له بما يظهر لنا، نتدرج في ذلك على طريقة من سبقونا؟؟ هذه طريقة وتلك طريقة أخرى! فما الفارق بين الطريقتين؟؟ طالب العلم الذي ورث طريقة السلف عن الأكابر من أصحابها، ووطن نفسه على طول المجالسة والملازمة للعلماء، وعلى الصبر على الأخذ عنهم والتشبه بهم، لا يسلك المسلك الأول أبدا! مهما بدا له الرأي الذي اتفقوا على استنكاره قويا وجيها، فإنه يتهم رأيه، وأكرر: يتهم رأيه، ويترك المسألة من بابها، لا تقليدا كما يدندن هؤلاء، ولكن اعتبارا بما عليه الجلة من أكابر أهل الحديث الذين كانوا هم سببه في معرفة سبيل المؤمنين ابتداء! العلماء الكبار كانوا ولم يزالوا يتهيبون من مخالفة ما عليه جمهرة العلماء في مسألة ما، وإن كانت من موارد النظر، وإن لم يثبت لديهم إجماع فيها، لأن هذا مما يحط من ثقة الناظر في رأيه، إن كان ممن يقيم لأهل العلم وزنا في نفسه، ويعرف قدر نفسه!! فكيف إن كان هذا المخالف حدثا لا يبلغ أن يكون تلميذا عند أقلهم شأنا؟؟
لابد من التماس ما عند أهل العلم، ومن التواضع بين أيديهم، كما علمنا سلفنا رضي الله عنهم، فإنه ليس جميع الوجوه والعلل والحجج في كل مسألة تظهر وتتضح لكل طالب بمجرد القراءة في الكتب! ووالله يا إخوان لست أحصي الدرر والفوائد الفريدة التي حصلت لي من سماع العلماء، مما لو أمضيت عمري كله بحثا عنها، مجموعة في مثل تلك العبارة الرائقة الموجزة البديعة، في الكتب، القديمة والحديثة، ما اهتديت إليها!! فطالب العلم الذي يريد الولوج إلى الفهم السلفي من بابه الصحيح، يوطن نفسه على هذا ولابد، ولا يعرف سبيلا غيره! يوطن نفسه على ألا يتصرف في الكتب استقلالا برأسه، وإن خالف من علماء العصر من خالف!! يوطن نفسه على أن يتهم رأيه، إن رآه مصادما لما عليه الكبار! فهو يربى على أن يجعل هؤلاء الكبار هم طريقه لمعرفة ما شذ فلا يتابع من أقوال العلماء، وما اعتبر منها فلا يشنع على صاحبه في مواطن النزاع، يدلونه على هذا، كما كانوا هم طريقة من قبل لمعرفة رجال تلك الطريقة المباركة نفسها ومعرفة أصولهم وقواعدهم من الأساس! هذه هي القضية، وليس أننا نلزم الناس بتقليد الآباء، كما تزعمه تلك النابتة الخبيثة، قبحهم الله!
الواحد من هؤلاء يجمع بين يديه جبلا من الكتب والمطولات، المتقدمة والمتأخرة والمعاصرة، ثم يطلق فيها يديه استقلالا برأسه، طلبا في استخراج ما يوافق رأيه! ثم إذا جمع لنفسه من ذلك ما جمع، خرج على الناس وقال: ها أنا ذا قد أخرجت لكم أئمتي وسلفي فيما أقول، حتى يتبين الناس كذب من يتهمني بأني لا إمام لي ولا سلف!! فهل عندكم أن المتابعة في الزلات والشذوذات، تصرف علمي معتبر، يرد به على كل مخالف؟ هم من مرض قلوبهم يظنون أن مجرد وجود ما يوافقهم عند فلان أو فلان من العلماء، يشفع لهم، أو يسوغ لهم طريقتهم البدعية في تلقي العلم من كتب السلف، وفي الاستقلال بجهلهم في فهمها والتأصيل والتفريع بناء عليها!! وهم مستقلون برؤوسهم ليس فقط في تتبع المخالفات والشذوذات التي تخدم أهواءهم، ولكن في تحميل النصوص العلمية الصحيحة ما لا تحتمله، وتصييرها موافقة لهم بالتأويل الفاسد، وإن لم تكن كذلك عند أحد ممن أخذوا العلم عن هذا العالم أو ذاك! الخليفي لا يبالي بالكذب على العلماء كما بينت ذلك في ردي عليه، فينسب إلى الواحد منهم قولين، في مسألة لم يعرف أحد من تلامذته البتة، ومن نقلة علمه، أن له فيها قولان أبدا!! يأتي بفتوى لابن باز رحمه الله، فيتأولها على تأويل لم يقل به أحد قبله أبدا، ثم يقول: تريدون عالما من المعاصرين يقول بمثل قولي؟ فهذا هو! فإذا قيل له بل مذهب الشيخ خلاف ذلك قطعا، وهو صريح في فتاوى أخرى له، تخلص بأن يقول: بل له قولان في المسألة، وأنا أقول بأحدهما!!! فما الذي أوقع ذلك الغوي في هذا العبث والكذب على أهل العلم، الأولين والآخرين منهم؟؟ أنه مغرور بعقله وقراءته واطلاعه على الكتب، بارك الله فيكم! عظمت نفسه في عين نفسه واغتر برأيه، فصار لا يبالي بما عليه علماء عصره، وما يدرسونه طلبتهم في مجالسهم! يريد إظهار نفسه والانتصار لها بكل طريق، وإن كذب على فلان وفلان! السلفية هي ما ادعاه هو بعقله وفهمه السقيم المريض، وجمع في الانتصار له من آثار الأقدمين ما جمع، وليقل من يشاء ممن جاء بعدهم ما يشاء! فإن أبيتم إلا التضييق عليه ومطالبته بمن يوافقه من المتأخرين والمعاصرين، ضرب يده في الكتب استقلالا بنفس الرأس المريض، ليخرج لكم مثل هذا الذي ترونه في المنشور المردود عليه!! من الذي قال إن العلم صعب ثقيل، عزيز، ويحتاج إلى صبر طويل وثني للركب وإفناء للعمر بين أيدي العلماء حتى يصل الإنسان فيه إلى أن يكون شيئا مذكورا؟؟ الأمر سهل جدا، وكل أحد يحسنه!! ابحث في الكتب تجد ما لذ وطاب! واليوم عندك المكتبة الشاملة، بكبسة زر، تجمع لنفسك ما تصبح به إماما في العلم لا يشق له غبار!! ما أسهل هذا!!
أنتم يا هؤلاء ما النفع الذي رجع عليكم أو على أحد ممن تابعكم من شباب المسلمين من نشر الطعن القديم في أبي حنيفة والترويج له الآن؟؟ يريدون إنزال الإمام أبي حنيفة (وهو الإمام المتبوع المعظم وإن رغمت أنوفكم)، صاحب المذهب الفقهي الكبير المجمع على اعتباره عند سائر علماء الملة، والمعمول به في أقطار الأرض عبر القرون، يريدون إنزاله منزلة بشر المريسي والجعد بن درهم من الزنادقة الذين أطبقت قرون أهل السنة على تكفيرهم! فإذا أنكرنا عليهم ذلك، وقلنا لا خير في دعوى يتصدر صاحبها بقضية كهذه، مروا بنا على جيف الكلاب، كهذه التي ذكرها هذا الأخ!! فأي شيء هذا إن لم يكن تصرف إنسان حاقد مريض، يصر على الانتصار لنفسه وإن أشعل من الفتنة ما أشعل، وإن لم يكن من منتفع بدعوته في الأرض إلا هو، إذ ترفع من ذكره بين الناس، وتصيره شيئا مذكورا، بعد أن كان غمرا لا يؤبه به؟؟ أنا أسأل كاتب هذا الكلام وأمثاله: هل سمعتم بعبارة عند العلماء يقال لها: "لا يتابع عليه"؟ فما ضابط الحكم بها على أقوال العلماء عندكم، في أي قرن كانوا؟؟ ما يخالف رأي الخليفي؟؟ أم ما يخالف رأي الرجل الأرعن المتعالم منكم؟؟ إن قلتم ما يخالف السلف، فهل أنتم أعلم بمذهب السلف، من تلامذتهم الذين أخذوا عنهم وجالسوهم في زمانهم، وتلامذة هؤلاء وتلامذتهم من بعدهم من العلماء، وصولا إلى عصرنا هذا؟؟؟ أهكذا تظنون بأنفسكم حقا؟؟؟ أين تعلمتم هذه الحماقة، وعمن أخذتموها؟؟
نسأل الله العافية!
ابن حجر رحمه الله، فلان من علماء أهل السنة كفره! النووي يوجد من طعن فيه وأغلظ عليه! فإن سلمنا بذلك (ولا ننازع)، أيصبح من الجائز إذن أن يقال: إن أهل السنة قد اختلفوا في حكم ابن حجر على قولين؟؟؟ هذه هي القضية يا إخوة، بارك الله فيكم، وهو محل النزاع!! من الذي له أن يحكم بأن العلماء من أهل السنة قد اختلفوا في رجل ما على قولين، وأنهم اعتبروا بذلك النزاع بينهم؟؟ تلامذتهم الذين جالسوهم وتشربوا بعلومهم، وصاروا من بعدهم رؤوسا ملؤوا الأرض علما؟؟ أم الأغمار المجاهيل الذين طلبوا العلم على اليوتيوب، ولم يتعرض أكثرهم لكلام العلماء إلا في نتائج البحث على قوقل والمكتبة الشاملة؟؟؟
أنا ليس نزاعي مع الخلايفة والشمامسة ومن شاكلهم في حكم ابن حجر بخصوصه أو النووي بخصوصه كما يوهمون الجهال من أتباعهم! وإنما نزاعي ونزاع جميع طلبة العلم من أهل السنة معهم، في هذه الطريقة النكدة التي بيناها من قبل مرارا وما زلنا ماضين في بيانها حتى لا يبقى لذي عينين من حجة! يخترع الغمر من هؤلاء الرأي في رأسه، متوهما أنه ما كان عليه السلف، لسوء فهم وضيق درك عنده، ورعونة وعجلة على النفس طافحة، ثم يمضي في محاولة إقناع نفسه وأتباعه بأن له في ذلك الرأي أئمة عبر القرون، وأنه مذهب معتبر عند أهل السنة! هذا ما يريده أولئك السفهاء من أمثال تلك النقولات، صدقوا فيها أو كذبوا! أن المسألة التي ينازعون فيها الخلاف فيها "معتبر" أو "مستساغ"!! فهل يحكم بالاعتبار والإهمال عند العلماء (وأكرر عند العلماء، وضع فوقها خمسين خطا)، بمجرد التنقيب في الكتب؟؟ هل هذه طريقة من يأخذ العلم عن أهله يا عقلاء المسلمين؟؟ نضرب بأيدينا في الكتب بحثا عن موافق لنا فيما نرى، أيا ما كان هذا الذي نراه، فإذا وجدناه، قلنا إن لنا إماما، والذي يشنع علينا جاهل لا يعلم؟؟ بأي شيء إذن تنكرون على أمثال علي جمعة ما يستخرجه من كتب الفقهاء من الشذوذات، حتى إذا سئل عن انحرافه قال: قد سبقني إليه فلان وفلان، يستخرج ذلك بالعزو والاقتباس، برقم المجلد ورقم الصفحة؟؟
يا هؤلاء، السبيل النقية الطاهرة، المشكاة السلفية الموروثة، قد نصب الله عليها علامات بينات، وجعل أكابر العلماء من أهل الحديث والأثر في كل عصر هم مدخلها، وإن رغمت أنوف الكارهين والحاقدين، فلينظر أحدكم عمن يأخذ دينه!
والسلام.
أبو الفداء.
الحمد لله وحده. كتب أحدهم تعليقا، تلمس فيه أنه يحاول محاولة المستميت ألا يظهر استخفافه بي وبمن أسميهم بأهل العلم، قال فيه، هداه الله وأرشده للحق:
أخانا الفاضل استدللتم بإجماع المحدثين على إخفاء الطعونات عليه (يقصد أبا حنيفة رحمه الله) ومخالفوكم يستدلون بإجماع المحدثين الذين هم أساتذة من تستدل بهم
أو بقول جمهورهم على أقل تقدير
فلم التشنج وعدم قبول أن خصمكم يقول بقول معتبر له فيه أئمته الكبار أمثال أحمد والبخاري ومالك والسفيانان
أليس الغاية هؤلاء؟ .. هل نستدل بالساقية على البحر؟
لم لا تخالفهم دون تسخيف وشتم فهم إخوانك السلفيون ووفاقك معهم أكبر بكثير من أي أشعري
هذا لن يرد شبهة أحد بل سيزيد صاحبه ثباتا على ما هو عليه بارك الله فيكم
فقلت في الجواب:
يا أخي أنتم تصرون على إهمال الخلل المنهجي العظيم عند هؤلاء الأحداث، الذي من أجله أغلظ عليهم جميع أهل العلم، حتى من زعم رؤوس هؤلاء أنهم تتلمذوا عليهم في أول الطلب، وتحصرون النزاع بيننا وبين القوم في قول الناس في فلان، لأجل أن تظهروا أنكم أصحاب مظلومية وأننا نشنع عليكم فيما لا يوجب التشنيع!! وهذه مغالطة معروفة لا تخفى!
القوم يا أخانا فاقدون لمبادئ العلم التي يتربى عليها جميع طلبة العلم من أهل السنة جيلا بعد جيل، يرثونها كابرا عن كابر!! ومن أولها وأهمها لطالب العلم، أن يتهم الرجل رأيه، إذا وجد قرونا من العلماء من أهل السنة قد استحسنوا رأيا معينا وتتابعوا عليه، وهو يخالفهم!! لا يرد عندكم أصلا، من كبر خفي في نفوسكم، احتمال أن تكونوا أنتم المخطئين في مسلك التعامل مع تلك الآثار التي اجتمعت لكم في أبي حنيفة، في مقابل أجيال متتابعة من الأئمة والعلماء الذين كان ولم يزل الناس عبر القرون لا يطلبون طريقة السلف إلا منهم!!
أنتم أكبر في أعين أنفسكم، للأسف، من أئمة جميع القرون الممتدة فيما بينكم وبين أئمة السلف الأول، شعرتم بذلك أم لم تشعروا، وهذا يوجب لكبرائكم ليس فقط التشنيع والإغلاظ وحسب، بل ورب الكعبة إنه ليوجب لهم أن يضربوا بالجريد والنعال ويطاف بهم في طرقات المدينة، ليعتبر بهم كل غر متطاول لا يعرف قدر نفسه، وقدر علماء المسلمين!!
الخلل المنهجي الذي يعاني منه هؤلاء يا أخانا، وأنت متأثر به للأسف، هو الذي يجعلك الآن ترى أن خلافنا معهم أهون مما نراه عليه!! أنتم سلفية لا سلف لها على الحقيقة، ونسبتكم إلى الأثر كنسبة الأشاعرة الذين تكفرونهم إلى أهل السنة والجماعة، سواء بسواء!! (*) ولكن كيف لكم أن تشعروا، وقد حرمتم أنفسكم من بناء الآلة العلمية التي بها يحصل ذلك الشعور للإنسان؟؟ تنتسبون إلى أغمار وصبية صغار تتبعونهم فيما يزعمونه هم منهج السلف وكلام السلف وطريقة السلف، وإن خالفتم بذلك قرون أهل العلم من ورثة تلك الطريقة المباركة، وتصرون على المخالفة مهما بُين لكم ذلك، وأنكر عليكم كل من صحت نسبته إلى ذلك العلم الشريف، ممن سمع بكم وعرف ما أظهرتموه بين الناس من الجهل الطافح!! لا يعنيكم ولا يؤثر فيكم ذلك ولا يزيدكم إلا إصرارا على إسقاط أهل العلم كافة وكأنهم هم الأحداث وأنتم العلماء!! وكأنكم أنتم من أحسنتم الوراثة والأخذ عن الأكابر، وهم من زاغوا عن ميراث السلف جملة وشذوا عنه!!
لسنا نحن من يستدل بالساقية على البحر كما وصفت يا أخانا، وإنما هذه آفتكم أنتم!!
التعامل مع الآثار له أصول علمية لا تؤخذ إلا من هؤلاء الذين سفهتم رأيهم، بدعوى أنهم يخالفون إجماع السلف!! فما هو إجماع السلف؟؟ ما تزعمون بجهلكم أن الآثار تدل عليه!!
افهموا لماذا نسخفكم ونشتمكم ولا تصوروا النزاع على غير صورته!! هؤلاء الذين اتبعتموهم، خوارج أقحاح مهما زعموا السلفية، وليست القضية فيما إذا كانوا أوفق لنا من الأشاعرة أم أبعد منهم!! الموقف من الشخص المعين أو الطائفة المعينة يا أخانا، وهذا هو الخلل المنهجي الثاني عندكم، ليس مداره فقط على حكم القول الذي تلبس (أو تلبسوا) به، من حيث هو بدعة ضلالة في نفسه، أو حتى من حيث كونه كفرا، وإنما مداره على حال ذلك المعين (أو جماعة المعينين) من الهوى المانع من قبول ما عليه أهل العلم في نفس الأمر! وهذا ما به تفترق الطائفة التي يقال إن الحجة قائمة عليها فعلا، من الطائفة التي هي دون ذلك، عند إطلاق العلماء لأحكام التكفير على الطوائف والجماعات! ليس القضية أن الأشعري يغلط في صفات الله، وهؤلاء يغلطون في صفات الأشخاص، والغلط في الله أعظم، وإذن فنحن نظلمهم إذا شددنا عليهم فوق ما نشدد على الأشاعرة، كما يصوره السفهاء المتصدرون فيكم!! أنتم غلطكم في الخروج على طريقة أهل العلم جملة، والاستقلال بآرائكم فيما تزعمون أن الأثر يدلكم عليه، بلا إمام من أهل العلم فيما تقولون! وإذا طولبتم بالإمام، سلكتم في تحريف كلام العلماء المتأخرين والمعاصرين، وفي التنقيب عن الشذوذات في الكتب، ما هو معروف من طريقة أهل الأهواء!! فمن حيث هي بدعة منهجية، هي بدعة كلية في غاية الخطورة، والحدث الذي يحب السلف ويريد أن يكون على ما عليه السلف، يغتر بدعاوى الأثرية والسلفية التي تتشدقون بها، فإذا به قد غرق في حمأة من الخارجية المحترقة، لا يعلم منتهاها إلا الله! الأشعري اسمه أشعري، وكثير ممن يحبون السنة والسلفية ينفرون منهم لذلك وحده ولله الحمد، فأين يذهبون؟؟ عندكم أنتم؟؟ إذن يفرون من النار إلى نار أخرى، يدعى إليها باسم الأثرية!! فقضيتنا معكم ليست في شخص فلان أو فلان أصلا، لو كانت كذلك لهانت، ولما صارت قضية من الأساس، لأنكم لو كنتم طلبة علم على طريقة السلف في التلقي والتعلم، لما رفعتم عقيرتكم بتلك المسائل من الابتداء، حتى تصبح قضية ونزاعا ينشغل به الناس، وقد علمتم أن قرون العلماء من أهل السنة قد انصرمت على إخماد المسألة ودفنها دفنا!! ولكن أنتم في الحقيقة ترون أن السلفية قد ماتت واندفنت في المكتبات بعد القرن الخامس الهجري، وأنتم من جاء الآن بإحيائها، يستخرجها من بطون الكتب والمخطوطات استخراجا!! ومن زعم منكم خلاف ذلك فهو كاذب صاحب تقية، وأحسن أحواله أن يكون جاهلا يحسن الظن في ثلة من الرعاع، ليس لهم عند العلماء إلا الذم والتنقيص!!
فهل فهمتم لماذا نقول إن هؤلاء ليس لهم عندنا إلا الضرب بالنعال؟؟
نسأل الله أن يرفع فنتنهم وجهلهم عن شباب المسلمين.
-------------------
* وكلامي هنا (لألا يتعذر فهمه على أفهامكم الغليظة) عن صحة النسبة، وليس عن نوع البدعة وموضوعها!
