الجمع بإيجاز بين علو الله وكروية الأرض


الحمد لله وحده

أما بعد، فقد سألني أحد الإخوة على الخاص هذا السؤال:

كيف أجمع بين علو الله وكروية الأرض؟

فأجبته جوابا موجزا، رأيت أن أنشره هنا لتعم الفائدة، 

قلت:

عليكم السلام ورحمة الله وبركاته

التعارض، بارك الله فيك، إنما يتوهم عند من يقيس علو الله تعالى على خلقه، على علوه هو فوق جرم الأرض! 

الله تبارك وتعالى ليس مخلوقا كأمثالنا، محصورا بين السماء والأرض، حتى يقال إنه إذا كان في العلو بالنسبة إلى رجل يقف في القطب الشمالي، مثلا، فسيكون في الدنو بالنسبة إلى من يقف في القطب الجنوبي لأنه يكون من جهة قدميه لا من جهة رأسه!! الله تبارك وتعالى أعظم من هذا بارك الله فيك. الأرض والسماوات وبمن فيها أصغر بالنسبة إليه من الخردلة إذا أمسكتها بين أصبعيك، ولله المثل الأعلى! فالأرض لكرويتها، فإننا مهما وقفنا عليها، كان الدنو بالنسبة إلينا هو باطنها، من جهة مركزها، والعلو هو الجهة المقابلة، فلهذا لا يكون رب العالمين، الذي لا يعلم حقيقة ذاته إلا هو سبحانه، إلا في جهة العلو بالنسبة لأي واحد منا أينما وقف على سطح الأرض، ولا يلزم من ذلك أن يكون محيطا بالأرض إحاطة قبة السماء الكرية بها، وإنما يقع ذلك لمن يزعمه من قياس رب العالمين على الأعيان المخلوقة! يقول ما هي الهيئة التي مهما وقفت في أي محل من الأرض كان بعضها فوقي؟ فيقول: هي الكرة المجوفة التي أقع أنا في جوفها، وإذن فإن أثبتنا العلو الذاتي للرب فوق جرم الأرض فلا تكون حقيقة ذاته إلا كذلك، وهذا قياس فاسد مردود على صاحبه، وجميع ما يعترض به الجهمية ونفاة العلو على صفات الباري منشؤه القياس الفاسد! يقيس ويشبه أولا، ويضرب لله الأمثال، ثم يقول: لا يصح أن نثبت هذه الصفة، لأنها تقتضي كذا وكذا وحقيقتها لا تكون إلا كذا وكذا، يتحكم في ذات الله تعالى بالقياس!  أرأيت لو أنك قبضت بيدك على كرة صغيرة جدا، أصغر من عقلة أصبعك، ورسمت عليها نقطة دقيقة في جهة من جهاتها، ونظرت إليها من فوقها، ثم أردت أن تنسب نفسك إلى تلك النقطة، فهل ستقول إنك فوقها أم لا؟ تقول إنك فوقها! طيب إن قدرنا أنك أدرت الكرة بين أصبعيك حتى صارت النقطة في الجهة المقابلة من مركز الكرة، فهل تقول إذن إنك أصبحت تحتها؟؟ أبدا! بل تظل موصوفا بأنك فوقها على الحقيقة، ولا تأثير لمحل مركز الكرة أو البلية تلك بالنسبة إلى النقطة على هذا الحكم! فإذا أمكنك أن تتصور هذه النسبة في حق المخلوق، فالله تعالى أحق بها وهو الأكمل والأعلى، وله المثل الأعلى، لا يعرف قدر ذاته ولا حقيقتها إلا هو سبحانه، والله أعلى وأعلم

أبو الفداء

الحمد لله وحده، أما بعد،

فقد وقفت على تعليق نشره أحدهم على منشوري الأخير "جواب موجز في مسألة الجمع بين العلو الإلهي وكروية الأرض"، زعم فيه أن الكلام فيه عدة أخطاء منهجية، فقال معددا تلك الأخطاء:

1- الانكار على المخالف في القياس بين الخالق والمخلوق في بداية كلامك واقرارك أن الأمر مختلف ثم رجوعك لنفس القياس مع الانسان كمثال الخردلة ومثال الكرة والنقطة.

قلت: غلط! لم أرجع لنفس القياس! فالقياس الذي منعته هو قياس التمثيل، والقياس الذي أجزته واستعملته هو قياس الأولى، والفارق بين النوعين لا يخفى على عاقل!

ثم قال: العلو الذي تقول عنه في الامثلة كمثال الكرة ليس العلو محل النزاع، لان الكلام في العلو بالنسبة للانسان نفسه لا كما ذهبت بالنظر الى الانسان الموجود على الكرة ثم الى الطرف الاخر فحكمت بالعلو !!! 

قلت: لم أخالف في أن العلو المقصود هو العلو بالنسبة للإنسان!! ولكن لو قدرنا أن وقف الإنسان على سطح الأرض بحيث تكون رأسه ملامسة للأرض ورجلاه إلى السماء، هل يقال إذن إن السماء "تحته"؟؟ بل تظل فوقه حتى وإن جعل رأسه في محل قدميه، لأن جسمه وجرم الأرض معه تظل تحت السماء على كل اعتبار، ومن كل جهة!   

ثم قال: "بل المقصود هو العلو بالنسبة الى الانسان وذهنه يقرر أن السماء عالية وأن الارض سافلة، فالقران جاء ليخاطب الانسان بلفظ العلو بالنسبة له، والذي يعني أن ما يقابل الانسان بالضرورة هو السفل. لا كما ذهبت الى افتراض انك محايد بين امرين ونظرت للعلو من جهة محايدة، بل المقصود بالنسبة لك، وهذا ما يقتضيه لفظ القران والمُخَاطب من الناس في عهد النبي عليه السلام وفق قاعدتكم المعروفة"

قلت: لم نخالف في هذا! بل نقول: الله تعالى يظل في جهة العلو المطلق بالنسبة للإنسان، أينما كان، وأيا ما كان وضعه، بصرف النظر عن الأرض أين يكون جرمها بالنسبة إليه! أنت وهي تحت ذات الله تعالى بالضرورة بصرف النظر عن العلاقة بينك وبينها! فأينما وقفت، سيكون الله تعالى فوقك بذاته بالضرورة، دون اعتبار لمركز كرة الأرض أين يقع بالنسبة إليك!! 

ثم قال: "ما تقتضيه الهندسة ضروري وقطعي وهذا متفق عليه بين الجميع، فالكرة لها اتجاهات متعددة والقياس على ان الكرة صغيرة لا يمنع هندسياً وجود جهة مخالفة وإلا انتفت الكرة، فلا يجوز في العلم التلاعب بمخيلة القارئ بتصوير أن الكرة صغيرة كثيراً وأن ما يقابله كبير جداً ليقع في الغاء الجهات فيبطل عنده الاشكال !!! فهذا ليس اسلوب برهاني !!!"

قلت: ما خرجنا أبدا عما تقتضيه الهندسة، ولكن أنتم من تريدون أن تستعملوا مقتضيات الهندسة في تمثيل ربكم بالمخلوقات بناء على قضية كروية الأرض، ومن ثم الوصول إما إلى نفي العلو أو نفي الكروية!! وهذا باطل كما بينا. لسنا نتلاعب بمخيلة القارئ! وإنما نتكلم عن عرف العقلاء في العبارة عن شيء ما بأنه في جهة العلو بالنسبة إلى شيء آخر! أهمل مركز الكرة من الاعتبار، ينحل الإشكال! نحن نقول إن عظم المقدار وضآلته معتبران قطعا فيما إذا كان محل مركز الجرم الكروي مؤثرا في نسبة العلو إلى غيره من الموجودات، في هذا العرف المذكور أم غير مؤثر! فلو أني وضعت تحت قدمي كرة قطرها ثلاثة مليمترات فقط، فلا فرق بين أي نقطة على سطحها وبين مركزها في كون الجميع تحت قدمي!! وهذا واضح! خلافا لما لو كنت واقفا على كرة قطرها ثلاثة عشر ألف كيلومترا تقريبا!! فإذا كان هذا مما يعتبر في النسبة بين مقدار حجمك أنت ومقدار حجم الكرة، فمن باب أولى أن تعتبر في حق الله تعالى! هو سبحانه ذاته ليست كما يرد إلى مخيلة أحدنا أصلا، سبحانه وتعالى علوا كبيرا! فلأن يعتبر بتأثير ذلك الفارق في حقه، وهو العظيم الذي ليس شيء في الوجود أعظم منه، هذا واجب من باب أولى! هذا يقال له قياس الأولى، وهو معتبر وكثير في القرآن، لا محظور فيه شرعا. فنحن لم نلغ الجهات، وإنما ضبطنا النسبة (نسبة الجهة) وبينا وجهها الصحيح عند التأمل فيها!

ثم يختم بأن يقول:

"عموماً، لكَ أن تقول أني افترض العلو بالمعنى السابق وليس ضمن محورية الانسان وتصوره للعلو بل ضمن جهة محايدة للجهتين فاحكم بالعلو ....

وانا اوافقك، ولكن هذا تأويل لمعنى ليخلو من اللازم الذي هربت منه الجهمية. ثم إن اعطيت للعلو معنى محدد واخترته جاز للمخالف أن يأول وانت لا تجيز ذلك......"

قلت: ليس بتأويل ولا هم يحزنون، وإنما هو نهي للجهمي عن تكلف تصور ذات الله تعالى على هيئة معينة، بقياس تمثيل، ثم الخروج من ذلك بادعاء أن هذا يقتضي انتفاء العلو لمن يقف في الجهة الأخرى من الأرض!! هذا هو وجه الكلام فافهمه إن أردت الاعتبار، والله المستعان لا رب سواه.

أبو الفداء



إرسال تعليق