الحمد لله وحده، أما بعد،
فمما ينبغي أن يعلم أن المشركين والمخالفين لدين الفطرة في أصول الاعتقاد، لابد أنهم متحصلون في نفوسهم على اعتقاد متناقض في معانيه لا محالة، وإن كانوا إذا سئلوا عما يعتقدون، لم يصرحوا بالمعنى الفاسد عندهم، وإنما أظهروا المعنى الموافق لما عليه المسلمون.
فالذي يستغيث بالمقبورين، يطلب منهم ما لا يُطلب إلا من الله تعالى، ويناديهم بالغيب حيث كان، يطلبهم في الشدة كما في الرخاء، لا يتوجه بقلبه إلى باريه جل شأنه، بل إليهم، هذا لا يكون صادقا إن زعم أنه لا يعبد أولئك المقبورين، ولا يتخذهم آلهة، ولا يعتقد فيهم الربوبية، تماما كما أن مشركي قريش كانوا يكذبون على أنفسهم ويتناقضون عندما يقولون إنهم يوحدون الباري في الربوبية وفي التصرف في أسباب الرزق وفي خلق النفع والضر. فإن حقيقة أفعالهم تدل دلالة واضحة على قيام معان مناقضة لهذا الزعم في نفوسهم، وإن غفلوا عن تحقيق ذلك! فإنه لا يعقل في إنسان أن يتوجه لمخلوق ما بطلب ما وهو لا يظن أنه يجيبه إليه! لابد وأنه يضمر الرجاء في الإجابة وإلا ما دعا وما طلب! هذا الرجاء قد يكون موروثا اجتماعيا منفكا عن اعتقاد السبب. يجد الرجل آباءه والمعظمين عنده يقبلون على الصنم يطلبون منه ما يريدون، فيقلدهم دون أن يكون قد ورث منهم معرفة بسبب معين لكون ذلك الصنم نافعا في إجابة تلك المطالب! لكن مع هذا لابد أن يقوم بنفسه معنى أن هذا الوثن المدعو من دون الله، له ما يشبه التوكيل أو التفويض الخاص في جانب من جوانب الربوبية، كما لا يكون لمخلوق غيره، لمنزلة مزعومة له عند الباري، كما في قولهم: "إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك"، فمهما طلبه الناس، ولو في جنس من المطلوبات مخصوص لا في عمومها، أجابهم لما يريدون، وضمن لهم الباري أن يقبل شفعته ووساطته فيما بينه وبينهم، فيجيبهم لما يريدون كما لم يكن ليفعل لو لم يتخذوا تلك الواسطة! وهذا المعنى مناقض ولا شك لما كان القوم يصرحون به عند السؤال، من أنهم يفردون الباري بالملك والسلطان والتصرف في الرزق والخلق والتدبير! ولهذا حاجهم رب العالمين في القرآن بأن ما يصرحون به من توحيد الربوبية يقتضي نقيض ما هم عليه من صرف الدعاء لغيره سبحانه! نبههم إلى ذلك التناقض في المعاني القائمة بنفوسهم، وإلى كونهم يكذبون في دعواهم سلامة توحيد الربوبية لديهم من الخوارم والنواقض! فإذا نحن أطلقنا مصطلح الاعتقاد على ما يصرحون به إن سئلوا، فإنه يقال إذن إن اعتقادهم هو توحيد الربوبية الخالص الذي عليه المسلمون، وعليه دلت الفطرة وعليه أسس المرسلون ما جاؤوا به، ولكنه مع هذا لا يجزئهم ولا يغني عنهم شيئا، لأن أفعالهم تناقضه. وإذا أطلقنا مصطلح الاعتقاد على حقيقة ما في نفوسهم من المعاني، بصرف النظر عما يصرحون به، تحقق أن اعتقادهم متناقض، إذ يقوم في نفوسهم من المعاني ما تنحصر به الربوبية في الباري سبحانه دون ما سواه، كما تقوم فيها كذلك معان أخرى تنشعب بها الربوبية، على وجه واحد من وجوهها أو أكثر، إلى غيره من الموجودات. ويقال إذن: لابد وأنهم يعتقدون سببا ما للإقبال على تلك المعبودات بالعبادة من دون الله، وإن لم يصرحوا به. وفي كلتا الحالتين، فأفعالهم تكذبهم إذ تدل دلالة قاطعة على خلاف ما يزعمون! وهذا هو المعتبر عندنا على أي حال، عندما نكذب القبوريين في دعواهم أنهم لا يعبدون الصالحين المقبورين من دون الله تعالى ولا يتخذونهم آلهة! فالتأليه فعل بشري لا يصدر عن إنسان إلا وهو بالضرورة يبطن في نفسه من المعاني بشأن المألوه والمعبود ما يوجب له ذلك، سواء شعر بذلك أم لم يشعر، وسواء أقر به إن سئل أم نفاه عن نفسه. وقد مثلنا لذلك بتأليه النصارى لمريم، ذلك التأليه الذي رماهم الله تعالى به في القرآن، وهم ينفونه عن أنفسهم ولا يعترفون به! فنحن نجيبهم ببيان حقيقة التأليه، وأن منه اتخاذ المخلوق المغيب واسطة بين أحدهم وبين الرب سبحانه، إذ هم يتوجهون إليه إذن، ذلك المخلوق، بالرجاء والذل والخضوع التام الذي لا يصرف إلا لمن يُظن فيه أنه هو منتهى القصد والإرادة! فسواء صرحوا بأنهم يرون فيها أنها هي الباب الذي إذا قصده إنسان لم يملك الرب أن يرد طلبه، كائنا من كان وأيا ما كان ذلك الطلب، أو لم يصرحوا بذلك، بل ورثوا الدعاء لها ورجاءها دون أن يرثوا معه التصريح بذلك المعنى، فهو قائم في نفوسهم بوجه ما، لا محالة، بمقتضى نفس الفعل، بدلالة فعل التعبد والدعاء والتوجه إليها بالغيب من دون الله تعالى، على نحو ما يصنعون! فسواء اعترفوا أو أنكروا، هم يعبدونها تحقيقا من دون الباري، والمعبود من دون الله هو الإله الباطل كما سماه رب العالمين في القرآن. لكن لا شك أن الذي يصرح بأن الرب لا يرد طلبا للمخلوق المشفوع به إذا سأله الإنسان ما يريد، هذا أهون في شرك الربوبية عنده (أي في المعنى الشركي القائم بنفسه) من الذي ينتقل إلى المرحلة التالية في الغلو في أولئك المعبودين من دون الله، فيزعم أن لهم تصرفا في الكون قد خصهم به الباري، فهم ينفعون ويضرون استقلالا بأنفسهم، بتوكيل إلهي، يخلقون النفع لمن يطلبه منهم خلقا وتكوينا! لكن هذه المرحلة هي الثمرة النهائية الحتمية للتي قبلها! وكل مرحلة في الشرك تفضي إلى التي تليها ولو بعد حين. وترتيب ذلك أن الناس يعظم في نفوسهم صالح من صالحيهم، يرون منه في حياته من الخير ما يدلهم على أن له منزلة عند ربه. فإذا مات، زينت الشياطين لقومه ومعظميه هؤلاء أحد أمرين، إما أن يعظموا أثره الذي خلفه، لما يتوهمونه في ذلك الأثر من البركة الإلهية التي لا يدل عليها دليل سمعي، فيبدأ تلبسهم بطلب النفع فيما لم يجعله الله سببا للنفع، وهذا أول الشرك، وإما ان يزين لهم التعلق بقبره حيث دفن، فيتوجهون إليه بطلب الدعاء لهم وبأن يشفع لهم عند الرب سبحانه، وهم ما يلزم منه قيام معنى بنفوسهم مفاده أنه يسمعهم جميعا ولابد ويجيبهم جميعا لا محالة، بما يخالف دلالة السمع في ذلك، مع كونه يرجى لقاصده من تحقق مطلوبه ما لا يرجى له إن توجه به إلى الرب مباشرة بلا واسطة. وهذا هو أول الشرك كذلك. وقد يكون الحال أنهم يعتادون طلب ذلك الأثر وسؤاله في الرخاء دون الشدة، لبقاء أصل الفطرة الداعية فيهم إلى قصد صاحب الملك والخلق والتدبير وحده عند نزول الشدائد، على ما هو عليه، دون أن يقوم في نفوسهم من المعاني ما يحجبه عنهم ويزاحم شعورهم به! وهذا ما كان عليه مشركو قريش، الذين خاطبهم رب العالمين بالقرآن أصالة. كانوا يتوجهون إلى الأوثان بالطلب في حال الرخاء دون الشدة، أو كان هذا هو الغالب على أحوالهم. فحاجهم الباري بذلك في جملة ما حاجهم به. لكن لا يبقى حال المشركين على تلك الصفة إلا أداهم تعاظم رجائهم في تلك الأوثان لا محالة، ولو بعد حين، إلى مزيد من تعظيمها والاعتماد عليها في تحصيل المطلوب. فإنه إذا تتابع الناس على توارث تلك الخصيصة المزعومة لذلك الميت بالغيب، أو لأثره الباقي من بعده، ولو في حال الرخاء فقط، فإن النفوس تميل إلى تعظيم سبب الرجاء فيه، لأنها تحركها دواعي الرغبة والطمع في تحصيل المطلوب، أيا ما كان، ومهما عظم، لأن تظن في ذلك الصالح المقبور أنه هو السبب المضمون لتحقيق كل مطلوب، وللتسليم من كل شر، وأنه يسمع من يدعوه ولو بمغيب عن قبره وعن محل جثمانه! فإذا بالدعاوى الواهية تتولد وتُتناقل وتنتشر بشأنه، فتراهم يخترعون الزعم، مثلا، بأنه قد خصه الباري بجند من الملائكة ينقلون إليه كل طلب وكل رجاء، فأينما ناداه إنسان في بر أو بحر نقلوا ذلك إليه، وهو يجيبهم لا محالة! فإذا فعل، فلا عليهم من جواب الباري، فهو لا يرد له طلب! سبحان الله وتعالى عن ذلك علوا كبيرا! ثم يتعاظم الغلو في ذلك الوسيط تبعا لنفس الميل والطمع، حتى تتولد أقوال ومزاعم جديدة مفادها أن الرب لم يخصه فقط بجند من الملائكة تنقل إليه مطالب الناس، بل إنه قد ركب فيه من خصال الربوبية ما ميزه به عن كل مخلوق، فجعله سميعا بالغيب لمن يناديه، مستقلا بتلك القدرة في نفسه، متصرفا في الكون يخلق ما يشاء، مع تعليق ذلك كله بأنه بإذن الباري!! وكأن هذا يخرجه عن أن يكون إشراكا تاما في الربوبية! يقولون إذا سئلوا: نعم نحن نجعلهم متصرفين في الكون، ولكن ذلك لم يكن لهم من عند أنفسهم، وإنما ركب الله فيهم ذلك وهو قادر على نزعه عنهم إن شاء. ثم تأتي المرحلة الأخيرة بأن يصبح ذلك المقصود من دون الله، ندا للباري لا يملك الباري حتى أن ينزع عنه ذلك الذي زعموا أنه قد خصه به من القدرة على التصرف في العالم بالخلق والتكوين، وربما يجعل ذلك المعبود المخلوق موجودا قديما معه، بل يجعل وكأنه جزء من ذاته، جزء وليس بجزء كما يقال له الأقنوم، لداعي إفراد الباري بالقدم ووجوب الوجود في العقل، كما سلكته ملل المشركين الأقدمين فيمن زعموه ابنا لله تعالى، وقلدتهم النصارى في الاعتقاد في المسيح عليه السلام!
فهي خطوات، تفضي إحداهن إلى الأخرى، بمعان تقوم بنفس المشرك تدرجا لا محالة، سواء صرح بأنه يعتقدها ويقول بها أم نفى ذلك عن نفسه. معان لا تزال تتعاظم وتستولد ما فوقها في الغلو في المعبود المخلوق وتعاظم الرجاء فيه، والخوف منه كذلك، درجة بعد درجة، حتى يصبح ندا تام الندية للباري جل في علاه، في الاعتقاد الذي يصرحون به إذا سئلوا! ولهذا شدد الشارع في سد ذرائع الشرك أعظم ما يكون التشديد، لأن كل فعل شركي هو ذريعة لما فوقه، يستدرج الناس إليها لا محالة، بدواعي وطباع قد جلبت عليها نفوسهم، من حيث لا يشعرون. ولهذا بين الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في رسائله أن شرك المعاصرين أعظم من شرك الأولين، فهم قد بلغ بهم الغلو في المقبورين أن صاروا يدعونهم في الشدة كما في الرخاء، وقد كان الغالب في الأولين القصد بالطلب والعبادة في الرخاء دون الشدة.
ومما يُحتاج إلى بيانه، أنه كما يتدرج الناس في توليد العقائد الشركية والمعاني الصريحة في إشراك المعبود المخلوق بالباري جل شأنه في معاني الربوبية ومقتضياتها، فإن علماءهم وكبراءهم يتدرجون كذلك في توليد الذرائع والأغاليط التي ينتصرون بها لما عليه الناس من ذلك! فمشركو قريش كانوا يتذرعون بدعوى العلم بأن الله تعالى يحب منهم التقرب إليه بتعظيم تلك المعبودات وأنه يرضى ذلك منهم، لعظيم منزلتها عنده. فلو قدرنا أن قام فيهم علماء بما هو موروث من دين إسماعيل عليه السلام، وأن كان بين أيديهم آثار ونصوص لذلك الدين، فلابد أنهم يسلتمسون تأويلا واهيا لما بقي بين أيديهم من أثر ذلك الدين، حتى يوهموا أنفسهم وأتباعهم بأن هذا الأمر منه، وأن الرسل قد جاءت به! ولابد أن يكونوا هم القائمين على تلك المعابد الباطلة بما يندفع به كل اعتراض عليها وعلى ما يجري فيها! وإذا تولدت العقائد الجديدة في المعبود الباطل فلابد وأنهم هم من يتذرعون لذلك أيضا بما بين أيديهم من موروث الدين! وإذا بحد الكفر والشرك يضيق ويتضاءل، وحد التوحيد يتسع، خطوة بعد خطوة، حتى يصبح الإنسان وهو يعبد مخلوقا مثله تمام العبودية، يتذلل له غاية التذلل، ويخضع له غاية الخضوع، ويرجوه غاية الرجاء، يحبه منتهى المحبة ويخافه منتهى الخوف، يتأله تمام التأله، وهو مع هذا لا يجد عند علماء نحلته ما تُعد به تلك الحال من الإشراك بالباري جل في علاه! بل هو كله من الأعمال التي يحبها الباري ويرضاها، ومما يتقرب به إليه! فعبادة غير الله تكون هي عبادة الله عندهم، كما في قوله تعالى: ((وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ)) [يوسف : 106]، وكما في قوله تعالى: ((وَجَعَلُواْ لِلّهِ مِمِّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيباً فَقَالُواْ هَـذَا لِلّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَـذَا لِشُرَكَآئِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَآئِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إِلَى اللّهِ وَمَا كَانَ لِلّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَآئِهِمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ)) [الأنعام : 136]! ولا يزال علماء النحلة الشركية يخترعون الحيل والذرائع، حتى تتحول الملة إلى الوثنية المحضة، كما وقع لأهل الكتاب، وهم مع هذا يزعمون أنهم يوحدون الباري! وحتى يصبح الباري ثلاثة أشخاص أو أكثر في شخص واحد، ويقال هذا هو التوحيد الصحيح! فلا تعجب عندما ترى علماء القبوريين اليوم يدفعون تهمة الشرك عن أنفسهم بأن يقولوا إن الأصل في أهل القبلة الإسلام، وهو ثابت لهم بيقين فلا يزال عنه بالشك. بل يندفع حتى الشك في مجرد احتمال أن يكون هذا الإنسان صاحب اعتقاد شركي أو معنى شركي قائم بنفسه فيمن يدعوه من دون الله! ثم يقال إن الفعل لا يقتضيه، كيفما اتفق له أن يكون، ذلك الفعل، وإذا كان لا يقتضيه، فنحن باقون على أصل الإسلام المتيقن عندنا، فلا نزيل عنه الناس بتلك الأفعال. كل ما يأتيه المشركون القبرية الذين هم منهم وبهم، من عبادة للمقبورين من دون الله، يصبح عندهم على غير حقيقة الشرك لا محالة. فترى الرجل إذا دعا الميت الغائب تام التغييب، يستغيث به من جنس قولهم "مدد يا مرسي" وما شاكلها، يتذرع له أحد هؤلاء المجرمين، سدنة المبعد، بأن يقول: هذا من قبيل المجاز العقلي! هو لا يقصد أن يسأل ذاك المخلوق الميت أن يخلق هو له ما يريد، أو أن يأتيه بالنفع الذي هو من تصرفات الباري بخلقه، وإنما لابد، بموجب ما نتيقنه من إسلامه، أن يكون إنما يريد بهذا أن يقول: يا فلان، سل الله لي أن يأتيني بالمدد! وإذن فليس متخذا إياه إلها من دون الله، وإنما هو من التوسل المشروع بالصالحين، وإن عبر عنه بعبارة توهم بعبادتهم من دون الله! وهذا بعينه هو دفاع النصارى عن أنفسهم عندما يردون على اتهام القرآن إياهم باتخاذ مريم إلها من دون الله! يقولون: نحن لا نعتقد فيها أنها تخلق مع الآب أو تملك ما يملكه الآب! فكيف تكون إلها عندنا؟ ليست كذلك! وإنما نحن نستشفع بها. مع أن النصارى في استشفاعهم بالنصارى لا يتوجهون إليها بطلب المدد! ما سمعنا نصرانيا أبدا يقول: مدد يا مريم، كما يقول هؤلاء في الرخاء والشدة وفي كل حال: مدد يا فلان ويا فلان! وإنما يصرحون بطلب الشفاعة منها! فهؤلاء أشد تأليها للصالحين من تأليه النصارى لمريم على التحقيق! ولا عبرة بزعمهم أنهم لا يجعلونهم أندادا للرب في أفعال الربوبية، فأفعالهم تقتضي ذلك بالضرورة وتنادي عليهم به، سواء شعروا أم لم يشعروا! وإلا فما الحد الذي يمتاز به فاعل الشرك من الذي لا يفعل الشرك، على التحقيق، إن كان مبدأ التجوز العقلي هذا واردا على بعضهم؟؟ إن قالوا الاعتقاد المنطوق والملفوظ هو المناط، فأنت تراهم يتذرعون أيضا للمعظمين عندهم ممن رفعوهم إلى منزلة النهاية في العرفان بالله تعالى، وجعلوهم في طبقاتهم العليا، في مقالات صريحة في الكفر والإشراك بالله تعالى، و في تصحيح عبادة الأوثان والأشجار والأحجار من دونه جل شأنه، وفي استحلال ما حرم الله تعالى، بدعوى أن هؤلاء أصحاب وحدة شهود، قد غلب الفناء في الله على نفوسهم وعقولهم حتى بلغ أحدهم أن ينظر في المرآة فيقول هذا هو الله، وهو لا يقصد إلا الخير!! لا يريد إلا الله!! فما المانع من التذرع لكل محبوب لديهم بنظير ذلك؟؟ والخلاصة: أشرك ما شئت برب العالمين بالفعل والعبادة، فلا نظن بك إلا أنك محب للصالحين، لا تريد إلا الخير، وإن فعلت ما فعلت! بل وأشرك ما شئت به بالقول والتصريح والاعتقاد جميعا، وائت من الأقوال والأفعال الكفرية ما بدا لك، فلا نكفرك ولا نشك في إسلامك، ما دمت قد بلغت المنزلة وجاوزت القنطرة عندنا، حتى سقط عنك التكليف من الأساس، لما رأيناه عليك من خوارق العادات التي يسمونها كذبا وزورا بالكرامات!! فتأمل كيف يتدرج هؤلاء السدنة حتى يصلوا إلى تصحيح جميع الملل الشركية على وجه الأرض، فيما يقال له وحدة الأديان، وحتى يصبح، على أصولهم، لا كفر في العالم ولا شرك البتة، وإنما الجميع عابدون للباري تحقيقا، ودينهم مقبول عنده كيفما اتفق له أن يكون!!
وما من شك في أنهم ليسوا جميعا على ذلك. حتى أتباع الطريقة الصوفية الواحدة ليسوا كلهم على قلب رجل واحد في الاعتقاد. فالشرك كالسلّم، قد يقف بعضهم في أوله، وقد يقف بعضهم في آخره وقد يقف بعضهم في وسطه، يرقى تارة ويهبط تارة. فليس كل عباد القبور في زماننا بحيث إنهم إذا تعرضوا للهلاك في الفلك في البحر لم يجدوا إلا الاستغاثة بالحسين أو البدوي أو أم العواجز أو غيرهم! بل منهم من يقصد المقامات والمشاهد لقضاء حوائجه، ولكنه عند الشدة البالغة إنما يلجأ إلى الله! ومنهم من بلغت المعاني القائمة في نفسه بشأن المقبور ما يرفعه إلى مراتب الربوبية، على تفاوت في ذلك. ومنهم من يستشنع القول بوحدة الوجود ويصرح بتكفير القائلين به، مع أنه متلبس من أفعال الشرك بما لا يحصيه إلا الله، ومنهم من يتساهل مع القائلين بوحدة الوجود بدعوى أن الشهود والفناء قد أفضى بهؤلاء إلى تلك الأحوال، فقالوا بما قالوا فلا نكفرهم! ومنهم من بلغ أن صدق مقالتهم وقبل الزعم بأن هذه هي الحقيقة التي ينتهي إليها الدين كله! فلابد من التحقيق في حال كل واحد من الغلاة في الصالحين بحسبه قبل الحكم عليه، بالنظر إلى أفعاله وأقواله جميعا، لا الأقوال دون الأفعال، ولابد من إقامة الحجة على الجميع قبل قتالهم (فيما يجب على الإمام)، كل امرئ بما يناسب ما هو عليه، والله الهادي للرشاد.
أبو الفداء ابن مسعود
غفر الله له ولوالديه وللمسلمين
