الحمد لله وحده. أما بعد، فقد وقفت على كلام للمفتون المخذول الدكتور حاتم العوني في منشور له على صفحته على الفيس بوك قال فيه: "من العبارات التي تنفي عن أئمة السلف إطلاق القول بذم الكلام ثناؤهم على من ناضل به عن العقائد الصحيحة ورد به على أهل الأهواء ؛ لأن علم الكلام هو : الحجاج عن العقائد الإيمانيّة بالأدلّة العقليّة والرّدّ على المبتدعة المنحرفين في الاعتقادات عن مذاهب السّلف وأهل السّنّة، كما عرفه به ابن خلدون ، وتؤكد صحة تفسير البيهقي وغيره للعبارات المروية عن الإمام الشافعي وغيره التي توهم إطلاق ذم الكلام .ومهما أتيت لغلاة المنتسبين للسلفية من كلام لأهل العلم في بيان أن إطلاق ذم علم الكلام لا تصح نسبته لأحد من السلف المقتدى بهم ، وأنه لا بد من تأويله ، كتذكيرهم بما فعله ابن تيمية ، وقبله الدارمي ، من الرد بغير الكتاب والسنة من دلائل العقل (سواء أصابا أو لم يصيبا)، فسيبقون يزعمون إطلاق الذم عن السلف .ولذلك من أحسن ما يقطع دابر شقاقهم أن تجيء لهم بعبارة عن أحد أئمة السلف يمتدح فيها أحد السلف بأنه كان بصيرا بالكلام وأنه يردّ على أهل الأهواء !أعني بذلك ما صح عن الإمام مالك بن أنس أنه قال عن شيخه ابن هرمز (ت148هـ) في معرض الثناء عليه : «كان بصيرا بالكلام، وكان يرد على أهل الأهواء وكان من أعلم الناس بما اختلف فيه من هذه الأهواء»، أخرجها الفسوي في (المعرفة والتاريخ) والخطيب في (الفقيه والمتفقه) وغيرهما بإسناد صحيح عن الإمام مالك. فاستعمال الإمام مالك للفظة (الكلام) في هذا السياق لا تدع مجالا لاعتساف رد دلالة العبارة ؛ لأنهم إن قالوا : أراد بالكلام غير الكلام المذموم ، قيل لهم : فكذلك أراد الشافعي بالذم الكلام المذموم دون الممدوح ، فالمقصود هو إثبات أن السلف لم يذموا مطلق الكلام .والله إني لأعلم أن الأمر لا يحتاج إلى كل هذا ، لكنا مضطرون للتنزل في الحجاج حرصا على هداية الحيارى "
قلت: فبالله هل رأيت ما هو أجلى أو أظهر من ذلك مثالا على حمل المحكم من كلام الناس على متشابهه، انتصارا لما لا يريدون؟؟ صدق القائل إذا لم تستح فاصنع ما شئت! لا يرتاب عاقل في أن ذم السلف للكلام لم يكن متوجها إلى من يرد بقياس العقل على المبتدعة المنحرفين في الاعتقادات عن مذاهب السلف وأئمة السنة، كما سلكه ابن تيمية والدارمي ومن قبلهما الإمام أحمد نفسه رحمه الله تعالى في سفره العظيم، الرد على الجهمية! لا يرتاب عاقل في أن المقصود بالذم إنما هو طريقة الجهمية في المناظرة والتقديم بميتافيزيقا الأعراض والأجسام اليونانية وما شاكلها، واستمداد العقائد في الإلهيات من تلك البضاعة!! وهذا ما يريده القوم من قولهم: إثبات العقائد بالأدلة العقلية! فالأدلة العقلية عندهم ليست نقضا على الفلاسفة، وإنما هي تأسيس على إطلاقاتهم الميتافيزقية ونظرياتهم في الوجود والموجود، رجاء أن يتفضلوا علينا بإسباغ اسم العقل والعلم على ما نؤمن به!! وكل ما يسميه المتكلمون بعلم التوحيد وعلم الكلام، فهو مؤسس عندهم على جدلهم وتأصيلهم وتقعيدهم في تلك المقدمات الفلسفية الخبيثة التي لا يعرف الرجل عندهم ما يجب لربه وما يمتنع وما يجوز لذاته من المعاني إلا بالتأسيس عليها!! فلا تحدثنا عن أننا لو أطلقنا ذم السلف للكلام، للزم بذلك أن يدخل ابن تيمية وغيره من الأمة في طائلة الذم!! الكلام المذموم عند السلف معروف منضبط ليس بمشتبه على تلامذتهم ولله الحمد. وهو الأصل المنهجي الجامع لجميع طوائف أهل الكلام في الإلهيات. وكون مالك رحمه الله يثني على رجل ما، إن سلمنا بصحة الأثر، بأنه كان "بصيرا بالكلام"، فهذا إجمال، تفصيله في نفس الأثر، في قوله: " وكان يرد على أهل الأهواء وكان من أعلم الناس بما اختلف فيه من هذه الأهواء"! فهذا مما يصح مثله على أمثال ابن تيمية رحمه الله، لأنه لأجل أن يرد على أهل الكلام بدعهم وضلالهم فلابد أن يجمع لنفسه من الدراية بتلك المقالات والمذاهب الشيء الكثير، فيكون بصيرا بها من تلك الجهة! فالاستدلال باشتغال بعض أئمة السنة بتفنيد أقوال المتكلمين ونقض أصولها العقلية وهدم بنيانها من قواعده، على أن الذم السلفي للكلام وأهله مقيد، هذا محض تلبيس! بل الكلام عند السلف مصطلح متوجه إلى الطريقة المذمومة التي وصفنا، وكل من مر بكلامهم في ذمه يرى ذلك واضحا وضوح الشمس! ومن لم يره كذلك، فليرجع إلى ورثة السلف من العلماء ليصلحوا له فهمه وتوجيهه لكلامهم كما ورثوه عن تلامذتهم، ولا يغتر بعقله، فإن الأثر لم يورث مجردا عن توجيهه وفهمه عند تلامذة صاحبه، رحم الله الجميع!
فالتعلق بدعوى أن إطلاق الذم يقتضي المنع من استعمال العقل في الرد على المخالفين والانتصار للدين، هذه شنشنة الجهمية والمتجهمة من أهل الكلام، وليست بالتي تشتبه على سلفي صادق راسخ القدم في هذه الأبواب! ونظيرها قد اتهم الجويني به الإمام أحمد رحمه الله، لما زعم أنه يمنع من استعمال العقل والنظر العقلي والقياس في العقائد مطلقا بلا تفصيل، فرد عليه شيخ الإسلام ابن تيمية بنظير ما قلنا! بل قد قال ابن تيمية في درء التعارض: " فالسلف ذموا أهل الكلام الذين هم أهل الشبهات والأهواء، لم يذموا أهل الكلام الذين هم أهل كلام صادق، يتضمن الدليل على معرفة الله تعالى، وبيان ما يستحقه وما يمتنع عليه"، فما هو الكلام الصادق الذي يقصده الشيخ رحمه الله في هذا الموطن؟؟ كلام أصحاب براهين الحدوث وما شاكلها؟؟ من زعم ذلك كذب على شيخ الإسلام وجهل عليه أعظم الجهل بلا أدنى شك! فهو بهذا يصير كفاحه وجهاده ضد المتكلمين وكأنه لم يكن، رحمه الله وقدس روحه!!
يجب أن يكون معلوما أن مصطلح "الكلام" هذا فيه إجمال قديم! فلابد للحكم على مراد من يتكلم به، أن يُرجع في تفصيله إلى أصول من يستعمله، لا إلى أصول ناقل الموضع الذي ورد فيه ذلك المصطلح من كلام من استعمله!! ونظير ذلك في مصطلح "الفلسفة"، فإن قوما يستعملونه بمعنى النظر العقلي بإطلاق! كل إعمال لملكة العقل عند بعض الناس، هو تفلسف وفلسفة!! وهذا خلاف العرف السائد عند أهل الشريعة وعلماء الإسلام، بل وعند عامة الناس في مختلف الثقافات، ولكنه موجود عند بعض الناس! فلا ينبغي أن نحاكمهم إلى غير اصطلاحهم عند النظر في كلامهم والتدبر في مراميهم ومراداتهم! وكذلك "الكلام"! لا يستعمله المتكلمون من الجهمية ومن تشعب عنهم من فرق الكلام في قرون الأمة، إلا وهم يريدون مطلق الانتصار بالأدلة العقلية لأصول الشريعة، فكل ما كان من ذلك فهو عندهم داخل في معنى "الكلام" و"علم الكلام"! وكل طائفة منهم ترى، ولا شك، أن ما انتهى إليه أئمتهما في مطولاتهم هو من الكلام المستحسن الذي لا يمكن أن يكون ذم السلف متوجها إليه! مع أنهم جميعا يشتركون في أصول منهجية كلية فاسدة قد صرح السلف بذمها! فما هو الكلام الذي ذمه السلف؟؟؟ أعد دراسة مطولات شيخ الإسلام رحمه الله يا دكتور حاتم، لعل الله ينير بصيرتك، إن كان من رجاء في ذلك! وإلا فلا جديد في أهواء المبطلين في هذا الباب، كما أنه لا جديد في جوابنا عنها ولله الحمد!
أبو الفداء
